مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قبل الوصول ـــ غسان كامل ونوس

مع كلّ هزةٍ ومضةُ نَصل، وكل امتداد تحديق جاحظ، رغم أنني وحدي. خارج هذا الصندوق المحصّن فارسان مدججان يتبادلان النعاس؛ أعرف ذلك من صدى حديثهما المتباعد. وفي المقدمة كائنان آخران، ربما كان مختلفين.‏

قرار الترحيل الذي أحسست به دون إعلام، جعلني أتنفس هواء آخر. عطست، وكتمت الباقي من أنفاس، علَّني أحتفظ منها بأكبر قدر. المسير الساري لم يترك لي طويل استراق لهفة إلى السماء؛ ربما كنت خمَّنت التوقيت من تراتب النجوم؛ لو كنت ما أزال أذكر! لكنني وجدت نفسي أقرب إلى مشارف الضوء والعتمة؛ يمكنني التأكد أكثر من حلول أي منهما، وأفول الآخر. فالنافذة العليا تستطيع أن تطل على الفضاء، رغم قضبان متعامدة بعناد وغلظة.‏

لم تكن الرحلة هذه في خاطري، ولم يعد يخطر الكثير؛ لكنها فتحت مفاوز، ودثرت مراحل...‏

لا أستطيع انتظار أفضل منها طويلاً. وإن كنت آمل ذلك، ما زلت آمل، وإلا... لكفيتهم هذا العناء، وكفيت نفسي هذا السفر المحاصر بين حيرة وتساؤل.‏

لم أفكر كثيراً في من خلفت ورائي. ليس لأنهم لا يستحقون؛ بعضهم على الأقل. بل لانشغالي بمبرر هذا الخيار الوحيد... النهائي ربما!‏

قتلة غير نادمين، وفاعلون محزونون. الآخرون خسروا واحداً يجعل مثلهم سبباً مقنعاً لكل هذا الاعتصار.‏

"الكلام يمكن أن يجر غير السلام، والظلام يستدرج الأحلام، والأماني أشراك مضبوطة. وأنت صياد المشاكل بمهارة. فالحذر الحذر...".‏

تبدّلت حاسّة الاستغراب والدهشة، ناست حال التوقع، وما تزال حاسّة أخرى نشطة؛ حاسّة ربما تكون قاتلة!.‏

*‏

في الزمن الراحل، كان في اقتفاء العناصر الهاربة متعة ولهفة. لم تكن المشاهد تمكث طويلاً على الرغم من بطء الحافلة المكتظة. لكن المناظر التالية المأمولة تعزي، أو أن ترقبها هو ما يجعل الوقت يمضي سلساً عذباً مأسوفاً على عبوره الذي لا يعود.‏

الرحلة؛ أية رحلة، حتى لو انطفأت في المدينة القريبة التي تظهر عَبْر ذرا الجبال، كانت تكفي كي يصبح في الحياة ما يحفّز على استمرارها، دون النظر طويلاً إلى الهدف من وراء تلك الحركة؛ الهدف الذي صار يكبر مع ابتعاد المسار، وتسارع المناظر التي يتزايد تداخلها بقلق وتوتر، وظلّ الانشغال بكل ذلك وما وراءه ملاذاً ومتكأً.‏

ما يزال الانشغال موئلاً؛ هذا الذي بدأ ينغل، مع ابتداء التحرك القسري، ورغم ضبابية المشاهد، حتى بعد انكفاء الليل الذي أحسّه خلل المنفذ الهوائي العالي، فإنّ توقع المكان، وتخيّل التفاصيل تتسارع إلى الخلف، وتصور الحافلات تتراكض إلى الوراء، والأخرى التي نتجاوزها، أو تلك التي تتركنا خلفها، كلها أمور تجعل للوقت قيمة أتحسّر على فقدها. كما كنت أتحسر على مفردات أي سفر ماتع مهما كان قريباً؛ أم أن عبور المزيد من الوقت يعني الاقتراب أكثر من الوصول.‏

تخوّفت مراراً من الوصول إلى أي امتحان أو أية مقابلة، وتعثّرت مشاعري أكثر، قبل ابتداء مراحل من حياتي الدرسية والوظيفية. أما ذلك الوصول المقيد، فقد أخذ من مشاعر التساؤل والاضطراب الكثير، ولم تخف تلك المشاعر رغم تكرار الحال. وهاهي تتواصل الآن؛ بل تندفع بما لا عهدة لي به.‏

فما الذي ينتظرني؟! وأين؟!.‏

لم تكن نتائج التحقيق المكثّف والمتباعد في صالحي... هذا ما كان يصرّح به الفاعلون، وما كنت أستنتجه من تفاصيل الأوقات التي تلي كل جولة داكنة.‏

لم أعترف؛ هذا صحيح. لكن ما قلته لم يكن كذباً أو افتراء. لم أستطع كتم مشاعري. وكنت أرى أن الحياة من دون وجود (أبو عبدو) ربما تكون أكثر صفاء وراحة. صرحت بذلك ربما، قبل أن يغيب. لكنني لست مسؤولاً عن ضياعه. لم أكن وحدي من يتمنى مثل تلك الأمنية. سمعت الكثيرين يعترفون، يوافقون. لماذا لا يكون لبعضهم أياد أكثر قدرة على التصرّف.‏

لم أفعل. لا أنكر أني فكرت في الفعل، لكنني جبنت، أو ترددت، لقناعتي أنها ليست الطريقة المثلى للخلاص منه، رغم أنها كانت طريقته المثلى للتخلّص من أمثالي، وخصومه، أو خصوم أسياده. لم أفعل... يمكنهم أن يتأكدوا لو يرغبون. يستطيعون الوصول إلى الفاعل إن أرادوا.‏

ليس كل من كان يوافق بريئاً. ليس كل من كان يتودد إليه، يتقرّب منه، يهديه، خارج الشك. ولا من نمّ أو وشى، أو دسّ في أذنيه أقوالاً وأحداثاً هو بمنجى من الاتّهام.‏

كثيرون وصلوا إليه في السر والعلن. عديدون سَخَّروا أنفسهم ومعارفهم وعلاقاتهم لخدمته. لم أفعل مثل هذا. لا مصلحة لي في ذلك. ليس لدي ما أخاف منه، أو عليه، سوى أيام تخب بلا طلاوة، وأفكار تغلي من دون ابتراد وأمان تطوف، وقدرات تحاصر، وفرص تخبو، بفضله، ليس وحده؛ ظننت ذلك، أعترف بجهلي وحماقتي حين تصورت أنه السبب الوحيد. ظهر خطل ذلك لاحقاً. المعلومات التي امتحنوني بها مرات لم يكن يعرفها. الأفكار التي واجهوني بها لم يكن يفهمها، الحواس التي صارت تهمي لم يختبرها. ولست متأكداً من نجاعتها، رغم أن الكثير من الحوادث كان يجب ألا تمر من دون اهتمام: مدرس اللغة الأجنبية الذي أهانني في الصف أمام زملائي، انتهى في بئر مهجورة؛ الزميل الذي غلبني في معركة غير متكافئة من دون مبرر، وقع عن شجرة التين؛ تلك التي لم تستجب لرغبتي في الحديث الحميم، شوهتها الحصبة، المحاسب الذي كان يقرض بعض استحقاقاتي ذهب في قضية عصية... لكن لم يتّهمني، ولم يحاسبني أحد. فلم تصل بي الجرأة أو الغرور كي أظن أنّ لي قدرات قادرة على الاقتصاص من الآخرين، تلك التي لا يتولاها إلا المكرمون.‏

لا أحب أن أكون قاتلاً؛ تلك حقيقة، أستطيع الاطمئنان إليها من خلال كل المراحل التي وقفت فيها مع نفسي على أسئلة مرة. وخاصة حين أهرب حتى من الأوهام التي تراوغ النفس عن إمكانيات مميزة، فكنت أعيش مشاعر الإحساس الغاضب والمؤنّب على فعلة لم أقم بارتكابها. ولكن مراودة الصور القاتمة للأمنية الصريحة التي تكاد تستولي على كياني، تجعل من تأثيرها حقيقة مؤلمة، بدت أخف وطأة حين كنت أطوف في مختلف مفاصل الأسئلة والتوقيف الاحترازي. وعلى الرغم من المظاهر التي ترافق من كانت حاله كحالي من فعل وقول وحزن وأمل يخيب، لا أعتقد أن أحداً يمكنه تصديق الأقوال التي يعلنها المتعاونون، ويحاول تأكيدها المدّعون.‏

تقول أمي: "القط يأكل عشاه؛ يا ويلي عليه"!!‏

*‏

لا أتصور نفسي بريئاً؛ لا يليق! هذا معناه انعدام قدرتي على القيام بأمر ضد من لا أستطيع أن أتصوره يعيش في بحبوحة، تؤمنها له غزوات الديار الأخرى، تلك الغزوات العلنية والسرية السابقة للاعتقال والملاحقة. لا أريد أن أكون بريئاً، معنى ذلك حياديتي السلبية، أو انتظاري لفعل الآخرين؛ من أعرف، ومن لا أعرف. وقد يكونون أكثر؛ يجب أن يتزايدوا.‏

صرت أفكر الآن بهذه الطريقة، وأنشغل بالمسؤولين عن الفضل في الوصول إلى هذا الشرف، أو اللعنة.‏

إذا كانت البراءة لمن لا يعقل، أو لا يقدر. إذا كنت عاجزاً، فلماذا هذا الإجراء المتوحش؟!‏

لم أعد أطيق عودتي إلى قواعدي سالما معافى شاكراً مادحاً، مبتعداً عن كل ما من شأنه أن يعكر صفوه أمثاله.‏

على مقربة مني حارسان لا أرى أياً منهما. لا أدري إلامَ سيستمران في الرحلة، هل يمكن لأمنيتي أن تضيعهما؟! كم من المسافات قطعنا، وهما في مهمتهما غارقان، أو ربما صارا في خبر كان! أقول ذلك الآن بصراحة وثقة. يمكننا الاستمرار من دونهما. أما في الأمام فقائدا السيارة التي تقلّنا وتحمينا من الوحدة والوحوش والضياع.‏

يمكنني أن أتجاوزهما أيضاً أو أقضي على أي منهما، ستنحرف السيارة، إذا لم تنقلب. سننتقل إلى رحمته تعالى. أو سأرزح تحت رحمتهم الدنيَّة، أعرفها؛ هل حصل ذلك؟! هل أنا الآن أعيش مثل تلك الحال مرّة فمرة؟!‏

إلامَ ستصير الرحلة إذا ما فعلت؟! هل يمكنني تدبّر أمري في هذا القفر اللامتناهي من دونهما!‏

قائد آلي، وقائد مدبر! مدربان على مثل هذه المهمّة؛ تكررت رحلاتهما القاسية هذه من دون شك... قادران على التصرّف إذا ما أصاب عناصر الرحلة خطب.. فكيف ستصير الحال إذا ما اشتغلت حاستي الضارية..؟؟ إذا ما غاب الأول، ضعنا جميعاً، وإذا ما قضى الآخر، ضاعت بنا السبل!‏

لا أتصور نفسي من دون قائد؛ لم أعد أستقر، أو أتوازن من دونه؛ لماذا؟!‏

كي أتمنى له الموت؟! كي أقتله وأتهم به؟! كي أحلم بالاتّهام به؟! كي أخالفه وأسجن؟! كي أطيعه وأصبح بريئاً ساذجاً مريضاً عقيماً... ميتاً ربما!‏

ليس من أجل أن نصل؛ لا أحد يعرف معنى الوصول، أو يتكهّن بجدواه... لم أعد أراهن على شيء، لن أنظر نحوهما. سأعيش برفقتهما، متمتعاً بقيمة كرهي لهما، وأمنيتي نحوهما؛ ذلك أفضل من أمان كثيرة أخرى يمكن ألا تتحقق. ذلك أفضل من تهم قد تنتهي بي إلى الهاوية.‏

لست بريئاً...‏

لست قاتلاً...‏

لا أتمنى الوصول إلى أي مكان؛ لا أنتظره، لو أستطيع...!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244