|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
طيور يتيمة ـــ د.نجمان ياسين لا أحد يعرف كيف جاء هذا اللقب، ولا أحد يعرف معنى هذا اللقب أيضاً، لا أحد منّا نحن الأولاد العفاريت، يعرف أيَّ شيء عن أهل ـــ غريب النسلي ـــ ولسنا ندري من أين وصل إلى حيِّنا العتيق، ليفتح دكان حلاقته العجيب! ذلك الدكان الذي يوفر الفيء والهواء المنعش لنا، ويجعلنا مبهورين بالطيور التي تتهادى برشاقة وتُغني بأصوات تطربنا، وتجعلنا ننسى أنفسنا وعذاب العصا التي ستنهش أجسادنا عندما يعرف آباؤنا أننا قد هربنا من كُتّاب ـــ المُلاكسو ـــ وقصدنا دكان حلاقة "غريب النسلي"! دكان حلاقة "غريب النسلي"، قريبة من كُتّاب ـــ المُلاكسو ـــ ذلك الأعضب العجوز الذي تقول عنه جدتي: ـــ ما يبول على يد مجروح! الدكان قرب ـــ سوق الأحمدية ـــ ونصعد إليه مستخدمين عشر درجات مبنية من حجارة خشنة وطين، تفضي إلى الزقاق الذي يأخذنا إلى السوق، وفي مطلع الزقاق نبصر دكان الحلاقة، منزوية، منعزلة، وبعيدة عن صخب وأصوات السوق برغم أننا نسمع أحياناً أصوات وشتائم بعض الباعة السفهاء كما يصفهم ـــ المُلاكسو ـ. اعتدنا أن نذهب في الصيف إلى كُتّاب ـــ المُلاكسو ـــ واعتاد أن يفتش الخرق التي تحمل طعامنا، وكان يحلو لـه أن يأخذ من هذا الولد بيضة، ومن الآخر خيارة، ومن الثالث حبّة (طماطم)، كما اعتاد أن يقتطع من كل رغيف خبز قطعة، ويكوِّم كل ذلك في زنبيله، ولا ينسى أن يسألنا إن كان بحوزة أحدنا بعض ذرّات الملح!. ـــ كلوا يا أولاد فقد باركته بآيات الذكر الحكيم. ويحمل طعامه ويغيب عنا دقائق، يعود بعدها في هيأة وحش همّه أن ينقضّ علينا ويفتك بنا! من منّا نحن الأولاد، لا يذكر كيف كان يتحجج علينا، ويهيئ لنا الذنوب؟ كي تبدأ عصاه القاسية إضرام النار في أيدينا وأرجلنا ومؤخراتنا! من منّا لا يتذكر زنقة ـــ الفلقة ـــ حيث تدور لائبة أرجلنا المقيدة، وترتعش أصواتنا مستغيثة من لسعات النار على باطن أقدامنا؟ وهل ننسى إيقافه لنا في حر الشمس وإجبارنا على قراءة: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون( ـــ مائة مرة. كي لا ننساها ونخلط ونذنب في قراءتها كما نفعل في كل مرة؟! لكننا كنا نخطئ الحفظ في كل يوم، وينال مَنْ أذنب منا العقاب الذي يجعل أقدامنا محمرة، ومنفتحة متورمة، كل يوم. وجدنا نحن أولاد الحي العتيق، كيف نتخلّص من كُتّاب ـــ المُلاكسو ـــ وكان الحل ممتعاً ولذيذاً، فَبدَل أن نذهب إلى كتَّابه، نذهب إلى دكان حلاقة "غريب النسلي"، ونمضي وقتنا مع طيوره وألعابه الحلوة، موهمين أهلنا بأننا قد فعلنا ما أرادوا لنا في الذهاب إلى الكُتّاب! كثيرة هي الأفعال التي أدهشتنا في جنة "غريب النسلي"! وكثيرة هي الأمور التي جعلتنا نصفر لهفة وانبهاراً، ونحن نبصره يقوم بأفاعيل تُدخل السرور إلى قلوبنا النابضة بالسؤال عمّا يجري في هذه الدكان الطيبة الحبيبة إلى أرواحنا! ندخل الدكان من بابها الخشبي المرصّع بدوائر تشبه عيوناً فضية لامعة، لنصبح داخل غرفة رحبة، باردة، جدرانها من جص شديد البياض، وأرضيتها من تراب مصقول ومتماسك ومرشوش برذاذ خفيف من الماء. ومروحة تتدلى من السقف تُرسل الهواء الناعم الذي يتسرّب إلينا بحنو ورحمة. بجوار كرسي الحلاقة، منضدة استقرّ عليها مذياع صغير أصفر اللون ومستطيل، وقريباً منه ـــ غرامافون ـــ تجاوره اسطوانات كثيرة، تبدو مثل أقراص سود متوهجة تحت نثار الضوء المتسلل من أعلى الكوّة في سماء الغرفة. ندخل الغرفة ومعنا لفّات طعامنا، والحقائب المصنوعة من بقايا ثياب قديمة معلَّقة على أكتافنا، وداخلها جزء ـــ عمَّ ـــ وجزء ـــ تبارك ـــ ومعنا لهفتنا وخوفنا ولهيب الصيف تحت جلودنا. يقول أحد الأولاد: ـــ جئنا لنقص شعورنا. يهز "غريب النسلي" رأسه بوداعة، ويرسم ابتسامة حنونة على شفتيه. ويشير إلينا أن نجلس، يشير من غير أن يتفوّه بكلمة أو حتى بحرف! هكذا كلما ارتأينا أن نهرب من الحر وعصا المُلا المنقوعة بالماء والملح والتي تنهش أقدامنا وأيدينا، نلجأ إلى جنّتنا الآمنة. ندخل الغرفة، فيواجهنا "غريب النسلي" بابتسامته الرقيقة المفصحة عن الاحتفاء والترحيب بنا، نرى ذلك أيضاً في عينيه المبتهلتين الناعستين وكأنه ضائع أو خارج من نوم طويل، ونكاد نُبصر في ملامح وجهه الرضي صفناته التي تُحلِّق به في حلم وتأخذه من حلم، ونظل متصلبين في وقفتنا. يومئ لنا ثانية أن نجلس، فتتراخى أجسادنا على الكراسي المغزولة من قصب رقيق يابس أصفر كالذهب، ونشعر بعذوبة الهواء البارد تتسرَّب إلينا وتمنحنا راحة لذيذة. نجلس صامتين، نؤثر الصمت والمراقبة، ولا يجسر أحدنا أن يبادر إلى قول أو اقتراح، فالذي يقرر الأمر أولاً وأخيراً، هو "غريب النسلي". نعرف أن وجودنا في الغرفة التي تبث السكينة في أرواحنا، وتنشر الفرح في قلوبنا، يرتبط بما يريد "غريب النسلي"، فهو من يقرر إن كنّا سنقص شَعْرَ رؤوسنا، أم سنؤجل ذلك إلى يوم آخر، وهو من يحدد متى يبدأ، وأين ينتهي؟ وكنا نحن قانعين بكل ما يرغب فيه، فذاك فضل منه، وكيف لا يكون فضلاً وقد أتاح لنا الجلوس مع طيوره الأليفة التي تصدح بغناء لـه أكثر من لون؟ كيف لنا ألا نكون راضين وقد أدخلنا جنته الباردة وانتشلنا من جهنّم الصيف؟ كيف لا نرضى وهو لا يتقاضى منّا عن حلاقة الرأس الواحد سوى نصف درهم. بينما يأخذ الحلاقون الآخرون الدرهم بالتمام والكمال؟ نجلس ونرقب "غريب النسلي"، بدلته سوداء ولمّاعة، وقميصه أبيض ناصع، وربطة عنقه صغيرة ولونها الأحمر يشبه الدم الصافي، وفي جيب سترته الأعلى وردة تكون مرة بيضاء ومرّة حمراء، تتدلى قريباً من قلبه، عند الصدر النحيل الملموم على جسد ضامر. أرقب شَعْرَه المدهون والمفروق من الوسط، شَعْرَه الأسود كالليل وهو يحيط بوجهه الأبيض، وأكاد أمسك بالحزن في عينيه المبتهلتين، وأذكر قول خالي الذي اكتشف هروبنا من ـــ المُلاكسو ـــ والتجاءنا إلى جنة "غريب النسلي"، ولم يخبر آباءنا في الحي العتيق، بل تستّر علينا، أذكر كلمات خالي تقرع كالناقوس في رأسي: ـــ مسكين غريب النسلي، مسكين ومنكسر القلب، يقولون إنه في شبابه قد تعشّق صبية سلبت عقله، قالوا بأنها من عائلة تحصر الزواج بين الأقارب فقط، وقالوا بأن النسلي قد طاش فؤاده وضاع لبه، وإنه قد هام حافياً في طرقات المدينة لأشهر، ثم استرد نفسه واعتكف في دكانه منقطعاً عن الدنيا. وجه النسلي، حليق، طري وغض، وبلا شاربين، تفوح منه رائحة عطر طيِّب، وأصابع يديه رفيعة وطويلة، وتشف عن عروق ناعمة خضر بارزة. نجلس في الدكان. نرقب الطيور، ونتطلع إلى النسلي بعيون مختلسة مثل لصوص، لنعرف ما يجري على الرغم من أننا ألفنا بعض عاداته، إلا أننا لا ندري كيف سيتصرف، فهو في كل مرة، على حال، وفي كل مرة، نكتشف شيئاً جديداً في تصرفه معنا. يحدث أن يقول لنا إذا أرد حلق شعر رؤوسنا: ـــ البداية. وبعد أن ينتهي، يقول: ـــ النهاية. هكذا، يلفظ هاتين الكلمتين، ولا شيء سواهما، فكأنه لا يعرف إلا هاتين الكلمتين. ويحدث ألا يكون في مزاجه، وقد قرر مسبقاً ألا يحلق شَعْرَ رأس أحد، فيدير الكرسي إلى جهة معاكسة، ويسحبها إلى زاوية بعيدة عن المرآة. وكنا نفهم هذا، كما نفهم أنه ليس بمقدور أحد أن يخرجه من انغماسه في تدخين غليونه الذي يعبق برائحة تبغ لـه نكهة تفاح وخوخ وأجاص، نكهة مختلفة في كل مرة، نكهة فواكه تسطلنا وتجعل لعابنا يسيل بلا جدوى، وكنا نتساءل: ـــ من أين يجيء بكل هذه التبوغ؟ أما إذا دخلنا الدكان، وكان يصغي إلى مذياعه الذي يرسل الأغنيات الأجنبية أو يستمع إلى أسطوانة تدور مع الغرامافون، فينبغي ألا نصدر نأمة، وأن نجلس كالتماثيل، ولن نجلس إلا إذا أومأ إلينا بذلك كعادته بلا كلمة أو حرف. أحياناً، نراه ساهماً، ملتفاً على نفسه مثل قنفذ مذعور! وأحياناً، نراه صامتاً، غائم العينين، يبدو وكأنه يمنع دموعه من الانسكاب على وجهه الناعم. وربما رأيناه مرّة وقد تراقص الجذل في عينيه، وبدا شعاع نور يومض بالطمأنينة في أعماقهما النائية، ولعلنا أبصرناه مرّة، يخرج صفيراً مبهجاً ويحاول أن يدندن بصمت مخنوق لحن أغنية لم نعهدها. يدندن وعيناه شبه مطفأتين! وقد يكون بعض الأولاد، مندهشاً مما يجري، ويكون بعضهم غير مستوعب وقد يرون أن النسلي يهملهم ولا يأبه لهم، لكن جميع الأولاد، يشعرون بالرضا، فهم يعرفون أن ساعاته ليست واحدة، كما يتحدث أبناء الحي العتيق. أشياء وأشياء تجعلنا نحب النسلي، ونقف بين يديه مذعنين، ممتثلين لأوامره التي تصلنا عبر إشارات يديه النحيفتين، وعينيه اللتين ترسلان إلينا رسائل كنّا قد برعنا في استلامها وكشفنا بمهارة ما تريد منا! نُسلِم رؤوسنا إليه، فينكث بيديه السريعتين، شعورنا، ويستكشف ما تحوي في طرقاتها ودروبها من فجائع مخجلةـــ وإذا صادف وأن عثر على قمل أو بيوض قمل، توقف للحظة شبه مصعوق، ثم عاد إلى معالجة الأمر بهدوء وذلك بأن يبلّل قطعة قطن بالكاز ويفرك بها شعورنا فركاً متأنياً رفيقاً ثم يشير إلينا بيديه الناطقتين وعينيه الحزينتين، أن ننهض ليقودنا خارج الدكان حيث يوقفنا في الشمس لدقائق صاغرين، كي يموت القمل وتطرد بيوضه التي تمص دمنا، وإذ ينتهي من تنظيفنا، يبدأ معاينة شعر رؤوسنا، يعرف كيف يجعل الشعر الخشن الشبيه بجزّة صوف، ليناً، ويعرف أي قصّة تلائم الشعر الأشقر أو الشعر الأسود أو الشعر التمري، ويعرف ما يفعل بشأن الشَعْر المرسل الخفيف كالريش، والشَعْر الملبّد القاسي، يتفنن في قص شعورنا على مزاجه، يختار لنا طول الشعر ونوع المشط، وبأي طريقة يُرجّل هذا الشعر دون ذاك، وأي مقص يستخدم؟ ولا يفوته أن يُضفي لمساته البارعة في تشذيب ما يزيد من شعرات هنا وهناك، ليُنهي عمله بتمسيد شعرنا بدهن كثيف يجعله يسطع ملتمعاً تحت الضوء. وبعد أن ينظّف شعورنا، ونصير مشرقين، نحاول أن ندسّ قطعة النقد في يده، فيمتنع، ويشير إلينا بأن نضعها في صندوق من معدن لـه شق صغير، فنفعل، وربما وضع أحدنا عشرة فلوس بدلاً من نصف درهم! وحينذاك يبتسم النسلي ابتسامة رضية فاتنة، ويومئ إلى طعامنا الراقد في حقائبنا مشيراً إلى فمه وبطنه، فنفهم، ونضحك، ونخرج لفّاتنا ونبدأ قضمها مثل فئران شرهة أنهكها الجوع. ويراقبنا، وعيناه تبرقان بحنو وحزن. وعبثاً حاولنا أن نشركه في طعامنا، وعبثاً حاولنا أن نرفض بعض عناقيد العنب الأبيض الحلو كالسكر ـــ ويسمونه أصابع البنات ـــ التي كان يقدمها لنا، وشبح ابتسامة جريحة تلوح في وجهه الحزين. نأكل بنهم وتلذذ، ويداعبنا الهواء المنعس بليونته وبرودته، فنشعر كأننا في جنّة، ونصغي إلى دقات قلوبنا تنبض بالسرور، ونراقب النسلي وطيوره. صدور الطيور مرقطة بالأحمر والأسود والأصفر، ولبعضها لون البنفسج ولون الذهب أيضاً، وربما توهج ريش بعضها بلون الفضة. عيون الطيور تبرق مضيئة، ريشها براق ونظيف يلمع تحت نور الشمس النازل من أعلى الغرفة، ريشها ناعم كالحرير. الطيور تحف بالنسلي، وتحيق به من كل صوب، يرتمي بعضها في حضنه ويندس طير في فتحة قميصه، ويقفز آخر إلى أحد كتفيه، ويضم هو طائراً إلى صدره، يقرّبه من وجهه وعينيه ويهمس شيئاً في أذنيه، يوشوش لـه بصوت مكتوم نتبينه في ارتعاش شفتيه، يتمتم ويطلقه ليمسك طيراً يناغيه ويناجيه بلغته الصامتة، يلتحم به ويحدّق في عينيه الملتمعتين، وشفتاه ترتعشان بخشوع كما لو كان يمسك شيئاً طهوراً لـه قدسية، والأولاد ينظرون مشدوهين، وأنا أتذكر قول جدتي لي: ـــ إن النبي سليمان، كان يكلّم الحيوانات والطيور! أتذكر قول جدتي وأبصر أمامي النسلي يكلّم الطيور مثل نبي الله سليمان. الدهشة سماء تهبط علينا، ونحن نرقب ونسمع ونرتجف فرحاً، فكأن الطيور أدركت أن النسلي يستحثّها على الغناء، فبدأت تشدو بأصوات شجية، تتوقف فجأة عن الغناء وكأنها قد أفرطت وجاوزت حدّها. وعينا النسلي فيهما ابتهال وضراعة ولهفة حتى ليبدو مثل غريق في نهر الغناء الصافي. وجه النسلي ينمّ عن الرضا، وطائر يصدح بصوت مرتفع وآخر ينبعث صوته بخفوت. الطيور تشدو بأنغامها المتناسقة، والمتنافرة، تغرّد جماعياً وفردياً وثنائياً، وتندفع في الغناء حتى إذا شعرت بأنها قد تمادت، أمسكت، وعادت لتغني بصوت ملآن يصدح بالإلفة مرة، وبالوحدة مرة، ويجيء غناؤها مشحوناً بالبهجة، متلاصقاً، ومتتابعاً، هارباً ومتعاقباً، وتنقر ريش بعضها بنعومة ومناغاة، وتنثني متمايلة في رشاقة ومرح وخيلاء. النسلي يراقب الطيور، ويغرق في نهر أصواتها الغزير الذي يفيض علينا، ونحن نغرق معه في هذا الغناء المتسق المتناغم الذي يأخذ أرواحنا بعيداً عن أشواك دنيا ـــ المُلاكسو ـــ وعقابه الصارم. وعندما تنتهي الطيور من أناشديها، تنفش ريشها وتداعب بعضها بحنو، فينهض النسلي ليرمي حبّات القمح ونثار القش المُجوَّف، ويستبدل ماءها بماء جديد موضوع في كاسات من خزف أخضر اللون يشبه كاسات اللبن الرائب الذي نعدّه في بيتنا. تنقر الطيور الحبّات، وتلتقطها وتعبث بنثار القش المُجوَّف، وتندفع صوب الدائرة التي كوّنها نور الشمس، فتنفش ريشها، وتتشمس وتروح تغرّد بأصوات آسرة تجعل الدنيا ترقص بحبور، وتجعل أرواحنا تخفق بسعادة لذيذة. لماذا جاء الأولاد بهذا الخبر؟ ولماذا شعرت كأن حبلاً يلتفّ على رقبتي ويمسك جوز حلقي؟ لا بل لماذا أحسست كأنهم يدقون مسماراً صدئاً في قلبي؟ الآن أشعر بمرارة قاسية في فمي، بأشواك عصية تُقَمِط صوتي وتمنعني من الصراخ. هل صحيح أننا قد فقدنا جنّتنا، وأننا لن نبصر النسلي؟ وأين ستذهب الطيور الآن؟ انتبه أهل الحي العتيق، إلى أن النسلي لم يعد يفتح دكان الحلاقة! وانتبهنا قبلهم إلى ذلك، فقد هربنا من كتّاب ـــ المُلاكسو ـــ لمرتين، لندخل جنّتنا المأمونة، ووجدنا الباب موصداً. هجم القلق علينا. قال مختار الحي لخالي: ـــ فاحت رائحة من داخل الدكان، وسمعنا صراخ ونواح الطيور، فاضطررنا لكسر الباب، ووجدناه مسجّى على الأرض، تصوّر كان يبدو وكأنه يبتسم في موته، وكانت طيوره مذعورة، صرخ بعضها وطار بعضها الآخر خارج الدكان، وبقيت طيور أخرى تولول بيتم وتبكي عند رأسه! هبط الخبر على رأسي مثل حجارة ناتئة، شجته وأدمتني! قال خالي: ـــ هكذا هو منكسر القلب، غريب، وحيد. قال المختار: ـــ دنيا. تمنيت لو أن للدنيا رقبة، لكسرتها، وتخيّلت أن وجه الدنيا الأسود يضحك أمامي متشفياً فشرعت أبصق عليه بلا هوادة. ووجدتني أسأل روحي: ـــ أين سنهرب من مجلس الأعضب ـــ المُلاكسو ـــ ومن نار الصيف، وقد غادرنا غريب النسلي، وتركنا مثل يتامى ضائعين؟ |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |