|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
لماذا يغادر الليل ـــ إسماعيل دبج مع تباشير الصباح الأولى طارت الكلمة في القرية: هذا المساء سيشترك الدرّاع في الدبكة. تراكض الصبية من شمال القرية إلى جنوبها، من غربها إلى شرقها: من لم يعلم فليعلم، الدرّاع ستكون هذا المساء في ليلة التعليلة الثالثة والأخيرة لفرح حارث بن أبي الحارث المختار. صدور الآباء كظمت القلق على عذاراهم: "سيكون الفتنة كبيرة للبنات". وتذكرت الأمهات عهد شبابهن فأدركن ما يفور من دم في عروق الصبايا. استولى الهيجان على الشباب فطفقوا يدورون حول أنفسهم. التقوا جماعات. هذروا. تفرقوا. التقوا. كبرت الجماعات. صغرت الجماعات. وجميعاً داروا الانتظار الحارق بنفاد صبر الهيجان الفائر الذي اندفع إلى أطراف الجسد، وهم على يقين من شيء واحد: هذه الليلة سيكون لها شأن؛ وستنافس مكانة الثلجة الكبيرة وعام الغلال المبارك في حوليات القرية، وستتحدث الجدات بوقائعها للأحفاد، وسيؤرخ كبارُ السن الأحداثَ بها. كتمت الصبايا اللهفة التي بانت رغماً عنهن في العيون. ومن استطاعت منهن، اختلست لحظات لتضيف، بعيداً عن العين الرقيبة، شيئاً إلى زينتها. من أين جاء الصبية بالخبر، لا أحد يعلم. فكل رسل الاستطلاع الذين ذهبوا، فور ذيوع الخبر، إلى بيت أم الدرّاع في أقصى جنوب القرية، عادوا دون جواب يقيني. فأمه، من ناحيتها، كانت جزعة عليه، ولم تشف غليلهم. الثابت والقاطع الذي توصلوا إليه من محاولات استدراجها إلى الكلام أنه أغلق غرفته على نفسه، ولم يستقبل أحداً من أصدقائه مذ بدأ متسقطو الأنباء في التقاطر إلى البيت: "والله يا أولادي لا أعرف. مثلي مثلكم. سمعتُ ففرحت. سألته فلم يجب. لم ينكر ولم يؤكد. هز رأسه وصمت. أعدت السؤال فغضب. ليتكم تستطيعون إخراجه من غرفته. أمنية قلبي أن أراه في الفرح مثل باقي الشباب، ولكنه كما ترون..". ومع ذلك أصرّ النبأ على التوطن في النفوس وعلى تحريك الجميع على إيقاعه. فما دام لم ينفه أحد، فمن شأنه أن يمكث ويصبح واقعاً، ولا سيما أن الكهول ا لعارفين جزموا: "لا دخان دون نار". وعلى هذا الاستنتاج من الثقافة استقرت الأمور. ولأن القرية تود دائماً أن تسيّر أمورَها على أسس راسخة، أصبحت الكلمة الحاسمة في كل الأفواه والتي تجيب على كل التساؤلات: "لا دخان دون نار". إلا إن اليقين التام غادرهم هذه المرة، فالسؤال الذي توارى قبل التوصل إلى أن "لا دخان دون نار"، عاد يلح وانفرجت عنه شفاه ذوي الأنوف الطويلة ابتداءً، ثم ما لبث أن غدا مشاعاً للجميع: لماذا عاد الدرّاع عن قراره بالامتناع عن المشاركة في حلقات الدبكة في الأعراس؟ وهل ينطوي صدره على أمر ما؟ الدرّاع ليس بالشخص الخفيف. الرجوع عن قرار اتخذه ليس من شمائله. عامان مرّا منذ أن قرر بتلك الطريقة المفاجئة أن عهد قدمه على أرض الدبكة قد انتهى. والتزم. فمنذ تلك الليلة التي باغت فيها أترابه في نهاية السهرة، وكان الفجر على وشك الانبلاج، بقراره ذاك، فقدت القرية متعة مشاهدته يطفر جذلاً متباهياً في حلقات الدبكة. حينها لم ينتظر الخبر حتى اكتمال صباح القرية. فمع صياح الديك الأول، لهجت ألسنة النسوة المبكرات إلى شؤونهن في تبادل النبأ غير مصدقات. نقل صحبه ممن كانوا حاضرين في سهرة تلك الليلة أن كل شيء كان يسير على ما يرام. قالوا إنهم في البدء طيّبوا خاطره على الرفض القاطع الذي قذفه والد الدعجاء في وجه والدته عندما ذهبت تطلب يد الصبية لـه. وقد كان هذا هو الهدف الأساسي من اللمّة عنده في تلك الليلة. بعض الحضور من الأتراب أضاف أنه حتى لم يبد عليه ما كانوا يتوقعونه من أسى أو حزن. استمع إليهم و قال بصوته الخفيض الذي يقرب من الهمهمة حتى لتجد صعوبة في فهمه، ما معناه أن كل شيء قسمة ونصيب، والقانع بنصيبه مرتاح. فأجمع الكل على أن القضية هنا ابتدأت وهنا انتهت دون ذيول، فأتموا السهرة كالعادة، بل وأكثر ابتهاجاً من العادة، لدرجة أنهم نسوا في آخرها ما جاؤوا في الأصل من أجله. هكذا سارت الأمور إلى أن تلفظ بتلك الجملة دون سابق إنذار فأفسد المتعة وتركهم ذاهلين فاغري الأفواه، يتفرس أحدهم بالآخر، عاجزين عن هضم ما سمعوه. تذكر بعضهم، فيما بعد، أنه لمح خلال السهرة وجوماً غير معتاد على وجهه، وقال آخرون إنه كان يسهو عنهم أحياناً، بحيث كانت تعلو المفاجأة محيّاه لوهلة عندما يطلب أحدهم منه رأيه أو تعليقه على مدار الحديث، فينتفض قليلاً ويبتسم. غير أن أحداً منهم، نظراً للجو العام الذي ساد السهرة، لم يتوقف عند تلك الإمارات، وهو ما اعترفوا لاحقاً بأنه تعبير عن غرّيتهم، وصادقوا على قول الشيوخ عندما وبخوهم على غفلتهم: "البغو بغو، وإن كان يفك الحرف ويقرأ الخطاب". لقد وقع اللوم عليهم، فكيف يغرّهم ما أبداه من مظاهر التسليم والرضا فسارعوا إلى اللهو، دون أن يتعمقوا في مداواة جرحه. جرح العشق، قال الشيوخ، يلزمه مرهم لم يكن في متناول هؤلاء الأغرار، فتركوه ينزف وحده. والمذبوح بعشقه ينزف، إن لم يجد البلسم الشافي، حتى الموت. وحرارة الروح في آخر الأمر هي التي أطلقت منه تلك الجملة. في تلك الليلة انفضّت المضافة على القول الفصل الذي اختتم به الكبار: أطلق الدرّاع، بقراره ذلك، رصاصة الرحمة على صدغه، وهو يعرف ذلك. الدرّاع دون ساحة الدبكة مائت، لأن الدرّاع دون الدعجاء هالك، وهذا ما فات الصبية الأغرار. على كره، سلّمت القرية بالأمر الواقع، وراضت نفسها على أنها ستحرم من أهم مصادر متعتها. فالقدر لا يجود دوماً براقص دبكةٍ ولوّيحٍ كالدرّاع. ولكنها لم تلبث أن استيقظت، ذات صباح، على خبر جديد من بيت والدته: "نهضتُ مع صياح الديك لبعض شأني، فوجدت فراشه فارغاً". ترك القرية، ولا أحد يدري إلى أين. قال بعضهم أنه التحق بالعسكر، وفند هذا القول آخرون. ولما رجع، وكان قد غاب إلى ما بعد جني الزيتون، لم تنجل حقيقة غيبته. ومن يومها أخذ يختفي عن القرية لفترات متطاولة. يأتي إلى منزل والدته فيلزمه إلا ما ندر، ثم يغيب. ثم إذا حدث وكان ثمة فرح في المرات القليلة التي كان يخرج فيها إلى سوح القرية، كان يقترب متردداً ووحيداً إلى حلقة الدبكة، ويقف عند أبعد نسق من المتفرجين، فيعلو وجهه الوجوم، ثم لا يلبث أن ينسحب. إلا إن البعض قال إنه شوهد في بعض الليالي يحوم مطرقاً حول بيت الدعجاء، فكانت الرؤوس تُهز عند سماع هذا، ويرين الصمت. في الأفراح التي وقعت في القرية خلال العامين اللذين غابهما الدرّاع، غابت البهجة الحقيقية عن الباحات: كانت التربة تُمهّد وترش بالماء، يرقص الشباب ويطفرون، تزغرد النسوة وتعدل الصبايا من زينتهن، وتخترق المواويل طيات الهواء، لكن القلوب تبقى كسيفة. فالفرح خامل، والابتهاج يطنّ على سطح الأذن ولا يتغلغل، كما يراد لـه، إلى الأبعد. كلهم يحسون بغيابٍ ما، وتلوب الصدور بما يعتمل فيها دون أن تبوح بأن ثمة إحساساً وكأن المواويل كانت تصطدم بحائط، فلا تلبث أن تسقط دون روح، وأن زغاريد النسوة كانت تقع على المسامع أشبه بالدعوة للندب على فقيد مجهول. لاح، هذا الصباح، أن كل هذا إلى انتهاء. فمع الخبر الميمون الذي استقر تشخيص حقيقته بأن "لا دخان دون نار"، نفضت القرية التثاؤب عن نفسها ووقفت على قدميها الخلفيتين. وما إن مالت الشمس قليلاً عن كبد السماء حتى كان الجو ينغل همةً طال افتقادها، ورددت سوح القرية وشوارعها الترابية وقع حركة دائبة في كل الاتجاهات، وازدحم فضاؤها بصيحات تتطاير في السماء: توصيات وأوامر ومواعيد ولهاث صدور عامرة أعدت خططاً ساذجة لرغبات مكبوتة. الأعين والأقدام تنجذب، قبل التوقيت المعتاد، نحو الباحة الجنوبية للقرية، الباحة الأكبر التي تتوسط أسيجة تفصل البيوت من الجهة الشرقية وبساتين شجر الحور والزيتون من الجهة الغربية، ويشرف بيتا المختار وإمام المسجد عليها من الناحية الشمالية. لقد استقر القرار أن تقام تعليلة ابن المختار هنا. رابط الصبية أمام باب المسجد الوحيد، وحين بدأ الشيوخ يخرجون منه معلنين انقضاء صلاة المغرب، كان ذلك، وفق التقليد المحفوظ جيداً، إيذاناً بأن الساعة الموعودة قد أزفت، فهرعوا يتسابقون إلى الباحة ليحتلوا مكاناً مناسباً قبل أن يبدأ الشبان الأكبر والشيوخ في نهرهم وإبعادهم عن الأمكنة المميزة. ومع الزعيق الذي رافق انطلاقتهم، لم تستطع بعض النسوة المتأهبات تمالك أنفسهن فأطلقن زغاريد اختلطت مع صيحات الأولاد، فدبت الحياة في الباحة. كان كل شيء معداً على أحسن ما يرام: كراسي الخيزران بصفين على شكل دائرة غير مكتملة الإغلاق على امتداد المحيط الداخلي الواسع للباحة. التربة ممهدة، وما زالت رائحة الماء المختلطة بالتراب تنبعث منها. الكثير من الماء سُكب ليساعد في تصليب الأرض وإبعاد قشرة الغبار عنها. وكان الأولاد، من وقت مبكر، قد عملوا بجد، بدافع الإغراء المالي الذي وعد به المختار، في نقب الحجارة. كانت "لوكسات" الكاز الأربعة ، أمارة الاحتفال ومبلغ الثراء، قد توزعت في الجهات الأربع، وإلى جانبها يقف، في منتهى الأهبة، الرجالُ الأربعة الذي خُصصوا للإشراف عليها وتدارك أي عطل قد يبتليها. وفي الوسط رجال يذهبون ويأتون، يتفحصون هنا وهناك، يعدلون وضع هذا الكرسي أو ذاك، يعثرون على حصاة فيلتقطونها، ويطلقون الأوامر، وأعينهم تنظر قلقة في كل الاتجاهات. في الجهة الشرقية انتحى على شكل حلقة ضيقة فريق الدبكة من رجال وشباب وأقدامهم بالكاد تستطيع أن تثبت في مكانها، وفي الوسط وقف عازفا الشبابة والمزوج. والكل في مشاورات اللحظة الأخيرة. وصل الصبية الراكضون من باب المسجد فازدادت وتيرة التأهب وبدأت الباحة تمتلئ. أخذ الشيوخ، يتقدمهم المختار، أماكنهم في المنتصف من الصف الأول، وتبعهم الباقون. تراكض الصبية غير المنضبطين من طرف إلى آخر وزاحموا الجميع على الكراسي وعلى الأماكن الملائمة وقوفاً لمن لم يحظ بكرسي. ومن خلف السياج كانت بعض ضحكات النسوة في البيوت المحاذية تشق الصخب وتطرق المسامع، فيهتاج من يهتاج. وقف عازف الشبابة إلى وسط الباحة وتبعه صاحب المزوج، فعلت الزغاريد وقذف بعض الرجال الجلوس عُقُلهم في الهواء، أمارةً على أن للتعليلة أحكامها في التحلل المؤقت من الوقار المعتاد. وضع عازف الشبابة آلته في طرف فمه ولعب بأصابعه وجال بنظره على الجمع ثم طوى ركبتيه فانثنى جذعه بلدونة. لبث هنيهة على هذا الوضع ثم طفر كالنابض في الهواء وعاد إلى التربة متيناً ثابت القدمين، فتلع رقبته وتشامم برأسه وبسط ذراعه التي تقبض على الشبابة إلى أقصاها ووضع الأخرى على أعلى مؤخرة رأسه ومط جسده فبان بكامل قامته المديدة وكتفيه العريضين، ثم خلع كوفيته بيده الحرة ويمم وجهه شطر مجموعة الدبكة ولوّح بها دورتين في الهواء من فوق رأسه، فعلا التصفيق وتبعته الزغاريد الرجالية والنسائية، فوقف المختار احتراماً ثم جلس. تقدم صاحب المجوز وأخذ مكانه إلى جانب عازف الشبابة فبدا إلى جانبه ضئيلاً. قرّب المبسم من فمه ثم رفع المجوز إلى أعلى ثم خفضه ونكس رأسه وانحنى متلويّاً وأطلق نغمة قصيرة، وبحركة رشيقة قفز ودار حول صاحب الشبابة الذي حياه هو الآخر بالدوران حولـه ثم نغمّا نغماً مشتركاً فهرع الدبيكة نحوهما وشكّلا حولهما قوساً واسع الانفراج. بعض رجال الكراسي تخلوا عن مقاعدهم والتحقوا بالقوس المتشكل، ما شجع بعض النسوة للتسلل من بين الصفوف وشبك أيديهن بأيدي الرجال. فتمتم إمام الجامع بشيء ما، غير أن ما بدا اعتراضاً منه ضاع وسط صيحات الاستحسان. وقال المختار وهو يتطلع حواليه إن القرية لم تشهد في تاريخها مثل هذا الحشد من "الدبيكة" دفعة واحدة. وللحظة ساد صمت، وسُمعت أصوات لا تخفي خيبتها وهي تتساءل عن الدرّاع. أكاذب كان الخبر الذي طار مع الصباح! انفرد شاب عن الحلقة وأخرج منديلاً مزركشاً من جيبه وفرده فيما هو يتجه نحو عازف الشبابة. لم يحل الغبس الذي جاهدته أضواء المصابيح دون الجمع ليتعرف عليه. قالت الشفاه إنه العزام، الصديق المقرب للدراع. استبشر البعض خيراً واستنتج آخرون أنه لو كان الدرّاع موجوداً لما أخذ العزام موقع اللوّيح، فضاقت بعض الصدور بما لم يَرُقْ لها، واتهمت أصحاب هذا الاستنتاج بالتهور وسرعة التطير. ولكن كل القلوب خفقت لمرآه. صحيح أنه لم يقاطع الأفراح كلياً، ولكنه مذ غاب الدرّاع وهو يحاول تفادي ترؤس الدبكات إن لم يغب عنها كلياً. لقد كان صديقه ومنافسه في الوقت نفسه، وكانت المفاضلة بينهما من متع القرية وموضوع أسمارها. ولطالما انعقدت المناظرات وسخنت الكلمات في تعداد كل فريق لنقاط تفوق صاحبه على الآخر. وعودته الآن والمنديل في يده تحيي الأمل في الصدور، غير أن المختار شعر بانقباض لم يدر علّته. أسرّ العزّام بشيء لصاحب الشبابة فأومأ الأخير برأسه علامة الفهم. وضع العزّام يده الخالية وراء ظهره ولوّح بالمنديل وهزّ رأسه فيما قدماه لا تستقران وساقاه ينثيان ويستقيمان، ثم هرول ما بين طرفي القوس، وانتصب في المنتصف وألقى، كقائد يتفقد فصيلته قبل إطلاق أمر الاقتحام، نظرة فاحصة على الجميع. ولما بدا أنه اطمأن إلى الجاهزية أعطى الأمر فانطلقت حنجرة رجولية قوية بموالٍ شق الصخب والليل: قلت لها الاسم قالت سميني * * * قلت لها وردة قالت ياسميني وجاء صوت من بين النظارة: لا والله بل دعجا. ضج القوم وانطلقت الدبكة في أقصى عنفوانها. خبطت الأقدامُ الأرضَ وتطايرت العُقُل والكوفيات والغبار، وتتالت المواويل من حناجر قدت من الصخر، وصاحبا الشبابة والمجوز يتبادلان العزف، والعزام لا يني ينطلق ما بين الوسط إلى طرفي القوس. يلتحم تارةً مع الحلقة، ويتركها تارة أخرى مهرولاً إلى موقع القيادة في الوسط، يصمت ويمسح فصيلته بنظرة عجلى ويعطي الأوامر فيما جسده يتثنى وقدماه يتعاوران الارتفاع والهبوط، ويده تعلو وتنخفض بالمنديل الذي تهامست أكثر من صبية بالرهان على من تكون صاحبته الأصلية. كان تشكيل الحلقة يتبدل. يخرج من لم تعد ساقاه قادرة على حمله ويحل جديد محله، والعزام يرفض الراحة ممن يعرضها عليه وبقي متمسكاً بالقيادة. مع كل رفض وإيعاز منه لإيقاع جديد كانت الحماسة تزداد وتأتيه المواويل والزغاريد من كل فج، وتشهق الصبايا وتلهث صدورهن وتلمع أعينهن. يحرسك الله، يحرسك الله. عادت قريتنا إلينا. اللهم اجعل خاتمتها خيراً. احتار الشيوخ ولزموا الصمت ما سمح بالاجتهادات الفردية، فكثرت محاولات تفسير ما يجري أمام أعينهم. أيقصد العزام أن يثبت أنه الأول؟ أم تراه يحاول أن يفتن صبية ما، أم أن صدره ينطوي على أمر آخر! أوغل الليل ويئست آخر الصراصير من الاحتجاج فاختارت الصمت، وواظبت المصابيح على شق العتمة بين الغبار المتصاعد و ما يحوم حولها من بعوض وفراشات، دون أن تبدو على أحد علائم فتور. ومع كل فوج جديد من الراقصين كان يبدو أن الليلة تبدأ من أولها. لا الأرجل تراخت ولا الحناجر توقفت ولا الاختلاءات المختلسة انقطعت، والمنديل المزركش لم يغادر مغازلة الهواء بحركات مبتدعة جعلت كثيراً من الصدور تفيض بما يعتمل فيها. ابتعد العزام عن وسط الساحة اندفع متراقصاً طافراً متمايلاً نحو المتفرجين، وتبعته فصيلته عن بعد ملتزمة بإيعازاته، وصداح الشبابة يدخل الروح فيستخرج المواويل بمزيد من الحميّة. لهثت الأنفاس مع الإيقاع، وحين كاد العزام يلتصق بالصف الأول من الكراسي وهو يحيّي بالتلويح هاجت الأنفس حماسة وسُمع صوت مفاجئ لصبية يقول: وربي عرفت المنديل! التفتت الرؤوس نحو الصوت مستطلعة، غير أن صوت العزام عاجل الأعين المشدودة بينه وبين صاحبة الصوت: "إنه منديل الدرّاع. ابشروا يا أهل القرية". وقبل أن يستوعب أهل القرية هذا الإعلان ليحددوا ردة فعلهم انشد انتباههم مجدداً إلى جلبة مفاجئة من الطرف ا لآخر البعيد من الباحة. وعلت الصرخات: إنه الدرّاع، إنه الدرّاع. وبرز الدرّاع من بين الحشد الذي تشكل حولـه وسار وحيداً مطرق الرأس نحو قوس الدبكة. وعند منتصف الطريق رفع رأسه، نظر صوب الصفوف، ثم عاد ونكسه واستأنف السير. وعند تلك اللحظة وفض العزام نحوه وضمّه إلى صدره وأخذه بيده إلى موقع القيادة وسلّمه المنديل وانسحب إلى الصفوف. نظر الدرّاع إلى المنديل وهز رأسه وطواه بعناية ووضعه في جيبه من ناحية القلب واستدار إلى الحلقة. لم يأبه للصرخات التي ملأت الفضاء: "بالمنديل، بالمنديل يا دراع". جاءه صبي بعصا من الخيزران، تناولها ورازها بإهمال ونظر نحو العازفين وأشار لهما بالعصا، ثم تملّى الحلقة وسار أمامها جيئة وذهاباً مستعرضاً، ولما توسط الفصيلة استدار نحو الصفوف للحظة وتمتم بشيء وعاد يواجه الراقصين وأعطى الإيعاز. نفث المجوز نغماً حزيناً فتلته الشبابة ثم موّال شجيّ. وانداحت في الفضاء ذكرى مشجّة سيطرت على القوم. انطلقت الدبكة على هون والدرّاع يناقل بين قدميه ويهز العصا وقد غرز كوعه في خاصرته ويده الأخرى مسبلة إلى جانبه. ميّز من بين الأصوات زغاريد أمه، فشخص نحوها ولاح شبه ابتسامة على فيه. من أقصى الجمع جاءه صوت أليف فخفق قلبه. طرح رأسه إلى الخلف وامتشق العصا ورفعها إلى الأعلى ووثب في الفضاء، كرر وثبته مثنى وثلاثاً ثم كان في مقدمة القوس، شبك يده بيد المُطرِف وأعطى الإيعاز ثم عاد وأطلق يده وانطلق طافراً إلى جحش الحلقة وصرخ بإيعاز آخر واسترجع مكانه في الوسط. كانت العصا قد أخذت تغادر يده وتعود إليها بحبل غير منظور، فيما قدماه تضربان الأرض وجذعه يتمايل. غرز العصا بحركة سريعة في التربة ثم صاح: عسكري ثلاثة متتابعة وبعدها شمالي، هيّا. طار قوس الرجال في الهواء وحطت الأقدام وطارت وحطت والأرض تستصرخ المزيد وعزف المجوز يلاحق الإيقاع باندفاع، والهتاف والتهليل يختلط بالزغاريد. هجّت المهج وأخذت أرجل الرجال تتجاوب مع الروح المنطلقة وغاب التعب وتمايلت الأجذع وتراقصت بين السماء والأرض. عدا الدرّاع نحو الخيزرانة وانتزعها وقذف بها تغالب الجاذبية والتقطها وهو نصف منثنٍ وأعطى الإيعاز التالي. التهبت النفوس وراقت الأرواح بالحبور. لم يدر أحد إلا والعزام وسط الحلقة يشبك ذراعه بذراع الدرّاع ويرقصان سوية. يبتعدان وأيديهما مشبكة ويقتربان حتى يتلاصقا ثم يبتعدان. يتداوران، يعطي أحدهما ظهره للآخر، ثم يتقابلان فيقفزان. مثل هذا لم تر القرية من قبل. لوّيحان في وقت واحد! أتعوض القرية بهذا عما فاتها. وفي ومضة انقض العزام على الدرّاع وانتزع منه العصا وانتشل المنديل من جيبه وأعطاه إياه وصرخ: "بالمنديل يا دراع. لا دراع دون منديل". ولقي كلامه استحساناً عبّر عن نفسه بالهتافات. وقف الدرّاع لوهلة مشدوهاً، ثم أبعد العزام ونظر في الحلقة وأمر: استرح. كانت ردة الفعلة تلقائية وسريعة فاستراحت الأقدام، وحل وجوم شامل على ليل القرية. انطلق إلى وسط الباحة وشرع بدبكة فردية. في البدء، أخذ نفساً عميقاً كمن يبحث عن عطر بعينه، ثم حام حول نفسه وثبت فجأة وبحثت عيناه عن شيء في الظلمة التي تقع أبعد من مدى ضوء المصابيح، فاستقرتا على نقطة ولوح بالمنديل نحوها ووثب في الهواء. ينقل الرواة عن أهل القرية والقرى المجاورة أنهم لم يعرفوا قبل تلك الليلة دبكة فردية. وقالوا ذهل الشجر والطيور والليل والصراصير والبشر. وشهود العيان لا يكذبون. بقي الدرّاع حتى نجمة السحر يحمحم ويصول وحده والمنديل يخفق في يده. وقبل النهاية، قالوا، أُصيبت القرية بالانتشاء ووقفت على قدميها والدرّاع يطفر ويتلوى ويهبط ويستقيم وقدماه لا تنفكان تضربان وكتفاه يهتزان ويده تلوح ورأسه يومئ بالمواصلة للعازفيْن اللذين أخذا يتناوبان العزف. عزّمت العجائز طلباً لحمايته من عين السوء وقالت الصبايا يا بخت من كان الدرّاع نصيبها. كان الليل قد ثمل وأسقطت عيناه ندى فلملم نجومه وأعطى القوم دبره خشية أن يفشي بما يعرف، فبسط الدرّاع ذراعيه يستجديه البقاء، غير أن لليل أسراره فلم يأبه، فلّوح لـه الدرّاع بالمنديل مودعاً وقفز وسقط على الأرض والمنديل منشور على صدره. من كل مكان، وكأنما كانت على موعد، علت الصرخات تعلن فجيعة. وهرعت الجموع. من بين الحشد المتدافع انطلقت صبية وألقت نفسها عليه. وبقي الفضاء الواجم يردد صوت صبية تقول: ألم أقل إني عرفت المنديل، إنه منديل الدعجاء. ما يزال الشباب والصبايا العشاق يزورون مقاماً يضم ضريحين انتصب في وسط الباحة الأكبر في القرية ويستجيرون. الشباب يتضرعون ألا يكون في عشقهم فتنة، والصبايا يسألن عاشقاً لا يغادره الليل مع نجومه. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |