مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أحوال شخصية ـــ محمد الأحمد

بعدما لفظت لها كلمة حريتها، نظرت إلى عيني بقسوة غليله... لم تكشفها لي، طيلة السنوات السبع التي عاشتها في كنفي، كالغارز خنجره المسموم، غيلة في ظهرها، رغم أني عانيت صعوبة بالنطق، من بعد تأخر دام دقائق. زلزلت الأرض من تحت قدمي، وراحت ركبتاي ترتجفان، وكأنهما غير قادرتين على حملي، وثمة غشاوة بلون بنفسجي، حجبت الميزان الذهبي المبروز بإطار خشبي فاره، وعينين واثقتين من خلف مكتب أنيق، صار يدور كصحن طائر من حول نفسه، ومن ثم أخذت الأشياء تدور معه، فأوشك أن يبتلع كل ما في محوره كما سورة ماء، تداخلت أجساد الآخرين بالأشياء من حولي، وباتت كأطياف مغشوشة، وثقل لساني في إخراج تلك اللفظة، التي كنت أهابها كرجل، أكثر من أي رجل آخر، كأنها أثقل كلمة، ألفظها. بقيتُ أنظر إلى تلك الحروف، الدامية، وكأنها شريط طويل أستخرج من داخلي، ومعه كل أحشائي، لو لم تكن الكلمة الفاصلة التي كانت تطلبها مني، لما نطقت بها، نظر القاضي إلي، بعطف، أوشك أن يؤجل النظر في هذه القضية.. أخذني منه ومن الآخرين الحرج إلى درجة التضاؤل... إلى الحد الذي وصل بي أن لا أنظر إلى أحد من الذين أمامي، كأني كنت موشكاً على التقيؤ: ـ‏

ـــ انتهى الأمر!‏

قال القاضي رادماً للهوة السحيقة التي كادت أن تبتلعني..‏

ـــ صارت محرمة عليك بعد الآن!.‏

تداخلت دوائر الدخان في الغرفة المغلقة، وصارت أعتم الغرف، على الإطلاق، مثل قبو عميق لم تطله الشمس. صعبت علي الرؤية، لم أكن مقيداً، ولكني كنت كالمشلول مقيداً بألف قيد، كأن سورة عاصفة تلفني، وجعلتني أثق بأن قدميّ لن تصمدا في إكمال المشوار، قبل أن يمضي القاضي الأوراق التي بين يديه، ثم قال: ـ‏

ـــ لا حول ولا قوة إلا بالله.‏

وحول رأسه الكبيرة إلى المحامي الأصلع الذي همس في أذنه بضع كلمات، مشيراً برأسه إلى المرأة التي أخذت تجهش ببكاء مرّ، وكأن الأمر قد حدث عليها قسراً، فقال لها بتوبيخ شديد:‏

ـــ ألم تكن رغبتك؟‏

أومأت بالإيجاب، فأردف مبدياً عدم تسامحه معها.‏

ـــ عليك التزام عدتك.‏

هزت رأسها مغالية، بعنادها، وراح بكاؤها يجلجل بشهقات أنثى تودّ تفتيت صخرة جثمت على صدرها، ومنعتها من مواصلة تنفسها.. أخذت الهمهمة الاحتجاجية في من حولي تسكن، وكان الغبار الذي تصاعد من الجراء المحتدم، قد أخذ النزول إلى استقراره. أحد الشهود أوشك أن يعصف بي، قبل الدقائق الأخيرة، وكاد أن يغير الجهات جميعها، لكن المحامي الذي أوكلته للدفاع عني، تدارك أمره بفطنته، ودفعه جانباً كأنه ألجمه، وهو يتناول نسخة ورقة القرار الأخير، من يد القاضي..‏

ثم وجه كلامه إلي:‏

ـــ من كان يراها وهي تطاردك لأجل الطلاق.. لن يصدق بكاءها الآن ندماً.‏

أضاف بتنهده غميمة: ـــ سبحان مغير الأحوال!.‏

استقرت أنفاسي تدريجياً، ورحت أخاف النظر إليها، إذ صار عندي شعور عميق بأني آخر مرة أراها فيها، دفعني ذلك بأن أخرج من غرفة القاضي، دون إذنه، متمنياً أن أصحو من كابوس قاهر، وكان مثل لج عات، اضطرم في داخلي، جعلني متعثر الخطى... هارباً نحو بيتي، وأن أفرغ ما احتدم على رأسي من أهوال متتالية.‏

بقيت انظر إلى الموجودين، ثلاثة شهود بدلاً من شاهدين، ولا تربطني بأي منهم أي صلة. محام أصلع عنها، وآخر بدين ظهر من بيت تلافيف الحائط، تفوح منه رائحة الثوم. بواب نصف أعمى، لـه صوت سمسار، يملأ الفراغ الذي بين القاضي، والباب المواجه، المغلق، وتعالت من ورائه أصوات متداخلة بالشتائم، وتبادل التهم بين الزوجات، وأزواجهن. البواب الآخر تعودت يديه على اختطاف (البقشيش) من الكاسبين قضاياهم، بقي هو الآخر ملجماً، ولم يبهره من القضية إلا خريطة الأسى التي كست ملامحي عجالة.‏

ـــ 2 ـــ‏

صباح أمس استقدمت الزوجة، المختار، ومعه ثلاثة رجال من الشرطة، بصحبة مأمورين من المحكمة، لكي يكسروا باب البيت، الذي كانت تعيش فيه، ويدخلوه لجرد أثاثه، وكان محاميها محتاطاً لأمره، فطلب من القاضي أن يوجه إشعاراً إلي، بواسطة مركز الشرطة، وتمّ لهم ذلك بعد أن أخذوا مني تعهداً خطياً بالحضور رغماً من أي ظرف طارئ.. لكن القفل الذي أنكرت توفر مفتاحه، أستعصى عليهم، وتأجل العمل إلى اليوم التالي، ولما تحقق كل ذلك، قررت أن أبدأ خطوتي، عند أول المساء.‏

ـــ 3 ـــ‏

مشيت خارجاً مع المحامي إلى موظفة التسجيل لغرض ختم الورقة، وتصديقها، وبقيّ المحامي، لا يود الافتراق عني، ومتوالياً بالكلمات.‏

ـــ لي نسبة 10% من ثمن محتويات الأثاث.. إضافة على بقية مبلغ الأتعاب؟.‏

أوشكت أن أبصق في وجهه، ولكني أجلتها إلى وقت آخر...‏

ـــ 4 ـــ‏

ففي المساء البارح كنت أعرف تماماً ما يكون علي فعله، ومضيت أطلبها بالهاتف، ودون أن أنطق بحرف واحد، شغلت لها شريطاً، كنت احتفظ به، وبقي صوتها يهدر، باعتراف بفيض بالإثم.‏

ـــ 5 ـــ‏

لم تحتمل عيني قسوة الأشعة. صارت تحفر في عيني حفراً عميقاً، وأنا بين اللحظة والأخرى استخرج الورقة، وأعيد قراءتها مرات، ومرات؛ أسائل نفسي إن كان المكان الذي شهد قصة حبنا، ذاته، يشهد نزاع فراقنا... أمشي متكدراً غير عابئ بالسيارات التي تمرق بالقرب مني، وكادت أن تدهسني، تنبهت إلى صوت الكابح الحاد الذي أيقظني بروع كاد أن يساوي الروع الذي في داخلي.‏

ـــ 6 ـــ‏

وبعد ذلك قلت بصوت واضح: ـ‏

ـــ أتلف الشريط مقابل التنازل؟.‏

ـــ 7 ـــ‏

لم أشأ أن أذهب إلى بيتي منكسراً ساعة خروجي من المحكمة، كأني أرفض تصديق ما حدث، والصور الماضية تترى، وتتدفق.. كان بكاؤها المفتعل مرّاً، وشيطانياً، كاد أن يطيح بي في اللحظة التي أحتاج فيها إلى إيضاح ما، إذ بدت لي تلك الأغوار الغميمة، عصية. فمن يفسرها؟ كأنها مشحونة بالتعارض، والتوافق... بعمقها، وإحساسها، وإلا كيف نزل كل ذلك البكاء الحارق، وظل عالقاً في ذهني يهزني هزّاً عنيفاً من الداخل، وأنا غير مصدق، كأني ما فهمت شيئاً من كل الذي يحدث، وما جرى عليَّ لم يكن إلا كابوساً، قاهراً، يحتاج إلى تفسير، ولو لم أكن قد كسبت الجولة الأخيرة، لما بقي عندي مكان يلمني، ولضاع مني كل ما بنيت به طوال تلك السنوات.. كادت الريح أن تطيح بي، وأن تدفع بي إلى المهلكة، وما علي الآن إلا أن ابدأ من جديد، وأفرغ من كل تلك الكثبان التي صبتها الريح أمام خطواتي.‏

ـــ 8 ـــ‏

في الصباح الباكر، وقبل أن أترك البيت إلى المحكمة، وصلني جوابها المرغم:‏

ـــ لك ما تريد!‏

فأضافت:‏

ـــ أرجو أن تلتزم بوعدك!؟‏

رحت أمسح دموعي، التي كانت تفيض كلما اقتربت من البيت... إذ بقيت أمشي حوله، دون توقف، لا أجد جرأة في الدخول فيه، وحدي. والأسى يمزق بيّ إرباً إرباً.‏

بغداد‏

16 حزيران، 2006‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244