مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أقرأها باكياً ـــ هدى الفيل

دفعت بيدي إليه بالرسالة. "يجب أن تقرأها باكياً" صاح صوتي آمراً. "لا أستطيع فقد ابتدأت كما ترين". دفعتنا الحشود، اهتزت الصفحة في يده، صرخت فيه: "لا... لا... يجب أن تقرأها باكيا" كان يردد شيئاً، لكني لم أسمعه فقد كان صراخ الناس حولنا يملأ المكان. جذبتني حشودهم بعيداً حتى كدت أرتطم بالحلبة، بحثت عنه، لكن حشود الناس ابتلعته، شعرت بالقلق، كان يجب أن يقرأها باكياً، لكنه اختفى ومعه اختفت الرسالة.‏

اقتربت من الحلبة، كانت حشود الناس ترقب مشهد المصارعة. أخذ المصارع الأول يهيل باللكمات على وجه المصارع الثاني، وكلما زادت انبعث الصراخ والتهليل جلبة وضجة وزعيقاً. الدماء تسيل على وجهي المصارعيَن. يسقط أحدهما فيشق الزعيق عنان السماء. التفت إليَّ أحدهم قريباً من الحلبة "هل تريدين المشاركة في القتال؟"، "وما هو أجري لو فعلت؟"، أجبته: "سيهللون لك ويصفقون" وافقت بحماسة. أردت الصعود إلى تلك الحلبة، أردت أن أكوِّر قبضتي وأهيل اللكمات. أردت أيضاً أن أتلقى الكثير منها. أثارتني الفكرة، تخيلت وجهي وقد غطته الدماء. رأيت وجه خصمي متورماً تشوبه بقع زرقاء. وزادت حماستي "طبعاً طبعاً، الدورة المقبلة ستكون لي" انبعث الصراخ والزعيق ورأيت مساً من الجنون على كل الوجوه، أصابتني عدوى جنونهم. أخذت أقفز مستعدة للقتال الكبير، انتابني فرح غامر لأن أحداً ما سيضربني. أخذت أتصور اللكمات تنهال على وجهي، والصراخ يرتفع. ستنشق شفتي العليا إلى قسمين. وهناك فوق عيني اليمنى ستنفجر الدماء من جرح تسببه قبضة خصمي. إنه جرح واسع... سيحاولون إغلاقه بين جولة وأخرى بملقط صغير. لكن الجرح سيأبى أن يندمل وستسيل الدماء وتسيل. ومن خلالها أراهم، أسمع زعيقهم وتهليلهم، "هل سأبصر عندها الحقيقة"؟، ألتفت إلى الأمير جاهلة هويته "أتريد أن تكون خصمي؟ الدورة المقبلة لي". نظر الأمير إليَّ بسخط. تساءلت بيني وبين نفسي "لماذا يصرّ على إمساك عصاه بهذه الطريقة؟" تمعَّنت فيه كانت ثيابه باهظة فاخرة موشاة بالذهب، شعرت نحوه بالكراهية، تأمّلته أكثر؛ كان وسيماً ساحر العينين، أدركت أني أشتهيه. تمنيت أن يكون خصمي. "لكن، لماذا يصرّ على إمساك هذه العصا!"، تأمّلت عينيه، كان سوادهما ليلياً مليئاً بالقصص والخرافات، وجهه كان وسيماً وأنفه مرتفعاً كالبرج. زادت شهوتي. اختلست النظر إلى عينيه. تخيّلت قبضتي موجهة إلى هناك؛ تماماً فوق عينه اليسرى. رأيت جرحاً عميقاً تسيل منه الدماء. تخيّلت وجهه الوسيم وقد أثخنته الجراح. زادت حماستي. ازددت التحاماً به. "لماذا لا تكون خصمي في الدورة المقبلة؟".‏

رمقني بعينين زاجرتين ووجه كظيم. شعرت بحبور بالغ لأني استطعت أن أغيظه. "أتظنّ أني ضعيفة؟ سأحطمك أنت وعشرة من أمثالك، هيّا اصعد إلى الحلبة!".‏

رمقني الأمير بغضب... بسخرية، لا أدري! بحزنٍ بشفقةٍ، لا أعلم! فجأة لوَّح بعصاه. هجم رجال كثيرون، انهالوا عليَّ ضرباً. جرّدوني وقادوني إليه. أخذ عصاه ودفعها في ظهري. شعرت بلهيب يكوي أحشائي. دفعتني يده اليمنى إلى الأرض، وأخذت يده اليسرى تعبث بثوبي. ارتفع ثوبي. أخذ الناس يهللون وارتفع الصراخ والزعيق. لمست شفتاه رقبتي، وأخذت تحوم هناك. ثم انتقلت إلى كل شبر من جسدي. وفجأة انهال عليَّ ضرباً. ركلني، رلكته. صفعني، صفعته، قفزت فوقه، شددته بين ساقي. قبع هناك. كان يبدو سعيداً ومنتشياً. أخذت أهتز يميناً وشمالاً والكل يصفق ويهلل. فاضت الأنهار وغسلني شيء بارز. هبّ الأمير واقفاً. ركلني ركلة قوية في خاصرتي، فهمدت هناك بلا حراك. من خلال غشاوة عيني رأيته يغادر المكان، رافعاً عصاه وحوله حاشيته. "لماذا يصر على رفع عصاه؟".‏

حام حولي رجال كثيرون، هل اغتصبوني؟ لست أدري. كنت واهنة، ضعيفة، ومنهكة. حام كثيرون حولي، كنت لابدة على الأرض غير قادرة على الحراك، أرقب أنفاسي وهي تضعف‏

بالتدريج. تراءى أمامي شريط حياتي. رأيتني طفلة هادئة، لم تلعب يوماً، لم تكن شقية أبداً. رأيتني أنتظرك. أنتظر وأنت بعيد والألم ينخرني. رأيتك تضاجع عاهرات العالم جميعاً. رأيت جارتنا تضاجع أبي، وأبصرت دموع أمي. سمعت نفسي تئن. وأردت أن أنهض، لكني لم أستطع. تكاثف الضباب، تكاثف! طافت بذهني رسالتك التي لم أتلقها. شممت الورود التي لم ترسلها. انفجرت أقواس قزح مخلفة وراءها كتلة من الرماد.‏

سمعت عويلاً. خسفت الأرض وكسفت السماء. وعبر الجنون كالإعصار. اجتاح كل البحار وكل المدن... ومن خلال الضباب أبصرتكَ، رأيتك قريباً على قمة جبل شاهق، وقد طالت لحيتك، وحولك شموع كثيرة تنبعث من لهيبها رائحة البخور. اشتدت الرائحة. نفذت إلى خياشيمي ورأسي. ملأت الأفق والكون. شكلت غيمة سميكة من العطر. شممت عطر أمي. رأيتها تبتسم. أحسست بعناقها وشعرت حتى بقبلاتها. كانت معي واستطعت أن ألمسها. أردت أن أصرخ: "أميّ!" لكنني كنت واهنة... وا... أخذت سحابة العطر تثقل وتهبط... تهبط ببطء... ببطء، ثم اختفت، تناهى إليَّ صوت أحدهم: "مسكينة... لم تكن تعلم أنه الأمير".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244