|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
لقاء عابر ـــ يونس محمود يونس على الرصيف المحاذي لسور المحطة، وفي مكان يبدو منعزلاً بعض الشيء جلس رجل أشيب الشعر، عنيد الملامح، وحيداً بالقرب من كشك صغير، وكانت الشمس التي أشرقت منذ بعض الوقت قد سطعت في ذلك المكان، فأعطت قطع القرميد التي تغطي سقف الكشك بعض الجاذبية، إلا أنّ هذه الجاذبية لم تجذب على ما يبدو أحداً من العابرين. هنا يمكن القول إنّ ذلك الرصيف البعيد عن بوابات المحطة لم يكن ملائماً لإقامة تجارة رائجة، وبالتالي فإنّ الرجل الذي قد يكون واحداً من المنتفعين الصغار لم يجد ما يفعله سوى أن يكون جزءاً من ذلك الرصيف المنسي، إذ أنّ قلّة من الناس كانوا يعبرون ذلك الشارع، وقلّة منهم كانوا ينظرون إلى واجهة الكشك، وإلى صاحبه الذي قرر على ما يبدو أن يترك عندهم شعوراً بالحيرة والالتباس! لكن وحتى لا يكون عابثاً بالمطلق، فقد اختار هذا الرجل أنسب مكان على الرصيف لكي ينعم بدفء الشمس التي حجبتها غيوم الربيع أسبوعاً كاملاً، فجلس مشبكاً ساقيه ويديه، وزرّ عينيه ليداعب بقعة ضوء كانت تلهو في الفراغ. وحيث إنّ الشمس كانت تغمره كليّاً، وهواء الربيع كان ملائماً، لهذا بدا الرجل لا مبالياً، لا بالكشك ولا بمن يعبرون الشارع، وعلى الرغم من قلّة هؤلاء العابرين، فقد التبس الأمر على بعضهم ونظروا إليه بشيء من الاستغراب. لكن حتى لو التبس الأمر على هؤلاء البعض، فإنّه لم يلتبس على شخص كان يرتدي معطفاً أخضر مبقعاً بالقذارة والأوساخ، إذ مرّ الرجل أمامه بخطا وئيدة حذرة، ثمّ عاد ومرّ ثانية، مرتين شاهد الأشيب معطفاً ينتقل أمامه على ساقين، وفي المرة الثالثة شاهد فوق المعطف رأساً أشعث الشعر يتجه نحوه مباشرة! بهذه البساطة تقدّم منه صاحب المعطف، ثم ألقى تحية الصباح، فتأمّله الأشيب لحظات، ثمّ عاد يبحث عن بقعة الضوء التي ضاعت منه، غير أن صاحب المعطف ما لبث أن قال متسائلاً: ـ هل هذا الكشك لك؟ نظر الأشيب إليه متفحصاً، وقبل أن يهمّ بالجواب، قرّر أن يلتزم الصمت، فأعاد صاحب المعطف قوله: ـ أقصد... إذا لم تكن مسافراً فأنت المالك هنا! قال الأشيب: ـ لماذا تسأل؟ ـ لأنّني مسافر ولا أملك ثمن التذكرة. ـ هذا يعني أنّك لن تسافر! ـ إذا أعطيتني مائة ليرة سأسافر حتماً! ـ نعم... معك حق، المائة ليرة قد تستطيع حلّ مشكلتك لهذا اليوم. ـ أرجو ألا تأخذك بي الظنون، فأنا لست متسولاً، لقد فقدت مالي، هذا كلّ ما في الأمر! ـ مهما تكن حالك فأنا لن أعطيك شيئاً! ـ لماذا... هل أنت مفلس أيضاً؟ ـ لا، بل أنصحك بعدم السفر... ألم تسمع الأخبار! ـ لكنّ الطرق سالكة، والعاصفة توقفت! ـ تقول إنّ العاصفة توقفت!! نعم... ربما!؟ عندئذ تذكر الأشيب أنّ الحرب قد تكون توقفت، وقد تكون بدأت، ومهما يكن حالها فهو آثر الابتعاد عن كشكه لينظف عقله من بقع المشاهد التي تلطّخ بها خلال أحداث الأيام الأخيرة، وبالفعل كان يأمل في أن يصادف صديقاً يساعده في مهمته، غير أنّ هذا المسافر البائس بدّد أمله، خاصة في إمكانية إيقاف الحرب. فقال معلناً رأيه بصراحة: ـ الحرب لن تتوقف أبداً. ـ ظننتك تتحدث عن العاصفة، ولكن عن أيّ حرب تتحدث؟ ـ ألا تعمل؟ ولكن لماذا أشغلك بهذه الأمور التافهة، فأنت مسافر وتحتاج إلى مائة ليرة. ـ لقد شغلتني بحديثك عن الحرب، غير أنّ هذه الحرب التي تقصدها ما زالت بعيدة عنّا! ـ أخشى أنّ الحرب التي بدأت قد لا تتوقف قبل أن تلتهم كلّ المتسولين من أمثالك، وأفترض أنّ أصحاب السيادة قرروا أن لا يتركوا من لا يملكون تذاكر السفر على قيد الحياة، هل فهمت الآن؟ ـ لا تتهمني بالغباء، فأنا أعلم مثلاً أنّ الحرب في تلك البلاد التي اشتهر شعبها بالتسوّل ما زالت تعجّ بالكثيرين منهم. ـ لكنّ الحرب في تلك البلاد لم تنته بعد! والتقارير تؤكد أنّها ما تكاد تخبو حتى تشتعل من جديد، فإذا كنت متعاطفاً مع أولئك المتسولين، أنصحك بطلب الرحمة لهم. ـ سأعمل بنصيحتك، ولكن ليس قبل أن أحصل على ثمن التذكرة، إنك تفهمني بالتأكيد. ـ أفهمك طبعاً، وهذا يعني أنّك ما زلت مصراً على السفر؟ ـ هل أقسم لك؟ ـ إنّني أصدقك، فلماذا تقسم. قال الأشيب ذلك وهو يراقب شاباً في الأربعين من عمره، كان يسير في وسط الشارع تقريباً، وإذا أضيفت إلى هذه المشية، نظرته الزائغة، وبطنه المنتفخة استطاع الأشيب أن يكوِّن قناعة ما. غير أنّ الشاب مرّ بسلام من دون أن ينشغل بتلك النظرات التي لاحقته. تابع سيره كالمخصي الذي يعرف الطريق إلى حظيرته. عندئذ قال صاحب المعطف الذي كان ينظر إليه أيضاً: ـ بليد... بليد... بليد...! فقال الأشيب متعجباً: ـ أستطيع القول إنّ حكمك هذا لا مبرّر له، كلّ ما في الأمر أنّ الشاب لا يعمل، وجسده مترهل بسبب الكسل، وربما هو لم يجد إلى الآن فتاة تعجبه. أنهى الأشيب جملته الأخيرة، ثمّ نهض ليمشي، لكنّه سرعان ما تذكّر أنّ صاحب المعطف ما يزال موجوداً، فنظر إليه وقال: ـ إذا أردت الحصول على ثمن التذكرة يمكنك الذهاب إلى المحطة، وهناك لابدّ أن تجد بعض المحسنين، أما هنا في هذا الشارع فأنا لا أنصحك أبداً. فمشى صاحب المعطف في أثر الشاب البليد وهو يقول: ـ سنرى... وحيث بقي الأشيب وحده، قال: ـ المتسوّل قرّر أن يمتحن هذا البليد، ولابأس في ذلك إذ أنّ الناس يحتاجون لأن يمتحنوا بعضهم بين وقت وآخر. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |