مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ضاع العمر ـــ معتصم دالاتي

صبية جميلة وشاب وديع في مطلع الشباب الأول كانا يشربان كأسين من العصير على طاولة أحد مقاهي الرصيف، وعينا كل منهما تشعّان حباً وهما معلَّقتان بعيني الآخر. استوقفه هذا المنظر للحظات، ثم تابع طريقه متثاقل الخطى وهو ينوء بحمل ثقيل. وهل من حمل أثقل من الشيخوخة؟ سرح بخياله بعيداً حين التقى أول مرّة ابنة الجيران التي كانت تبادله النظرات. وكان لقاؤهما خارج الحارة ولم يكن يومها في المدينة الكافتريات التي تضم المحبّين. حدثها في ذلك اليوم عن صفقة الأسلحة التشيكية والدعم الذي يقدمه الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية الصديقة للوطن. أما هي فلم تنبس ببنت شفة. وفي لقائهما الثاني شرح لها حتمية انتصار الطبقة العاملة، والعدالة التي في طريقها إلينا، وذلك بعد حسم الصراع الطبقي بالقضاء على الإقطاعية والإقطاعيين، والرأسمالية والرأسماليين، والبرجوازية والبرجوازيين. ثم قدّم لها هدية رواية مترجمة عن الروسية تحمل عنوان "والفولاذ سقيناه" لمؤلفها أوستروفسكي، وكانت تلك الرواية بالإضافة إلى روايتي (الأم)، و(أين الله) لمكسيم جوركي التي يخلص فيها المؤلف إلى أن الله يكمن في قوة الشعب العجائبية، أقول تلك الروايات الثلاث لا غنى عن قراءتها لكل ماركسي أو متمركس أو شيوعي أو متشيوع. استلمت ابنة الجيران هديتها الفولاذية من العاشق، المؤدلج بفتور واضح. وكان هذا آخر لقاء بينهما رغم محاولاته المتكررة للحصول على موعد جديد.‏

الفتاة الثانية التي تعرَّف عليها كانت من حارة أخرى، وقد استعرض أمامها خطاب جمال عبد الناصر الذي أعلن فيه أن الوحدة بين سورية ومصر هي أوّل مسمار في نعش (إسرائيل) التي أصبحت بين فكي كماشة. وشرح لها أن سورية ومصر هما فكّا الكماشة التي تُطبق على (إسرائيل). ولم يهمل الإشارة إلى أن أربعة وعشرين مليون نسمة عدد سكان مصر، يضاف إليهم أربعة ملايين نسمة عدد سكان سورية يصبح عدد سكان الجمهورية العربية المتحدة ثمانية وعشرين مليون نسمة مما يشكّل قوّة تُرهب (إسرائيل)، ناهيك عن الدول العربية المجاورة المرشحة بين ليلة وضحاها للانضمام إلى الوحدة بعد التخلّص من حكامها المأجورين. وأيضاً خلال اللقاء لم تنطق الفتاة بحرف واحد، حيث لم يَدَع لها مجالاً للنطق. وكان ذاك هو اللقاء الوحيد. في السنة الأولى للوحدة ذهب للدراسة في مصر. وحين استطاع الحصول على موعد مع زميلة لـه، أخذته إلى مكان جميل على كتف النيل فأمضى الوقت معها وهو يحدثها عن قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدره الرئيس جمال عبد الناصر. بعد ذلك كان كلّما طلب منها موعداً في مكانهما السابق على كتف النيل أو أي مكان آخر، كانت تجيبه بالمصرية الجميلة "ماقدرش" أو "مش فاضية". حين هيّأت لـه الأقدار التعرّف إلى فتاة أخرى ذهبا إلى حديقة الحيوان حيث جلسا في مكان شاعري داخل الحديقة اسمه جزيرة الشاي. وفي المكان الشاعري الجميل شنَّ هجوماً شرساً على الاستعمار الفرنسي، مستعرضاً تضحيات الشعب الجزائري والبطولات التي يقدمها أمام ذاك المحتل الذي يسعى لفرنسة الجزائر. وقبل أن يودِّع الشاب الفتاة سألها بالمصرية التي تعلّمها من أفلام السينما: ـ أشوفك تاني؟ أجابته: ـ مافتكرش. وافترقا. مع بداية الستينيات، التقى بصبية كانت تتردد على مديرية التربية للحصول على وظيفة مؤقّتة اسمها معلّمة وكيلة. وبعد عدّة لقاءات وسلامات في نفس المكان استطاع أن يقنعها بنفسه في موعد خارج المديرية. وفي ثلاثة أرباع الساعة وهي المدة التي استمرها لقاؤهما حدّثها عن الخطوة الجبارة المتمثلة في قرارات التأميم، وكيف أصبحت المعامل والمصانع والمؤسسات جميعها ملكية عامة للشعب بأكمله. كما استشرف المستقبل القريب بتأميم بيوت السكن والعقارات، حيث سيختفي مصطلح المالك والمستأجر وذلك بحصول كل مواطن على سكن مناسب لـه ولأسرته مقابل جزء صغير من الراتب أو الدخل... وهذه الشابة أيضاً لم يُتَح لـه لقاء آخر معها.‏

طالبة جامعية كانت تجلس إلى جواره في مقعد باص الكرنك المسافر إلى دمشق، وقد تبادل معها الحديث حول الأدب الحديث والمقارن في منهاجها الجامعي. وبعد أن رَكَنت إلى دماثة خلقه قَبِلَت أن تلتقيه في اليوم التالي في كافتريا الجامعة. ولأنها توسّمت فيه الخير فقد جاءت إلى الموعد بثياب أنيقة وتسريحة شعر جميلة. وبعد الحديث عن الطقس والامتحانات سألته باعتباره مثقفاً وهي طالبة آداب أن يُسمعها ما يحفظ من الشعر. فأسمعها البيت الشهير (وطني لو شُغلت بالخُلد عنه، نازعتني إليه في الخُلد نفسي). فطالبته بقصيدة أخرى. فصدحت حنجرته: (تقضي الرجولة أن نمدّ جسومنا جسراً، فقل لرفاقنا أن يعبروا). مرة أخرى قاطعته إن كان يحفظ شيئاً لنزار قباني. فبدأ يُنشد: (أصبح عندي الآن بندقية إلى فلسطين خذوني معكم). وقبل أن يُكمل القصيدة نظرت إلى ساعتها معتذرة ثم غادرته دون أن يستطيع الحصول على موعد آخر. فجأة تنبّه الرجل السارح في ذكرياته القديمة التي يجترها بخياله في الطريق، حين التقت عيناه بدكان بائع الورد. ودون تفكير طلب من البائع وردتين حملهما وقَفل راجعاً إلى كافتريا الرصيف حيث يجلس الشاب والصبية اللذين حركا ذكرياته الغافية. وقف أمامهما ثم وضع الوردتين على الطاولة وقال: ليأخذ كل منكما وردة يقدّمها للآخر. نظرا إليه بدهشة ثم قالت لـه الفتاة: عمو. إنت بتعرف حدا منا؟ قال: لا. ولكني أعرف الكائن الجميل الذي بينكما. وأقصد الحب. هذا الذي لم أستطع طول حياتي أن أحصل عليه... فاحرصا أنتما عليه... ثم انصرف.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244