|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
إدغار آلان بو الشاعر الذي ظل مسكوناً بالموت حتى موته ـــ فاطمة النداف "لقد تم اكتشاف أمريكا ولم يتم اكتشاف بو، تلك هي حقيقة الحال، كيف عاش هناك هذا الفنان الأشد روعة من الفنانين الرائعين، هذا المفطور على ارستقراطية الكلمة.. واحسرتاه إنه لم يعش هناك... لقد مات هناك وتمَّ إلغاؤه كسكّير وفاشل رغم أن السؤال يبقى فيما إذا كان قد شرب طيلة حياته حقاً بقدر ما يشرب الأمريكي الناجح اليوم خلال ستة أشهر ودونما أي تعليق!..". ـ برناردشو 1909 ـ إن العلاقة الداخلية بين الواقع والخيال تشكل أساس شخصية الأدب والتقويم المتبادل بين الذات والموضوع، لذا تجتهد اللغة والكلمة أن تعبر عما يتفاعل في جوهر العمل الأدبي شريطة أن تكون الحياة هي المحرك الأساسي للعمل الأدبي.. وفي التاريخ الأدبي الغربي أنتجت الحركة الرومانسية من الأعمال العظيمة ما يفوق ميزاتها لاسابقة في حقبة قصيرة من الزمن وكانت الرومانسية أكثر من مجرد مفهوم أو اصطلاح نقدي، فإعادة النظر في الجماليات وبخاصة إطلاق الخيال الخلاق والشعور الفردي مهد السبيل أمام اندفاعة عظيمة من الكتابة الجديدة على امتداد أوربا بين 1798 ـ 1832. في هذه الفترة ولد إدغار آلان بو في بلتيمور في أمريكا وقضى طفولته اليتيمة المبكرة ربيب أسرة متوسطة الحال لزوجين عقيمين بعد موت والديه، وبالرغم من أن "جون آلان" لم يعمد إلى تبني ادغار تبنياً رسمياً فمن الصعب أخذ ذلك بعين الاعتبار حيث كانت عمليات التبني الرسمي نادرة في تلك الأيام.. أصبح أدغار أحد أفراد العائلة وكما قالت عمته المقيمة في بلتيمور "طفلاً سعيد الحظ لأنه حظي برعاية المستر والمسز آلان الطيبين جداً... ولدى العودة إلى سيرة "وليم ولسون" الذاتية يحس المرء بوضوح مشاعر المرارة والأنفة التي دفعت أدغار إلى القول: "في عمر نادراً ما يقطع الأطفال فيه صلتهم بمن يوجههم في الحياة... فقد وجدت نفسي وحيداً أواجهها وفق إرادتي وأصبحت باستثناء الاسم الذي أحمله سيد تصرفاتي". بدأت متاعب بو وهو ما زال غضاً طرياً على مقاعد الدراسة، حيث أظهر جون آلان الذي تبناه تقتيره وشحّه فهو في نظره إنسان متسكع لا يهتم إلا بكتابة الشعر وقراءة الكتب ولم يكن آلان على استعداد للتفريط بثروته والإنفاق عليه بسخاء.. وقد بلغت الإشاعات التي نسجت حول حياة بو اللاهية في الجامعة درجة الأساطير. وقد ورد في إحدى رسائله إلى جون آلان رداً على اتهامه بالإسراف في الشراب والقمار قائلاً: "لقد صرت اعتبر شحاذاً.. هكذا انغمست في الملذات.. ما الذي أفعله غير ذلك؟ لم أستطع أن اختلط إلا بالكلاب الذين هم على شاكلتي ولكن لأسباب مختلفة.. فهم بدافع السكر والتبذير أما أنا فلأن جريمتي الوحيدة هي أنه لا يوجد إنسان على وجه هذه الأرض يهتم بي أو يحبني...". وأياً كانت الثغرات التي حصلت في تعليم أدغار بسبب انتزاعه المبكر من الجامعة فهو قد تعلم درساً واحداً لن ينساه أبداً: كيف يستجدي المال... ويغلي في أعماقه الشعور بالإهانة التي لحقت به بانتزاعه من الجامعة فيما يطارده شبح القبض عليه بسبب ديونه، فيتطوع في جيش الولايات المتحدة الأمريكية.. غير أن النفر "بيري" ـ وكان قد غير اسمه ـ إلى جانب حياته العسكرية يمارس من خلال شخصيته الأخرى وظيفة الشاعر... ففي أوائل صيف 1827 صدرت له في بوسطن أول مجموعة شعرية صغيرة بعنوان "تامرلين وقصائد أخرى" بقلم "بوسطوني" وقد اتسمت المجموعة بالنفس البايروني غير أنها تميزت بغنائية غير معهودة في الشعر لأمريكي في ذلك الحين. وعلى الرغم من موقعه الاجتماعي المتواضع كجندي استطاع أن يحظى بالعديد من الأصدقاء مثل الدكتور ادموند رافينيل وهو طبيب طبيعي أقام في جزيرة "سوليفان" وهو الذي أوحى لبو بإحدى أفضل قصصه "الحشرة الذهبية" التي نشرت لأول مرة عام 1843. ومن بين الحكايات التي حيكت حول بو ما أشاعه الهواة في مدينة تشارلستون بأنه كتب قصيدته الشهيرة "أنابيل لي" في جزيرة سوليفان. كتب بو جحيمه الخاص، كيف وصل إليه وكيف حاول الهرب منه... كيف ابتلعه هذا الجحيم.. وكيف استطاع بو أن ينتصر عليه من خلال أعماله... لقد كتبت ملايين الكلمات عنه وكثيراً ما يشار إليه بأنه عبقري.. إن ذلك لأشبه بالقصة الكلاسيكية للرجل الذي يعيش خارج عصره.. للفنان الذي يلاقي الاحتقار بل والتجاهل في حياته ثم يتم الاعتراف به بعد موته.. كانت حياة بو مزدحمة بالأحداث مفعمة بالمخاوف والكوابيس تجاه الواقع المعيش... مليئة بالإشفاق على الذات وجنون الاضطهاد المرضي.. واعتماده على الآخرين.. فقد اعتبر بو نفسه ضحية قدر رهيب شأن بطله في قصة "سقوط منزل آل أشر" في نفس الوقت امتلك بو منافذ للهروب ربما من خلال قوة الفكر التحليلي (مثل رجل التحري دوبان في قصة "عمليات القتل في رومورغ") أو من خلال تحرير الروح التي عبر عنها في بعض قصائده... غير أنه لم يرحل بعيداً عبر هذه المنافذ إلا في مخيلته.. لذلك فإن شخصياته التي لا تنسى حقاً إنما هي الشخصيات الحبيسة شأنها شأن مبدعها في جحيمها الخاص والتي تعكس الوضع الإنساني خلف تخوم التجربة الواعية. قضى بو حياته معلقاً بعشق امرأة "مثال" وبحم تجربته المبكرة مع اليتم وفقدان الأم فقد ظلت صورتها تراود أحلامه في وجه كل امرأة أحبها ولم يبعد شبح الموت والفناء عن ذلك الوجه... ذلك قدره... فعشقه الأول لأم صديقه السيدة "جين كريغ ستاندر" وهي امرأة في الثلاثين من عمرها ذات جمال نادر لها عينان سوداوان واسعتان وأنف دقيق مستقيم وشفتان ممتلئتان شهوانيتن وبشرة شاحبة شحوباً متلألئاً ودافئاً كشحوب زهرة الشاي... هذه المرأة التي دفعته إلى العبادة وكأنها إحدى الطقوس الإغريقية في الإلياذة.. ألهمته بالقصيدة التي أطلق عليها "إلى هيلين" ها هو شعرك الهيسنثي، ووجهك الكلاسي وأجواؤك النيادية تعيدني إلى الوطن إلى المد الذي كان يوماً أغريقياً والعظمة التي كانت يوماً روما هناك في كوة النافذة المتلألئة أراك تقضين كتمثال المصباح العقيقي بين يديك آه سايكي من الأقاليم التي هي الأرض المقدسة لم تدم سعادته طويلاً حيث ما لبث الموت أن اختطف الحبيبة، لقد امتلأ ذهن بو بالرؤى الراعبة.. ولا نستبعد نبوءة جون آلان والده بالتبني حيث قال: بأن "مواهب بو هي من ذلك النوع الذي لا يمكن أن يمنح الراحة لمن يمتلكها" وقد تفجرت هذه الموهبة في إحدى أحب وأبقى حكاياته "ليجيا"، وتدور القصة حول صدمة يصاب بها الراوي إثر موت زوجته "ليجيا" مثال الجمال فيتخذ من الليدي روانا زوجة ثانية له ويقيم معها في دير خرب تتعلق الطحالب الخضراء على جدرانه في منطقة نائية.. وتراود ليجيا عقل الراوي إلى حد يدفعه إلى كراهية زوجته الثانية، وتصاب روانا بمرض ثم تموت بفعل سم قدم إليها من يد شبحية... يتوالى الرعب حيث تتقمّص جثتها شخصية مرعبة أخرى ثم تأتي الذروة: "اندفعت نحو الجثة ـ لأرى بوضوح ـ ورماً فوق الشفتين لحظة ثم انفرجتا عن خيط لألاء من الأسنان اللؤلؤية ثمة بعض الوهج فوق الجبهة وفوق الخد والعنق عم الهيكل كله دفء مرئي... بل كان هناك بعض نبض في القلب لقد عادت الحياة إلى السيدة يقول الكاتب ديفيد سنكلر: لولم يكتب أدغار آلان بو أي شيء آخر غير هذه الحكاية لكان ذلك كافياً أن يضمن الخلود لاسمه.. كان بو مقتنعاً تمام الاقتناع بعدم قدرة أي شيء على إيقافه عند حده.. فحين بدت الأمور في صالحه اندفع بحماس طفولي وإذا ما انهالت عليه المصائب وما أكثرها فهو يعتقد أن العالم قد شارف على نهايته.. غير أن زواجه من فرجينيا كليم إحدا قريباته وهي دون الرابعة عشرة من عمره فلا تتوفر أية معلومات عن علاقته بها وإن يكن هذا الأمر قد خضع للعديد من الأقاويل والإشاعات ولا توجد في كتابات بو المنشورة أية إضاءة لذلك الجانب الغامض من حياته. ففي قصته "الينورا" التي تكاد تطابق في تفاصيلها تفاصيل علاقة إدغار بفرجينيا.. يقول الراوي: "إنني أنحدر من جنس تميز بقوة الخيال وعنف العاطفة" ثم يتحدث بعد ذلك عن رب الحب "إيروس" الذي أضرم في أعماقنا نيران أرواح أسلافنا بحيث تدفقت كل تلك العواطف التي تميز بها جنسنا البشري لقرون طويلة. والنظرة المعاصرة لبو ربما ترى فيه كاتباً عمد إلى ترجمة مشاعره الجنسية شعراً في عصر لم يجرؤ فيه أحد على الكتابة عن الحب الجسدي... كما يمكن القول أنه طالما أن القصة تدور حول فرجينيا فمن المرجح أن مشاعر بو تجاهها كانت على ذلك النحو.. لكن هاجس الموت والفناء ما يزال ملازماً له أنى اتجه.. فها هي زوجته تصارع نفس المرض الذي قتل أمه وحبيبته الأولى.. لقد عاش مسكوناً بفكرة الموت ومات عبر غيبوبة عميقة بعد أن أصبح فريسة أزمة حادة.. ففي التاسع من تشرين الأول عام 1849 أي بعد يوم من تشييع أدغار آلان بو دشن غرزوولد هجومه للنيل من سمعته: "مات أدغار آلان بو" مات في بليتمور أمس الأول... سوف يفاجأ الكثيرون بهذا الخبر، غير أن الذين سوف يحزنون عليه قليلون". لقد عرف أدغار بشخصه أو بصيته وكان له قراء في إنجلترا وفي العديد من دول القارة الأوربية غير أنه كان قليل الأصدقاء إن لم نقل عديمهم ولعل الأسف عليه ينبع بشكل رئيس من أن الفن الأدبي قد خسر بموته أحد ألمع نجوم الأدب وإن لم يكن أكثرها غرابة في الأطوار...". لقد كان من سوء طالع بو أن يولد في أمريكا المهووسة بالديمقراطية والنمو الاقتصادي، اللامبالية في ذلك الحين بما اعتبرته مظاهر حضارية هامشية كالثقافة والفنون... وربما يكون برناردشو قد بالغ بعض الشيء حين قال في عام 1909 بأن أدغار آلان بو ووايتمان هما الرجلان الوحيدان اللذان ولدا منذ إعلان الاستقلال.. المصادر: 1 ـ موسوعة المصطلح النقدي. ت: د. عبد الواحد لؤلؤة. 2 ـ "ادغار آلان بو" تأليف: ديفيد سنكليز. ت: سلافة حجاوي. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |