مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الحضارات الأولى 2350 ـ 3000 قبل الميلاد ـــ ت.علي باشا

حوالى العام 3200 قبل الميلاد، اجتاز تاريخ العالم مرحلة حاسمة في الوديان الغرينية الكبيرة الكائنة في الشرق الأدنى: النيل في مصر، دجلة والفرات في العراق (بلاد الرافدين).

وبالفعل، فعلى طمي هاه الهلال الخصيب، إنما ولدت الحضارات الأولى المدنية، وتكونت الممالك والإمبراطوريات وبنيت مدن متميزة، تلفت الأنظار باتساعها، ومخططاتها وهندسة عمارتها. ونشأ، على الخصوص، نظام من الإشارات خُصّص في بداية الأمر لحساب وتسجيل المبادلات التجارية التي أخذت تتكاثر وتزداد أهميتها، ثم للتعبير عن عواطف ومشاعر الإنسان وأفكاره وتدوينها. وهكذا ولدت الكتابة، ومعها ولد التاريخ.

وأول ما ظهرت، في بداية الأمر، في بلاد الرافدين (ما بين النهرين): "MÉSOPOTAMIE"، وفي مصر، فسمحت للمرة الأولى بتسمية بين البشر وتأريخ وتدوين الأحداث التي تكوّن اللحمة التي سيسجل فيها الزمن التاريخي.

وبين "المدن ـ الدويلات" في بلاد الرافدين، ومملكة مصر التي وحّدها حوالي سنة 3200 قبل المسيح، ا لملك "مينيس" (MÉNÉS)، ومجمل مناطق الشرق الأدنى، وحتى وادي "الهندوس" البعيد، نشأت وتطورت آنذاك تيارات من المبادلات التجارية، وتحركات سكانية، بدأت وغذت هذه الحركة الدائمة التي لم تتوقف، والتي رافقت تاريخ العالم منذ تلك الأزمنة الموغلة في القدم.

"ميزوبوتاميا" بلاد الرافدين

أو ما بين النهرين "MÉSOPOTAMIE"

في أواخر الألف الرابع، حصلت في بلاد الرافدين أحداث هامة بالنسبة لتاريخ العالم: تطوّر الزراعة المرويّة، بناء وتنظيم بعض المدن، وعلى الخصوص ولادة الكتابة.

وهذه البلاد، الواقعة في وسط الشرق الأوسط، وعلى بعد يزيد عن 900 كم إلى الشرق من البحر الأبيض المتوسط، في سهل فسيح ورتيب، تلهبه بحرارتها رياح الصحراء، تبدو محكومة بألاّ تكون سوى صحراء أبدية. ومع ذلك فعلى هذا المسرح الموحش وغير المواتي، إنما نمت وتطورت الزراعة والتجارة والطب وعلم الفلك، الأدب والموسيقا، النظام الحكومي والديانة. وسكان بلاد الرافدين الأقدمون، هم بالتأكيد، وعلى خط مباشر، أقدم أهلنا وذوينا.

بين دجلة والفرات

بلاد الرافدين "ميزوبوتاميا" المحصورة بين جبال القوفاز، والخليج العربي، الهضاب الإيرانية والصحراء العربية السورية ليست سوى وادٍ واسع وفسيح، يرويه دجلة والفرات والذي أطلق عليه الجغرافي اليوناني "بوكيت" في القرن الثاني قبل المسيح بحق اسم: "بلاد ما بين النهرين". وهذان النهران المحمّلان بالطمي، الذي يملأ مجرى كل منهما على الدوام، ويجريان فوق السهل الفسيح بين لسانين من الغرين والطمي.

وإذا كان هذا الوادي خصيباً بصورة خارقة للعادة، فإن جهد بني البشر وحده هو الذي يستطيع أن يثبت قيمة هذه الخصوبة وأن يستغلها. فالفيضانات، بالحقيقة غير منتظمة أبداً وتحصل في الربيع. وطيلة أيام السنة، يظل جريان المياه صعباً في المنطقة الدنيا من بلاد الرافدين. لذلك كان لا بد من وضع نظام للري، وحفر شبكة واسعة من الأقنية، لجر مياه النهرين إلى الحقول في فصلي الصيف والخريف، ولتصريف فائض ا لمياه أثناء فيضان الربيع، نحو سدود وخزانات خاصة، لأنّ ذلك الفيضان يُخشى منه أن يغرق المزروعات التي لم تكد تنب فوق الأرض، وفي كل الفصول، لتحاشي تجمع المياه وبقائها راكدة، حيث تتوضع أملاحها عند ذلك في الأرض. وهذا العمل الشاق، الذي يجب إعادته وملاحقته على الدوام، يتيح مع ذلك الحصول على موسمين في السنة، على الأقل، وبمردود عالي النسبة تماماً.

ويتيح فائض الحبوب والتمور والزيت، عند ذلك، شراء وجلب الحجارة الصلبة والأخشاب والمعادن، من الجبال ومن "ميزوبوتاميا" العليا، لأنّ هذه المواد غير متوفرة في تلك السهول الفسيحة والمرزغية.

سكان ما بين النهرين الأقدمون

نكاد لا نعرف شيئاً عن سكان ما بين النهرين الأقدمين. والحفريات والتحريات التي أجريت في مختلف المدن والمناطق تثبت فقط أنّ المنطقة قد سكنت بالتدريج وبالتوالي حسب جفافها. الكهوف الجبلية في الشمال، أولاً: "شانيدار"، بين 50000 و10000، قبل الميلاد، ثم "زاوي شامي"، حوالى الـ 8000، وحتى القرى في وسط الوادي بالتدريج من الشمال إلى الجنوب: "هسّونا" حوالي الـ 6000، وإلى الجنوب "سامرّاء"، حوالي الـ 5500، وأخيراً بالقرب من الخليج العربي "عبيد" حوالى الـ 5000.

وحوالى العام 3500 قبل الميلاد. إنما حدثت، مع ذلك، التغيرات الأكثر أهمية، وسبب ذلك كان وصول جماعات بشرية جديدة: الساميون والسومريون. الساميون وصلوا قادمين من الشمال ـ الغربي واستقروا في الوادي وشغلوه من الشمال وحتى الأماكن القريبة من بغداد الحالية، وبالاصطلاح أطلق عليهم اسم: "الأكاديين" المأخوذ من اسم الجزء الجنوبي من "ميزوبوتاميا" السفلى: "أكاد".

والطريق الذي سار عليه السومريون ليشغلوا جنوب البلاد، بالمقابل غير معروف تماماً، فربما أنهم قدموا من آسيا الوسطى، من القوفاز وأرمينيا ونزلوا عبر بلاد الرافدين، بمحاذاة الفرات ودجلة، حيث عُثر في "آشور" مثلاً، على آثار من ثقافتهم الأولى، وربما، كما تروي بعض الأساطير، أنهم وصلوا عن طريق البحر، من مصر، أو من بلاد أخرى، وأسطورة "السبعة حكماء" التي دونت حوالى العام 300 قبل المسيح، من قبل "بيروز" الكاهن البابلي، يصف بالفعل وصول سبعة أشخاص قادمين من مياه الخليج العربي، وعلموا السكان "الثقافة، الكتابة، العلوم، والتقنيات المختلفة، إشادة المدن وبناء المعابد [....] زراعة الحبوب وجني الفواكه والثمار [....] وإجمالاً كل ما يشكل الحياة المتحضرة".

وأعمال التنقيب أثبتت أنّ أفراد هذا الشعب ذوو قامات قصيرة ومربوعة، شعرهم أسود، أنفهم أقنى، جبينهم مائل قليلاً وعيونهم مائلة أيضاً كعيون المغول يرتدون ملابس من الصوف الرقيق والناعم، والنساء يرددن ثوبهن على الكتف الأيسر، والرجال يلفّونه حول الزنار، تاركين بذلك الجذع عارياً. والنصوص الأدبية والدينية التي ألّفوها مكتوبة بلغة تقارب إحدى اللغات التي كان يتكلم بها السكان في المناطق القريبة من بحر "قزوين"، وهي معزولة تماماً عن الشرق الأدنى.

التنافس والخصومات بين "المدن الدويلات"

إنّ اللوحات الأولى المكتوبة، حوالى سنة 3200 قبل المسيح هي التي أتاحت لنا أن نعرف بشكل أفضل أولئك الناس من سكان "ميزوبوتاميا الدنيا" واكتشاف بلاد انقسمت إلى ما يقرب من ثلاثين "مدينة دويلة" يديرها ولاة، نواب (ENSI) لآلهة المدينة، وهم سادة حقيقيون يتحكمون بالسكان وبممتلكاتهم.و عليهم، مع ذلك أن يتعاونوا مع أكليروس يدير ممتلكات الآلهة، الهامة. وقد حصل في "لاغاش" أن عُزل وريث أحد النواب من السلطة، من قبل أحد الكهنة. وهؤلاء الأمراء يعيشون في قصورهم الريفية الصغيرة المبنية من الآجر ومغطاة بالقصب والواقعة بالقرب من المعابد المنتصبة على المرتفعات التي تقيها من الفيضانات التي يخشى حدوثها، ويؤمنون معيشتهم من الأتاوات والضرائب التي يؤديها لهم الأهالي.

وهم يطمحون، على الدوام، إلى فرض سلطتهم على المدن المجاورة لهم، إن لم يكن على جميع مدن بلاد ما بين النهرين.وعندما ينتصرون، فهم يستبقون الولاة المحليين في مناصبهم، ويكتفون بالحصول على لقب "ملك" المهيب والساحر. ولذلك يمكن أن نفهم أن الحرب، بالنسبة لهم، هي عبارة عن موضوع فني للاصطفاء والتفضيل. فالحاكم وكبار أعوانه الذين يركبون في عربات ذات أربعة دواليب، تجرها حمر وحشية، يتقدمون الجيش الكثيف المسلحة أفراده بالرماح القصيرة، وينقضّون على الجيش المعادي، فإذا تراجع وتخلّى عن بعض الأراضي فإنهم يلاحقونه، ويتسلقون الأسوار وهم يطاردونه وينهبون المدينة المعادية، دون أن يعفّوا عن المعابد والأماكن المقدسة. ونصب العقبان الشهير الذي يخلّد انتصار "اياناتوم" (EANATOUNM) حاكم "لاغاش" (LAGASH) على مدينة "أومّا" (OUMMA) يعطينا فكرة عن قسوة وضراوة تلك المجابهات.

والقائمة الملكية، وهي إحدى أقدم الكتابات تتضمن أسماء مختلف الملوك: "صاحب الجلالة" "اينمي براجيسي" "عاهل" "كيش"، "ميسكالمدوغ" عاهل "أور" في حوالى سنة 2550 "أوبرنانشي" عاهل "لاغاش" في حوالى سنة 2500 "جلقاميش" بـ ملك "أوروك" الأسطوري.

وكانت مهمة هؤلاء الملوك والأمراء هي تأمين تقدم وازدهار مدنهم. ذلك لأنّ بلاد ما بين النهرين كانت تحصل على ثروات هائلة من زراعتها ومن الحرف اليدوية التي كان يمارسها سكانها. وكان النشاط التجاري على أشده. وللنزول عبر النهرين، مع حمولتهم من الأخشاب والحجارة، كان التجار القادمون من الشمال، يربطون سوية ألواحاً خشبية ليصنفوا منها أطوافاً (عوامات) ويحسّنون عومها بواسطة بعض جلود الحيوانات التي كانوا ينفخونها بالهواء. وكان تجار آخرون يسيّرون قوافل من الحمير عبر سوريا إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وباتجاه الشرق، حتى أراضي ومناطق قبائل "ÉLAMITE" مروراً بمضائق وممرات جبال "زغروس".

وكان تجار غيرهم يبحرون في الخليج العربي على قوارب شراعية صغيرة، يجتازون البحر العربي، ويندفعون جنوباً حتى عمان. والبعض منهم كانوا يواصلون سيرهم حتى وادي الهندوس.

وهؤلاء التجار ما كانوا يجلبون المواد الأولية غير الموجودة في بلاد ما بين النهرين وحسب: مواد البناء، الذهب، الحجارة الصلبة، النصف ثمينة، بل كانوا يجلبون أيضاً الأشَياء الثمينة وذات القيمة الأثرية الكبيرة التي يُعثر عليها في القبور الملكية في "أور" (OUR) والتي تبرهن على ميل أهل ذلك العصر إلى الحلى والمجوهرات، وتماثيل الحيوانات، واللوحات المزخرفة، وقطع الأثاث المرقّشة.

المعابد ومدافن العظماء في بلاد ما بين النهرين

أنّ الرقم واللويحات المكتوبة تثبت لنا أيضاً الأهمية الأساسية للديانة فكل مدينة تعترف كسيد وحامٍ لها، إحدى الآلهة العظيمة التي خصها بها القدر، كما يؤكد الكهنة، يوم ولادة العالم. وهذه الآلهة الشبيهة بالبشر، تأكل، تشرب، تحب وتتزوج وتتخاصم كما يفعل بنو البشر، ولكنها تتميز عنهم بالذكاء، وبالخلود في الحياة.

وكل منها مكلف بمهمة تتعلق بسير وإدارة العالم: فأوتوشا ماش: "الآله الشمس" "نانّاسان" هلال القمر، "دوموزي" آلهة العالم النباتي والرياح، "ايشكور آداد" آلهة العواصف، الأنهار والبحار، النار والحرب، "واينانّا" عشتار المستقبل، وكوكب "فينوس".

وبواسطة الكهنة والكاهنات إنما تتواصل هذه الآلهة مع بني البشر وتبلغهم رغباتها، وعلى هؤلاء أن يبنوا لها المعابد الفخمة، وأن يقدموا لها الملابس الثمينة والمجوهرات، وأن يعزفوا لها الموسيقا وينشدوا لها الأناشيد، وأن يهيؤوا لها وجبات طعام دسمة ووفيرة، كل يوم.

وهي لا تفرض عليهم أي ضغط أو إكراه معنوي أو أخلاقي، ولكن أيّ تقصير أو إخلال بواجبات الاحترام، أو بتنفيذ الطقوس يمكن أن يؤدي عند ذلك إلى حدوث الكوارث: طوفان،جفاف وقحط، أو غارات وغزوات تقوم بها القبائل التي تنزل من الجبال. ولأن مثل هذه الكوارث، كثيراً ما كانت تحصل. فكان الخوف يُحدث بين السكان حالة من القلق الدائم، يستغلها الكهنة والمعابد، على نطاق واسع. وكانت الهبات والضحايا الوفيرة التي تقدم لأهراء ولمستودعات المعابد، هي الوسائل الوحيدة، بالفعل، للحماية من غضب الآلهة وتحاشي إغاظتها، وتعدّد الرقم واللويحات المكتوبة، الأشياء والمواد التي تفضلها الآلهة: الثيران، الماعز، الخراف، طيور الحمام، الدجاج، البط، الأسماك، البلح، التين، الخيار والبسكويت.. وتستطيع أيضاً الصلوات، والتعاويذ وعبارات الاستجابة أن تساعد على استبعاد وتحويل الضرر الذي يسببه عملاء ومندوبو الآلهة ؟؟ الفوطبيعيون والذين تفوق قدرتهم قدرة البشر.

والمعبد هو بالتأكيد، المبنى الأكثر روعة وعظمة في المدينة. وبالأصل، وغير البدايات، كان اتساعه وقياساته متواضعة، ومكوناً من بناء واحد مستطيل الشكل يتضمن قاعة وحيدة، مبنية كبقية البيوت من لبنات الطين المشوي. وبصورة عامة، غالباً ما يكون المعبد مبنياً على رابية تجعله يبدو مرتفعاً وأعلى من البيوت القريبة منه، ثم بعد تطور وغنى المدن، أصبح أكثر اتساعاً وارتفاعاً، منطلقاً ومتجهاً نحو السماء على شكل هرم متعدد الطبقات، أطلق عليه اسم "زيغّورات": (ZIGGOURAT) ومع توسع المعابد وكبرها: كانت تتسع وتكبر أيضاً مناطق نفوذها. وكانت تُلحق بها أراضٍ وملكيات واسعة، يستثمر قسماً منها الكهنة. وحاصلاتها يتغذى بها، ويعيش منه الكهنة أنفسهم، وأحياناً بعض الفقراء والمعدمين أيضاً كالأرامل والأيتام.

ومع مرور الزمن أيضاً، بُني، مدفن واحد مشترك للجميع، بالقرب من المعابد المكرّسة للآلهة. "أنليل" (ENLIL) وسيد الرياح، والآله سيد الكون، ووالده "أن" (AN)، الذي لم يعد يمارس السلطة، ولكنه يحتفظ بهيبة السلطة وشهرتها. و"أنكي" (ENKI) آله الذكاء الخارق والمتفوق. وهؤلاء الآلهة يكوّنون الثلاثي الأسمى. ومنذ العام 2500، قبل عصرنا هذا، كان مقر هذه الديانة، بل طقوس هذه العبادة المشتركة ومركزها الرئيسي، المعبد الكبير المركزي الكائن في "ايكور" (EKOUR)، أمّا "معبد الجبل" الواقع في "نييبور" (NIPPOUR)، فيسود فيه "أنليل" (ENLIL) محاطاً بالعديد من الآلهة.

وهذا التنظيم للعالم، الذي سيُتابع ويُطوّر على مدى تاريخ البلاد، سوف يوحي بالكثير وعلى نطاقواسع إلى السكان المجاورين لبلاد ما بين النهرين  ومن بعدهم إلى حضارتنا الخاصة أيضاً. ومن المؤكد أنه بين دجلة والفرات وضعت هوياتنا. وأقدم  وثائقنا وأوراقنا العائلية.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244