|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
لا تعرف ماذا تريد! ـــ إدوارد روشتاين ـ ت.سارة القضاة ماذا أرادت إيان راند؟ اليوم وبعد مرور مئة عام على مولدها، تنشغل الصحف بالكتابة عن حياتها، وفي الوقت الذي لا يتوفر فيه إلا القليل عن حياتها الخاصة، ويبقى فيه تأثيرها الشعبي غير مفصوح عنه بعد، يظل من الأسهل محاولة فهم ماذا لم ترد راند بدلاً من معرفة ما تريد. فازدراؤها لم يكن ليخطئ محله في البيانين الروائيين اللذين أصدرتهما: "المصدر" في العام 1943، والذي يتحدث عن مهندس معماري ذكي يقف بكل فخر ضد الأذواق المنظمة والمساواة العاطفية، ورواية "الأطلس هز كتفيه" في العام 1957 والتي تتحدث عن صناعي عبقري يقف ضد الحكومة البيروقراطية، والأنشطة الاجتماعية الوسطية. واليوم بعد مرور عشرين عاماً على وفاتها نجد قراء ينظرون إليها من وجهتي نظر مختلفتين، فمنهم من ينظر إليها كفيلسوفة بارعة وحذقة، ومنهم من ينظر إليها كروائية مدعية. وحين ناقشت راند وأفصحت عن آرائها المناهضة للجماعات المنظمة، فإن فلسفتها الساخرة تلك كانت مبنية على أسس استخدمتها من تجربتها الخاصة، فهي المولودة في روسيا القيصرية في العام 1905، شهدت الثورات المتعاقبة في العام 1917 من شقتها في سانت بطرسبرغ، وتدبرت أمرها للهروب إلى الولايات المتحدة في العام 1926، ويمكن ملاحظة هجائها الحاد في بعض الرسومات الكاريكاتيرية التي رسمتها حول الجماعات المنظمة. أما بالنسبة للأشخاص الطيبين فهناك قصة أخرى: فهل تعد شخصيات "المصدر" رورك و"الأطلس" غالت أبطالاً منطقيين، ويبدون في الظاهر معقولين بتصريحاتهم التقليدية البلهاء، وتقديرهم العالي لأنفسهم؟ وهل آمنت راند صراحة بان العالم يجب أن يدار من قبل شخوص مثل تلك، في الوقت الذي يحيد عامة الناس بتواضع؟ دون شك هذه الأسئلة ليست نظرية لا داعي لها، فخمسين مليون نسخة من كتبها تمّ بيعها حتى الآن، وما زالت روايتا "المصدر" و"الأطلس هز كتفيه" تبيعان من 130 ألف إلى 150 ألف نسخة سنوياً، حتى أنه في العام 1999 وضعت صورة راند على طابع بريدي أميركي، ذلك أنها بتبريراتها الأخلاقية للرأسمالية شكلت الذائقة الفكرية للشاب الآن غرينسبان والذي يترأس حالياً صندوق الادخار الفيدرالي، حيث أنها أطلقت مقولة "إنه مباح أن تعلن عن رغبتك في فعل شيء ما وأن تتحرك تجاه إنجاز ما يتطلبه هذا العمل، لكن السؤال الذي يبقى دون إجابة: "ماذا أرادت حقاً؟". دون شك، إنها لا تريد ما يحصل في عالمنا اليوم، فحتى اليوم ما تزال النقاشات تدور حول التجارة الحرة، وما تزال الحركات واللوبيات تتجمع، وتفرض نفسها بقوة، إضافة إلى المواجهات بين أصحاب نظرية الاعتماد على النفس، وأصحاب نظرية التضحية بالنفس. وهذه الروايات والفن الموصوف فيها هو في الحقيقة بعيد كل البعد عن الفكر الثوري، فهي تنسحب على شاكلة الأساطير الرومانسية من أواسط القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن العشرين. هذا هو فن راند اليتوبي: الرومانتيكية الجديدة المبرمجة، فراند لم تكن تنظر إلى الأمام، بل الخلف، وبهذا تشترك مع الواقعية الاشتراكية، وبالطبع فإن الأسلوب الرومانسي يتناسب بصورة كبيرة مع ثيمة راند، ففي أواسط القرن التاسع عشر غالباً ما كانت الرومانسية تحتفل بروح الإنسان، مقولبة الصراعات بين الأفراد المكافحين، والعالم المحيط بهم بقالب دراماتيكي، إلا أن هذه الأعمال كانت ثورية، لأنها تتحدى الآثار المتروكة من العالم الأرستقراطي، فكلماتهم عن النصر قادت إلى العصر الديمقراطي، أما راند فقد أرادت ترميم عصر ما قبل الديمقراطية وإعادته. لقد كانت راند ممزقة، ورواياتها وأفكارها تعكس انعدام التكافؤ لديها، فالديمقراطية بالنسبة لراند توشك أن تكون مماثلة للسوفيتية: ثقافة سيطرة الجماعات المنظمة بمبادئ من المساواة المفترضة. راند لم تستطع أبداً أن توفق بصورة مقنعة بين إنجازاتها النخبوية، وبين الحضارة الديمقراطية، ولهذا كثيراً ما كانت تظهر وكأنها مناهضة للديمقراطية، لقد أرادت الأبطال الذين يستطيعون اتخاذ موقف ملتبس في هذه القضية، ويستطيعون الفصل في هذا الشأن، كما أرادت أن تبدع شخوصاً قادرة على استغلال إنجازاتهم النخبوية في ظل الحضارة الديمقراطية، فقد كانت راند تقول: "هذا هو الدافع والهدف لكتاباتي: "إبراز الرجل المثالي". ولعل راند مؤمنة بأن الديمقراطية لا أمل مرجواً منها، وأرادت أن تدار الحكومات من قبل رجال مثل هؤلاء، لكنها لم تهتم أبداً بالعمل على تحقيق هذه الأفكار، أو لربما في النهاية لم تعرف راند نفسها ماذا تريد، وعلى أي تقدير، فإن فشلها في التوفيق بين الحضارة الديمقراطية والإنجازات النخبوية لم يكن ملكاً لها وحدها: فهذا هو السبب الذي يدفع القراء للوقوف إلى جانبها حتى اليوم والإيمان بأفكارها. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |