مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

محمد حمدان تجربة شعرية والحياةُ ذاتٌ وجوهر... ـــ محمود حامد

* على الرغم من أنّ الشعر هو روح الوجود، وجوهر روح الحياة، فإننا سنقفُ كثيراً عند هذا المُسمَّى الذي كاد بريقُهُ يختفي، وكاد توهجهُ ينطفئ بفعل عوامل ومُلابسات كثيرة وَحادَّة أتت على جماليات ذاك المُسمَّى فأحرجتْه قيمةً ومعياراً، وحَمَّلَتْهُ جُملة من الإشكالياتِ ستظلُّ تَصُبُّ في الوجدان القارئ إرباكاتها وتساؤلاتها حتَّى يُقَيِّضَ اللهُ لهذا الشعر أن ينهضَ من محنتهِ التي تلبسهُ بقتامها، ويعودَ مُعافى مِنْ مَراراتِ الردَّة التي أنهكته حتَّى الصَّميم،‏

ويخرجَ من رمادِهِ جمرةً صافيةَ البهاء والنَّقاء، عندها نُحِسُّ بغبطةٍ فائقة أنَّ رُوحَ الحياةِ ستظلُّ تَدُبُّ في ديوان العرب على امتداد حقب الزمان، وأنَّ صوتَ القصيدة سيبقى مِلْءَ الأبد ذاك النَّايَ الشَّجيَ الحزين الذي يُلقي صَداهُ عبر السّماواتِ والجبالِ والأنهرِ، وعلى امتداد المدى الغيبيّ الرَّحيب مثلما كان يفعل ذلك على امتداد زمن الشعر العربيّ الذي خَصَّ ملكوت الكون بغنائِهِ، وشجوهِ الموجع... صوتُ المرحلةِ الشعريَّةِ الراهنة صوتٌ يميلُ للغيابِ، ووحشة الغياب التي تنأى بهِ إلى وحدانيتهِ، وتفرُّدِهِ في عالم الذّات والذاكرة الموصدة على احتمالاتها الغائبة، والحاضرة في شكلها الاستثنائيّ عبر القليل من الأصوات التي تُصِرُّ وتُلِحُّ على حضور كينونة الشعر بقوة وجزالة فوق ساحها المُنهكِ المُنتهك بمرارة... وَحَتّى نَصِلَ إلى المُبتغى المُشتهى بيقين الآمالِ التي نحيا على جمرة وجذوة توقدها، وتوهجها، علينا أن نُعيدَ قراءة راهن الشعر، وحال القصيدة المُعاصرة، بجديَّةٍ وعُمْقٍ، قراءةً مُتَأنِّيَةً هادئة وهادفة، وواعية لمتطلبات القراءة، ثُمَّ نضع الرؤية الحاسمة لتلك القراءات بحيث نخرجُ بنتائج مُهِمَّة وقادرة على استنباط الحلول لمعاناة الشعر وإرباكاته، وإعادته لجادَّة المعقول التي تُعيد لَهُ عافيتَهُ ونقاءَهُ وبهاءَهُ الشجيّ الجميل.‏

عندما نأتي على تجربة الشّاعر محمد حمدان فإننا نأتي على تجربة جيلٍ شعريّ هو الحدّ الفاصل بين موروث الشعر العربيّ التاريخيّ، وبين المرحلة الراهنة التي حملت روح التجديد والمُعاصرة بقوة ريحها العاصفة التي أتت على الكثير من المفاهيم والسلوكيّاتِ الغابرة، وكان عليها، بعد أن تهدأ حدَّة، وعصفاً أن تُؤتي أُكُلَها الرَّاهن بترسيخ مفاهيم وسلوكيات جديدة تُسايرُ رُوحَ العصر، وتُغذيهِ بجملة من المعايير والقيم تُفيدُ، من ناحية، برفد شعرنا العربيّ الأصيل بمادة تُغنيهِ، وتدفع بهِ إلى الأمام بخطوات جادَّة ولائقة لإعادة استنهاضه واستنباتهِ بروح الرّاهن المتمردة الثائرة على الأشياء كافة، ومن ناحية ثانية، تُغنيه بمتطلبات الرّاهن المُعاصر الثائر ولكن ضمن تشكيل شعريّ هادف يُساير روح العصر، كما ذكرنا، ويترك بصمته اللائقة في الذائقة الوطنية والإنسانية بما يُغني تلك الذائقة الفذّة والواعية بمتطلباتها من الشعر والغنائية الشَّفيفة التي تستطيع حَفْرَ منتوجها الشعري في وجدانات قرائها، وتثبيت ذاك المنتوج وترسيخه في ذاكرة الأجيال والتي تعي تماماً ما تُريده وتحنُّ إليه، وتبتغيهِ، وتتوق إليهِ بضراوة المُتعطش لقطرة الشعر تماماً كالعشبة المُتعطشة لقطرة النَّدى في حينهِ... حيث يهبط الشعر على الرُّوح كما يهبط النَّدى على الأعشاب كما جاء التعبير عن ذلك على لسان بابلونيرودا أحد شعراء الرفض الثوريّ المعاصر... كان على محمد حمدان وجيله أن يُدركوا هذا كُلّه، وأن يَعُوا ضراوةَ الراهن الذي ولدوا فيه وعاشوه كأبناء للحياة المتمردة الثائرة الرافضة لأشياء الماضي وتشوهات الرَّاهن الحادَّة، وأن يحملوا ـ دون الأجيال كافة ـ على كاهلهم عِبْءَ قضية قضايا الأمة قضية فلسطين ـ تلك القضية التي شغلت الأجيال كافة بإشكالياتها الصَّعبة والمُستحيلة، وما تزال كذلك حتَّى تحينَ لحظةُ الخلاص والتحرر والحريّة ذات فجر قادم لا مُحالة.‏

الشَّاعِرُ العربيُّ المُعاصر كان عليهِ أن ينحاز لفلسطين والشعر، كان الإنحياز لفلسطين انحياز القصيدة لجماهيريتها، ومُخاطبة الملايين العربية من المحيط للخليج بتلك اللغة المدوية الهادرة، وهُنا...، فالشعر أمام قضايا الوطن والانتماء والهوية لم يكن مُحرجاً من قصيدة الهتاف وشعر اللافتات الصَّاخب والمدوي بحماس، لكن زيادة ذلك المنتوج الشعريّ وطبيعة ذلك المنتوج الحماسيّ سيؤدي لدى البعض من الشعراء إلى خلل في بنائه الشعريّ وفنية قصيدته، وسَيُرَمِّمُ ذلك الخلل أصحابُ الرؤية الشعرية المُبدعة.. والذين سيتركون آثارهم الشعرية الجميلة في وجدان قرائهم دون أن يتخلوا عن شعر القضية وفنية الشعر والكلمة الجادَّة الهادفة البهيَّة بحرارتها وتوهجها وومضها الغنائيّ الشَّفيف.‏

عاش الشعر العربيّ المُعاصر في غربة الحزن والسَّفر والرحيل والموت. كان الوطنُ مؤرقاً بالحدث والشعر.. وكانت الأمة مشغولة بهمومها، وقضاياها المصيرية.. غالباً ما شَكَّلَ الحدث قصيدتَهُ الموازية لِحِدَّتِهِ، وعنفهِ ومرارتهِ، وحيناً كانت القصيدة تتجاوز الحدث وترسم آفاقها، وَمَنْتوجها الأبهى، لكنَّ الأعمّ كان شعر المناسبات والقصائد الجماهيرية المدوِّية.. كان هذا المأخذ الأهم على شعرنا الراهن، لكنَّ قِلَّةً من المبدعين رسموا آفاق شعرهم بحرفيَّة وفنية واعية لقضايا الشعر، ومُتطلبات القصيدة المستمرة بحرارتها وتوهجها وفنيتها اللائقة. يعتقدُ الشاعر الراهن أنه بذاته المؤرقة الممزقة الموجوعة فإنه يحمل عِبْءَ عشرين شخصية مُتعبة، وعشرين ذاتاً مهمومة فوقَ حَدِّ التصور، والمعقول.. ذات محمد حمدان جزء من تلك الشخصية المتشظية الموجعة، وما يُعبر عنه الشاعر حمدان ينسحبُ على الذات العربية على امتداد وطنها، وهَمّها(1):‏

أنا عشرون مُتعبونْ‏

مشبوحون في مفارق الدُّروبْ‏

وَلَعَلَّ مفارق الدُّروب هُنا تشكل الخريطة العربية بتمزُّقاتها، وتَجزُّءاتها المُرعبة، وتلك حقيقة لا هروب منها ولا مَفَرّ، نحن رسخناها قدراً ومصيراً، والآخرون رسموا تفاصيلها وحيثياتها بكل ضراوة وحقد.. والمهمّ أننا نقوم نحن بترسيخ ما يرسمون ويُحيكون...‏

الوطن شَكَّلَ منفاه وتفاصيله، والدَّمُ شَكَّلَ فواصل الرماد والهوامش، وبين الوطن / المنفى بشتاته المُريب، والدّم الذي شكَّلَ خريطته القانية تكمن مشكلة وقضايا العرب والعروبة(2):‏

دمي فواصل الرَّمادِ والهوامشْ‏

ترقى إليهِ النَّارُ،‏

أوْ يَمْتَصُّهُ الذُّبابْ...‏

لعَلَّها الفاجعة أن صار الوطنُ منفى، وأَنَّ الدَّمَ العربيَّ غدا بلا قيمة تُذكر، لأننا تركنا الوطن مُستباحاً، والدَّمَ للذُّباب... وبذا افتقدنا قيمتي الوطن والدَّم... وبافتقار قيمتي الوطن والدَّم فقد افتقدنا ما تلا من قيم أخرى تساقطت الواحدة تلو الأخرى حتّى غدونا على غَصَّةِ الفَقْدِ لا نهتمُّ بما نفقدُ من مُمتلكات وجودنا وقيمنا. يكون الشاعرُ أحياناً صوتَا لحدث وراويهِ وبذا يكون الصَّدى للأنباء والأخبار كعين الكاميرا التي ترصدُ الأحداث وتُصَوِّرُها بلقطاتِها المباشرة، هُنا تكون القصيدة عين كاميرا راصدة فقط، وليست فاعلة الإبداعِ، حمدان في لقطتيه السَّابقتين لم يكن عين كاميرا كان شاعراً ينسجُ رؤياه وفق إمكانيات شعره، وليس وفق رؤية الحدث وفحواه... وعندما يكتب عن غربة العذاب والنَّوى والسَّطر يُصبح صوتُهُ جزءاً من كورالٍ جماعيّ لأمَّةٍ من الشعراء تلاقت على أنينِ حزنها وغربتها وتفاوتت في رسم نسيج تلك الغربة والعذاب كُلٌّ وِفْقَ حالِهِ وإمكانياته، وفق داخله الخاص بهِ، وَالمُؤهِّل الوجدانيّ والثقافي للحظة لإبداع(3):‏

تدور بي دوّّامَةً من العذابِ والنَّوى‏

أقدامُ هذي الأرضْ‏

تُلَوْلِبُ الحروفَ والأشياءَ بين الدَّمِ والسَّماءْ‏

تقذفني للحزنِ والأشداق‏

تَحُطُّ بي في عالم السَّفَرْ...‏

مجموعة الميناء الموبوء تُشكل قصيدتها في فضاء الحدث العربيّ، وَتُلَخِّصُ القصائد حِزامَ واقعها المرير... المجموعة جزء من واقع شعريّ عربيّ يَتَبنَّى بحرفيّة مطلقة ما يحدث على أرض الواقع العربيّ بتفاوت ما بين القصيدة والقصيدة، والجُملة والجملة حسب حرارة ما تعيشه الذات وتبثهُ في شعرها.‏

حتّى في اللحظة التي يحتاجُ فيها الشاعر للأنثى والوجد نجده بغتةً ينحازُ لقضاياهُ وهموم أُمتهِ ووطنه، وكأنه يَعيبُ على نفسه أن يتحدث في أمور الحب والهوى، وهذا انحياز في المشاعر عن مُستلزمات الحياة.. بل هو فَقْد لحيوية المشاعر والوجدان.. فلعلَّ قوة وهج الوجد تقود بدورها إلى قوة تدفق كُلّ ما هو حيويّ في الذاتِ والحياة، وعندما نتحدث عن روح الوَجْد نجدُ أنفسنا انزلقنا من خوفنا وكبتنا للجسدية المادية فنغرق بين الماديّ والمأساويّ بطريقة حادَّة وعنيفة(4):‏

أين المليحةُ؟‏

لا تزالُ ثيابُها تَنْسَلُّ خَجْلى‏

ويدي تُعابِثُ ناهداً طفلاً أَطَلا‏

وتروحُ تقضم حلمتينِ ومرمراً أصفى وأحلى‏

هذا التصوير الحسيّ الماديّ لحركة القصيدة بين التعابث والقضم يشكل اللاوعي الداخليِّ للذات المهشمة أمام سطوة الحدث والمأساة. فالغرق الكليّ في أمور الجسد هو تعبير عن رغبة الشاعر في الإنعتاق من وَبالِ المآسي والقضايا المُلحّة إلى عالم الغِواية والهروب... تفريغ شحنات بين سالبين... وكأن الرُّوحيات غائبة تماماً من وعي الشاعر ووعي القصيدة... وهذا افتراضُ رَفْضٍ لكُلِّ واقع قائم، وعالم موبوء، وفوضى الكينونة المُهشمة الغائمة الموجعة..‏

في مجموعته [بين يدي المحيط] الصادرة عن دار الحقائق /ط أولى عام 1992م، نُحِسُّ حركة القصيدة أكثر فاعلية وحيوية... ونحسُّ استقرار الجوهر على صخب المظهر من تلك الغنائية الحزينة في المقدمة(5):‏

يا أُمَّتاهْ!‏

كُتِبَ الهديلُ على الحَمامِ‏

عليكِ.. هَلْ كُتِبَ البُكاءْ!!؟‏

المُقابلة بين الهديل والبُكاء تُشكل أَحَدَّ حالات الوجع والأسى في هاتينِ الدَّلالتين... والدَّلالتان تُشكلان الحالة المطلقة للذات العربية خاصَّة، في حزنها وتغربها عن الحياة بما يعكسُ صورتنا القاتمة في الحديث التالي الذي يُشكلُ لِباسَنا الأبديّ [الحزنُ لباسُ أمَّتي] عند هذا سنقف طويلاً، وسندورُ في فلكهِ الغائمِ ما بَدا لنا بأننا الأكثر تطرفاً في حزننا وانكساراتنا على مدار الحياة، وحتى نخرج من مآزق انكسارنا إلى آفاق تطلعاتنا علينا أن نُعيد تشكيل ذواتنا وحياتنا من جديد... وأن نُعيدَ ترتيب كينونتنا وفق مُتطلبات منطق المعاصرة بثوريتها الحادّة.‏

بين الموروث المُتَّكأ، والغربة /المُتَّكأ تبرزُ رحلة الشاعر الحياتية والشعرية ضمن تجربتها الخاصَّة بها حيناً، والمسحوبة على عموم شعر غربة الشعراء العرب حيناً آخر... وكصاحب تجربة ورؤية يحاول محمد حمدان إيجاد لغته الخاصَّة بهِ، وتقنيات قصيدته، نلمسُ هذا في بعض شعره، وباقي تجربته تلحقُ بتجارب معاصريهِ الذين نهلوا من حدث واحد وقضايا مُشتركة لا بُدَّ من طرحها بقوة في سياق القصائد الوطنية والقومية، قد تبدو مُغايرة في القصائد الإنسانية والذاتية، وإن كانت تتشابهُ في ملامحها وأطيافها الظاهرة، وتختلف في مضمونها وجوهرها الخفيّ الغائب(6):‏

باسِطٌ كفي للزنبقِ والنجمِ‏

وأوتار الحسَاسينْ‏

ونهدِ الأُرجوانْ‏

باسط كفي للزرقةِ والطَّيْفِ‏

وأسماءِ الجهات...‏

في الوقتِ الذي ينهضُ فيه وَميضُ القصيدة حادّاً ليتوهج بحرارة فائقة، تُحاصرنا مراراتُ الواقع فإذا بنا نهوي سُقوطاً إلى حيث كُنَّا نُراوحُ في مَهاوي السقوط، وكأننا أدْمَنَّا عَيْشَ القاعِ والعبودية(7):‏

قبل أن تسقط واحاتي على باب السَّلاطين سبايا،‏

ويغوصُ الوقتُ في حضن الغياب‏

أَيُّها الّلا!!! مَنْ أنادي؟! من أنادي؟!‏

قدري يصنعهُ طقسُ العباءاتِ التي عَطَّلَتِ الحَدَّ،‏

وشَقَّتْ بيتنا عشرين تابوتاً,‏

وعشرين نشيدا...‏

هذا مُجمل واقعنا ووجودنا حقيقة... ولكن هل كان على الشاعر أن يكون في سياق هذا المُجمل البائس؟!! كان عليه كشاعرٍ ثائر مُتمرد أن يرفض هذا كله... فيلقيه وراء ظهره وتحت خطوة نعليه باتجاه خطوة إلى الأمام المُضي مع الملايين التي ستنتظر من الشاعر أن يأتي بكل جديدٍ، وخارق... ما أجمل أن يحمل الشعر خصوصيته الفذة ليشكل كينونة عصره، ومع هذا فثمة انغماس في الهُموم والقضايا يجعلُ الذَّاتَ والشِّعْرَ ينخرطانِ في بُكائيات الوجع الدَّامي... فإذا بتلك البُكائيات تُصبح فردوسَنا الغائِبَ في حضرةِ انكساراتنا... وما بين بُكائية وبكائية شاعر يَمُرُّ، وشاعر لا يجيء... نحن نَسَّاجو البُكاء والمراثي، وفي حضرة الشعر نحنُ الهديل الحزين، والنَّايات المشروخة صوتاً وصدى...‏

بمروري على تجربة محمد حمدان الشعرية أكون قد اجتزتُ أجيالاً من شعراء تاريخنا الرّاهن، وعشتُ تجاربَ عشراتِ الشعراء العرب فيما يختصُّ بهموم القضية والهوية والانتماء، ومُفردات الحزن والموت والغربة والسَّفر، والرحيل وفلسطين و... كورال عربيّ نهض من أنين تلك المفردات المشتركة، وأما ما يختصُّ بتقنية وفنية قصائد كل شاعر على حدة؛ فيمكن القول: إن لكل شاعر سماته ودلالاته الوجدانية تبدو في بعض المقاطع من شعره تميزه عن غيره من الشعراء، ولكن في مُجمل الشعر: فإن صوت الكورال الجماعيّ يطغى على صوت الشاعر الواحد المُفرَد، لذا فصوت الشاعر هو صوت جيل بأسره من الشعراء، ما عدا القِلَّة النادرة جداً، والتي غادرت السِّرْبَ... سربها لتنعتق في ملكوت القصيدة ضمن فعلها الحيّ الخلاق... هذه القلّة تُشير قصيدتُها إليها ببراعة صياغتها، ونبرة صوتها المًستفرد بذاته وشعره، وتدلُّ عليها كينونتها الخاصَّة بها.. ومحمد حمدان في بتغرمو وشرفة الأبجدية سعى أن يستكمل مشواره الشعريّ بهذه المجموعة ليظلَّ صوتُه واحداً في حضورهِ في سياق الآلاف الذين يغيبون بقسوة، ولا يتركون أثراً لخطوة الذات، وخطوة الشعر... ومحمد حمدان والذي هو على سفر دائم بين تجليات الذات وتجليات القصيدة، يمضي، ويتركنا نتلمَّسُ في قصائده ما يجعلنا نقف عنده، ونخصُّه بلفتةٍ ما... رُبَّما هي لفتة الأسئلة التي تَعُمُّنا، وتُذكرنا بما جنيناه من تلك التجربة... ولو قطرة عابرة من الندى توقظ عُشْبَ‏

الشعر فينا، فَتَبُلّ جفافَ حناجرنا من رُكامات صدأ الكلام(8):‏

مَنْ كان على سَفَرٍ مثلي‏

في سِرِّ الوَعْدِ الصَّعْبِ‏

وفي فوضى الأزمانْ‏

مَن كان على سَفَرٍ مثلي‏

في موسيقا غضبي‏

هَلْ يخشى سوط الرِّيح‏

وغطرسةَ الطوفان؟!!...‏

عندما أُحِسُّ أن نشوتي بالشعر قد حَمَلتْني بعيداً بَيْنَ فردوسِ التجلي، وفردوس غبطتي أقولُ: إنهُ الشعر الذي يهبط على الرُّوح كما يهبط الندى على الأعشاب... ولَوْ بنسيجِ جُملةٍ واحدةٍ خارقة أذكرها، وأحفظها على امتدادِ الحياة... تجربةُ محمد حمدان تشكل نسيجَها، وتستكملُ لحظةَ حضورها، وهي تخترق الغيابَ الشعريّ، بالتأكيد على ذاتها ونسيجها.‏

(1)أعمدة الملح مقطع من قصيدة مقاطع ص 8 ـ مجموعة الميناء الموبوء ـ من منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت عام 1983.‏

(2) تتمة أعمدة الملح / المصدر السابق ص 9.‏

(3) المصدر السَّابق ص 7 مقطع السَّلاسل.‏

(4) مجموعة بين يدي المحيط الصادرة عن دار الحقائق ـ بيروت ط1 /92م ص 5.‏

(5) مجموعة بين يدي المحيط الصادرة عن دار الحقائق ـ بيروت ط1 /92م ص 5.‏

(6) من قصيدة [أنت مهد الأخضر الأول] من المجموعة المعنونة: [صلاة للبحر الأحمر الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب عام 1995م ـ ص86 ـ 87.‏

(7) من قصيدة [أنت مهد الأخضر الأول] من المجموعة المعنونة: [صلاة للبحر الأحمر الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب عام 1995م ـ ص86 ـ 87.‏

(8) من قصيدة نداء ـ المُثبتة في مجموعتها [بتغرامو] و[شرفة الأبجدية] الصّادرة عن اتحاد الكتاب العرب عام 2005م ـ ص60.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244