مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

شرق..وغرب ـــ محمد راتب الحلاق

بداية أود أن أوضح المقصود ببعض الكلمات التي أستخدمها في هذه الزاوية، فعندما أستخدم كلمة (الغرب) فإنني أقصد بها الفئة الغالبة فيه، والتي تقوده منذ قرون عديدة، لأنني أعلم أن إطلاق كلمة الغرب على عواهنها ينافي العقل والمنطق والعلم، خصوصاً إذا تذكرنا أن الغرب ليس شيئاً واحداً متجانساً، وإنما يحفل، مثل غيره، بالمتناقضات والصراعات وتضارب المصالح. ولا يستطيع أحد أن ينكر وجود خيرين فيه، وإن كانوا غير فاعلين وغير مؤثرين (إلى الآن على الأقل)، وأكبر دليل على هامشية هؤلاء وعدم فاعليتهم في توجيه الأحداث ما آلت إليه فلسفة الأنوار وقيمها العقلانية والإنسانية على يد النازيين والفاشيين والمحافظين الجدد.‏

وعندما أستخدم كلمة النخبة لا أقصد كل متعلم أو مثقف أو ناشط...، ولا أقصد أناساً معينين في مكان وزمان محددين، وإنما أقصد بعض الأفراد الذين تم اختيارهم بعناية فائقة، وتم، بعد ذلك تأهيلهم لاختراق ثقافات أممهم، عن طريق تهيئة الفرص لهم لنيل الألقاب العلمية الهائلة، وخلق المناسبات الإعلامية (والإعلانية) لهم لبيع المشاريع الإمبريالية لشعوبهم بوصفها حداثة وتقدماً وديمقراطية.. إلى آخر الشعارات التي ظاهرها الرحمة وباطنها التمزق والتشتت والحروب الإثنية والطائفية والمذهبية... والعراق هو النموذج الفذ لذلك.‏

وعندما أقول الغرب فإن الذهن يستدعي تلقائياً المفهوم المناقض (أعني مفهوم الشرق)، وهو الآخر مفهوم غير متجانس ولا يعني شيئاً واحداً عند جميع الدارسين والباحثين.‏

وبالمناسبة فإن الغرب والشرق لم يعودا مفهومين جغرافيين في سياق الحديث السياسي والثقافي والفكري، فالغرب يعني الهوية الثقافية والقيمية ومجموعة ردود الأفعال وأنماط السلوك لبعض الأمم والشعوب. والشرق يعني، هو الآخر، الهوية الثقافية والقيمية وردود الأفعال وأنماط السلوك... لأمم وشعوب أخرى، بغض النظر عن الحيِّز الجغرافي الذي تسكنه هذه الأمم والشعوب. ومن المتعارف عليه أن أوربا هي النواة الأساس للغرب، وأن الوطن العربي هو النواة الأساس للشرق، ونظرة بسيطة وسريعة إلى الخرائط الجغرافية تؤكد أن أوربا لا تقع غرب الوطن العربي، ولا الوطن العربي يقع شرق أوربا، اللهم إلا إن كان ثمة خطأ تواطأت عليه الخرائط المتداولة وكرسته صور الأقمار الصناعية بعد ذلك. ومن جهة ثانية فإن أمماً وشعوباً في قارات الأرض قاطبة تدخل في شمول مفهوم الغرب (معظم دول أوربا/ الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبعض دول القارتين الأميركيتين الشمالية والجنوبية/ اليابان وكوريا الجنوبية وبعض دول آسيا الأخرى/ أستراليا ونيوزلندا/...)، في حين أن بعض من يسكن في قلب لندن وباريس وواشنطن وسواها ممن يتمسكون بهوية ثقافية وقيمية مغايرة لا يدخلون في مفهوم الغرب (حسب القوانين والإجراءات والأعراف السائدة في الغرب ذاته).‏

ما أعنيه أن الغرب ثقافة موجودة في الرؤوس والأفكار أكثر مما هو حيز جغرافي محدد، وهي ثقافة لا تتطابق بالضرورة مع النظرة التقليدية التي تنظر إلى الغرب بوصفه مكاناً أوربياً يسكنه العرق الأبيض ويدين سكانه بالمسيحية ويتبنون فلسفة عصر الأنوار ويسوده النظام الرأسمالي... فهذه النظرة لم تعد دقيقة، اللهم إلا فيما يتعلق بهيمنة النظام الرأسمالي الذي وصل إلى أعلى مراحله (مرحلة العولمة المتوحشة والفظة).‏

والغرب بما بين يديه من وسائل القوة أعطى لنفسه حقوقاً متعددة منها الحق في جعل ثقافته الإطار المرجعي للثقافات الأخرى، وفي تقويم ثقافات الآخرين واعتبارها من الثقافات المتخلفة والدونية والمنحطة والبدائية والإرهابية... والحق في إعادة تأهيل الشعوب والأمم الأخرى وتربيتها وفق المناهج الغربية... والحق في سن القوانين التي تحكم الشعوب المستضعفة (وقد رأينا كيف أن أحد المشرعين الأمريكيين قد قام بإعداد الدستور العراقي ثم قدمه لبعض النخب العراقية القادمة مع الاحتلال لتقوم بتمريره عبر القنوات ذات المظهر الشرعي). فالغرب بقيادته الأوروبية القديمة، وبقيادته الأميركية الجديدة يعد نفسه مرجع العالم، ومصدر التشريع فيه. وهو بذلك الوريث الشرعي للرومان الذين جعلوا كل الطرق تؤدي إلى روما. فالروح التي تحكم الغرب روح رومانية وليست روحاً مسيحية (كما لاحظ الشهيد عبد الحميد الزهراوي في تعليقه على حروب الفرنجة، التي سماها الأوروبيون بالحروب الصليبية).‏

ومن الملاحظ أن وسائل الغرب الإمبريالي في التحكم بالآخرين قد اختلفت، فبعد الوجود العسكري المسلح انسحب الإمبرياليون إلى الكواليس، لكنهم ما يزالون يقومون بإخراج العرض المسرحي (حسب سيرج لاتوش)، بغض النظر عن بعض حالات النكوص التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية في أكثر من مكان، والتي أثبتت عقمها وإخفاقها الذريع في كل مرة (فيتنام/ الصومال/ لبنان/ أفغانستان/ العراق/....). ذلك أن الغربيين (الإمبرياليين) قد لجؤوا إلى أساليب أقل كلفة وأكثر خبثاً وأقل إثارة للاعتراض تتمثل، كما سبق وذكرت، بتأهيل بعض أفراد النخبة تأهيلاً خاصاً ليقوموا باختراق ثقافات أممهم وهوياتها باسم الحداثة والتقدم والعلم.... وقد تم توفير كل الوسائل لنجاح هؤلاء في مهمتهم، وبلف شعوبهم وبيعها المشاريع الإمبريالية بوصفها الدواء الشافي من العلل جميعاً... وعيب بعض أفراد النخبة هؤلاء أنهم عملوا كسماسرة، وحولوا شعوبهم إلى زبائن لاستهلاك البضائع والأفكار والفنون والصرعات الغربية، أو استنساخها وإلباسها الكوفية والعقال، مما حولها إلى بضائع مضروبة، وأفكار وفنون هجينة وكاريكاتورية... ولم يعملوا كمتعلمين، يرجعون إلى بلادهم بمناهج جديدة، تساعد في إنتاج النسخة المحلية من الحداثة والتقدم، كما فعل الغرب نفسه يوم تعلم من العرب، وكما فعل اليابانيون حين تعلموا من الغرب، وكما يفعل الصينيون والكوريون وسواهم اليوم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244