مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

المَرْحُوم

منذ اليوم الأول سمع خطيبته تقول لـه :‏

ـ في الحقيقة ليس اسمي لينا. إن اسمي كارولينا. ولكن المرحوم كان يدعوني لينا، فعلق بي هذا الاسم.‏

أما المرحوم فقد كان زوجها السابق.‏

وأشارت الخطيبة إلى صورته على الحائط. إنه ما يزال هناك ضاحكاَ رافعاً قبعته بالتحية. وكانت الصورة فاخرة وكبيرة تقع أمام الأريكة التي يجلس عليها خطيبها. وكاد الخطيب يرد على التحية، بانحناءة عفوية من رأسه.‏

لم يخطر ببال الأرملة أبداً، أن تنزع تلك الصورة من حجرة الاستقبال. إنها صورة صاحب البيت. لقد كان البيت لـه في الحقيقة. كان مهندساً، وهو الذي أقامه ثم أثثه تأثيثاً فاخراً أنيقاً، وتركه في النهاية ميراثاً لزوجته مع أملاكه الأخرى.‏

وتابعت كلامها دون أن تلاحظ الارتباك الذي كان يبدو على خطيبها.‏

ـ لم أكن أحب أن أغير اسمي. ولكن المرحوم قال لي:‏

ألا يكون أحسن لو دعوتك بدل كارولينا باسم كارا ـ لينا.. تسمية متشابهة.. ولكنها أجمل.. ما رأيك؟.‏

فأجابها خطيبها (برتولينو) كما لو طلب منه المرحوم رأياً من الآراء.‏

ـ جميلة جداً.. جداً.‏

فقالت باسمة‏

ـ إذن كارالينا.. مفهوم؟‏

ـ مفهوم.‏

أجابها برتولينو وهو يتمتم في اضطراب وذهول وخجل، معتقداً أن الزوج يطل عليهما من الحائط ضاحكاً مسلماً.‏

وبعد ثلاثة أشهر سافر برتولينو وزوجته إلى روما لقضاء شهر العسل، وكان يرافقهما إلى المحطة لفيف من الأقارب والأصدقاء. من بينهم السيدة (اروتنسيا) الصديقة الحميمة لأسرة العروسين، والتي قالت لزوجها مشيرة إلى برتولينو:‏

ـ يا لـه من ولد مسكين.. لقد تزوج؟.. إنهم قد زوجوه من رجل.‏

إن السيدة لا تعني أن لينا امرأة مسترجلة لا. بل إنها أنثى طاغية الأنوثة. ولكنها إذا ما قورنت بزوجها فإن المقارنة سوف تنتهي إلى أنها ـ بلا شك ـ أشد خبرة بالحياة وأعرف بأحوالها، وهي أحكم منه على كل حال.‏

إنه أشقر. لـه مظهر طفل مدلل. طفل ذاهل. وهو أصلع. ولكن صلعته تبدو زائفة، كما لو حلق بنفسه أعلى رأسه حتى يزيح عنه مظهر الطفولة الذي يحيط به. دون أن يوفق في ذلك. مسكين برتولينو.‏

ـ لماذا ترينه مسكيناً؟‏

قال ذلك في صوت أخن، حانق، زوجها العجوز الذي صنع هذا الزواج، ولم يعد يرغب في أن يسمع كلمة سيئة فيه. وأضاف:‏

ـ إن برتولينو ليس غبياً.. إنه رجل لـه قيمته في ميدان الكيمياء.‏

ـ إنه من طراز ممتاز.‏

ـ بل إنه من الطراز الأول.‏

إنه كيماوي قدير، لو استطاع أن يدفع إلى المطبعة بأبحاثه ودراساته العميقة ذات الأصالة التي لا جدال فيها، والتي ظل متفرغاً لـها منذ كان شاباً صغيراً، حيث كانت هوايته الوحيدة في حياته، إنه بلا شك.. من يدري.. ربما فاز في أول مسابقة تجريها الجامعة الكبرى للدولة بمنصب الأستاذ. إنه سيكون عالماً.. عالماً.. والآن سوف يكون زوجاً مثالياً. لقد دخل الحياة الزوجية طاهر القلب محتفظاً بعذريته.‏

ـ ومن أجل هذا..‏

قالت الزوجة ذلك، وكأنما أتاحت لـها فرصة الحديث عن عذريته أن تمضي أكثر في السخرية بهذا الزواج.‏

والواقع أنه قبل أن يتم هذا الزواج، كانت تضحك من أعماقها، كلما سمعت الأقارب يقترحون تزويجه.. وكان هذا الضحك يثير حفيظة زوجها الذي كان يصر على تزويجه. وكان يلتفت إليها غاضباً قائلاً..‏

لابد من تزويجه يا سيدة.‏

ولكنها كانت تتوقف وتصرخ فيه.‏

ـ زوجوه يا أعزائي.. زوجوه.. أنا أضحك وحدي.. أضحك من المواضيع التي أقرأها.‏

وكانت في العادة تقرأ قصة فرنسية للعجوز والدة العريس، التي ظلت منذ ستة أشهر مشدودة إلى مقعد بسبب الشلل الذي أصابها. كانت تقرأ وكان زوجها يلعب الشطرنج مع خال برتولينو. حقاً.. ما أبهج تلك الأمسيات: كان برتولينو منعزلاً في حجرة تجاربه، وكانت أمه تتظاهر بالإصغاء إلى القراءة دون أن تفهم جملة واحدة. والشيخان المتفرغان إلى اللعبة يرددان: يجب تزويج برتولينو حتى ندخل شيئاً من المرح على هذا البيت.‏

وهاهو المسكين.. قد زوجوه حقاً.. يا لـها من كارثة.‏

كانت أورتنسيا تفكر في الزوجين المسافرين، وتضحك كلما تصورت لينا تخلو إلى ذلك الشاب الأصلع الساذج الطاهر القلب، كما يصفه زوجها. مضحك أن تخلو إليه لينا التي عاشرت المهندس المحبوب أربعة أعوام.. كان خبيراً بأدواء النساء نشطاً مرحاً.‏

ومن يدري، ربما لاحظت في تلك الساعة الفرق بين الاثنين.‏

وقبل أن يقلع القطار قال خاله للزوجة الجديدة:‏

ـ لينا.. إنني أوصيك به.. قوديه أنت.‏

وكان يقصد أن تقوده وترشده في روما التي لم يرها برتولينو من قبل.‏

أما هي فقد رأت روما في رحلتها الأولى لقضاء شهر العسل، وكانت في صحبة المرحوم. وهي مازالت تذكر حتى الأشياء الصغيرة وأتفه الحوادث التي مرت بها. إن ذاكرتها دقيقة ووقادة، تذكر كل شيء كأنما مرت ستة أشهر، لا ستة أعوام من ذلك التاريخ.‏

وقد أحست أن الرحلة مع برتولينو قد استغرقت زمناً طويلاً مملاً، لم ترفع خلاله الكلفة. وما كاد القطار يصل روما حتى هتفت به:‏

ـ دعني أتصرف.. أرجوك دع كل الأمور في يدي.. هات الحقائب.‏

وأحصت الحقائب وملحقاتها قبل أن تسلمها إلى الحمال الذي طلبت منه أن يحملها إلى فندق فكتوريا.‏

وعندما خرجت من المحطة بعد أن سحبت الصندوق، تعرفت في الحال على سائق السيارة العامة، فحيته، ثم قالت لزوجها بعد أن ركبا السيارة:‏

ـ سترى.. إنه فندق متواضع ولكنه مريح.. خدمة ممتازة.. نظافة.. أثمان معتدلة.. ثم هو يقع في مركز ممتاز.‏

ودون أن تشعر وجدت نفسها تتذكر المرحوم الذي أحب الفندق كثيراً واطمأن إلى خدمته.. لاشك في أن برتولينو هو الآخر سيكون ممنوناً.. آه يا إلهي.. ما أطيبه من وليد.. إنه لا يكاد يتنفس.‏

وسألته:‏

ـ هل أنت ذاهل؟.. حتى أنا كنت أحس بهذا التأثير في رحلتي الأولى.. ولكنك سوف ترى.. إن روما سوف تفرحك وسوف تحبها.. انظر إلى تلك الميادين هناك.. فيا ناسيونالي.. رائعة.. أليس كذلك!.. سوف نمر بها فيما بعد.‏

ونزلت في الفندق، وكانت لينا تشعر كأنها في بيتها. وكانت تتمنى أن يعرفها أحد موظفيه كما تعرفهم جميعاً.. هاهو الخادم العجوز مثلاً.. بيبو.. إنه هو كما كان منذ ستة أعوام..‏

ـ أي حجرة؟‏

لقد سلموها الحجرة رقم 12 بالدور الأول.. حجرة جميلة، رحبة، ذات مضجع مرتب ومنسق. ولكنها قالت للخادم:‏

ـ بيبو.. الحجرة رقم 19 في الدور الثاني.. هل يمكن أن ترى إذا كانت خالية؟‏

وانحنى الخادم قائلاً:‏

ـ في الحال‏

وأخذت تشرح لزوجها:‏

ـ إنها مريحة أكثر.. ثم إن بها حوضاً صغيراً قرب السرير.. وهي أكثر تهوية، وأبعد عن الضجة، وسوف تستريح فيها أكثر.‏

وتذكر أن مثل هذه الحادثة، قد وقعت للمرحوم نفسه، لقد سلموه حجرة في الدور الأول، ولكنه طلب تغييرها.‏

وعاد الخادم بعد قليل وأخبرها أن الحجرة رقم 19 غير مشغولة، وهي تحت تصرفهما إذا رغبا فيها.‏

وفرحت لـهذا الخبر وهتفت:‏

نعم نريدها.. نريدها.‏

وما كادت تدخل الحجرة حتى ابتهجت لأن ترى تلك الحجرة كما كانت.. نفس البسط.. نفس الأثاث.. في نفس الأماكن.‏

وظل برتولينو غريباً عن هذه الحجرة التي تشعر بالاطمئنان إليها. وسألته وهي تضع قبعتها على مشجب قرب المرآة..‏

ـ ألا تعجبك؟‏

فأجاب:‏

ـ تعجبني؟ إنها جميلة.‏

ـ آه.. لقد لفتت نظري المرآة.. ذلك الإطار لم يكن هناك في ذلك الوقت.. كانت هناك آنية يابانية، ربما تكسرت. ولكن قل لي ألا تعجبك؟ أرجوك.. أرجوك.. لا تقبيل الآن بوجهك المتسخ.. يجب أن تنظفه هنا.. وسوف أذهب أنا إلى هناك.‏

وهربت معه، سعيدة، مرحة. ونظر هو حوله بعد أن قمع رغبته، واقترب من المضجع، ورفع الستار فرأى الفراش.. لابد أن يكون هو نفس السرير الذي نامت عليه للمرة الأولى مع زوجها المهندس (المرحوم).‏

ومن بعيد.. من صورة معلقة على الحائط في حجرة الاستقبال ببيت زوجته، خيل لبرتولينو أن الزوج السابق، يحييه.‏

ولم يكتفيا طوال الوقت الذي استغرقته الرحلة بأن يناما في نفس السرير.. ولكنهما تغديا وتعشيا في نفس المطاعم، حيث كان المرحوم يصطحب زوجته للأكل، وتمشيا في شوارع روما، وكانا يتابعان كالكلب خطوات المرحوم الذي كان يقودهما بذكريات الزوجة.. زارا الآثار والمتاحف والمعارض والكنائس والحدائق، وشاهدا ولاحظا كل ما عرضه المرحوم على زوجته.‏

كان خجولاً.. برتولينو. فلم يستطع في الأيام الأولى أن يظهر سأمه، وحنقه، وسخطه على أن يتابع في كل شيء، خبرة ونصائح وأذواق وميول (المرحوم) زوجها السابق.‏

إلاَّ أنها لم تفعل ذلك بقصد الإساءة إليه، ولم تكن لتفطن أن في تصرفها هذا إساءة إليه.‏

لقد تزوج بها المهندس، وهي في الثامنة عشرة.. فتاة صغيرة.. محرومة من الإدراك وليست لـها فكرة عن الحياة، فأخذت بذلك الرجل الذي علمها وكونها امرأة كما يريد.. وبصفة عامة.. فقد كان زوجها السابق هو الذي صنعها.. وهي مدينة لـه بكل شيء.. فلا تستطيع أن تفكر أو أن تشعر أو أن تتكلم أو تتحرك إلا بالطريقة التي رسمها المرحوم.‏

ولماذا تزوجت إذن؟‏

تزوجت لأنه (أي المرحوم..) علمها أن الدموع لا تجدي مع الكوارث. وأن الحياة لمن بقي، والموت لمن كان نصيبه الموت. لو ماتت هي، لكان حتماً أن يتزوج.. وإذن يجب على برتولينو أن يسلك نفس الطريق الذي حدده المرحوم معلمهما ومرشدهما. فليس لـه أن يفكر في شيء، ولا يعلق على شيء، وعليه أن يضحك، ويبحث عن التسلية، ما دامت هناك فسحة من الوقت، فهي لم ترد أن تسيء إليه بمتابعة خطوات المرحوم.‏

ولكن، على الأقل قبلة، مغازلة، أي شيء في النهاية ليس فيه أثر من طريقة المرحوم. أمحكوم عليه بأن لا يشعر هذه المرأة بشيء فيه طابعه الخاص؟ شيء يزيح ولو قليلاً، سيطرة المرحوم على حياته؟..‏

وبحث برتولينو. بحث كثيراً. ولكن الخجل كان يمنعه من صنع مداعبات جديدة. إنه يصنع بينه وبين نفسه مداعبات جديدة جريئة.. ولكنها كانت تطير من رأسه بنظرة واحدة تسلطها عليه زوجته عندما تلمح الاحمرار يعلو وجهه.. وتسأله عما به، فيجيب بوجه متبلد.. لا شيء.‏

وأقلقهما عند عودتهما من الرحلة، خبر حزين غير منتظر. لقد مات فجأة السنيور موتا.. الذي عقد بينهما.. وأسرعت لينا إلى السيدة ارتنسيا لتعزيها في مصابها، ولتقف إلى جانبها في هذه الكارثة، كما وقفت هي منها وقفة الأخت الودود.. عندما مات المرحوم.‏

ولم تكن تظن أن هذه المهمة سوف تكون عسيرة، لأن ارتنسيا يجب ألا تكون في الحقيقة حزينة لـهذه المصيبة.. حقاً إن زوجها كان رجلاً طيباً. ولكنه كان إنساناً مملاً مضجراً، ثم إنه أكبر منها بكثير.‏

وحيرها ألا يجد العزاء مكاناً في قلب صديقتها، بعد عشرة أيام لوقوع الكارثة. فظنت أن زوجها قد تركها في أوضاع اقتصادية سيئة، ووجدت الجرأة أن تسألها في أدب ولطف عن ذلك، فأجابتها دامعة العينين:‏

ـ لا أشكو ضائقة اقتصادية.. ولكنك سوف تفهمين..‏

ما الذي سوف تفهم؟ أهذا الحزن كله حزن جاد؟ إنها لا تستطيع أن تفهم. وأفضت بحيرتها إلى زوجها. ولكن برتولينو أجابها، وهو يرفع كتفيه، وقد احمر وجهه لـهذا السؤال الذي تطرحه زوجته..‏

ـ على كل حال.. أقول.. لقد مات زوجها.‏

فهتف به في عجب:‏

ـ دعك من هذا الآن.. زوجها.. كان يبدو لـها أباً في كثير من الأحيان.‏

ـ وهل هذا قليل في نظرك؟‏

ـ ولكنه في النهاية لم يكن أباً.‏

كانت لينا على حق، إن ارتنسيا كانت تبكي أكثر من اللازم.‏

في أشهر الخطبة الثلاثة كان زوج ارتنسيا قد لاحظ ما أصاب الشاب، من ذهول واستغراب، بسبب البساطة التي تتحدث بها خطيبته أمامه عن زوجها السابق (المرحوم). كان قلقاً. لأنه لم يستطع أن يوفق بين ذاكرتها الحية النشطة الملحة التي تحتفظ بتلك الذكريات وبين رضائها بالزواج منه. لقد بحث هذه القضية مع العجوز الذي حاول أن يطمئنه ويؤكد لـه أن هذا الكلام دليل عن الصراحة التي يجب ألا يعتبرها مهينة لـه ، لأن زواجها الجديد يجب أن يبث فيها يقيناً ثابتاً أن ذكرى المرحوم لا جذور لـها في القلب، ولكن في الذهن فقط. ولهذا فهي تتحدث أمامه عن المرحوم بدون ريبة. وقد شعر برتولينو بالثقة تعود إلى نفسه بعد سماع هذا المنطق. وكانت ارتنسيا تعرف ذلك. وهي لذلك تملك الدليل على أن قلق الشاب قد تزايد من تلك الصراحة بعد الرحلة. ولهذا حرصت على أن تظهر أمامه عندما جاء للتعزية بمظهر المرأة التي لا يمكن أن تسلو.‏

وأثر ذلك الحزن في نفس برتولينو، وأحس بعطف عليها، بسبب هذا الحزن الذي استطاع أن يعارض من أجله ـ وللمرة الأولى ـ زوجته التي لم تؤمن بحزن صديقتها.‏

ـ ألم تبكي أنت عندما مات..‏

فقاطعته قائلة:‏

ـ لا وجه للمقارنة. لقد كان المرحوم..‏

فأسرع يضيف إلى قولها:‏

ـ نعم، كان شاباً.‏

ثم قالت:‏

ـ ولكني بكيت.. وبكيت.. هذا حق.‏

ووجد الجرأة في أن يقول لـها:‏

ـ ألم تبكي كثيراً؟‏

لقد بكيت كثيراً. كثيراً، ولكن في النهاية، حكمت العقل. صدقني إن حزنها مبالغ فيه.‏

ولكن برتولينو لم يصدق، بل أحس بعد هذا الحديث أن الغيظ الذي في صدره قد تزايد، لا ضد زوجته ولكن ضد (المرحوم). لأنه أدرك أن طريقة حكمها على الأشياء، وطريقة تفكيرها وطريقة شعورها ليس فيها جميعاً شيء منها، ولكنها ثمرة مدرسة ذلك الرجل الذي لابد أنه كان خليعاً ماجناً من طراز ممتاز.‏

ألا يراه برتولينو، كل يوم عندما يدخل إلى الصالون، باسماً يحييه.. إنه لم يعد يتحمل تلك الصورة. إنها لعنة تلاحقه. إنها أمام عينيه دائماً، وإذا ما دخل المكتب كانت صورته أول ما تقفز إلى الذهن.. وهو في وضعه الضاحك المرحب، كأنما يريد أن يقول:‏

ـ تفضل.. تفضل.. لقد كان مكتبي مكتب مهندس.. هل تعرف ذلك؟.. ولكنه الآن تحول إلى معمل كيماوي.. أتمنى لك عملاً طيباً. الحياة لمن بقي، والموت لمن مات. يدخل حجرة النوم؟ هذه الصورة تلاحقه حتى هناك.. ضاحكاً مسلماً كأنما يريد أن يقول:‏

ـ تفضل.. تفضل.. ليلة سعيدة.. هل أنت ممنون من زوجتي؟.. لقد أحسنت تثقيفها وتعليمها.. آه.. الحياة لمن بقي والموت لمن مات.‏

إنه لم يعد يحتمل، لقد امتلأ عليه البيت بوجود ذلك الرجل، كما امتلأت زوجته بوجوده. لقد وجد نفسه وهو الرجل المسالم الهادئ ضحية لعذاب مستمر كان يحاول جاهداً أن يخنقه. وأخيراً قرر.. أن يأتي بأفعال غريبة حتى يغير من عادات زوجته. ويهزها، ولكنه نسي أن هذه العادات لم تكتسبها إلا بعد ترملها. فقد كان المرحوم ذا ميول حية نشطة. فلم تكن لـه عادات. ولذلك.. فإن الأعمال الغريبة التي قرر برتولينو أن يقوم بها لم تكن غريبة عند زوجته التي فاجأته بقولها:‏

ـ يا إلهي.. إنك تتصرف كالمرحوم؟‏

ولكنه لم ينهزم. وغالب طبيعته حتى تأتي بما هو أعجب وأغرب.. ولكن أي عمل يقوم به، كانت تؤكد لـه أن المرحوم قد قام بمثله.. لقد قام المرحوم في الحقيقة بكل الألوان.‏

وزاد حنقه لارتياحها إلى هذه المحاولات الهروبية التي كان استمرارها يخيل إليها أنها مازالت تعيش مع (المرحوم).‏

وحينئذٍ. حينئذ فقط رسم برتولينو خطة مؤلمة حتى يخفف من الأسى الذي يتضاعف في نفسه يوماً بعد يوم. حقاً.. إنه لم يرد أن يخون زوجته بقدر ما أراد الانتقام من ذلك الرجل (المرحوم) الذي انتزعها منه كلها، وما يزال محتفظاً بها حتى الآن.. وكان يظن أن هذه الخطة الشريرة قد نشأت في ذهنه عفواً. ولكن في الحقيقة يجب أن يعتذر لـه ، بأن الفكرة أوحيت إليه، وتسربت إلى ذهنه من قبل تلك المرأة، التي حاولت عبثاً عندما كان شاباً أعزب، أن تصرفه بفنونها وألاعيبها عن إفراطه في دراسة الكيمياء.‏

وانتصرت (اورتنسيا). وأظهرت لـه أنها متألمة لخيانة صديقتها. وأفهمت برتولينو بأنها كانت تعشقه قبل أن يتزوج بها.. وعلى كل.. فليكن ما يكون.. ذلك حكم القدر..‏

ولكن هذا المصير لم يكن واضحاً لدى برتولينو، الشاب الساذج. ولذلك ظل مندهشاً ذاهلاً من البساطة والسهولة التي استطاع بها أن يحقق خطته.‏

وعندما كان وحده في حجرة العجوز الطيب أحس بالندم لـهذه الفعلة الدنيئة، ولكن بصره وقع فجأة على شيء لامع فوق البلاط قرب الجهة التي كانت ارتنسيا من السرير. كانت سلسلة ذهبية.. لابد أن تكون قد سقطت من رقبتها، ورفعها، وفي نيته أن يعيدها إليها.. ولكنه في فترة الانتظار، وجد نفسه يفتحها في حركة عصبية بأصابعه دون أن يرغب في ذلك..‏

حتى هنا.. صورة صغيرة للمرحوم.. يضحك ويحيي!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244