مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الليلة الأولى

أربعة قمصان، أربعة ملاحف، أربعة مراييل، أربعة من كل شيء.. ذلك هو جهاز ابنتها. هيأته في صبر العنكبوت. وأعدته خيطاً خيطاً، يوماً بعد آخر. دون أن تسأم عرضه على جاراتها. وهي تقول:‏

ـ إنها أثواب فقراء.. ولكنها نظيفة.‏

ومن الصندوق المصنوع من خشب الشربين، والذي يشبه التابوت بطولـه وضيقه. كانت تستخرج بيدها الشاحبتين اللتين جربتا جميع أنواع المتاعب، جهاز ابنتها، وتمسك به في رفق كأنما تمسك شيئاً مقدساً. وتعرضه قطعةً قطعة. الملابس، والأوشحة المطرزة ووشاح الزواج المطرز الأطراف. أما الأوشحة الثلاثة الأخرى فهي أيضاً من الصوف، ولكن من نوع متواضع.‏

كانت جميع هذه الملابس فوق الفراش، لكي تراها الجارات. وتبتسم في ذلة وهي تكرر قولها:‏

ـ إنها جهاز فقراء.‏

وكانت رعشة الفرح تسري في صوتها ويديها، وهي تقول:‏

ـ لقد وجدت نفسي وحدي. وحدي مع هاتين اليدين اللتين لم أعد أشعر بهما. وحدي تحت الماء. وحدي تحت الشمس. أغسل الملابس في النهر، وفي النبع. أقشر اللوز. أجمع الزيتون من هنا وهناك، في الحقول. اعمل خادمة. وناقلة مياه. ولكن ذلك غير مهم. إن الله الذي أحصى دموعي وعرف حياتي، منحني القوة والعافية. لقد عملت كثيراً. وشقيت كثيراً. ولكنني انتصرت. والآن أستطيع أن أموت. فإذا لقيني ذلك الرجل الصالح الذي ينتظرني هناك في السماء، وسألني عن ابنتنا، فسوف أقول لـه : إنها في أمن ودعة، أيها المسكين. لقد تركت ابنتك في خير سابغ. ولن يصيبها أذى في الحياة. لقد تحملت أنا من أجلها كل صنوف العذاب.‏

ـ إنني أبكي من الفرح يا جاراتي فلا تأخذن علي هذا البكاء. وتمسح دموعها بطرف منديلها الأسود الذي يلف رأسها، وينعقد تحت ذقنها.‏

كل من رآها في ذلك اليوم، بثيابها الجديدة، وكل من أصغى إلى حديثها أحس بانطباع غريب، من هذا التغيير الذي طرأ عليها، والذي تبدو معه، كأنها ليست تلك الجارة ممانتو.‏

وكانت الجارات يمتدحنها. ويتسابقن في إبداء العطف وإظهار الشفقة عليها. أما ابنتها فقد عرضت في ثوب رمادي حريري. وبدت عروساً أنيقة، يحيط بعنقها منديل حريري، سماوي اللون. كان تجلس في زاوية من زوايا الحجرة الحقيرة التي هيئت أحسن تهيئة ونظمت أجمل تنظيم في ذلك اليوم، بمناسبة هذا الحادث السعيد.‏

وما كادت أن تبصر أمها حتى انفجرت في البكاء.‏

وحفت بها الجارات من كل جانب. يتسابقن إلى تهدئتها والتخفيف عنها. كل بأسلوبها وطريقتها.‏

ـ أيتها المحظوظة. ما بك؟ ليس اليوم يوم بكاء. ألا تعرفين المثل الذي يقول: مئة ليرة من الحزن لا تفي دين فلس واحد؟‏

فقالت وهي تخفي وجهها بين يديها.‏

ـ لقد تذكرت أبي.‏

لقد غرق والدها منذ سبع سنوات. كان من موظفي جمارك الميناء. يخرج أحياناً في الليل لمراقبة السواحل. وقد انقلب به القارب في ليلة عاصفة، واختفى بالرجال الثلاثة الذين كانوا فيه.‏

ما زالت ذكرى هذه الحادثة حية ماثلة في أذهان جميع رجال البحر الذين يقيمون في تلك الجهة. ومازالوا يذكرون كيف اندفعت ماراستلا مع أمها، صارختين، رافعتين أيديهما إلى رأسيهما، بين عصف الرياح، متجهتين نحو صخرة الميناء. حيث سحبت جثث الغرقى الثلاثة الذين أخرجوا بعد يومين من البحث اليائس. وبدلاً من أن تجثو أمام جثة والدها، تحجرت أمام جثة أخرى. وهي تغمغم، وقد تشابكت يداها على صدرها:‏

ـ آه يا حبيب.. أي مصير انتهيت إليه؟‏

وكانت أمها. وأقارب الشاب الغريق، والناس الذين ذهبوا إلى المكان، قد ذهلوا جميعاً لـهذه المفاجأة التي لم يكونوا يتوقعونها. وما كادت أم الشاب الغريق تراها على حالها ذاك، حتى أسرعت تطوقها بذراعيها. وتضمها إلى صدرها في قوة وعنف. على مشهد من الجميع. كأنما تريد أن تجعلها ابنة لـه ا. إنها لـها. لأنها كانت لابنها الغريق. وأخذت تهتف:‏

ـ آه.. يا بنيتي..‏

ومن أجل ذلك. تبادلت الجارات نظرات ذكية، ذات معنى. وأشفقن عليها في صمت، حين سمعنها تقول أنها تفكر في والدها. إنها لا تبكي والدها. هذه الفتاة المسكينة. أو ربما كانت تبكي والدها. وتفكر في أنه لو كان حياً، لما قبل هذا الزواج، وارتضى هذه الصفقة التي تبدو لـها ولأمها، في حالها البائسة حظاً عظيماً.‏

ما أكثر ما قاومت الأم لكي تتغلب على عناد ابنتها وإصرارها على عدم الزواج به.‏

ـ ألا ترين.. إنني عجوز. محسوبة على الموت أكثر مني على الحياة.. ماذا تؤملين؟ وماذا تصنعين حين يغيب وجهي عنك. وتكونين وحدك بلا معين، في قارعة الطريق؟‏

أجل. إن الأم كانت على حق. ولكن هناك اعتبارات أخرى، تنظر إليها ماراستلا من جانبها. ولا تستطيع أن تفهمها أمها. إن كيريكو الذي يريدون أن يزوجوها به، رجل طيب، بلا شك. وهي لا تنكر ذلك. ولكنه شيخ عجوز. مضى على ترمله أكثر من سنة. وهو يتزوج الآن بحكم الضرورة. إنه في حاجة إلى امرأة ترعى بيته وشؤونه، وتعد لـه الطعام. هذا هو السبب الذي يدفعه إلى الزواج.‏

وكانت الأم تجيبها قائلة:‏

ـ وماذا يهمك من ذلك؟. إن هذا يجب أن يبعث الثقة في نفسك. ويزيدك اطمئناناً على مستقبلك. لأنه رجل ناضج.. تقولين إنه شيخ متهدم؟ إنه لم يتعد الأربعين. إنه لن يبخل عليك بشيء. ولن يشعرك بالفاقة والعوز. لـه مرتب ثابت. ووظيفة لائقة.. خمس ليرات في اليوم.. إنه لحظ عظيم.‏

ـ صحيح.. إنها وظيفة لائقة.. وظيفة حسنة.‏

وهنا كانت العقبة. لقد أدركت ذلك أمها، منذ البداية، وأحست أن العقبة إنما تكمن في وظيفة كريكو.‏

وفي يوم جميل من أيام مايو، دعت الأم المسكينة جارتها إلى جولة ريفية، في ذلك المرتفع، الذي يقع بظاهر المدينة.‏

كان كيريكو واقفاً عند مدخل المقبرة البيضاء التي تقع بأعلى المدينة حيث ينبسط أمامها البحر، على امتداد الأفق. ويمتد خلفها الريف بمروجه وحقوله. وحين أبصر النسوة دعاهن للدخول.‏

ـ أ رأيت؟ إنها حديقة كثيرة الزهور. زهور لا تذبل. والريف محيط بك من كل جانب. وإذا أطللت برأسك من الباب، رأيت البلدة كلها تحت قدميك. وبلغتك أصواتها وضجيجها. أ رأيت؟ ما أجملها حجرة بيضاء نظيفة، مليئة بالهواء والانشراح. اغلقي الباب والنافذة في المساء، واشعلي المصباح، تجدي نفسك في بيتك.. إنه بيت كغيره من البيوت.. فيم تفكرين؟.‏

هكذا قالت الأم لابنتها عقب زيارة تلك المقبرة. وهبت الجارات يساعدنها على إقناع الفتاة. ويقلن لـها:‏

ـ هذا شيء واضح معروف.. ثم إن الأمر لم يخرج عن حدود العادة. سترين.. إن هذا المكان لن يكون لـه أي تأثير مزعج لنفسك، بعد أيام قليلة. إن الموتى لا يؤذون، وإنما ينبغي الحذر من الأحياء. ثم إنك أصغر سناً، وسنحل في رحابك، واحدة تلو الأخرى.. هذا هو البيت الكبير. وأنت سيدته الكريمة وحارسته الأمينة.‏

وارتسمت هذه الزيارة، في ذلك اليوم الجميل، من شهر مايو، في ذهن ماراستلا كرؤيا باعثة على العزاء والسلوى. وكانت تستحضرها في ساعات القلق، طوال أشهر خطبتها وخاصة إذا هبط الليل، واكتأبت نفسها خوفاً من الظلمة.‏

كانت تمسح دموعها، حين بدا كيريكو عند العتبة، يحمل بين يديه قرطاسين كبيرين. لقد تغيرت ملامحه حتى لينكره من يعرفه. وصاحت فيه الأم..‏

ـ يا للعذراء... ماذا فعلت بنفسك أيها القديس؟‏

فأجابها في ابتسامة باهتة مرتجفة ضاعت بين شفتيه العريضتين:‏

ـ أنا؟... أجل.. حلقت لحيتي.‏

ولكنه لم يحلق لحيته فقط، بل كان منتوف الوجه، وبدت أخاديد غائرة في خديه، نزع شعرها بقوة، فبدا كأنه تيس هرم مسلوخ.‏

وسارعت أخته، دوناليزا، وهي امرأة بدينة، حادة الطبع، شرسة، تقول:‏

ـ لقد أقنعته أنا بأن يحلق لحيته.‏

وحين دخلت الحجرة، كادت تغلق الباب من بدانتها. وهي تحمل تحت وشاحها عدداً من زجاجات الخمر. كما كانت ترتدي ثوباً حريرياً أخضر اللون يترقرق على جسدها كما يترقرق النبع. وكان يتبعها زوجها. وهو نحيل مثل كيريكو، هادئ عبوس. وتابعت أخت العريس كلامها، وهي تنزع الوشاح عن كتفيها:‏

ـ هل أسأت صنعاً؟.. يجب أن نعرف رأي العروس.. أين هي؟ انظر يا كيريكو.. ألم أقل لك.. أتبكين؟ من حقك أن تبكي يا بنيتي. لقد تأخرنا كثيراً. ولكن الذنب ذنب كيريكو.. (أحلقها. لا أحلقها) لقد استغرق ساعتين كاملتين للوصول إلى قرار.. ألا يبدو لك الآن أكثر شباباً؟ ما كان يليق أن يظهر بتلك الشعيرات البيضاء، في ليلة الزفاف.‏

ولكن كيريكو قاطع أخته، وأخذ ينظر نظرة حزينة إلى العروس قائلاً:‏

ـ سوف أطلقها من جديد. إنها لم تلفح في إخفاء سني. إنني أبدو شيخاً في كلا الحالين.. بل هي زادتني قبحاً.‏

فقالت أخته حانقة:‏

ـ الرجل دائماً رجل. أيها الحمار الكبير. سواء كان قبيحاً أو جميلاً. انظر إلى ثوبك الجديد.. لقد لطخته.. يا لـها من خسارة. وأخذت تنفض عنه دقيق الحلوى التي مازالت بين ذراعيه. لقد تأخر الوقت بهما كثيراً. وكان عليهم أولاً التوجه إلى البلدية، ثم إلى الكنيسة. وينبغي في جميع الحالات أن يتم الحفل قبل المساء. ذلك لأن كيريكو معروف بتحمسه وغيرته على عمله، وتفانيه في واجبه، ولا يطيق التأخير في القيام بواجباته. وكانت تصرفات أخته السليطة الصاخبة قد زادت من قلقه، وتركته على مثل الشوك. لاسيما بعد تناول الطعام وشرب الأنخاب. فقد صرخت فيه:‏

ـ نريد أن نسمع ألحاناً.. هل سمعتم بعرس بلا ألحان ولا غناء؟ يجب أن نرقص.. ابعثوا في طلب سيدور الأعرج. ولتحضروا القيثارات والمندولين.‏

كانت تصرخ بإلحاح. حتى اضطر شقيقها العريس أن يدعوها وينتحي بها جانباً قائلاً:‏

ـ دعينا يا نيلا.. كان ينبغي أن تفهمي أنني لا أريد ضجة كبيرة.‏

ولكنها حملقت فيه بعينين جاحظتين، وتساءلت عن السبب، فقطب كيريكو حاجبيه، وتنهد بعمق، وقال:‏

ـ تذكري أنه لم ينقض عام على وفاة تلك المسكينة...‏

فقاطعته مقهقهة وهي تقول:‏

ـ أما زلت تفكر فيها حتى هذه الساعة التي تتزوج فيها بأخرى؟ يا لـها من مسكينة.‏

فأغمض كيريكو عينيه وشحب وجهه وقال:‏

ـ إنني أتزوج مرة ثانية. ولكنني لا أريد غناء ولا رقصاً. قلبي مشغول بغير هذا الذي تريدينه. ولما تبين أن الشمس توشك على الغروب طلب من الأم أن تهيئ كل شيء للرحيل.‏

ـ أنت تعرفين أنه يجب أن أدق تحية المساء.. هناك.‏

وقبل أن تغادر ماراستلا البيت تعلقت بعنق أمها وأخذت تبكي من جديد. وبدا أنها لا تريد الكف عن البكاء. فما كانت تجد معنى للذهاب هناك، وحدها مع هذا الرجل.‏

وحاولت أمها تهدئتها قائلة:‏

ـ لا تبكي.. سنرافقك جميعاً.. لا تبكي أيتها الغبية.‏

ولكنها لم تكف عن البكاء. وبكت أمها هي الأخرى. وكذلك بكت الجارات.‏

ـ رحيل مرير.‏

والوحيدة التي لم تبك ولم تنفعل لـهذا الموقف، هي أخت العريس التي زاد تضرج وجهها، والتي قالت أنها شاركت في كثير من الأعراس، وأن الدموع مثل الحلوى، لم تتخلف أبداً في الختام.‏

ـ الفتاة تبكي لفراق أمها. والأم تبكي لفراق ابنتها. هذا شيء معروف. هاتوا كأساً أخرى لتهدئة العواطف، ثم لنذهب، فإن كيريكو على عجل.‏

وأخذوا طريقهم متجهين إلى المقبرة وبدا الموكب كأنه جنازة. وكان الناس الذين يتوقفون في الطريق أو يطلون من النوافذ لا يخفون أسفهم وتنهداتهم.‏

ـ يا لـها من عروس مسكينة.‏

وهناك. في الفسحة الصغيرة أمام المدخل توقف المدعوون قليلاً قبل أن يستأذنوا في العودة. وقد أوصوا ماراستيلا بالصبر والشجاعة.‏

كانت الشمس تميل إلى الغروب والسماء في حمرة اللهيب، وكان البحر يبدو كالآتون في احمراره. ويرتفع في البلدة التي تقع عند السفح، ضجيج لا ينقطع غير واضح كأنه هرج بعيد. وكانت تموجات هذه الأصوات تتلاشى عند ذلك الجدار الأبيض الذي يحيط بتلك المقبرة الضائعة الغارقة في صمت كئيب.‏

وكانت دقات الناقوس، تحية للعذراء، مؤذنة للمدعوين بالانصراف وقد بدا حائط المقبرة أشد بياضاً حين كانوا يصغون إلى دقات الناقوس. ربما نشأ ذلك عن الظلام الذي أخذ يخيم على المقبرة. كان ينبغي أن يعودوا بسرعة حتى لا يصلوا إلى البلدة في ساعة متأخرة. فاستأذنوا مهنئين العروس متمنين لـها السعادة والرفاهية.‏

وبقيت مع ماراستيلا الذاهلة الحاقدة، أمها وصديقتان من أخلص الصديقات. وقد استحال السحاب إلى لون الدخان بعد ما كان في لون اللهيب.‏

ودعا كيريكو الذي كان يقف عند البوابة السيدات، للدخول. ولكن الأم أشارت إليه بأن يتمهل ويسكت. فقد كانت ماراستيلا تبكي وتستحلف أمها أن تعود بها إلى البلدة وترجعها إلى البيت، وكانت تلح في الرجاء، تهمس بذلك في صوت خفيض مرتجف، مزق فؤاد أمها التي أدركت أن خوفها إنما كان بسبب المدخل الذي أطلت منه على منظر المقبرة والصلبان الكثيرة التي تخيم عليها ظلال المساء.‏

وذهب كيريكو إلى حجرته الصغيرة التي تقع على يسار المدخل. وأوقد المصباح وألقى نظرة حولـه لكي يتأكد أن كل شيء على ما يرام، ولكنه لبث متردداً يسائل نفسه، أيذهب إلى العروس أم يتركها لأمها تقنعها بالدخول؟ إنه يفهم آلامها ويتجاوب معها ويدرك أن شخصيته الحزينة المسنة القبيحة لا يمكن أن توحي إليها عاطفة ولا ثقة، وكان ذلك مما يؤلمه ويملأ قلبه لوعة.‏

في مساء اليوم السابق كان قد جثا على ركبتيه، وأخذ يبكي كالطفل أمام صليب صغير في تلك المقبرة، كان يستأذن زوجته الأولى. فهو لن يفكر فيها بعد الآن. إنه سوف يكون خالصاً لـهذه الصغيرة، سوف يكون أباً وزوجاً معاً. إلا أن عنايته بهذه الزوجة الجديدة ينبغي أن تدفعه إلى إهمال واجباته التي يقوم بها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، في حب وإجلال، نحو أولئك الأصدقاء والمجهولين الذين يرقدون هناك، في حمايته. لقد وعد جميع الصلبان في تلك الجولة المسائية التي قام بها في اليوم السابق من زواجه وأقسم أن يظل وفياً لواجباته.‏

وأخيراً أمكن إقناع مارا بالدخول. وأغلقت الأم الباب بسرعة، كأنما تريد أن تعزل ابنتها عن الرعب الذي يجثم خلف الباب ويوحي به المكان. وقد ألقى منظر الأشياء المألوفة في الحجرة بعض الطمأنينة في نفس مارا. ودعتها أمها إلى خلع وشاحها وهي تؤكد لـها أنها الآن في بيتها.‏

وأضاف كيريكو في خجل واستحياء وفي ابتسامة حزينة مليئة بالعطف والحنان:‏

ـ أنت الآن سيدة البيت.‏

وأرادت أمها أن تشجعه فقالت لـها:‏

ـ ألا تسمعين ما يقول؟‏

ـ إنك سيدتي.. وسيدة كل شيء.. هذا شيء ينبغي أن تعرفيه. سوف تجدين هنا إنساناً يحترمك ويعطف عليك ويحبك كأنك أمه.. ينبغي ألا تخافي من شيء.‏

وأضافت الأم قائلة:‏

ـ إنها لن تخاف من شيء.. ذلك شيء واضح. هل هي طفلة حتى تخاف؟ ما معنى الخوف، إنها سوف تجد ما يشغلها عنه بالعمل، أليس كذلك؟‏

فاومأت مارا برأسها عدة مرات موافقة على هذا القول. وما كادت الأم والجارتان يهممن بمبارحة المكان حتى تعلقت الفتاة من جديد بعنق أمها، وحاولت الأم أن تتخلص من عناقها بحركة قوية ولكن في رفق. وقدمت إليها آخر نصائحها. ودعتها إلى أن تثق في زوجها وفي الله. ثم انصرفت مع الجارتين.‏

ولبثت مارا قرب الباب الذي أوصدته أمها عند مبارحتها الحجرة، وهي تجهد في خنق بكائها، وهبت نسمة على الباب ففتحته قليلاً. وظلت هي على حالها دون أن تنتبه إلى الباب الذي فتح، ثم أحست به فكأنما انفتح لـها فراغ عذب من الأحلام. وهبت عليها روائح الزهور وسرت إليها أصوات الجنادب من بعيد، ورفعت يديها عن عينيها، فرأت إشراقاً أقوى من إشراق الفجر، يثير السحر والذهول في كل شيء.‏

وأقبل كيريكو يقفل الباب. ولكنها انطوت على نفسها وانزوت بين الجدار والباب وصرخت فيه:‏

ـ من فضلك لا تقربني.‏

فقال وقد جرحه موقفها وآلمه اجتراؤها:‏

ـ لن أقربك.. إنني أردت إقفال الباب.‏

ـ كلا.. فلتترك الباب مفتوحاً.. إني لست خائفة.‏

وفي تلك السكينة التي كانت تخيم على ذلك المكان، ومن خلال فرجة الباب، كان يصل إلى الآذان، من بعيد، غناء فلاح عائد من الحقول، في ذلك الليل المقمر المنتعش المفعم برائحة العشب والزهور.‏

فقال كيريكو في ألم عميق:‏

ـ إذا سمحت لي بالمرور فإني ذاهب لإقفال البوابة التي ظلت مفتوحة.‏

ولم تغادر ماراستلا الزاوية التي انكمشت فيها. وذهب كيريكو متباطئاً يغلق البوابة. وحين عاد رآها تقبل عليه كأنها مجنونة.‏

ـ أين أبي؟.. أريد أن أذهب إليه.‏

ـ ولم لا.. هذا مطلب وجيه. سوف أرشدك إلى مكانه. إني أقوم بجولة كل مساء قبل ذهابي إلى النوم.. هذا واجبي. ولكنني لم أقم به في هذا المساء، من أجلك، فلنذهب. لسنا في حاجة إلى مصباح يكفي مصباح السماء.‏

وسلكا الدروب الصغيرة المفروشة بالحصى، والمحفوفة بالأعشاب والزهور. وكانت قبور الوجهاء تلمع ببياضها الرخامي الذي ينعكس عليه نور القمر. أما قبور الفقراء فقد كانت صلبانها الحديدية سوداء، وكذلك ظلالها.‏

وكانت أصوات الجنادب تصل من الحقول إلى المقبرة أكثر جلاء ووضوحاً. كما كان يسمع من بعيد هدير البحر المستمر. وأشار كيريكو إلى قبر ريفي قديم، بنيت عليه رخامة تذكارية حفرت عليها قصة الغرقى الثلاثة.‏

قال:‏

ـ هاهنا يرقد.‏

ـ لتبكي أنت هنا.. أما أنا فذاهب أبكي هناك.. إنه مكان غير بعيد.‏

قال ذلك بعد أن رآها تجثو باكية أمام قبر الشاب الذي كانت تحبه.‏

وفي السماء.. كان القمر ينظر إلى المقبرة الصغيرة. وقد شهد وحده شبحين أمام قبرين، على تلك الحصباء التي تغطي الدروب، في تلك الليلة الجميلة الساحرة من ليالي إبريل.‏

وانحنى كيريكو أمام قبر زوجته الأولى باكياً:‏

ـ ننزيا.. ننزيا.. ألا تسمعينني؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244