مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 431 آذار 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الطَّائِر المَحشو قَشَّاً..

باستثناء الأب الذي مات في الخمسين بالتهاب في الرئة، فإن جميع أفراد العائلة، الأم والأخوة والأخوات والأخوال والخالات، ماتوا بمرض السل، في ريعان الشباب، الواحد تلو الآخر.‏

موكب رائع من النعوش.‏

لم يصمد لـه ذه المعركة إلا ماركو وهانيبال. وكان يبدو واضحاً أنهما أخذا على نفسيهما عهداً بأن لا يدعا لـهذا المرض الذي أفنى أسرتهما، فرصة التغلب أو الانتصار عليهما.‏

كان كل واحد منهما يراقب الآخر مراقبة دقيقة بنفس حذرة متشددة. ويتابعان في دقة ونظام ثابت جميع تعليمات الأطباء. وينفذانها ويتقيدان بها. لا في طريقة استعمال الدواء، وأنواع الأكل، وأنواع التقوية المختلفة التي تؤخذ أقراصاً أو جرعات، بل حتى فيما يتعلق بالثياب التي ترتدى حسب الفصول، وحسب التغيرات البسيطة للطقس، وساعات النوم واليقظة، والجولات التي يجب القيام بها، والمتع الخفيفة التي كان لـها طعم العلاج الموصوف من الطبيب.‏

وكانا يؤملان وهما يلتزمان هذه الطريقة، أن يتفوقا على هذا المرض، ويدركا في صحة موفورة.. أولاً.. ماركو، ثم هانيبال الحد الأعلى من العمر الذي بلغه جميع الأقارب، باستثناء الأب الذي مات بمرض آخر.‏

وحين بلغا هذه السن التي عملا من أجلها، خيل إليهما، أنهما كسبا معركة كبيرة. وكان من المحقق أن تزيد هذه الانتصارات والمكاسب، لو لم يركب هانيبال رأسه. فأخذ يخفف من القيود التي فرضها على نفسه. وبدأ يمعن تدريجياً في تجاوز تلك الحدود.‏

وقد حاول ماركو، بما لديه من سلطة عليه، بحكم أنه أكبر بعامين أو ثلاثة، أن يثنيه عن نيته، ويدعوه إلى التزام النظام الذي اتفقا عليه. ولكن هانيبال لم يهتم به. ومضى في طريقه. وكأنما استخف بالموت حين رآه يبتعد عنه في السن التي انتزع فيها جميع أفراد العائلة.‏

كانا يتشابهان في القامة القصيرة، والأنف الأفطس، والجبهة الضيقة، والعيون الحول، والشوارب الكثة. وعلى الرغم من أن هانيبال أصغر من شقيقه، إلا أنه أوثق كياناً وتركيباً. وكانت لـه بطن ظاهرة، يفخر بها. كما كان صدره عريضاً. وقد زينت لـه المقارنة بينه وبين شقيقه الهزيل النحيف الذي يستمتع بصحة طيبة بأن يلقي نفسه إلى التجربة الجديدة التي يقدم عليها غير متردد.‏

وتخلى ماركو عن دعواته ولومه وتوبيخاته، بعد أن اطمأن إلى أنه قد أدى واجب الأخوة كما يمليه عليه ضميره. ولزم موقف المتفرج، دون أن يخاطر، وفي نيته أن يعرف أثر المخالفات التي يرتكبها هذا الأحمق، على صحته. فإذا لم يصبه أي أذى. ربما تسامح هو الآخر وأقبل على التجربة.‏

ما أعظم الرعب الذي استولى على نفسه، حين جاءه هانيبال في أحد الأيام وأخبره بأنه عاشق، وأنه صمم على الزواج.‏

يا لـه من غبي.. أيتزوج وذلك الخطر مسلط عليه. أيتزوج؟ وبمن؟ بالموت.؟ بحق الإله، إنها لجريمة أن تضع للعالم أولاداً تكتب لـهم التعاسة في الحياة. ومن هي تلك المجنونة التي تقدم نفسها لمثل هذه الجريمة؟‏

وثار هانيبال وغضب، وأفهم أخاه، بأنه لن يسمح لـه مطلقاً، أن يستعمل هذه التعابير، في الحديث عن تلك التي ستغدو زوجته عما قريب. وقال أنه يفضل أن يفقد الحياة، إذا كان شرط الاحتفاظ بها ألا يعيشها وألا يستمتع بمباهجها. وماذا يهم إذا تأخر الموت أو تقدم قليلاً أو كثيراً؟ لقد مل هذه الحياة. وينبغي أن يضع حداً لـهذا الملل.‏

ولبث شقيقه الكبير ينظر إليه في شفقة ورثاء وحنان. وهو يهز رأسه من حين إلى آخر.‏

يا لـه من أحمق.. يعيش.. لا يعيش. كأنما هذه هي المشكلة. ينبغي ألا نموت. لا خوفاً من الموت. ولكن لأن الموت ظلم وحشي فادح، يتمرد عليه جميع كيانه. لا من أجل نفسه فقط. ولكن من أجل جميع أقاربه الذين سقطوا وذهبوا ضحية لـه . إنه بعناده هذا، وثباته وقيامه على النظام، إنما يريد أن ينتقم.‏

وأحس أنه غضب واستشاط أكثر من اللزوم. فأسف على ذلك وندم. وخاف أن تمضي به الثورة حتى يكون خطراً على صحته، فسكت. وعاهد نفسه بألا يعود لمثل هذه الانفعالات المؤثرة على الصحة. إذا كان يريد أن يتزوج فليتزوج. هو حر. وليفعل ما يروق لـه . سوف يظل وحده، يحدق في وجه الموت. دون أن يجتذبه خداع الحياة أو مباهجها.‏

غير أنه لابد من شروط واتفاقات واضحة. إذا كان يريد الاستمرار في الإقامة معه، فلا ضجة، ولا إزعاج ولا مضايقات. أما إذا أراد أن يتزوج فعليه أن يخرج. لأنه هو الأكبر، وهو عميد الأسرة والبيت من نصيبه هو. أما الباقي من الميراث فيقسم بالتساوي.. حتى أثاث الدار.‏

ولـه أن يحمل ما يريد. ولكن على مهل. وفي هدوء. وفي أدب وذوق. ودون أن يثير الغبار. لأنه يريد أن يحافظ على صحته، ويرعاها ويحميها.‏

ليأخذ كل شيء. هذه الخزانة, وذلك الصندوق، والمقعد، والمرآة والمغسلة والستائر. أجل حتى الستائر. وكذلك المائدة ليستعملها جميع أطفاله. حتى الخزانة الزجاجية بما فيها من رياش ثمينة. حسبه أن يترك لـه حجرته. بمقاعدها وأرائكها المكسوة بالجلد الصناعي. تلك المقاعد التي يحبها. أما الرفوف الغاصة بالكتب فهو يريدها لنفسه.‏

ـ حتى هذه؟‏

سأله هانبيال ضاحكاً. وأشار إلى طائر محشو بالقش. غبرت عليه سنوات كثيرة. وهو ثابت فوق قاعدة خشبية. وقد بهت ريشه. فلم يعد أحد يستطيع أن يميزه، ولا أن يرده إلى نوعه من الطيور.‏

ـ حتى هذا الطائر أريده. بكل ذلك القش المحشو به.. ما الذي يضحكك؟ إنه تذكار عزيز للأسرة. دعه مكانه.‏

ولم يشأ أن يقول إنه يتفاءل بهذا الطائر الذي أحسنت الأسرة حفظه. وأن مظهر القدم الذي يلوح عليه يمنحه راحة وعزاء، كلما تأمل فيه.‏

وحين تزوج هانبيال لم يشاركه ماركو أفراح الزواج.‏

مرة واحدة. بطريق الصدفة، توجه إلى بيت العروس. ولكنه لم يوجه إليها كلمة تهنئة ولا تبريك. كانت زيارة باردة استغرقت خمس دقائق. وقد أقسم بعدها ألا يذهب لبيت شقيقه أبداً. لا بعد عودته من شهر العسل ولا في أية مناسبة أخرى. إنه كلما فكر في هذا الزواج دهمه ألم قاتل، وشعر برجفة تسري إلى ساقيه. ولم يكن لينتهي عجبه واستغرابه من هذا المصير الذي اختاره شقيقه. وكان يردد، وهو يذرع الحجرة الفسيحة المفعمة بروائح الأدوية.‏

ـ ياله من خراب.. يا لـه من جنون.‏

يردد ذلك وعيناه تحدقان في الفراغ، وهو يلمس بيديه من حين إلى آخر، الأثاث الذي أبقاه لـه .‏

ـ يا لـه من خراب.. يا لـه من جنون.‏

كانا يعيشان في وئام وصفاء. وكانا يرعيان بعضهما. ويتناجيان. ويترافقان في طريق الحياة. والآن؟ إنه وحده في ذلك البيت القديم. وحده كالنفس المعذبة.‏

ولكن دع عنك هذه الأفكار. يجب ألا يداخلك اليأس. وينبغي أن تبعد نفسك عن التفكير في ذلك المخلوق الجامد. في ذلك المجنون الأحمق. إنه يعرف كيف يدبر أموره.‏

ثم يصفر صفيراً خافتاً، أو يدق بأصابعه على زجاج النافذة، أو يتأمل أشجار الحديقة التي جردها الخريف من أوراقها. فإذا رأى ذبابة ميتة على زجاج النافذة، ابتعد عنها وقد امتلأت نفسه رعباً.‏

ومرت أشهر عديدة. وانقضى ما يقرب من عام على زواج أخيه.‏

كان ذلك في عيد الميلاد. حين أخذت تصل إلى أذنيه، وهو في البيت، أنغام موسيقية، وألحان وغناء جماعي تختلف فيه أصوات الرجال والنساء والأطفال. وكانوا كلهم قد تجمعوا لإيقاد المشاعل أمام أيقونة مقدسة.‏

وفي الساعة التي اعتاد أن يتوجه فيها إلى النوم. سمع جرس البيت يقرع بشدة. إنه هانيبال وزوجته للينا. أقبلا يزورانه. وقد امتلأت جوانحهما بهجة وفرحة ومرحاً. حتى ظنهما قد أفرطا في الشراب.‏

إنها زيارة قصيرة للتهنئة بعيد الميلاد. وهما لا يريدانه أن يتأخر بسببهما عن موعد النوم. ألا يستطيع فتح نافذة صغيرة لتجديد الهواء ولو دقيقة واحدة؟‏

وطوال ذلك الوقت، أو طوال تلك الدقائق العشر. كانت للينا تقفز من مكان إلى آخر. ولا تتوقف عن الكلام. والسؤال والتعليق على كل ما تراه. وتستأذنه في أن يسمح بفتح النافذة لتجديد الهواء، ولو دقيقة واحدة. وتقلب كل شيء. ولقد عجبت من ضخامة ذلك الطائر المحشو بالقش، وأعجبها ميزان الأدوية، وتساءلت عن الخادمة.‏

وظل ماركو ذاهلاً أمام هذه الحركات. وهذا النشاط الذي تبديه زوجة أخيه. حتى لكأنه فوجئ بعاصفة هوجاء، هبت عليه لا لتقتلع بيته الصامد، بل حتى روحه.‏

وحين غادرا البيت. لبث يفكر وهو يحك جبهته بكلتا يديه. ولم يستطع أن يخرج من تفكيره بقرار.‏

أهذا ممكن؟‏

لقد كان على يقين كامل، بأن شقيقه، لابد أن ينهار وتتحطم صحته، بعد أسبوع واحد من زواجه. وأنه سوف يتساقط قطعة قطعة. بينما هو أمامه الآن في صحة رائعة. وحالة حسنة والسعادة تملأ أعطافه.‏

إذن؟ هل يفهم من ذلك أنه لا حاجة به هو الآخر إلى هذه الأدوية الخانقة التي ينبغي أن يستغني عنها. كما يستغني عن تلك الرقابة المخيفة التي يفرضها على نفسه؟ أيمكن أن يخرج على هذا الذي يخيفه؟ ويرتمي في أحضان الحياة. ليعيش ويعيش، مثل ما فعل شقيقه؟ ألم يذكر لـه شقيقه وهو يبتسم، أنه لم يعد يتقيد بقاعدة. ولا يسير وفق أية نصيحة طبية. لقد ألقى بكل شيء إلى الشيطان. الأدوية والأطباء.‏

ماذا لو جربت؟‏

وفكر في ذلك. وللمرة الأولى. توجه إلى زيارة شقيقه الذي استقبله في فرح زائد. وقد ظل ماركو ذاهلاً مندهشاً من حرارة الاستقبال، لحظات طويلة. وكان يغمض عينيه ويردد للينا كلما حاولت أن تطوق عنقه.. يا لـها من شيطانة محبوبة. إن للينا شيطانة لطيفة. متدفقة الحيوية، مفعمة بالحماس. إنها هي الحياة.‏

وأرغمته إرغاماً على البقاء لتناول العشاء. وما أكثر ما أكل. وما أكثر ما شرب. ونهض منتشياً بالبهجة أكثر من نشوته بالخمر. ولكنه ما كاد يصل إلى البيت، حتى شعر بألم، وبضيق في الصدر وانقباض في المعدة، أرغمه على البقاء في الفراش بضعة أيام. وقد حاول هانبيال عبثاً أن يقنعه بأن هذا المرض إنما أصابه بسبب تردده. وتفكيره الطويل قبل الإقدام. وكان ينبغي عليه أن يُقدم في شجاعة، وفي بهجة عظيمة، على هذه الفكرة.‏

ونظر إلى أخيه بعينين ذاهلتين وهو يردد:‏

ـ لن أفعل ذلك أبداً.. لن أعود لمثلها أبداً.‏

وكان يطيل التحديق في عيني أخيه، حتى أن هانيبال داخله الشك في معنى هذه النظرات الفاحصة. فسأله، وقد شحب وجهه، واحتضرت الابتسامة على شفتيه:‏

ـ ماذا ترى في؟‏

يا لـه من شقي. إنه الموت. الموت. إنه يحمل دلالته في وجهه. وهي دلالة لا تخطئ. لقد رآها في ذلك الشحوب الذي عرا وجهه، فجأة. إن وجنتيه تلتهبان. إنهما شعلتا هذا الموت. يوقدهما حين توشك أن تنطفئ البهجة والفرحة في الحياة.‏

ومات هانبيال بعد ثلاثة أعوام من الزواج. وكانت الضربة القاضية في نظر ماركو. لقد توقع ذلك. وكان يعرف أن أخاه لابد أن ينتهي هذه النهاية المؤلمة.‏

ولم يشأ أن يخاطر حتى بمصاحبة جثمانه إلى المقبرة. إنه يريد أن يوفر على نفسه، فضول الناس ونظراتهم التي تحمل في طياتها معاني العطف أو الحقد عليه. إنهم من ناحية يشاركونه الإحساس بالفجيعة ومن ناحية أخرى يدفعهم الفضول إلى التحديق في وجهه، وتسليط النظرات الفاحصة على ملامحه لاكتشاف علامات ذلك المرض الذي مات به جميع أقربائه، حتى هذا الأخير. أما هو فلن يموت. إنه وحده، من بين أسرته، سوف ينتصر على الموت. إنه الآن في الخامسة والأربعين. ويكفيه أن يبلغ الستين ثم يموت. وهناك يكون للموت معنى آخر غير المعنى الذي كان لموت جميع أفراد الأسرة. ولا بأس حينئذ في أن يظفر الموت بمتعة القضاء عليه. فلا يهمه شيء في الحياة.‏

وضاعف العلاج والرقابة. وفي الوقت نفسه، حاول أن يبعد ذلك الذعر المتواصل الذي يؤلمه ويلاحقه كلما سعى إلى مراقبة نفسه. وقرر التظاهر بعدم التفكير في شيء. أجل إن بعض الكلمات تخرج من فمه، من حين إلى آخر. مثل كلمات الجو حار.. والطقس جميل. إنها كلمات تنثال على لسانه دون أن يرغب فيها. إنه ينطق بها لكي يتأكد أن صوته لم يبح.‏

وكان يطوف بالحجرات الرحيبة الفارغة في بيته الضيق. وهو يهز خصلة من القطيفة ويصفر. ولم تستطع الخادمة التي تعمل في خدمة هذا البيت منذ أعوام، أن تزيح من ذهنها فكرة إعجاب السيد ماركو بها. وفي رأيها أن امتناعه عن إبداء الإعجاب بها إنما كان بسبب الخجل. إنها تشعر بشبابها. وكلما رأته يدور في البيت تبتسم لـه وتسأله:‏

ـ هل تريد شيئاً يا سيدي؟‏

فينظر إليها من أعلى إلى أسفل، ثم يجيب في جفاف:‏

ـ لا أريد شيئاً.‏

فتقول:‏

ـ إني أعرف أنك تؤنبني لأنك تحبني.‏

فيصرخ في وجهها قائلاً:‏

ـ أنا لا أحب أحداً.. هل تفهمين؟ امسحي أنفك. إن الذي يتناول النشوق، ينبغي ألا يظهر الناس على بعض القطرات التي تنساب من أنفه.‏

ويدير لـها ظهره. ثم يواصل الصفير، ويهز الخصلة، ويدور. وفي أحد الأيام خطر لزوجة شقيقه خاطر شرير. فقررت أن تزوره. فما كاد يراها حتى صرخ فيها، وهو يضع كفيه على وجهه، لكي يتجنب رؤيتها وهي تبكي:‏

ـ أرجوك.. اذهبي. لا تخاطري مرة أخرى بالمجيء إلي، من فضلك. هل تريدين موتي؟ أرجوك.. أستحلفك أن تذهبي. إنني لا أقدر أن أراك باكية.. لا أقدر.‏

لقد كانت هذه الزيارة في رأيه جناية كبرى. ماذا تظن هذه الأرملة؟ أتظنه لا يفكر في أخيه. إنه يفكر ويفكر ولكنه يتظاهر بعدم التفكير.. لأنه ينبغي ألا يفكر.‏

ولبث نهاره كله في أسوء حال. وكذلك كانت ليلته التي استيقظ فيها، وأخذ يبكي بكاء طويلاً مستمراً. حاول أن يتظاهر بنسيانه في صباح اليوم التالي. كان مبتهجاً في صباح ذلك اليوم. وكان يصفر كأنه شحرور. ومن حين إلى آخر يردد: الجو حار.. يا لـه من طقس جميل.‏

وحين بدأ البياض يتسرب إلى شاربه الأسود كما تسرب إلى صدغيه، أحس بالسعادة تغمر نفسه. تلك علامة الانتصار على الموت. فقد مات أقاربه في شبابهم وكان مرضهم يقترن في ذهنه دائماً بهذه الفترة. وكلما بعد عنها أحس بالاطمئنان. إنه يرغب في أن يشيب ويصير عجوزاً. وهو يكره كل شيء ينسب إلى الشباب. يكره الحب والربيع. ويكره الربيع بصفة خاصة لأنه يعرف أن هذا الفصل هو أخطر الفصول على مرض الصدر. وفي حنق أخرس كان ينظر إلى أشجار الحديقة وهي تخضر وتنبت البراعم.‏

في الربيع لا يخرج من البيت. وحين يفرغ من تناول طعام الغداء يظل جالساً أمام المائدة، وهو يلهو بأنغام الكؤوس. فإذا أسرعت إليه الخادمة كفراشة تسعى إلى النور. طردها في غلظة وقسوة.‏

يا لـها من مسكينة. حقاً إن السيد القبيح لا يحبها. لقد تأكدت من ذلك حين مرضت مرضاً شديداً. لقد طردها لكي تموت في المستشفى. ولم يتألم إلا لأنه سيضطر إلى اختيار خادمة أخرى. لقد قضي عليه بأن يغير كثيرات في أعوام قليلة. وأخيراً لم تعجبه ولا خادمة. قرر أن يعيش وحده. وأن يقوم بكل شيء وحده. وبهذه الطريقة أضاف إلى عمره سنتين. وحينئذ خفت وطأة الحصار الذي فرضه على نفسه. اطمأن وشعر بأنه قد بلغ الهدف من حياته. وهو الآن يستطيع أن يموت. أجل إنه مستعد للموت. إنه مرهق وقلق ومتضجر. ولم يعد يطلب شيئاً من الحياة. وأي معنى للحياة بعد أن بلغ الهدف الذي حرص عليه؟ إنها بدون ذلك الهدف إعياء وقلق وضجر.‏

وبدأ يعيش خارجاً على كل قاعدة. وينهض من فراشه قبل العادة. ويخرج في المساء ويغشى بعض المنتديات ويأكل كل شيء حتى أتلف معدته. وكان الناس يضايقونه بقولهم ونظراتهم التي تلاحقه، مهنئة بما يتمتع به من صحة طيبة.‏

وتضاعفت وطأة الضجر والقلق. وأخذ السأم يخنقه، حتى اقتنع في أحد الأيام بأنه بقي هناك شيء ينبغي أن يفعله. ولم يكن قادراً على تبين هذا الشيء. ولم يستطع أن يحدده. ولكنه شيء لابد منه. ليتحرر من هذا الكابوس؛ ألم ينتصر؟ كلا.. إنه يشعر بأنه لم ينتصر بعد. لقد أكد لـه ذلك.. الطائر المحشو بالقش.‏

وأخذ يتأمل هذا الطائر ويقول:‏

ـ إنه قش.. قش.‏

ونزعه من قاعدته التي ثبت عليها. وأخذ سكيناً صغيراً. وبقر بطن هذا الطائر وهو يقول:‏

ـ قش.. إنه قش..‏

وتأمل في أركان الحجرة. فرأى المقاعد العتيقة المكسوة بالجلد الصناعي. وبنفس السكين الصغير أخذ يمزقها ويستخرج حشوها، وهو يردد بوجه كساه القلق والتضجر.‏

ـ قش.. قش.‏

ماذا يقصد بهذا؟‏

لقد ذهب إلى المكتب. وجلس أمامه وأخرج من أحد الأدراج مسدساً. وصوبه نحو صدغه. وهكذا فقط أمكنه الانتصار حقاً.‏

حين انتشر في البلد خبر انتحار ماركو لم يصدقه أحد. لما عرف به من حرص شديد على الحياة وإصرار على البقاء، ذلك الإصرار الذي صاحبه حتى بلغ المشيب. والذين شاهدوا الحجرة والأرائك والمقاعد الممزقة، لم يتوصلوا إلى فهم أسباب الانتحار. ولا سبب تمزيق المقاعد، واستخراج حشوها. واعتقد الجميع أنها جريمة. وأن هذه الأفعال إنما قام بها لص أو لصوص. وكانت أول من آمن بهذا الظن، السلطة النيابية التي بدأت بحثها وتحقيقها في الحال.‏

وبين الدلائل الكثيرة، كان ذلك الطائر المحشو بالقش يتصدر مكان الشرف. وكلِّف أحد علماء الطيور المشهورين، بتحديد الفصيلة التي ينتمي إليها هذا الطائر الذي كان يسعده أن ينير المحكمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244