|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
شعرية النظم عند وجيه البارودي "مقاربة في النقد التطبيقي" ـــ د.أحمد علي محمد أولاً: مهاد نظري: 1. انبثقت فكرة الشعر المنظوم في البداية من التعريف الذي وضعه قدامة بن جعفر بقوله: "إنه كلام موزون مقفى دالٌ على معنى"(1). وقد أثيرت مشكلات جمة بوجه هذا التعريف أظهرها أنه محا الفارق بين الشعر والنظم، أو أنه تعريف يتناول شكل الشعر دون قضايا المضمونية والشعورية ووسائله التصويرية(2). والواقع أن قدامة رجل منطق ينزع إلى تبيان الحدود ووضع التعريفات، و تعريفه الآنف محاولة لتحديد ماهية الشعر من جهة التصنيف، فقد أراد أن يضمن تعريفه من بين عناصر الشعر ما يقبل المعايير، فوضع بذلك أساساً للشعرية على اعتبارها نزوعاً علمياً لدراسة الشعر، من أجل ذلك استبعد ماله صلة بالشعور والعاطفة، لأن تلك العناصر لا تنضبط من الناحية المعيارية، أي لا يمكن أن تكون موضوعاً للعلم أو موضوعاً للشعرية بحسب التصور النقدي الحديث لهذا المفهوم. إذن قدامة بن جعفر من أوائل النقاد الذين حاولوا إثارة الخلاف حول حدود الشعر وماهيته، مؤسساً بذلك دراسة نقدية رائدة مجالها دراسة الشعر دراسة علمية، وكان ذلك في حدود وعيه حتمية تطور الأشكال الشعرية بين مستويين أساسيين دلالي وصوتي، وإذا ما أعدنا النظر إلى تعريفه السابق وجدناه يحصر مكونات الشعر الأساسية بأربعة عناصر: اللفظ والمعنى والوزن والقافية، وفيها عنصران يتصلان بالدلالة: اللفظ والمعنى، وعنصران صوتيان: الوزن والقافية، وينبغي ألا نفهم من الدلالات أو الأصوات هنا التوصيف اللغوي الحديث كما هو الشأن في مباحث دوسوسير أو غيره، وإنما نريد من ذلك أن اللفظ والمعنى عنصران لا يختصان بالشعر وحده إذ هما عنصران مشتركان بين الشعر والنثر، ومشتركان بين الأدب وضروب التعبير كافة، غير أن ما يميز اللفظ والمعنى في الشعر شعريتهما، وهنا يكمن الخلاف بين الشعر والنثر، وما يميز اللفظ والمعنى في الأدب هو أدبيتهما، وهنا يكمن الخلاف بين الأدب وضروب التعبير عامة، وما يميز لفظ الشعر ومعناه عن لفظ النثر ومعناه هو انسجامها مع العنصرين الصوتيين أعني الوزن والقافية، وهذا هو أساس الشعرية في الشعر بحسب الذوق النقدي القديم الذي لا يريد أن يعترف بشعر دون وزن وقافية، في حين يبدو انسجام اللفظ والمعنى في النثر مع عناصر إضافية في النثر نفسه ما يحدد أدبية النثر. لقد أدرك كوهن كما أدرك قدامة بن جعفر أن الشعر قبل أن يكون موضوعاً للشعرية ينبغي أن يتبلور بصورة تعريف واضح يقبل المعيار، ومن هنا نفهم إصرار قدامة على حصر تعريف الشعر فيما يقبل من عناصره التكوينية المعيار كاللفظ والمعنى والوزن والقافية، وهي القضية التي توقف عندها كوهن حين قال: إن كلمة شعر لا تسلم في الاستخدام المعاصر من اللبس ولا سيما مع وجود تعبير عصري شائع الاستعمال اليوم وهو ما يعرف بالقصيدة النثرية، من هنا فقدت كلمة شعر في الفهم المعاصر وضوحها التام، أي عندما تجاوز الشعر قيد النظم الذي كان يحدد مفهومه ويميزه من النثر، ولهذا رأى أن تعبير القصيدة النثرية يفترض إعادة تحديد مفهوم الشعر اليوم تمهيداً لدراسة شعريته دراسة علمية(3)، وهو الهدف نفسه الذي توخاه قدامة من تعريفه الشعر في القرن الرابع الهجري. انطلق كوهن في تعريفه الجديد للشعر من تحليل البنية اللغوية، لافتراضه أن اللغة تقبل التحليل من الجهتين الصوتية والدلالية. وقد لاحظ أن المستوى الصوتي في اللغة لا يقوم إلا على النظم، ويحيل في كلامه هنا على معيارية اللغة وقواعدها، فليست هنالك لغة بلا قواعد لذا فالمعيار في اللغة موجود افتراضاً وحقيقةً، غير أن اللغة لا تكتمل بجانبها الصوتي المعياري فحسب بل تحتاج إلى الجانب البلاغي اختياري بيد أنه في آخر الأمر يشكل معياراً لا يختلف عن المعيار الصوتي إلا من حيث الالتزام أو الحرية، بمعنى أن الجانب الصوتي في اللغة معيار إلزامي والجانب الدلالي معيار اختياري. لقد أقر كوهن أن معايير النظم في السابق كانت تحكم الشعرية، ولما جاءت البلاغة أسهمت في دفع الوسائل الصوتية إلى المعيارية الخالصة. أما الشعرية في الزمن الحديث فقد انطلقت من مستويات ثلاثة في الشعر: الأول يتمثل بقصيدة النثر أو قصيدة الدلالة التي تتحرر من الجانب الصوتي أو معيار النظم، معترفاً صراحة أن هذا الجانب غير مستغل في هذا الضرب من الشعر، من أجل ذلك نهض فيها الجانب الدلالي ليحقق الجمال المطلوب. والثاني: قصائد صوتية لا شيء يفرقها عن النثر سوى إقامة القافية والوزن، وهذا الضرب من الشعر تتراجع فيه مردودية الشعرية. والثالث: الشعر الصوتي الدلالي أو ما سماه بالشعر الكامل يقابل في الجدول الآتي النثر الكامل:........
لقد استخدم كوهن النثر الكامل قبالة الشعر الكامل، ليدل على النثر الذي لا يعتمد على اللغة المنظومة، وإن اعتمدت على الناحية الدلالية ليجري مقابلة سياقية بين: نثر/ نظم ونثر/ شعر. وما يتوخاه من هذا الصنيع تحديد موضوع الشعرية، أي الشعر المنظوم الكامل ببعديه الصوتي والدلالي، ومن ثم يريد تحديد الهدف من هذا الإجراء التطبيقي بين الشعر والنثر تمهيداً لتحديد السمات الشعرية في الشعر فذكر أن: "هدف الشعرية بعبارة بسيطة هو البحث عن الأساس الموضوعي الذي يستند إليه تصنيف نص في هذه الخانة أو تلك، فهل توجد سمات حاضرة في كل ما صنف ضمن الشعر، وغائبة في كل ما صنف ضمن النثر، إذا كان الجواب الإيجاب فما هي؟ إن ذلك هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه كل شعرية تسعى لأن تكون علمية"(4). 2. اعترف كوهن أنه ليس بالإمكان تحديد السمات الشعرية في الشعر دون أمرين اثنين: الأول: المقارنة بين الشعر والنثر لا لبيان ما يختص به الشعر وما يختص به النثر فحسب بل بوصف النثر معياراً، والشعر إما أن يكون موافقاً أو مخالفاً له، وبمعنى آخر تستوجب تلك المقارنة اعتبار النثر قاعدة والشعر انزياحاً عنها لرصد مجالات الشعرية فيه. والثاني توجيه البحث عن الشعرية في الشعر إلى الناحية الأسلوبية بدلالته الإيجابية لا السلبية، أي حين يكون الأسلوب منحرفاً عن القاعدة أو المعيار، وبهذا المعنى يصبح الأسلوب في ذاته انزياحاً يحقق أغراضاً جمالية، بوصفه كما قال ليس عادياً وغير شائع. تحدد أسس الشعرية عند كوهن باللغة، ولكن بعد إخراجها من حيز التصور المادي الذي وضعه فيها دوسوسير إلى حيز الشكل، وهو الفهم المطابق تماماً لفهم قدامة بن جعفر وسائر النقاد القدامى، إذ اللغة عند هؤلاء شكل وليس مادة، لأنهم حين أقاموا أحكامهم على قيمة الشعر أقاموه على اللغة والصياغة والنسج لا على المادة التي هي الموضوع أو المحتوى، فتصوروا أن الشاعر كالصانع لا يلام على مادة صناعته، وإنما على طريقة الصياغة والنظم أي على الأسلوب أو على اللغة بوصفها شكلاً لا بوصفها مادة، واعتبار اللغة مادة خطأ في التقدير، لأنها طبقاً لفهم كوهن وطبقاً للفهم البنيوي عامة شكل، واعتراف كوهن بشكلانية اللغة ومن ثم تصحيحه الخطأ الإجرائي الذي وجد عند علماء اللغة المحدثين وعلى رأسهم دوسوسير كان من شأنه تصحيح مسار البحث في الشعرية، ولهذا تسنى له أن يقول: "ووجهة النظر الشكلية هذه التي تطبقها البنيوية على اللسان سنطبقها من جهتنا على الكلام أي على الرسالة نفسها. فالنثر والشعر يتميزان داخل لغة معينة كنمطين مختلفين من الرسائل. وعليه تتعارض رسالتان بدورهما سواء في المادة أو الشكل، وذلك على مستويي العبارة والمحتوى معاً وسيكون الشكل وحده موضوع بحثنا عن هذا الفرق منفصلين بذلك عن الشعرية التقليدية التي كادت إلى وقت قريب تجمع على البحث عنه في جانب المادة"(5). 3. إن إصرار قدامة بن جعفر على فصل الشكل الشعري عن محتواه يؤدي إلى فهم أعمق لأصول شعرية الشعر؛ أو إلى تحديد الشعرية على أساس جمالي ليس غير، ذلك لأن المحتوى يحيل على المستوى الأيديولوجي ويهمل البنية اللغوية، وهذا لدى النقاد الغربيين اليوم أشبه بممارسة تثير الكثير من الاعتراضات من قبل كوهن نفسه الذي يعد نفسه منظراً جديداً للشعرية من خلال الطريقة التي قيلت فيها القصيدة لا من خلال محتواها، والأمر المثير أن هجومه على أصحاب نقد المحتوى الشعري في الغرب جاء لصالح رأي قدامة، لأنه في كل كلامه على ملمح الشعرية الأسلوبي يؤكد سلامة النظر إلى كون الشعرية طريقة في الصياغة يقول: "ويصر نقادنا اليوم على البحث عن المحتوى القوي الجاد لدى الشاعر كما لو كانت القيمة الجمالية للقصيدة تكمن فيما قيل لا في الطريقة التي قيلت فيها فالقصيدة تحلل في مستواها الأيديولوجي، أما المستوى اللغوي فيهمل أو ينظر إليه باعتباره مؤشراً أو عرضاً، فيهتم بالشاعر أكثر من اهتمامه بالشعر. إن الشرح الأدبي يغدو علماً بالخبايا. فالعمل الأدبي أثر يسمح بالانتقال إلى المؤثر، وعندما يصير علم الأدب تحليلاً نفسياً أو سوسيولوجياً فإنه يبقى عند القضايا القديمة... ولنتفق أولاً على أننا لا نسعى إلى إنكار صلاحية تأويلات التحليل النفسي والسوسيولوجيا، فلهذين العلمين كامل الحق في مساءلة العمل الأدبي كما هو الشأن بالنسبة لكل مظاهر الواقع الإنساني الذي يكون موضوعهما، وإنما نريد أن ننكر الهالة الجمالية التي يدعيانها أحياناً بغير حق، وربما كان ذلك بطريقة غير إرادية. فعندما نعالج عرضاً مرضياً أو وثيقة نخطئ ما يميزها وهو الجمال. يرى كوهن أنه يمكن للشعر أن يتجاوز الصفة الصوتية، فقصيدة النثر مثال واضح لذلك التجاوز، ولكن السؤال المهم الذي أطلقه بعد ذلك هل استغلت قصيدة النثر كامل أدوات الشعر؟ يقول: "إن الفن الكامل هو الذي يستغل كل أدواته، والقصيدة النثرية بإهمالها للمقومات الصوتية للغة تبدو دائماً كما لو كانت شعراً أبتر. فالنظم إذن من مقومات العملية الشعرية وبهذه الصفة يجب أن ندرسه"(6). إن النظم بنية صوتية دلالية، يختلف عن قصيدة النثر وعن الاستعارة، وهو في الوقت نفسه يمتلك آلية الرجوع عن النثرية وتجاوزها في آن واحد، وهذه الصفة فارقة للنظم دون النثر الشعري الدلالي أو قصيدة النثر، ذلك لأن التجاوب الموسيقي كالذي يحدثه الوزن والقافية والتكرار في عملية النظم تعطيه تميزاً عن النثر، وتفرقه عنه في الوقت ذاته، ليكون النظم خاصة شعرية بامتياز، يقول جاكبسون في النظم "هو خطاب يكرر كلاً أو جزءاً نفس الصورة الصوتية"(7). 10. إن موضوع الشعرية كما حدده قدامة بن جعفر قديماً وجان كوهن حديثاً يمثل التقاء حول فاعلية الأداة النقدية التي تريد في آخر الأمر أن تجيب من خلال الممارسة والتطبيق عن سؤال جوهري فحواه: ما الذي يفرق الشعر عما سواه، ومن ثم ما الذي يجعل من النص المكتوب شعراً؟ بمعنى آخر كيف تعبر الشعرية عن نفسها في الشعر نفسه، أو ما هي السمات التي ينبغي أن يحملها الشعر ليكون شعراً دالاً على خصائصه النوعية ومزاياه الخاصة. وتبقى طرائق المعالجة النقدية، أقصد من خلال النماذج المطروحة للدراسة، إن كانت تنتمي إلى سياقاتها الشعرية كفيلة بالإجابة عن ذلك التساؤل. وهنا نريد أن نضع نصاً من نصوص وجيه البارودي، مأخوذاً من ديوانه الموسوم بـ "سيد العشاق"(8) تحت دائرة الحوار والتساؤل النقدي معترفين منذ البداية أننا نتعامل مع نص لغوي نريد أن نثبت أنه قابل ليكون نصاً شعرياً أو غير شعري، متوسلين لإتمام فعل القراءة بالنظم بوصفه المدخل الأساسي للبحث عن شعرية كل نص. ثانياً. مقاربة نصية: قدري هواك
لعل أهم سمة تكوينية لهذا النص تتمثل بالنظم، وهو نص اخترناه ليكون نموذجاً يشكل في الأساس شبه قاعدة، أي أن سمة النظم فيه تنهض عاملاً مشتركاً بين كامل ما أنتجه الشاعر في ديوانه (سيد العشاق) وفي دواوينه الأخرى، كما هي سمة مشتركة بين شعر البارودي عامة وسائر الشعر المنظوم الذي يشكل سياقاً أو رديفاً لتجربة الشاعر، وفي الوقت نفسه نرى أن أسلوب النظم في النص يقوم على انزياح واضح عن النظم عامة، بمعنى أن القصيدة وهي صورة من صور النظم تشترك مع سائر الشعر المنظوم عند البارودي من جهة كون النظم المتمثل بالوزن والقافية أو الصفة الصوتية معياراً يحدد الفارق الموضوعي بين الشعر وغيره من ضروب الكلام، وفي الوقت نفسه تختلف من جهة أسلوبها المنظوم عن قصائد أخرى للبارودي كما تختلف عن سائر الشعر المنظوم الذي يشكل السياق الشعري عامة. وعلى هذا الأساس يمكن تميز خاصية النظم هنا بظاهرتين لغويتين: التكرار والتركيب الإضافي المنبثق أصلاً عن نمط تكراري. فالتكرار بصورته المعهودة جاء في مطلع النص حيث تكررت كلمة عتاب ثلاث مرات: العتاب/ العتاب/ عتاب، لتلعب دوراً حاسماً في تقسيم ثلاث وحدات أو تفعيلات ضمن إطار الوزن، قاطعة نهاياتها بالألف المطلقة على النحو الآتي:
وهذا يوضح كيف تحول التكرار إلى سمة من سمات النظم لدخوله في نسيج الوزن، ومن ثم دل على سمة أسلوبية خاصة بالنظم، مما يشير إلى أن استخدام هذا الضرب من التكرار في هذا الموضع علامة مميزة لهذه القصيدة دون غيرها من القصائد التي أنتجها البارودي وغيره من الشعراء الذين ركبوا مركب الشعر المنظوم عامة. وعليه يمكن أن نلاحظ أن النظم بطوابعه الخاصة والقائم على هذا الضرب من التكرار تحول إلى عنصر شعري منسجم مع معيار الوزن ومتميز عنه في الوقت نفسه، وهذا بحد ذاته مؤشر دال على سمة شعرية يتميز بها النص الآنف. إن التكرار عامة غايته استدرار الطاقات الموسيقية في الألفاظ في محاولة مضاعفة الإيقاع الناجم عن الوزن والقافية، وإذا كانت القافية المجال الأرحب لانتظام الإيقاع وضبط مجالاته، ولهذه الغاية جيء بالتصريع في مطالع الشعر كي يحدث تناغماً بين نهاية المصراع الأول ونهاية المصراع الثاني في البيت أعني القافية، فإن النص الآنف قد استغنى عنه لاكتنازه في الأصل على طاقات موسيقية فائضة، نجمت عن الوزن والقافية والتكرار الموظف لبعث كامل ما تنطوي عليه الألفاظ من طاقات موسيقية، وقد أدى ذلك كله إلى قوة النظم وتماسكه مع تخليه عن بعض الطاقات الصوتية المتبعة بصورة تقليدية عند الشعراء الآخرين، فمن خلال قراءة المطلع نجد أننا نسبح في بحر من الإيقاع، وهذا ما يصرف نظرنا عن التساؤل لماذا جاء المطلع بغير تصريع مع أن هذا العنصر من مكونات النظم في قصائد كثيرة للبارودي نفسه، أو صار وفقاً للاعتياد عنصراً مكوناً لكثرة ما يتردد في فواتح الشعر. أما التكرار الذي جاء على صورة تركيب فأمثلته في النص: ـ ب2: أكفر كافر ـ ب5: بالعجب العجاب ـ ب 10: بقدرة قادر فالعبارة الأولى محدثة، بمعنى أن الشاعر أوجدها ثم أجراها مجرى التركيب، مضفياً عليها صبغة شعرية، مع أنها مضادة للعقل، لأن الكفر كفر في نهاية الأمر ولا معنى للمفاضلة بين كفر وكفر، والذي دعا الشاعر إلى مثل هذا التركيب رغبته الملحة لتقوية جانب النظم، أو خلق تراكيب متجانسة منصهرة بصورة تكرار إضافي، والنظر إلى العبارة من خلال محور الاستبدال يدل على أن هنالك كلمات كثيرة كان بإمكانها أن تحمل المعنى المراد، وتقوم بالوظيفة النظمية ذاتها فكان بوسعه أن يقول: أكبر كافر أو أول كافر، دون أن يحدث خلل في البناء الوزني، غير أن ميله الشديد إلى المجانسة والتكرار دعاه إلى مثل هذا التركيب ليكتسب النظم طابعاً منسجماً إلى أقصى ما يعنيه الانسجام الصوتي، ومؤدى ذلك أن جانب النظم في النص ينزع بقوة إلى ذلك الضرب من التكرار. والعبارتان الثانية والثالثة كثر دورانهما على الألسنة، فصارتا أدخل في كلام العامة منه في اللغة الشعرية، والسؤال المهم هنا: ما الدافع الموضوعي إلى مثل هذا الصنيع، أعني ما حاجة شاعر اكتملت أدواته إلى إعادة عبارات كثر دورانها في الحديث العام إلى حيز الشعر؟ هل كان ذلك من باب استثمار نمط تكراري غير معتاد؟ أم كان محاولة لإزالة العقبات كافة أمام القصيدة لتستكمل قدراتها الموسيقية من مشارب خارجة في الأصل عن حيز التراكيب الشعرية التي تبحث عبر مفهوم النظم عن التفرد والانزياح التام عن كل ما هو مألوف؟ إن الشاعر في تعامله مع اللغة ينفر مما هو معتاد أو مكرور على نطاق التعبير وعلى نطاق المعاني، ذلك لأن مبحث السرقات في تاريخ نقدنا قد أسهم في قدر كبير من ذلك التنافر بين الشاعر وما هو مستعمل من الكلام، فقبحت سرقة الألفاظ والمعاني بين الشعراء أنفسهم، فكان نازع التميز عن أبي تمام يدفعه إلى الغريب والغامض والبعيد، ولطالما تغنى بمعانيه الأبكار، وكذا المتنبي الذي كان شعره نشيداً لا ينقطع عن التفرد في اللغة والصور والمعاني، من أجل ذلك شغل خصومه بالتنقير عن سرقاته الشعرية لا لشيء إلا لإطفاء وهج التميز الذي كان يفخر به. لقد كان دأب البارودي بالفعل إخراج القصيدة من إسار النظم إلى مستوى آخر في النظم نفسه، بمعنى أنه أدرك أن اللغة الشعرية من جهة تركيبها الشعري قد استكملت جوانبها من قبل شعراء سابقين، فإذا كان عنترة العبسي في الجاهلية قد اشتكى من إسار النظم عندما لاحظ أن جمهور الشعراء في زمنه قد اعتوروا الألفاظ والمعاني نفسها في قوله(9):
فماذا يقول البارودي الذي جاء بعد عنترة بأربعة عشر قرناً من الزمان؟ هل يقول كما كان يقول عنترة؟ هذا هو أسر النظم الذي يفرض على الشاعر أن يصب التراكيب الشعرية في مضمار لا يخرج عنه، غير أن سؤال الشعرية قد يتحقق ضمن هذا المعيار بكل تأكيد، أعني التحرك نحو التميز في إطار المعيار نفسه، فمفهوم النظم نفسه يسمح بمسافة معينة من الانزياح الجمالي المقبول، وضمن هذه المسافة الجمالية تحرك البارودي ليطول من الحديث العام العبارات الفصيحة ثم يضعها في إطار نظمه، لأنها في ظنه غير مستهلكة شعرياً، ثم إنها تكسب النظم حيوية وجمالاً، وقد تحقق ذلك في عبارات انطوت على جمال وتناسق وانسجام، يتفق مع النظم، ومن هنا تم للنص الخروج بالنظم عن إطاره المتصلب إلى ناحية تدلل على حيويته، وليس بمقدور القصيدة التي تريد أن تضاعف طاقاتها الجمالية إلا أن تعمد إلى هذه الطريقة القائمة على انزياح مقبول جمالياً. إن الغاية من التكرار بصورتيه الموصوفتين آنفاً تقوية الجانب الصوتي في القصيدة، أي أنه جاء لصالح النظم، والسؤال الجوهري هنا هل قام شعر وجيه البارودي على أساس صوتي موسيقي فحسب؟ والمسألة الثانية هل القصيدة النموذج، أعني موضوع هذه الدراسة تتحلى بسمات صوتية فريدة أم تشكل سمة عامة لسائر ديوان البارودي؟ بداية يمكن القول: إن ما تكلمنا عليه بشأن خاصية النظم يكاد يكون سمة عامة لدى البارودي، فجملة أشعاره تجنح إلى ذلك النوع من التكرار الذي يحاول إدخاله في صميم عملية النظم لغايات صوتية إنشادية، ونستطيع أن نستثني من ذلك قصائده التي بدئت بالتصريع الذي يشي بالتقيد الصارم بمبدأ النظم الموروث، وما عدا ذلك تنهض شواهد كثيرة تنصر النموذج الشعري السابق الذي ينحاز بوضوح إلى التكرار الذي سميناه إضافياً أو مركباً منها قوله(10):
فقوله (أعقل عاقل) و(شغل شاغل) نزوع إلى الجانب الصوتي في النظم، غير أن ذلك الجانب قد ارتبط بجانب دلالي عميق، وهذا ليس افتراضاً يرجحه المنطق، بل هو حقيقة يرجحها النظم الشعري، والمسألة كما نتصورها ليست ضرباً من الائتلاف الموضوعي بين مكونات الشعر على النحو الذي عبر عنه قدامة بن جعفر حين تكلم على ائتلاف عناصر النظم كاللفظ الذي ينجم عنه دلالة بصورة آلية، وربما خرج الأمر عن تحديد جان كوهين الذي افترض ارتباط الطاقات الصوتية بالدلالية ارتباطاً يولد في الأصل شعرية الشعر أو ما سماه بالشعر الكامل، إذ الارتباط الدلالي بمسألة النظم عند وجيه البارودي رسم مجالات الرؤية الشعرية من خلال تطويره علاقة الاختلاف بين عناصر المادة التي يتشكل منها شعره كله، أعني العلاقة بين المرأة والقصيدة، أو بين موضوع الحب والإبداع. الحب والإبداع عند وجيه البارودي عنصران يختزلان تجاربه الشعرية كافة، إذ ينساق تحت إطارهما أهم ما تركه من نصوص محكومة بعلاقة المرأة بالقصيدة أو الحب بالإبداع، وهما خطان ناظمان للتجربة الشعرية في مضمارها المنظوم، ومن ثم فإن هذين المحورين يحددان المسافة بين البارودي والعالم ويتحكمان بمجال الرؤية الشعرية، إذ هو لا يرى في هذا العالم سوى المرأة والقصيدة، ومن خلال تلازمها يعي موقعه في الوجود. إن المسافة الموضوعية بين وجيه البارودي والإبداع محكومة بالمحتوى الشعري أو بالموضوع الذي نصطلح على تسميته بالغزل بالمعنى الواسع جداً للكلمة، ومن هذه الجهة تحيل القراءة السطحية لشعر البارودي أنه كرس كل شاعريته للكلام على هذا الموضوع، أعني التغزل بالمرأة، والواقع أن المرأة في شعر البارودي قناع يمكن كشفه من خلال النظرة الكلية العميقة إلى العلاقة بين ما هو مختلف أو متشابه في عالم وجيه البارودي وبين ما هو متنافر أو ما يشكل من حيث العلاقة ثنائية ضدية، ومن ثم يمكن قياس درجة الانزياح عما هو أصل في هذه المسألة، مثل أن يكون الغزل غاية الشاعر أو وسيلة للوصول إلى غايات أبعد تتمثل بالتعبير عن رؤية تحكم وجوده إنساناً شاعراً يعي موقعه في الوجود، ومن ثم يعبر عن ذلك الوجود بصورة مقنعة، وقد تكون تلك الصورة امرأة أو طبيعة أو أية ظاهرة وجودية تمكنه من بلوغ ما وراء الأشياء. من خلال استطلاع قصائد ديوانه المسمى بـ (سيد العشاق) نجد أن الشاعر لا يتعلق بعلاقات التضاد مثل تعلقه بعلاقات الاختلاف، فهو بكلمة واحدة يرى ذاته فيما هو مختلف لا فيما هو مضاد، أعنى أنه يرى في الإبداع والمرأة ما يعدل ذاته ووجوده، ولا يرى ظلاً لذاته في الظواهر التي تشكل ثنائيات ضدية، وعليه لم يتقنع الشاعر بصورة التضاد في العالم ليظهر ذاته من وراء وشاح، لأن الكلام على القانون المتضاد الذي يختزن الثنائيات في العالم شيء غير ذاته، وهنا بدا للبارودي أن فكرة الإبداع تتجسد في موضوع مختلف وهو المرأة، ومن هنا نفهم إلحاحه الشديد على ربط القصيدة بالمرأة، أو بمعنى آخر موضوع الإبداع بالغزل الصريح الواضح. وعليه نفهم سبب الإلحاح على ذكر المرأة في كامل شعره، إذ هو لا يذكرها بهذه الصورة المتكررة إلا لكونها سلماً للارتقاء إلى عالم الإبداع، فمن أجل ذلك تحولت إلى معادل لوجوده، وهي في الوقت نفسه عنصر من العناصر المكونة للنظم، ذلك لأن النظم عند البارودي لا يقوم على عناصر صناعية فحسب، وإنما يقوم على عناصر وجودية أدخلته إلى عالم حافل بالحياة والرؤى، ولم يستطع أن يلج إلى عالم الشعر إلا من خلال النظم ومن خلال المرأة، وهنا لابد من الإشارة إلى أن تعلق الشاعر بالمرأة على هذا النحو اللافت للنظر يؤدي في النهاية إلى رؤية وجودية وعى من خلالها أن الشاعر لا يمكن أن يحوز على صفة المبدع إلا من خلال وسيلة، فكما كانت الخمرة وسيلة أبي نواس إلى الإبداع الخالد كانت المرأة وسيلة البارودي للتميز. وفي ضوء هذه العلاقة لا معنى للفصل بين شعر النواسي والخمرة كما أنه لا معنى لحذف عنصر المرأة من شعر البارودي وشعر نزار قباني وشعر عمر بن أبي ربيعة، لأننا في مثل هذه الحال نفرغ التجربة الشعرية من محتواها، ومن ثم نلغي إمكانية تحقق الشعرية في نتاج هؤلاء الشعراء جميعاً. إن تعلق البارودي بالغزل كل هذا التعلق لا يدل على أنه أراد أن يضيف شاعراً آخر إلى شعراء العربية الذين اختصوا بهذا الباب، أي أنه ليس عمر بن أبي ربيعة جديد، كما أنه لم يكن يسعى ليكون نزار قباني آخر، وإنما كان تركيزه على موضوع الغزل للتعبير عن رؤية وجد من خلالها أن الانحياز إلى هذا الموضوع يعبر فيه عن فهم جديد لطبيعة الإبداع والوجود وحاملهما الأساسي إنما هو المرأة والقصيدة. لقد كان هنالك تساؤل دائم في ديوان البارودي عن حقيقة العلاقة بينه وبين المرأة، فقليلاً ما يتحدث عن مفاتنها، ونادراً ما يتحدث عن نفسيتها، وأسرارها، وعطرها وملابسها وأفعالها، وإنما تركز جل كلامه على أقوالها وحوارها وما يناله منها كالقبلة التي كانت مجالاً للبوح، وتارة أخرى كان يلح على الاختلاء بها، والمفارقة أنها هي التي كانت تدعوه إلى ذلك كما تشير بعض قصائده، وفي ذلك مؤشر دال على العلاقة أعني علاقة الاختلاف التي تهدف في آخر الأمر ليس إلى التكامل بينه وبين المرأة بل إلى تكامله مع الإبداع. في القصيدة السابقة ينفتح محتوى النظم من خلال فعل القول المسند إلى متكلمة غائبة، يقوم الشاعر بسرد الحوار عنها، والمهم فيما يرويه الشاعر عنها يتمثل بما زعمه في البيت الثالث:
بمعنى أن الخيال هو مبعث الشعر وليس المرأة كما يزعم الشاعر في هذا البيت، وهذا هو سبب العتاب في الأصل وسبب الخصومة وسبب المشكلة برمتها كما تطرحها حكاية القصيدة، وبعد ذلك تحاول القصيدة من خلال المرأة أن تعزز فكرة مختلفة منتجة فحواها أن القصيدة ليست من وحي خيال الشاعر وإنما تنبثق من خلال العلاقة بين الشاعر والمرأة أي العشق، ثم تسجل القصيدة بعد ذلك انتصاراً للعلاقة بين المرأة والمبدع، وليس بين الخيال والشاعر، إذ المرأة هنا تمكنت من أن تجذب الشاعر إلى حيزها عبر علاقة العشق لتكون الرشفات التي يرتشفها من فمها رشفات إبداع تنتج شعراً، وبذلك انفلت فعل الإبداع هنا من هيمنة الخيال، ليدخل في هيمنة العشق، ويمسي الشاعر في ضوء ذلك مستسلماً للمرأة التي تغذيه برحيق الإبداع على الدوام:
في هذين البيتين تختتم القصيدة، وتحسم القضية موضوع الجدل بين المرأة والشاعر لتكون الخلاصة أن الشاعر لا يطوقه إسار من جهة المحتوى كما تطوقه علاقة العشق، وكذلك لا يطوقه إسار من جهة التعبير كما يطوقه النظم، وهو في المجالين مستكين إلى كل هذه القيود لكنه وجد مساحة وافية ليسبح فيها ضمن سلسلة من القيود تتمثل بالانزياح قليلاً عن النظم ليرى ثمة خصوصية تعبر عن ذاته بالتكرار والعبارات المنغومة، ويرى ثمة مساحة أخرى يتيحها له المحتوى لتسبح الدلالة لديه في حيز من الرؤية الوجودية التي تقر في آخر الأمر أن الإبداع ليس من صنع الخيال لأن هذه قاعدة، وإنما الإبداع من فعل العشق وهذا هو شيء غير معروف، من أجل ذلك لم يقدم نفسه هنا شاعراً مبدعاً مفاخراً بخيالاته، وإنما قدم نفسه شاعراً مفاخراً بعشقه للمرأة التي تبعث في نفسه الإبداع والتميز والشعرية في آن واحد. إن متابعة القراءة بغية تبيان حدود الرؤية الشعرية عند وجيه البارودي، لا تتم إلا عبر استنطاق النظم. فالبوح عن علاقة الاختلاف والمغايرة لا يمكن أن تكون خارج إطار النظم، لأننا نريد كشف حقيقة تلك العلاقة غاضين الطرف عما يمكن أن يقوله الشاعر عن تفسير تلك العلاقة حتى لنفسه أو لخلصائه في أثناء حياته، فإن حدثت مثل هذه المكاشفة فتقدير شخصي سيختلف قطعاً عن التساؤلات التي يطلقها التحليل الإجرائي لجملة من النصوص، بلغة أخرى مكاشفات القصيدة غير مكاشفات الشاعر بكل تأكيد، وهي بالضرورة غير المكاشفات التي تظهرها القراءات النفسية التي تتحول في كثير من الأحيان إلى وثيقة إدانة للشاعر، لأنها في واقع الأمر تفتش عن زلات اللسان ومزالق القلم لتضبط الظواهر المرضية في شخصيته، في هذه الحال تصبح الظاهرة الأدبية خارج موضوع التحليل. والواقع أن هنالك دراسات كثيرة عبرت عن هذا المنحى فوسعت دائرة الحوار حول التركيز الشديد على موضوع التغزل بالمرأة عند نزار قباني مثلاً(11) لتخرج إلى توصيفات بعيدة عن الظاهرة الأدبية، وهو أمر لا يمكن أن تقوله القصيدة. ونعد اليوم التساؤل عن سبب جعل وجيه البارودي المرأة موضوعاً متكرراً لتشمل أغلب أقواله الشعرية من باب سوء التقدير، لأن التعلق بهذا التساؤل سيفضي إلى نتيجة حتمية ولكنها مزيفة فحواها أن ثمة نقصاً في حياته قد استكمله بموضوع الغزل. والحقيقة أن موضوع الغزل في شعر الرجل يشف عن رؤية إبداعية قبل كل شيء وعلى هذا الأساس ينبغي النظر إلى هذا الموضوع، بدليل أن هذه الفكرة مركزية في ديوانه فوجب أن تكون في مركز الدراسة الأدبية على الدوام. الحواشي: 1ـ ابن جعفر، قدامة (نقد الشعر) تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي القاهرة 1979م ص: 113. 2ـ عباس، إحسان (تاريخ النقد الأدبي عند العرب) ص: 132. 3ـ كوهن، جان (بنية اللغة الشعرية) ترجمة محمد الولي ومحمد العمري ط1 دار توبقل المغرب 1986 ص: 9. 4ـ المرجع السابق. 5ـ المرجع السابق. 6ـ المرجع السابق. 7ـ المرجع السابق. 8ـ المرجع السابق. 9ـ عنترة العبسي (ديوانه) ص 108. 10ـ البارودي، وجيه (سيد العشاق) طبع بحماه 1994م. 11ـ منها النرجسية عند نزار قباني لخرستو نجم.. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||