مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

القصة الرقية ـــ عايد سعيد السراج

الذين يكتبون القصة الرقية، كثيرون منهم على سبيل المثال: خليل جاسم الحميدي ـ إبراهيم الخليل ـ عبد الله أبو هيف ـ سامي حمزة ـ أحمد محمود المصطفى ـ هيثم الخوجة ـ أحمد المصارع ـ محمد الحاج صالح ـ بسام الحافظ ـ يحيى الكفري ـ خليل الرز ـ خليل الجرادي ـ محمد علي المزعل، محمد جاسم الحميدي ـ صبحي حمشو ـ إبراهيم كبة، عبد اللطيف الجاسم ـ مصطفى حقي نجاح إبراهيم. وآخرون.

ومن كتاب: ((الدم ليس أحمر)) إعداد الدكتور إبراهيم الجرادي، الذي فيه خمس عشرة قصة لخمسة عشر قاصاً، جميعهم من الرقة وصدر هذا الكتاب عام 1984 وفي الكتاب قول ربيعة الرقي، الشاعر العباسي ابن الرقة.

حبذا الرقة دار وبلد

 



بلد ساكنه ممن تود

ما رأينا بلدة تعدلها

 

 

لا ولا أسمعنا عنها أحدا

إنها برية بحرية

 

 

سورها بحر وسور في الجدد

وكذلك جرير الذي قال في الأنهار التي شققها هشام بن عبد الملك من الفرات بين الرقة والرصافة.

شققت من الفرات مباركات

 

 

جواري قد بلغن كما تريد

وقد ازدهرت الرقة وتقدمت في عصر هارون الرشيد. إذ كانت الرقة قبل عام 180 هـ/769م مصيفاً له ومنها تنطلق غزوات الصائفة لحروب الروم، وهنا قصر الخلافة المعروف ((بقصر السلام)) وقد ذكر (الجو مرد) أن مقر بلاط الرشيد (قصر الخلد) حين يكون ببغداد (قصر السلام) عندما يقيم في الرقة. وكلا القصرين من أفخم قصور الدنيا في ذلك العهد وأكبرها سعة ومجالاً. وقد بلغت الرقة في ذلك العصر، أوج عصرها الذهبي إذ كان الرشيد يقول: ((الدنيا أربعة منازل: دمشق والرقة والري وسمرقند)) وكانت زبيدة تقول لمنصور النمري: قل شعراً تحبب فيه بغداد إليّ فإني أختار الرافقة عليها. هذه هي الرقة التي فيها كم كبير من كتاب الأدب والثقافة فالناس هنا بفطرتهم يعشقون الشعر والقصص والجمال ورمزهم في ذلك الفرات. ومن الذين أجادوا في الشعر الكلاسيكي شاعر الرقة المرحوم فيصل البليبل والشاعر الكبير المرحوم: مصطفى الحسون الذي يسمونه جرير الرقة. أتصور أن القص ليس ذلك الذي يجتره الإنسان ليعيد رتابة الملل ويخيط الأثواب المهترئة من بلادة الواقع بل القص تبدّل وتغيّر وصهرته كثافة الحياة وأصبح زمناً شاقولياً تحول في القص إلى جوهر القص، والإبداع إلى جوهر الإبداع وراحت البنية اللغوية تنفض عنها كل ما هو ليس متسارعاً وملموماً. والقصة الرقية بشكل عام تعتمد على الحكاية وجوهرها بسيط ومترامي الأطراف، والحالة الشعبية الرقية ذات السمات الريفية تناسب هذا الجو نفسياً واجتماعياً ومعرفياً وهذا سبب الإقبال على كتابة القصة والعزوف عن الشعر إذ إن الشعر الحديث يعتمد على المعرفة والتخصصية منها، وهذه أهم الأسباب للعزوف عن كتابة الشعر على الرغم من الاستفادة من الجملة الشعرية في القص أحياناً. القصة طاقة كامنة بذاتها مثلها كمثل أي كائن متكامل مخلوق من رحم الحياة وخصائصها متفرعة منها يضرب عميقاً في أعماق الأرض، ومنها من يسير على وجهه، وآخر لا هو بالسائر على وجه الأرض ولا هو بالضارب عميقاً فيها بل يعتاش على فتات ما تخلفه دوابها. القصة كائن قديم قدم الإنسان وحاجته إلى التعلم والتعليم، فكل من حكى حكاية هي قصة فتعقدت القصة بتعقد الوعي، ولملمت أطرافها وذيول أثوابها ليحافظ شكلها الخارجي على جوهر الكائن الذي تريد. فالقصة حكاية ـ أو فكرة محكاة أو حادث ذا.. دلالة.. تطورت إلى كل هذا وذاك، في بناء متكامل له خصائص وسمات يعبر عنها بقدرات مختلفة تصل إلى ذروة الإبداع عند قلائل وهذا ما جعل الكثيرين يستسهلون كتابتها ويراكمون بساطتها على شكل كتابات نحترمها بأشكالها ومضامينها ولكن لا نسمح لها أن تثير الغبار على جلالة السيدة المبدعة القصة إذ إنه يتوجب على البشر أن يتمتعوا بالجميل المبدع. وليس دائماً يكون مثالهم الغث مخترقاً جهالتهم في عوالم الأدب، إن موضوع القصة شيق وجميل ولكنه شائك ومتناقض ومعقد بتعقد أشكال الوعي والنظر إلى الإبداع، فمفاهيم الجمال الراقي تحتاج إلى وعي كبير وتربية من نوع مميز وخاص، أما إذا كانت المسألة (كله عند العرب صابون) كما يقول المثل الدارج فتلك هي الطامة الكبرى، فغالباً ما نحتاج إلى أطنان منه لنغسل أدران الكلمات التي سودت نصاعة الورق، سأترك سيدة الجلالة القصة بمفاهيمها وأنماطها ومدارسها وأعرج إلى القصة الرقية. التي سطعت شموسها على مساحة الوطن العربي ومساحات أخرى من العالم فباع شيخها الدكتور عبد السلام العجيلي تلف أصقاعاً كثيرة من العالم، فالعجيلي كتب القصة منذ الثلاثينات من القرن الماضي وأصبح علماً من أعلامها في الوطن العربي، فقصصه الحكائية الجميلة جعلت منه أديباً متميزاً ورجلاً مرموقاً يذكر إن ذكرت القصة فهو يركز على الحكايات الظريفة ذات المضامين الإنسانية المطعمة بالبعد الاجتماعي الذي غالباً ما يكون مشبعاً بروح البيئة الريفية، حيث حافظ على هذا النمط من الكتابة التي كانت وما زالت ترضي وتعبر عن نمط الفكر الريفي بأنماطه المختلفة، إلى درجة أنك هناك في مدينة الرقة لا تستطيع أن تعطي رأياً مخالفاً للرأي السائد في أدب العجيلي، إذ ربما يكون الخلاف مع الآخر هو سيد الموقف لأن البعض لا يسمح بالحوار حول أدب العجيلي، فالمرحوم الدكتور عبد السلام العجيلي خير من عبر عن الواقع الاجتماعي الرقي السائد، وهو أمين لهذا الواقع ومنسجم معه فقصصه بسيطة وادعة غير متكلفة حكائية فيها تشويق وسرد، والعجيلي أضفى على مدينة الرقة ظلال القصة من حيث المثل. فأعطى لها العبرة بأن الأدب شيء مهم ومحترم، وبعض كتاب القصة مثالهم في الكتابة العجيلي وحتى هؤلاء لا أرى أن ظلال العجيلي موجودة في كتاباتهم إلا قليلاً ومن الذين يكتبون القصة في مدينة الرقة: بسام الحافظ ـ ماجد رشيد العويد ـ إبراهيم الكبة ـ عبد اللطيف الجاسم ـ طلال شاهين ـ صبحي دسوقي ـ عمر الحمود ـ يحيى الكفري ـ إبراهيم العلوش ـ عبد الرحمن المطر ـ عايد سعيد السراج ـ محمد البعلاو ـ تميم العيسى وفرحان المطر، وكل من هؤلاء الأدباء له خصوصيته في الكتابة وإن تربطهم البيئة بشكل واضح وجلي في غالبية كتاباتهم، وهي تشكل القاسم المشترك بينهم جميعاً وهناك من يكتب عن الواقع الاجتماعي الرقي بتفاصيل فضائحية مثل القاص طلال شاهين. ومن الذين يكبتون في القص الهذياني محمد غانم. ومن الذين يكتبون في عوالم مختلفة هاجسها الحلم والمتخيل، القاص والروائي خليل الرز مثال قصة (سولاويسي) وأغلب الذين يكتبون القصة من الأسماء التي ذكرت يقعون في إشكالية البناء الداخلي والبناء الخارجي للنص فالبعض تأخذه الحكاية ويطيل السرد، والبعض الآخر يطيل الحدث إذ يبدأ به، ويبدأ غير قادر على ضبط العمل فيخرج عن التقني ويكثر الإنشاء ولا يستمر في القبض على الحالة، فالضعف في التكامل الفني مرده إلى الخلط بين مفهوم القصة التي هي حكاية وفق شروطها الفنية، والقص الحديث وما تطرحه الحياة من مفاهيم جديدة ومتسارعة، مما يخلق عدم توازن في مفاهيم جديدة ومتسارعة، مما يخلق عدم توازن في مفاهيم الكاتب، والكتابة في ما هو عايش وما هو معاش. أي علاقة الجدلي بين الماضي بثقله ومفاهيمه ونمطيته والحاضر المتسارع بمفاهيمه الجديدة والمختلفة، ومن الذين يكتبوا القصة وفق مفاهيم جديدة: هيثم الخوجة ـ أحمد المصارع ـ خليل الطه وصبحي حمشو ـ ماجد العويد، فهيثم الخوجة لو كتبت له الحياة لكان معلماً حقيقياً في كتابة القصة، أما الباقون، فالبعض منهم ما زال يكتب وهو منكفئ على ذاته، أما الأصوات النسائية، فهناك القاصة نجاح إبراهيم وسحر سليمان وكذلك القاصة فوزية المرعي التي أصدرت مجموعة من الكتب والقاصة غزية العلو التي لم تصدر إلى الآن أي مجموعة قصصية رغم أنها تكتب القصة الرومانسية الجميلة، أما القاصة والروائية: نجاح إبراهيم، فهي تكتب قصصاً متميزة ذات كثافة لغوية وتستفيد من رشاقة الجملة الأدبية وهي تسير في كتاباتها بشكل متصاعد وكذلك الكاتبة القاصة والروائية شهلا العجيلي فهي تكتب القصة الواعدة إذ إنها تكتب بجرأة وبعمق إنساني. ومن الذين يكتبون القصة المتقنة: سامي حمزة ـ محمد الحاج صالح ـ مصطفى حقي ـ وفيصل حقي ـ وتطورت قصة سامي حمزة إلى درجة صناعة القصة المكثفة المتماسكة ذات الرموز العميقة والدلالات الموحية، أما محمد الحاج صالح ((الرّقي)) فيكتب قصصاً ذات أنماط مختلفة مثل القصة القصيرة جداً والقصة القصيرة وهو جاد في كتابة أدب قصصي متميز.

يرى الناقد والمفكر: جبرا إبراهيم جبرا ـ عدداً من المقاييس لاكتمال العمل القصصي الحديث منها:

1 ـ الاستكشاف.

2 ـ الشخصية.

3 ـ نقد الحياة.

4 ـ الشكل.

ـ (أما الاستكشاف فهو دلالة الحركة، دلالة الانطلاق، وهو كذلك محك الموهبة، فبعض موهبة القاص، عين شديدة الملاحظة، نَفّاذة الرؤية، ونحن كقراء نريد من يستصحبنا في سفراته الفكرية والتصورية، لأنه دائب الحركة، دائب البحث، يتوغل في الأزقة المظلمة، ويقتحم الأبواب المقفلة، وهذا الاستكشاف في القصة، لن يكون مقنعاً إذا لم تقم به شخصيات تتكامل مع تكامل القصة، فالشخصية هي لولب الحدث، ووسيلة الاستكشاف، ولذا يهمني جداً أن يكون بين أشخاص القصة من هو قوي النطق فيستدل من تجربته، أو يُيسر لنا الاستدلال. لعلة الغضب هو سمة هذا العصر، ولكن مهما تكن حصيلة هذا النقد، أو التقييم، أو السخط، يجب أن يتوفر فيه، فضلاً عن الشمول والعمق، ذلك الشيء الذي يعجز عنه كل تحديد، ذلك الشيء الذي على الرغم من انغراسه في الخاص والآني يستطيع نشر فروعه في المطلق وما يتعدى الزمن. وأخيراً الشكل فكل ما ذكرناه ما هو إلا العناصر الأولية، التي لا تؤلف قصة إلا عندما يتذكر القاص مسألة (الشكل) الشكل هو الخارج والداخل في ترابط وتماسك وتعاكس).

ويظل السؤال هل فعلاً هذا الذي يُكتب هو فعلاً أدب، وبما أننا في مجال القصة ـ هل الأعمال التي بين أيدينا هي فعلاً قصص، وبالتالي ينطبق عليها شروط القصة ـ أي هل مقومات عمل قصصي هي متكاملة في هكذا أعمال ـ مثل ـ الشكل ـ المضمون ـ اللغة ـ الحدث ـ التقنية ـ والترابط بين جميع هذه العناصر مجتمعة، وبالتالي القدرة على معالجة موضوع إنساني بأسلوب فني، أم أن المسألة لا تتعدى (شذر، مذر) عند البعض ـ وما هي القوة أو الضعف في البناء العام للقصة، أم أن كل من طبل له زيّد، وزمر له عَمرو، أصبح قاصاً، وتباهى في ذلك، بل هو معجب لا بأبيه فقط بل بنفسه وكتاباته، كيف لا وهو مدّاحها، أمْ أننا سوف نحول هذا الشح المعرفي والإنساني إلى كتابات جوفاء، تُذبح على موائد البؤس والنفاق هذا ما سنعرفه تباعاً لكتاب القصة الرقية الذين كتب ويكتب البعض منهم قصصاً جميلة ومتكاملة، ويكتب الآخرون مقالات هامشية، يدعون أنها قصصاً ـ حيث سنمر على الجميع، بما في ذلك الذين لم يخجلوا بأحد أفكار أو نصوص مترجمة أو غير مترجمة. ويدعون أنها لهم، وهذا ما سنوضحه تباعاً في دراستنا القادمة، أما الآن فأننا سنأخذ بعض الكتاب كنموذج لكتابة القصة الرقية وهم:

1 ـ خليل جاسم الحميدي.

2 ـ سامي حمزة.

3 ـ ماجد رشيد العويد.

4 ـ وأحمد المصارع.

أما القاصان إبراهيم الخليل وخليل جاسم الحميدي فكانا أول من كتب القصة بعد الدكتور عبد السلام العجيلي. ومنذ البداية التقطا هماً بيئياً ومعرفياً ووجودياً كبيراً فكتبا القصة المطعمة باللغة الشاعرية والحس الإنساني الذاتي العميق، وكانا أمينين ومهمومين بهذا الوجد، فكانت الغربة والبحث عن الذات واكتشاف سدم المجهول والأحلام، وعيد ميلاد الحشرات النائمة، والموتى يخرجون للنزهة، ومدن الذهول، فصول من العذابات للذات المبدعة في أطناب العشيرة (ومشيخة العفون) عند إبراهيم الخليل الذي خرج من جلده ممتطياً لوثه الأدب، ضارباً مهاميزه إلى عمق الواقع المتفجر سكوناً وبلادة ونوماً يصرخ منه الليل كمن ارتدى معاطف أشواك.

(أنت تقتلينني بالأسئلة المعلقة، تتركيني كجرح فاغر الفم تجاه السكين، ثم ترحلين ثم ترحلين كغيمة من المطر الوحشي والحُسن المتشبث بالأشياء حتى الإدمان يا امرأة ذات وجه متعب).

تقتليني ـ تتركيني ـ ترحلين ـ وهكذا هو بطل قصة الموتى يخرجون للنزهة من مجموعة البحث عن سعدون الطيب ـ مطبعة الكاتب العربي دمشق عام 1979.

فهو مهموم بالفعل ـ مهموم بالحياة، بسطاء هم شخوص القصة وطيبون ويحلمون دائماً باستكمال إنسانيتهم. (فصل رأسي بسرعة ثم علقه على الجدار.... رفع يده فعاد إلي رأسي ثم خرجت بسرعة، ركضت إلى الصحراء فتبعتني المدينة دخلت معطفي، ويسقط رأسي كمزهرية فخارية بين قدمي، تختنق الكلمات والأسواط تنام المدينة). التعامل مع قصص إبراهيم الخليل يحتاج إلى التأمل من نوع خاص للدخول إلى أعماق الجُمل وآفاقها الرحبة والبحث في الزوايا المتقنة. فالجرح عميق والدخول إلى الغور يمتد عميقاً إلى روح الكائن لأنه بعمق الصحراء ولغز الفرات. العمل الفني عند ـ إبراهيم الخليل ـ متكامل، يأخذك من اللحظة إلى عمق الحالة. فالتراكيب عميقة البساطة، متجذرة الحالة، موحية الدلالات وفي أحايين كثيرة تهزك في قبضة واحدة وتترك أمام المتأمَّل الغريب أو الراهن المُستغرب، بنية شكلية متماسكة النسج مخبورة الأبعاد، تتجاذب مع جوّانّي النص الموحي المعتمد على فضاءات الحس. فيجب الوقوف طويلاً عند أعمال إبراهيم الخليل القاص والروائي المهم لنأخذ عبر كثيرة عن كيفية كتابة الكاتب الإبداعي. أما خليل الحميدي فلا يختلف كثيراً عن زميله، فجغرافية القص مشتركة بينهما و(بارو متراهما الزئبقي) هو الفرات والبيئة والثقافة الابتدائية المتقاربة، والشرط الوجودي هو شرط مشترك بينهما، أي الغربة والضياع، والبحث عن الذات والهم بالآخر، ولحظة الصدمة بالمقابل، وطغيان الروح السائبة واندثار الحلم، والهم بالمرأة الحلم، والوطن الضائق عليهما والتجذر بالأرض المتيبسة، كل ذلك وغيره كثير جعل منهما أديبين متميزين لكل خصوصيته في الكتابة فهما امتازا وتميزا بكتابة القصة الرقية وجعلا (وبعض ليس بالقليل من كتاب القصة الرقية) لها هذه النكهة، فخليل جاسم الحميدي وفي مقدمة مجموعته "موت الرجل الغريب" الصادرة عن دار ابن هانئ يقول المعرّف: في قصص الحميدي ثمة عالم مجنون ومخبول وأبطاله عامرون بالنذالات والقهر والانكسار، كما هم عامرون بالحب والحلم والقيم، والأحزان الصغيرة وبطل الحميدي الفرد المتمرد المطحون بالخيانات، والانكسارات، يصعّد الموقف التاريخي ويعطيه حساً تراجيدياً هو في أحد وجوهه الشكل الملحمي للصراع الإنساني. فعوالم الحميدي موت الرجل الغريب، الدم، الخنجر، الجوع، الحصار وهواجس عن أية غربة يعيشها أبطال خليل جاسم الحميدي محاصرون وغرباء تلاحقهم الثارات والخوف والبلاء. وبالقدر الذي هم محبون للحياة تراهم يعيشون في آبار من عدم الأمان. فهم مخّيبون ومطاردون، فلا أمان ولا أمنٌ عليهم، فاللحظات متشظيات، معبآت بالبارود ويُسرقُ الحلم ـ هذا الحلم القصديري ـ المصهور بكتل الحس ورغائب الحياة فأسلوب الحميدي بسيط وسلس وعميق، واللغة عنده مدروزة بأيدي خبيرة منساحة غير متكلفة والربط بين الداخل والخارج أكثر قوة واتحاداً، ونادراً ما ترى خللاً في قصص الحميدي، فالتوافق العميق بين الشكل والمضمون مرده ليس إلى الثقافة وفهم عالم القص وحده، بل أيضاً إلى صدق التعامل مع المفردة والقدرة الحسية على تشكيل الحدث والأمانة في ذلك، فأنت تتفاعل مع أبطاله، تحبهم وتكرههم أو تتعاطف معهم، وكأنهم أناس من لحم ودم، واقعيون طيبون ماكرون وشذاذ أفاق، ولكنهم مصنوعون من الحياة..

(في قصص الحميدي، ثمة عالم مجنون ومخبول، وأبطاله عامرون بالنذالات والقهر والانكسارات، كما هم عامرون بالحب والحلم والقيم والأحزان الصغيرة) هكذا هي مقدمة ـ المجموعة القصصية ـ موت الرجل الغريب ـ الصادرة عن دار ابن هانئ ـ بدمشق ـ فالسخط وشتاء الخوف ـ والركض في الأزمنة المنهوبة ـ وهي عناوين لمجاميع مختلفة للقاص في الزمان والمكان، ولكنهن جميعاً عنوان لكتاب واحد يؤلفه الكاتب منذ كتابته لحرفه الأول، ألا وهو كتاب الغربة ـ والخوف ـ والقلق ـ والارتماء بأحضان النار التي تُطهر الجسد، فالغربة تتآخى معه وهو في أحضان حبيبته الدافئ والخوف يلازمه، وهو الذي لا يعيش إلا في وسط جمهرة الناس، والقلق سمته الوجودية، التي لازمت قبله جده المتنبي الذي قال: (على قلقٍ كأنّ الريح تحتي... أُوجهها جنوباً أو شمالاً) فهو قاص متأرق بالحالة ـ مهموم باللحظة، منفلت من ذاته، ومن صيرورة المكان رغم همِّه به، وهو متجاسر على الهروب من الزمان. منه وفيه، لدرجة أنك تخاله متشظياً في أكثر من آن وهو في الآن، ومن الصيرورة الأخرى تراه عاشقاً متفرداً في عشقه، فالنصوص لديه تَسكَر بالشاعرية العاشقة، والمرأة في قصته (الحصار) تتحول إلى الدال والمدلول، فهي عشتاره المتجانسة مع المدينة الذائبة والمذابة فيها، والدالة على قعرها، وناسها الذين في القاع، فهي الدلاء التي تجلب ماء الحياة، فالبئر، أفقي ممدود إلى مشيمة الرهز البشري، حيث طينة الكائن الذي شوته شمس القيظ، ورواه طائر القطا بلعابه الفراتي، فمدت أصابعها ـ منار ـ الميدي ـ لتجلب أيقونة الغريب، لليّالي الحالمة. فكدّس الحميدي تجربته التي اختزلها على مدى عشرات السنين لصناعة الجملة القصصية، وكان رائداً في جملتها وحسها الفني، وكذا في حرارة المفردة التي نطقت بما تَقوّله الحميدي، من وأجِّ سعيره الداخلي، الذي كان رحيماً بأنسنة الكتابة، ووجدانياتها (عرفت منار، فعرفت المدينة. سقط شعرها المشرع شمساً في عيني، تبشر بالحرائق القادمة والطوفان. فعشقت التجول في عينيها الواسعتين، فطالعتني المدينة بأشجارها وأزقتها، ومداخل الحارات الضيقة والبائسة، المجبولة بالطين والقهر والحزن، والأجساد البشرية في عريها الساطع، وفي المرة الثالثة: عرفت طعم المرارة، والخوف واليباس في قاع المدينة المحاصرة والخائفة) ويظل هاجس القادم المتوجَّس يحيط بالقاص، (صاحت المرأة: مات الحميدي. فتملكني رعب شديد، وعندما طالعني وجهي في المرآة، فكرت: قد يكون الميت رجلاً آخر يحمل الاسم نفسه، وحزنت مع الناس على الرجل، مع أن الحزن لديّ أصبح صديقاً داخلياً عميقاً ودائماً. وأسرعت أشارك في تجهيز الميت، وشد انتباهي الشبه الغريب وَسَرت في جسدي قشعريرة حادة، قلت كيف أموت، وأنا أعيش كل شيء من حولي. بكيت ظل بكائي محصوراً داخل الحفرة المظلمة، صرخت لم يتجاوز صراخي حلقي، ضربت جدران القبر فلم يتغير شيء، تذكرت أحاديث أبي عن الجنة والنار.

* الذين تعرفهم سيعذبونك). فقارئ قصة الحصار ـ كنموذج لمجموعة (موت الرجل الغريب) تتهادى في ريقه الكلمات، والجمل لها ليونة العارف بنغم القصة، حيث العازف يمتح من دمه جملاً لها طعم الهَم ويتزنر بفضاءات الحدث، ويستمع إلى خرير دمه في بواطن الذات المتأرِّقة، التي شُويت بجمر العذابات الداخلية، رغم الاتساع الهائل من الفضاء المبين في عوالم النص، لأنه يرفض أن (يقع في فخاخ الزمن المأسور والمعطل) وهذا يؤكد أن ـ خليل جاسم الحميدي ـ كان عرّافاً لمهمته، ومن هنا جاء ـ النص ـ القصصي عنده مدروساً دراسة خبيرة، والقص فياض بالعواطف الإنسانية عن حروف ملأى بالفيض الجميل، والربط بين الأحداث خفي، متساوقٌ مع الحالة النفسية للكاتب،والجمل الممهورة بالعفوية الرشيقة. القاص الحميدي ـ غير متكلف وغير مبتسر، فحياته الصاخبة مسكونة بهدوء جواني ـ تمور به عواصف شتى ـ وهذا ما أعطى كتابته هذا الطعم الفريد، فالقصة لديه لم تكن تسلية رغم عبثية الحياة لديه، بل حياته هي التي أغنت قصصه بهذا الترادف الجميل ـ حيث الصخب الوجودي النزق، القائم على الحياة، وتفجير الجملة ـ وتشظي المفردات لديه يجعلها لا تركن إلى قرار ـ وهذا جعل التواتر في نصوصه، يميزه بأسلوب خاص، يكاد يتميز به، وبعض الأعلام في كتابه القصة ـ فهو لم يكن يكتب للجماهير، ولا للنخبة، بل كتب ذاته هكذا بوضوح فاضح، لأنه لا عيب في كتابة الأدب إلا عندما تكون حروفه معوجّة، فالأدب الذي لا يسير إلى الذات البشرية بألوانه وألوانها ـ هو أدب فرّغ ذاته من لُحْمَة الكائن، وراح يتعامى على معارف الخلق، فالجمال حرف تُنديه نسائم الفتنة الحميمة، وهذا ما كان من قصص القاص والأديب ـ خليل جاسم الحميدي).

(بصوت خفيض)

مجموعة قصصية للقاص ـ ماجد رشيد العويد ـ تتألف من اثنتي عشرة قصة ـ صادرة عن دار الحوار للنشر والتوزيع عام 1995م ـ وهذه المجموعة القصصية، هي الأولى للكاتب ـ نقرأ قصة (حجر على صراط) التي تتحدث عن ـ الجنة والنار ـ وما يلاقيه الكائن الذي لم يشأ ذكره، لهذه العوالم التي هي على يمين ويسار الخيط الرفيع، الذي فلق الوجود المفترض إلى عالمين متضادين لواقع متخيل هو أقرب إلى الهلوسة التي مرادها الحالة الإيمانية المفترضة، التي تساوت في مخيلة الكاتب التي تشرّبها بعوالم الإيمان ومصادره المختلفة. من جو القصة (وأيقن أيضاً أنه على صراط غير مستقيم وأن الجنة التي رأى كانت أخلاط حلم بعيد، وأن النار أتت أو كادت، ومنذ سنين، على أحلامه وأمانيه بحياة هادئة وادعة. وتابع طيرانه باتجاه عدسة تعوّدت أن تلتقط له صوراً في الطيران والهبوط، وفي نيته أن يرتطم بها) يختم الكاتب هذه الأقصوصة إذا صح القول بهذا المقطع الذي لا داعي له لأنه بذلك يوضّح الموضَّح، ولا يترك للقارئ تخيّل الذي يراد.

وبالانتقال إلى المجموعة الثانية للكاتب نفسه والمعنونة (الغمام) والتي تحتوي على سبع قصص، والمنشورة عن دار ـ آرام للكتب والثقافة بدمشق عام 1999م، وسوف نأخذ قصة (المزاد) نموذجاً لهذه المجموعة، التي تتحدث عن التجار الذي اختلفوا على بيع حجر. يكاد يتساوى مع الذهب أو يزيد، ورغم جو الصحراء وقائظ الأيام إلا أنهم مازالوا يأملون مجيء المخلّص الذي يطول غيابه، فهم في ـ منلوج داخلي فيما بينهم بين المخلّص، والأعجمي الذي يُنتظر. وفي المقطع الثاني من القصة يعلن موت الشاعر، ويُحيي التاجر. وفي المقطع الثالث ـ لا نعرف ما الذي أصاب رجل المئذنة الذي دب به الوهن والكسل، والذي صار ينظر إلى زوجه بقرف وإذا به في عمر تخطى الشباب وأسلمه إلى الكهولة، وينوشه السرطان الذي تغلغل في دمه (أرى أن نذهب فنقابل الأعجمي.. كفانا انتظاراً ـ ولم لا نبحث عن غيره، علّنا نبيع بأفضل ـ؟ هذا رأي حكيم) فالكاتب غير موفق بالربط بين الحالات المختلفة في القصة، وكأنه مازال يتعامل مع نصوصه ـ بصوتٍ خفيض، ولم يمتلك أدواته بشكل صحيح، فهناك عدم ترابط بين المقاطع وكأنها مجمّعة هكذا بشكل عشوائي ـ وهذا يدل على عدم الأمانة واحترام العمل الأدبي عند بعض الشباب، بما في ذلك الذين لو تأنوا لامتلكوا ليس كتابة القصة بل أيضاً أسرارها الفنية، وخاصة التقني منها، حتى أن قصة (حجر على صراط) هي بشكلها ومضمونها أقرب للمقالة منها للقصة، فهنا الكاتب يطرح أفكاراً كبيرة ـ مثل الحجر ودلالاته المعروفة والتي يفترض أن تعالج بقصة مدروسة فنياً وتقنياً ـ وأن تعطى مساحة كبيرة لجغرافية النص، والصراعات بين الشخوص المختلفين على حمل الحجر، خاصة وأنهم يدركون أهميته الاقتصادية كما يلمِّح الكاتب، وأنا هنا لا أريد أن أسلط الضوء أكثر على استخدام الجملة عند الكاتب ولا حركة النص، ولا كيفية استخدام الشخوص، ولا فنية القص، لأن العملين لديه لا يحتملان ذلك.

سامي حمزة ـ وعوالم النص

المفردات هن عصائر الجملة، وكلما كان فضاء المفردة أكثر بعداً، كانت الجملة أكثر تحليقاً في عوالم الحرية، والكتابة تعبير عن أوجاع الذات، أو آمالها، ولكي نترك للمفردة آفاقها علينا أن نتعامل معها، مثلما نتعامل مع كل شيء يحيى لكي يتكوّن، فالمحيط والعمق النفسي وكذلك مخزون الذاكرة كل ذلك له دور في صياغة الجملة الأدبية، وكلّ الذي يكتب عليه أن يحرر كلماته، كما تحرر الفراشات تحت لمعان الشمس، في غابة لا متناهية من الأزهار، لترف على أجنحة الهواء متسلقة سلالم الروح، أو منحدرة إلى أسفل السلم المتردي في عوالم الجهالة والإفك الأدبي، فمن هنا كلما حاولنا الدخول إلى عوالم كتابة أدبية لكاتب، فإننا نحاول قياس قدرة المفردة على الانطلاق، لتتخلص مما هو بالٍ وركيك وقديم، عفت عليه حروفه، ولكي لا تكون المسألة عندنا مساطر جاهزة، نجعل عالم الحرية، وفضاءات الكاتب هي السِّمة التي تحدد كتابته، وقدرته على التجاوز والدخول في عوالم الجحيم الذي يصطلي به النص، ولو كان ذلك إشكالي في تعدد السمات، والخصائص التي يُراد منها كتابة الكاتب، لكي لا تفقد الكتابة وظيفتها الجمالية، حيث هي إنسانية بطبعها، ومتدافعة بحكم صيرورتها التراكمية، المركونة في دواخل الكاتب، (أي كاتب) ومن ذلك يكون المدد الدائم لرفده بمعطيات الكتابة بتلاوينها المختلفة.

هنا نحاول إضاءة جوانب من كتابة الكاتب الأديب والمسرحي: سامي حمزة ـ الذي بدأ الكتابة مع القصة منذ أواسط الستينات، وكذلك المسرح، حيث كتب العديد من المسرحيات منها على سبيل المثال ((المطر في خامس الفصول))، وهي ثلاثة مسرحيات ذات فصل واحد، صدرت في كتاب عن دار الحوار، أما أعماله القصصية فهي:

1 ـ استنشاق رائحة اللون.

2 ـ اضطرام الهويس.

3 ـ الدم حبراً.

4 ـ تكلم لأراك.

5 ـ فيلم سكون بالألوان.

وأيضاً صدر له رواية بعنوان: البشر وحتى الشجر! ـ سامي حمزة كاتب جاد، يتعامل مع موضوعاته وشخوصه بأناة ودراية، وهو ملموم على نفسه ليشدّ أوتار روحه، ولا يني يتراحب مع فضاء الكون، ليتعاطى مع أنسنة الشخوص، إذ لا يفلت منه شخوص أعماله، موزعاً إياهم على مساحات القص، وملماً بأدق هواجسهم، والأسباب المكونة لهم، وله صبر جميل على ذلك، فلا ينساق وراء شخوصه، وأحياناً تراه يلمهم ملمة العارف، ((وجم الرجل يختلج مقروراً، ترتعش أعضاؤه رعباً وغضباً، يحف به الموت برداً، بثلج كحجارة طير الأبابيل، أحس باضطراب القلب، وقد دفعه إلى جحيم الندم، والبرد يغيّب سواد عينيه في غموض مصيرٍ مبهم، لا يرى سوى البياض الباهر، فالبقعة موحشة، والأقاويل باتت تذكر عنها مراعب وحكايات، ومن ذا الذي يخاطر بالخروج في جوِّ كهذا سوى مجنون مثله برَّحه الشوق وشردته لقمة العيش؟)) الجو القارص لم يجعل الرجل إلا هالكاً في لجج الثلج، وما كان ذاهباً للقاء الحبيبة، كما يُخيل إليك في البدء، بل هو يواجه شبح الفقر، رغم انهمار الثلج الذي غطى العربة، وأخفى جثة البغل، وأيضاً تعاونت بنات أوى مع سيدتها الطبيعة ضده، وهاهي الذئبة تأتي إلى وجرها، فيصبحا وجهاً لوجهٍ مع الحياة، بل مع الخوف الغريزي الذي يلهب ظهره، فيفجره ناراً تحرق أعضاءه، فينتشل ظرف السمن، ويكثر منه للذئبة الضارية، في مهب الثلج والريح التي تصقع العظام، وهنا يكمن الربط الجميل والهادئ بين الذئبة الفلاتية، وما كان يريد من محبوبته أن تكون ذئبة الفراش، فتشتَمّ هنا رائحة الذئبة المستوحدة مع الطبيعة، والذئبة الأنثى، وخرير الدم الإنسي، في مواجهة عرادة دم الوحش الذي لانت له الطبيعة، واستمر في جلد ذاته بالأسئلة التي توالدتها ذاكرته لحظة شؤم الثواني التي تآخت على صدره مكتومة كالبلاء. تكمن المفارقة أنّ الذي يقتل الزيات ليس الذئبة التي آخته، بل أبناء جلدته من البشر اللذين جاؤوا إلى المغارة فقتلوهما معاً هو والذئبة.

* أما المجموعة القصصية والتي عنوانها (فيلم سكوب بالألوان) الصادرة عن اتحاد الكتاب في سورية عام /2005/ نأخذ منها نموذجاً قصة ـ السيد الوزير ـ حيث نقرأ ـ (في عروقه يركض صهيل، فيريه ناطحات السحاب واطئة دون حلمه العالي، وظل طامحاً أن تشهق منزلته فوق المدى الأقصى لأحلام البشر!! فمنذ أنهى مراسم تشكيل /تجمع عصبته/ تجاوزت أهدافه المعلنة طموح المنتفعين، وبقي حذراً منحازاً إلى أنصاف المتعلمين، مزاوداً متقرباً من قطب العظمة) هنا يسلط الكاتب مجهر الحقيقة ليرينا أدق تفاصيل طموحات هذا المنافق الدجال الذي يُصِّر أن يكون أحد أسياد البلاء، وهنا القصة (الفيلم) نرى قدرة الانتهازي على الوصول إلى مبتغاه، موظفاً مجاميع من الانتهازيين والمرتزقة لكي يستحمرهم درجاً للوصول إلى سلم البلاء، وبعد وصوله إلى كرسي الوزارة، تتفتق أوداجه، ويستمر بالنهب والسلب وبالقانون، مستخدماً لذلك مجموعة مرتزقته الذين لا يألون جهلاً في مدحه وإظهاره بمظهر الرجل الشهم الذي جاء لخدمة الوطن والمواطن، وهو مستمر في نهب البلاد والعباد، ومستهيناً بكل ممن حوله بما في ذلك زوجه وأولاده، الذين يقذف بهم إلى عوالم بعيدة، ليتفرغ للخراب /سامي حمزة/ يعتني بقصصه بكل تؤدة، فالحرف لديه له رائحة الحياة، والحدث عميق غير مشيّأ، شخوصه من لحم ودم، وهم غالباً من المقهورين الطيبين الذين قست عليهم الحياة، وحاربوها بنبلهم، أو اتقوا شرورها بكراماتهم، لم يكونوا أنذالاً، ولا مهدوري الكرامة، وهو عندما يعالج شخصية من هذا النوع /أي المنحط/ تراه يعرف كيف يظهر عفنها، حتى لو كان ذلك من زيق ما تدعي أنه كرامة، فهو يستخدم الجملة في مكانها، فلا هو بالمسرف، ولا هو تاركاً ناصية لتتحكم به ثرثرات الشخوص، ومن كثرة حرصه في هذه المسألة، أكثر من الإمساك بالنص في بعض القصص، مما جعله يضّيق على الحركة الداخلية في استخدامات الجملة، وهو مسرف في انتقاء الجملة والمفردة، ولكنه يأخذك شاقولياً إلى عمق ما يريد، فيترك شخوصه تنبئنا عن الذي تريد، غير هيّابة ولا وجلة، فهو واقعي مسحور بأخذ الشخصيات من تلابيبها، ليصل وإياها إلى الوجع الموجع، وبالقدر الذي يعتني بالمفردة كَبنّاء محترف، تمنيت عليه في أحايين كثيرة أن يترك المفردة لشأنها، لأن عوالم الروح نزقة، ولا تلمها سوى أطيافها الداشرة /سامي حمزة/ كاتب جاد له فضاءاته الخاصة، وإن لم تدخل إلى عوالم شخوصه فإنك سوف تقع في الحيرة والارتباك، لأن مفاتيح نصه تستحق البحث، للدخول إلى عوالم النصوص.

أما الكاتب والأديب ـ القاص: (أحمد المصارع) الذي كتب القصة منذ عام 1968م وفي الوقت ذاته رسم العديد من اللوحات الفنية المتميزة آنذاك، وبشكل مبكر مما أكسبه جوائز في القصة والفن التشكيلي على مستوى المحافظة، حيث كان له نشاط ملموس في ثانوية الرشيد بالرقة، وكان من الذين ساهموا في إصدار ـ مجلة ـ نضال الطلبة عام 1970 ومن الذين ساهموا في إصدار المجلة ـ الروائي: نبيل سليمان، الشاعر وفيق خنسة، القاص أحمد مصارع، الفنان عبد الحميد فياض، القاص محمد جاسم الحميدي، الشاعر إسماعيل ونوس، القاص هيثم الخواجة، إسماعيل حجو منير حبيب والمرحوم القاص أحمد محمود المصطفى الفنان طلال معلا، أنور قصيباتي، أحمد حميدي الخلف، وهكذا استمر الأديب أحمد مصارع في متابعة مسيرته الأدبية الطويلة: حيث كان عضو اتحاد كتاب فلسطين في الجزائر، وعمل في صحيفة الشعب الجزائرية عام 1977، ومن ثم أسس مجلة التقدم في الجمهورية الليبية، وكتب أبحاثه ودراساته في اللغتين الإنكليزية، والفرنسية، وله عشرات المخطوطات في الفكر والأدب، والعديد من المجاميع القصصية والشعرية، والدراسات الفكرية، وهو يهم الآن لطباعة بعضها بعد هذه المسيرة الطويلة في الكتابة، ونحن هنا سوف نضيء بعض عوالمه في كتابة القصة ونأخذ قصة (الاهتراء ـ مثلاً، فالقصة تحكي حكاية صديقين يلتقيان في حديقة في الصباح الباكر، ويحاولان أن يتعرفا على سرّ المدينة، عمقها غير المكشوف، هذا الذي لا يرى من الداخل إلا بالصعود، صعود الأسوار، أو صعود أعالي الأشجار، أنت لكي ترى الأسرار فعليك أن تصعد، لم يعد اللهو الطفولي هو الوحيد الذي يعلمك الأشياء، وتظل شجرة التوت، والنهر، والعصافير، وضوء الشمس، كلهن قيمات على رصد العبث الصبياني، في عوالم أحمد وصديقه، اللذين يعبثان بكل شيء، لأنهما يريدان أن يعرفا كل شيء، فالقصة طيعة وادعة كبراءتهما، في عالم لم يعد النوم هو سيد الحالة، إذ الشمس تدخل إلى العيون المغلقة، وتتآمر معها العصافير بغَردهِا الفاضح صباحاً، لأن العصافير تحب الاستيقاظ باكراً، وفي هذه الحالة يظل السبيل الوحيد، هو الهروب إلى الحديقة، فالدخول إلى عمق الحديقة هو المتنفس الروحي، للدخول في عالم الاخضرار الجميل، (هجرت الفراش لاعناً تلك الساعة التي جمعتنا معاً، الضوء والعصافير والنسمة الربيعية، قررت الصحو، وبين الرفض والأمر الواقع قررت الذهاب إلى الحديقة باكراً، شربت كأس ماء فراتي بارد، ورحت تحدو بحماسة فلاح يذهب نحو جني موسمه الوفير ـ الحقيقة في الحديقة، الحديقة فيها الحقيقة، أي فرق بين ساعة ودقيقة، لقد دخلت إلى الحديقة كما لو كنت قد تلقيت مجموعة من الصفعات، ومن الباب الغربي، بينما كان هو قد جاء من الباب الشرقي، فكيف تصادف لقاؤنا في منتصف الحديقة عند نافورة الماء، كنا نضحك من هذا اللقاء من غير موعد، هل ظلال اليوم في الحديقة مثل ظلال الأمس؟ ـ كل شيء يجري، ولكن هناك أصل وفرع، أصل وصورة، شكل ومضمون، محتوى وغلاف، حتماً سيبقى النص الأول، كالحب الأول، ونظر إلى شجرة التوت، شجرة توت بألوان مختلفة، أحمر وأسود، وأبيض وأصفر، غريب! سألته وما وراء هذا السور الشاهق؟) ويظل السؤال عند الكاتب الأديب أحمد مصارع، ما هو السر الذي وراء هذا السور الشاهق؟ ولماذا الفروع لا تشبه الأصل؟ وما هو السر في ثمار شجرة التوت وألوانها الزاهية؟ فالقصة تأخذ بعداً نفسياً، أي الغوص في الجذور، وتظل شجرة التوت هي السر، وكذا السور المانع الذي يحجب الرؤى، والثمار المحرمة في شجرة التوت لأنها ملك الغير، فعلى الرغم من رحابة البيئة والمكان الضاج بالحياة (الحديقة) إلا أن السؤال لدى الكاتب أحمد مصارع هو ما طعم ثمر التوت؟ وما عمر الشجرة؟ وما علاقة جذرها الضارب عميقاً في الزمن بفروعها اللامتناهية، والتي أثمرت يانعاً ملوناً، لم نعرف طعمه في القصة، ثم المنولوج الداخلي الذي يعيش، والذي مادته الخطف خلفاً، أو حاضراً بأشكال التعبير الجسدي غير المنطوق، والرصد النفسي التأملي في جذوع الشجرة وفروعها، وأشكال الدهشة، ثم الحوار الخفي مع الشمس والعصافير، والماء الفرات، والسور المانع للحقيقة، والثمر الممنوع على الرغبة، فعلى الرغم من أن القصة جاءت بسيطة وعفوية، وسلسلة كما أغلب كتابات القاص أحمد مصارع، إلا أن الدلالات تطرح أسئلة كبيرة، والقلق متحفز في جميع جوانب النص، وكذلك البحث عن سر التعامل بين الطبيعة والإنسان، أي أسئلة الوجود، فالحركة انتقالية وفي سياق عفوي، ولا تغيرات على شخوص القصة في الخارج، لأن الفعل الداخلي عميق ومتأرق، والتغيرات ماضية ضمن سياق الحركة، لكلا الشخصين الفاعلين في النص، وتعاملهما مع المحيط، والمجاز هنا مقصود وعميق، على الرغم من العفوية الشكلانية، وإنني أحب أن أسجل هنا أن قصص أحمد مصارع، تنفرد في الدخول إلى غور النفس البشرية، والقصة عنده على الرغم من قصرها فهي تتألف من عديد من الحبكات، التي تربط بينها خطوط غير مرئية، فهو يكثف العوالم، ويسلط الضوء عليها مجتمعة، في رصد نفسي عميق، حيث تتداخل الطبيعة مع الكائن، ويظل العمق، بينهما هو الوحيد المتجاذب رغم عدم التنافر بينهما، دراسة أدب الكاتب أحمد مصارع، تحتاج إلى وساعة أكبر ونحن هنا نسلط بصيص ضوء على أدبه لا أكثر.

* إن دراسة القصة الرقية تحتاج إلى وَسَاعة أكبر وإننا سوف نقوم بذلك في المستقبل حيث أن هناك جواً متماثلاً عموماً في القص، وإن كانت هناك خصوصية لكل كاتب، إن في أخذ الحدث أو اللغة أو الجو النفسي والمعالجة. فمثلاً القاص محمد غانم يتعامل مع الحدث الغرائبي والجو النفسي المتقطع، ويعتمد على الهذيان وانفلات المخيلة على عكس إبراهيم الكبة الذي يعتمد القصة الحكائية الواقعية البسيطة والارتكاز على البيئة والعامل الاجتماعي.

مما يشكل الغنى المتميز والحيوية للقصة الرقية بأنماطها المختلفة وهذا يتطلب منا جهداً كبيراً في المستقبل للكتابة عن القصة الرقية، والوقوف عند كل قاص على حدة.. وهذا ما سنقوم به، حيث سندرس بالتتابع:

1 ـ جيل الدكتور عبد السلام العجيلي.

2 ـ جيل ثورة الحرف.

3 ـ جيل السبعينات ـ وجيل الثمانينات وهكذا.

وسوف ندرس القص في مدينة الرقة، وتأثير البيئة على ذلك، وتأثر الكتّاب بكتابات بعضهم بعضاً أو بكتّاب آخرين، وربما نتطرق إلى مسائل أكثر أهمية، منها ما له علاقة بالأمانة الأدبية.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244