مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

بين الجوهري الثابت والتاريخي المتحوّل في تجربة نجيب محفوظ التراثية ـــ أ.د.عبد المجيد زراقط

الجوهري الثابت والتاريخي المتحوّل

نوضح، بداية، المقصود بـ "الجوهري الثابت" والتاريخي المتحول، ثم نطرح السؤال الذي تحاول هذه الدراسة الإجابة عنه.

يختار رولان بارت، في كتاباته الأولى، "كينونة تاريخيَّة الأدب"، ويؤيّد ما ذهب إليه بريخت عندما قال: "لا وجود لجوهر خالد في الفن، وإنما (...) على كل مجتمع أن يبدع الفن الذي ينتج بشكل جيد خلاصه الخاص به...". ثم توصّل بارت بالتدريج "إلى فكرة أنه من الممكن اكتشاف بعض الخصائص الأونطولوجية للأدب بصفة مستقلة عن واقعه التاريخي... على المستوى الشكلي بصفة صرف"، وقد يكون هناك، حسب بارت، عدد من البنى الملازمة للعلم الأدبي. وتتعلّق هذه الفكرة التي يستعيرها من الشكلانيين الروس، وبصورة أدق من فلاديمير بروب، بالمحكي وحسب.

ويقول بارت، في "مدخل إلى التحليل البنيوي للقص" الذي صدر سنة 1966: "إنّ المحكي بوصفه عالمياً وعبر تاريخي وعبر ثقافي موجود هناك مثل الحياة".. ويرى أنّ التاريخانية الخالصة لا تكفي لتفسير الكينونة الأدبية، ولا لحل الإشكاليّة الأساسية التي يطرحها بروب والمتمثلة بقوله: "كل القضايا المتعلقة بدراسة الحكايات يجب أن تؤول في النهاية إلى هذه الإشكالية الأساسية التي تبقى دائماً مطروحة، وهي تشابه جميع حكايات العالم بأسره"(1).

ثم يتحدث عن بنى مشتركة يعثر عليها المحلل في الأفلام والمسلسلات الإذاعية والروايات الشعبية والأشرطة المصورة، ما يجعله "يقف على مقولة علم الإنسان الخاص بالمتخيل الإنساني(2).

وإن كان لنا أن نتحدَّث عن "علم المتخيَّل الإنساني" من هذا المنظور، فإنَّ موضوع البحث في هذا العالم هو الإشكالية المتمثلة في البنى المشتركة التي يعثر عليها الباحث، أولاً، في نصوص هذا المتخيَّل، وثانياً، في الأشكال المتجددة التي تأخذها في مسار تاريخي لا نهائي، تتطور فيه العملية الإبداعية، ليس في خط واحد مستقيم، وإنما في خطوط تندمج فيها التيارات والاتجاهات وتتقاطع في ما بينها، ما يمثل منظومة لا تنفك عن التكون، يتخذ فيها تميّز الأدباء الفردي موقعاً مركزياً يتيح له أن يؤدي دوراً شديد الفعالية، ويمكن أن نفيد مما يقوله يونغ في هذا الصدد، عندما يتحدَّث عن الفنان بوصفه ذلك الإنسان الجماعي الذي يعبِّر عن حياة البشر النفسية اللاواعية ويشكلها، ويرى أنَّ غوته لم يخلق فاوست، بل إنَّ فاوست هو الذي خلق غوته، فهنا يوجد شيء يعيش في روح كل ألماني، شيء ساعده غوته على الولادة. فهل نقول إنَّ في ذات كل عربي شيء ساعده نجيب محفوظ على الولادة؟(3).

السؤال: المتخيل الإنساني بين اللغة والكلام

وإن استخدمنا مصطلحات فرديناند دي سويسر تكن منجزات "المتخيل الإنساني" لغة موضوعة، منجزة، يستخدمها المبدع استخداماً خاصاً، فينجز كلاماً يتصف بالفردية (يجدِّد الدال ليؤدي المدلول المختلف) في الوقت نفسه الذي يتصل فيه بالمشترك الذي كان قد أجاد معرفته. ولا يلبث هذا المنجز الفردي أن ينتظم في المسار التاريخي للمشترك الذي يمثل اللغة الأدبية التي لا تنفك عن التكون، ما يعني أن الإيقاع التاريخي لتحولات الإبداع لا نهائي التحرك، وأن المتخيل الإنساني الأدبي لا نهائي التكون، فيكون النص، نسيجاً كما جاء من النقد الأدبي العربي القديم. قال الجاحظ: "إنَّه "ضرب من النسج"، ويكون جديلة كما في النقد الأدبي الحديث، ولفيفاً تراتبياً كما جاء في استعارة غذائية لبارت مفادها: "إذا كان ينظر إلى النص، حتى الآن، كما ينظر إلى أنواع الفاكهة ذات النواة (خوخة مثلاً) في حالة كون لحمتها هي الشكل واللوزة هي المضمون، فبالأحرى النظر إليه الآن كما ينظر إلى أنواع البصل، إلى تنظيم تراتبي طبقي للقشرات (مستويات الأنساق)، لا يحتوي حجمه في النهاية على أي قلب، أية نواة، أي سر، أي مبدأ لا يمكن بلوغه، إلا لا تناهي أغلفتها عينها التي لا تغلف شيئاً غير سطوحها بالذات"(4).

يثير ما سبق السؤال الآتي:

هل توجد صفات ثابتة تميِّز النص الأدبي وتمثل أدبيته ـ المعني في هذه الدراسة النص القصصي ـ يمكن تسميتها بالجوهر الخالد اللاتاريخي، اللازمني... أو أن الأدبية منتج تاريخي فردي تحكمه شروط إنتاجه: تاريخية الواقع والمنتج والمتلقي، فتتغير خصائصه بتغير التاريخ، ما يعني أن ليس من وجود لجوهر خالد، أو أن الأدبية هي نتاج تجربة تاريخية فردية في أن يتم فيها التفاعل بين الجوهري الثابت والتاريخي المتحول. فيصدر الإبداع نظاماً نسيجاً، جديلة، تنظيماً تراتبيّاً من العلاقات فريداً، لكل عنصر فيه موقعه ودوره في إنتاج الفعالية الجمالية الدلالية، ما يعني أن ليس من وحدانية أنموذج جديدة مُبدعة زمني وإنما تعدُّد نماذج في كل منها حضور لعناصر من اللغة الأدبية التي لا تنفك عن التكوُّن.

تحاول هذه الدراسة أن تجيب عن هذا السؤال، فتجري قراءة في تجربة نجيب محفوظ التُّراثية متخذة مؤلفاته: أصداء السيرة الذاتية، أولاد حارتنا، ملحمة الحرافيش، أنموذجاً.

"أصداء السيرة الذاتية" والخبر ـ النادرة، حديث السمر

في التراث العربي نوع أدبي تعدَّدت أسماؤه، فهو "الخبر" و"النادرة" و"الحكاية المشرقة" و"الطرفة المونقة الشائقة"... إلخ، يلتقط الراوي الخبر ـ النادرة، ويرويه حكاية مشرقة مونقة مشوقة، فيكشف بنظرة ثاقبة حيِّزاً من العالم، وبذا يؤدي وظيفتين: أولاهما التسلية والمتعة وثانيتهما الكشف عن المعنى المختبئ خلف حجب يجيد العاشق رفعها عن وجه العروس المدللة، في مناخ التمتُّع بتذوُّق الطرفة النادرة ووصال العاشق الظمئ إلى ري يفيض به الكلام: نهر القلب، ويتجدد الكشف، فيصدق قول المتصوِّف فريد الدِّين العطَّار عندما يقول: كتابتي "تولد، في كل آونة معنى جديداً".

تحتفظ كتب التراث القصصي(5) بنماذج من هذا النوع عديدة، فمنها ما كان يرد خبراً ـ نادرة، ومنها ما كان يجرَّد من الحكاية ويرسل حكمة/ إشارة مضيئة، ومنها ما كان ينتظم في ما سمِّي حديث السمر، ومنها ما كان ينتظم في ما يسمَّى "الذكر"/ حكايات دالة على المراد، وفي الحالات جميعها كان القول ينسب، في حالات كثيرة، إلى حكيم يرقى أحياناً إلى مرتبة الولي.

ونجد، في كتب تاريخ الأدب، من النصوص، ما يفيد السعي إلى إجادة الحديث إجادة بلغ من مكانتها درجة أن تعطي الإنسان قيمته. وهذا ما نفهمه من قول الجاحظ الآتي:

"إنما الناس أحاديث، فإن استطعت أن تكون أحسنهم حديثاً فافعل". ولعلَّنا لا نبعد عن الصواب حين نقول: إن مثل هذا الفهم للأمور يركِّز قيمة الإنسان في ما يجيده من هذا النوع، من العطاء الأدبي.

ولعل هذا يعود إلى طبيعة ذلك المجتمع الذي كان الحديث الممتع فيه حاجة ضرورية، إذ إنه يفسر الظَّواهر الكونية والاجتماعية، ويحكي أحداث التاريخ، بأسلوب يسلِّي ويمتع. ولا نعدم أن نجد، في كتب التاريخ الأدبي، ما يؤكد رأينا هذا.

من هذه الأخبار ما يأتي: يروى أن أحد الخلفاء ألح في طلب جليس يحدثه، قائلاً: "أبغي محدثاً...". وأن خليفة آخر قال: "... فما أنا اليوم إلى شيء أحوج مني إلى جليس يضع عني مؤونة التحفظ"، وأن خليفة آخر سئل: "أي الأمور أمتع؟"، فأجاب: مذاكرة العلماء".

ولعل هذا ما جعل أحد الشعراء يقول:

فنلنا سقاطاً من حديث كأنه

 

 

جنى النحل أو أبكار كرم يقطف(6)

والواقع أن هذه الأحاديث كانت تتضمن، علاوة على الخبر، شيئاً من الشعر ومقتطفات من الخطب وسوى ذلك ممَّا يتمتع ويسلِّي. وهذا ما كان يعطيها قيمة إضافية؛ الأمر الذي كان يجعلها نصوصاً تشمل مختلف أنواع الأدب. ولعل هذا ما جعل بعضهم يطلق عليها اسم الأدب، وما جعل عبيد الله بن شريه، مؤلف كتاب "أخبار ملوك اليمن" يقول لأحد الخلفاء:

ـ "يا أمير المؤمنين، لك، في هذا الحديث، ما يقصر ليلك وتلذ به نهارك"(7).

وكان الأدباء العرب يدوِّنون هذه الأحاديث في كتب، ومن هذه الكتب نذكر، على سبيل المثال، زهر الآداب وثمر الألباب لأبي إسحق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني (ت 453)، وقد ألفه لمَّا رأى رغبة أبي الفضل العباس بن سليمان في الأدب ليستغني به عن جميع كتب الآداب، ويعرِّف الحصري القيرواني كتابه فيقول:

"وبعد، فهذا كتاب اخترت فيه قطعة كاملة من البلاغات في الشعر والخبر والفصول والفقر بما حسن لفظه ومعناه، واستدل فحواه على مغزاه، ولم يكن شارداً حوشياً ولا ساقطاً سوقياً، بل كان جميع ما فيه من ألفاظه ومعانيه، كما قال البحتري:

في نظام من البلاغة ما شـ

 

 

ـك امرؤٌ أنه نظام فريد

حزن مستعمل الكلام اختياراً

 

 

وتجنبن ظلمة التعقيد

وركبن اللفظ القريب فأدركـ

 

 

ـن به غاية المراد البعيد..(8).

ومن الواضح أن هذا التعريف يتضمن العناصر الآتية:

1 ـ الاختيار مما حسن لفظه ومعناه.

2 ـ ما يتم اختياره هو قطعة كاملة تتصف بالأدبية: البلاغات، ما حسن لفظه ومعناه نظام من البلاغة.

3 ـ سهولة اللغة ووضوح الدلالة وعمقها.

4 ـ فرادة وطرافة.

5 ـ امتزاج الشعر والقصة (الخبر).

6 ـ الحجم يتراوح بين الفقرة والفصل.

ويمكن أن نصوغ هذه العناصر في التعريف الآتي: حديث السمر قطعة لغوية كاملة يتم اختيارها مما حسن لفظه ومعناه، ويتراوح حجمها بين الفقرة والفصل، يمتزج فيها السرد بالشعر، لغتها سهلة، قريبة إلى الفهم وبليغة في آن، تؤدي دلالة واضحة عميقة، بعيدة المرمى، ما يجعلها فريدة ونادرة.

وإن يكن الحصري قد ذكر الخبر بوصفه عنصراً من عناصر "القطعة الكاملة" التي يختارها، فإنَّ عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ/1078م) يتحدث عن الخبر بوصفه "الأصل والأوَّل" وأعظم المعاني شأناً، فيقول:

"اعلم أن معاني الكلام كلها معانٍ لا تتصور إلا في ما بين شيئين: والأصل الأول هو الخبر...". ويضيف فيقول: "إن الخبر وجميع معاني الكلام معان ينشئها الإنسان... وأعظمها شأناً الخبر فهو الذي يتصور بالصورة الكثيرة، وتقع فيه الصناعات العجيبة"(9).

وإن يكن عبد القاهر قد اكتفى بالنص على موقع الخبر ودوره في معاني الكلام وعن وقوع الصناعات العجيبة فيه، فإنه لم يدرسه، ولعل ذلك يعود إلى حصر اهتمامه في "الإعجاز القرآني" ودلالاته.

ويلاحظ الباحث أن العرب كانوا يعرفون القصة بأسماء عديدة من أبرزها "الأسمار" و"الخرافة"، ومن الإشارات الدالة على ذلك أن متى بن يونس في ترجمته "كتاب الشعر" لأرسطو، ترجم ما ترجمه د. شكري عياد في العصر الحديث، "القصة"، مرة بـ "الأسمار"، ومرة بـ "الخرافة"، ومرة بـ "حكاية الحديث"(10).

وعندما يتحدث محمد بن إسحق النديم (ت 380هـ)، في مقالته الثامنة، عن أخبار العلماء وأسماء ما صنَّفوه من الكتب، يذكر ثلاثة فنون أولها: "في أخبار المسامرين والمخرِّفين وأسماء الكتب المصنَّفة في الأسمار والخرافات"(11). وهذا يعني جملة أمور: أولها أن القص كان يعد فناً من الفنون، وثانيها أن القص أسمار وخرافات، وثالثها أن الأسمار والخرافات دوِّنت في كتب ولم تبق مقتصرة على الأداء الشفوي في المجالس، ورابعها أن المؤلفين في هذا الفن كانوا معروفين ويعدُّون من أصحاب الفنون.

وفي حديثه عن المؤلفين، في هذا الفن، يقول: إن لهشام بن محمد بن السائب الكلبي غير كتاب، منها كتاب في السمر، ويقول في موضع آخر: "قال محمد بن إسحق: ابتدأ أبو عبد الله محمد بن عبدوش الجهشياري، صاحب "كتاب الوزراء"، بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب العجم والروم وغيرهم، كل جزء قائم بذاته لا يعلق بغيره، وأحضر المسامرين، فأخذ عنهم أحسن ما يعرفون ويحسنون، واختار من الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات ما حلا بنفسه. وكان فاضلاً فاجتمع له من ذلك أربعمئة ليلة وثمانون ليلة، كل ليلة سمر تام يحتوي على خمسين ورقة وأقل وأكثر، ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من تتميمه ألف سمر، ورأيت من ذلك عدة أجزاء. وكان قبل ذلك ممن يعمل الأسمار والخرافات، على ألسنة الناس والطير والبهائم، جماعة منهم عبد الله بن المقفع وسهل بن هارون وعلي بن داود كاتب زبيدة وغيرهم..(12). ثم يذكر أسماء كتب الفرس والهند والروم وملوك بابل وغيرهم، ويذكر أيضاً، أسماء العشاق الذين عشقوا في الجاهلية والإسلام، وألَّف في أخبارهم كتباً.

ومن الكتب المعروفة، في الأسمار والخبر، والتي حظيت بعناية الباحثين كتابا القاضي التنوخي: "الفرج بعد الشدة" و"نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة". ويعد كتاب "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي من الكتب المتميزة في هذا المجال، فهو، وإن اتخذ شكل الليالي كما "ألف ليلة وليلة"، موجَّه للخاصة من العلماء والأدباء، ليمتعهم ويؤنسهم بما يتضمنه من مادة سمر ملائمة لهم. ولأحمد بن يوسف المصري (340هـ/951م) كتاب "المكافأة" بحث د. شكري عياد فيه وعدَّه مرحلة من مراحل تطور الخبر بوصفه نوعاً أدبياً(13).

يعد د. شكري عياد الخبر نوعاً أدبياً، وكان عبد القاهر قد قرر أن "الخبر هو الأعظم شأناً، وهو الذي يتصور بالصور الكثيرة وتقع فيه الصناعات العجيبة، ونرى أنه الدال في كل آونة على معنى كاشف...، هذا النَّوع من الخبر نجده في "أصداء السيرة الذاتية"، فنجد الخبر ـ النادرة الناطق بالحكمة، والقول الناطق بالحكمة متجرِّداً من الحكاية، وفي قسم أساس من هذا المؤلَّف يُنْسب القول إلى ولي متميز هو عبد البر التائه، وهو صاحب "أصداء السِّيرة الذاتية" نفسه، الذي بدأ أحاديث الأصداء بضمير المتكلم، ثم بضمير الآخر، عبد البر، التائه "منذ سبعين عاماً". الحديث الممتع الكاشف هو الجوهر الثابت الممثل مكوِّناً من مكونات التجربة، وهو يتفاعل مع المكونات الأخرى فيؤتي جديداً فريداً متميزاً.. يَلِدُهُ ما لا ثبات له في مناخ إنساني ثابت يمثل جوهراً من جواهره.

وهذا ما يمكن فهمه من بعض ما يقوله صاحب السِّيرة عن تجربته. ينتهي نجيب محفوظ في حديث عنوانه "الثابت والمتغير إلى القول: "وهكذا جمعنا الزمان والمكان والشوق، أما الزمان والمكان فلا ثبات لهما وأما الشوق فلا يورث إلا الحزن(14). يطير الراوي، كما يقول: "على جناح التأمل إلى العهد القديم"، إذ إنه "في عزلة الشيخوخة وعجزها ينشر التأمل مثل عبير البخور"، فيلتقط، في "لحظة نور" ما يراه في مرمى الزمن"، ويمثله قَصَصاً متميِّزاً ينطق بما "رأته البصيرة وسمعته السريرة"، ويكون في القَصَص متعة وإن استعصى على القلب أحياناً"(15).

هذه هي التجربة التي استخدمت "لغة قصصية" قادرة على تمثيلها والنطق برؤيتها فأتت بـ "كلام" خاص جديد فريد ينطق برؤية خاصة جديدة فريدة، يميلها ذلك الطيران الفريد في لحظات النور(16).

وإن يكن عبد ربه التائه وليّاً متميزاً يحب الدنيا، ويعشق، ويلتقط الخبر النادر ويرسل الإشارة الكاشفة، القائلة على سبيل المثال: "الحاضر نور يخفق بين ظلمتين". الحياة دين ثقيل، رحم الله من سدده"... فإننا نجد فيه صورة متجددة عن أولياء كثر، تمتلئ بأسمائهم كتب التراث وإن كنت لن أسمي الأولياء والمتصوفين، لوفرتهم وشهرتهم، فإن تميُّز عبد البر ذكرني بتميُّز الفقيه المعروف حسن البصري وبرؤيته الثاقبة، كما تتجلى في هذا الخبر/ النادرة الذي احتفظت به كتب التراث، بوصفه حديث سمر ممتعاً. ويرد ذكره هنا على سبيل المثال فحسب:

"قال: وحدثنا (...): شهدت الحسن في جنازة أبي رجاء العطاردي، وهو على بغلة والفرزدق يسايره على نجيب: وكنت على حمار لي، فدنوت منهما، فسمعت الفرزدق يقول للحسن: يا أبا سعيد، أتدري ما يقول أهل الجنازة؟ قال: وما يقولون؟ قال: يقولون: هذا خير شيخ بالبصرة، وهذا شر شيخ بالبصرة، قال: إذاً يكذبون. يا أبا فراس، رب شيخ بالبصرة مشرك بالله فذلك شر من أبي فراس، ورب شيخ بالبصرة ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرَّه، فذلك خير من الحسن، يا أبا فراس، ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ ثمانون سنة (...)"(17).

وإن كان لنا أن نقارن بين حديثين أولهما تراثي من ثمرات المتخيَّل الإنساني في زمن سابق وثانيهما من ثمرات هذا الزَّمن، فلنقرأ ما جاء في "أصداء..." تحت عنوان: "الرحمة": البيت قديم وكذلك الزوجان. هو في الستين وهي في السبعين، جمعهما الحب منذ ثلاثين عاماً خلت ثم هجرهما مع بقية الآمال. لولا ضيق ذات اليد لفر العصفور من القفص. يعاني دائماً من شدة نهمه للحياة، وتعاني هي من شدة الخوف، ويسلِّي أحلام يقظته بشراء أوراق اليانصيب لعل وعسى. كلما اشترى ورقة غمغم: "رحمتك يا رب"، فيخفق قلب المرأة رعباً وتغمغم: "رحمتك يا رب"(18).

ولنقرأ ما جاء في الأمالي:

"وحدَّثنا: اختصم أعرابيان إلى شيخ منهم، فقال أحدهما: أصلحك الله، ما يحسن صاحبي هذا آية من كتاب الله عز وجل، فقال الآخر: كذب والله، إني لقارئ كتاب الله، قال: فاقرأ. فقال:

علق القلب ربابا

 

 

بعدما شابت وشابا

فقال الشيخ: لقد قرأتها كما أنزلها الله. فقال صاحبه: والله، أصلحك الله، ما تعلمها إلا البارحة"(19).

تفيد المقارنة أن كلاًّ من النصين ينتمي إلى ما سمي "الخبر ـ النادرة"، أو "حديث السمر، المتضمن مفارقة كاشفة تتمثَّل في ثنائيات، تثير التأمل، وهذا الحديث يمتع، يدهش، يثير غرابة. ينطق الخبر القديم بدلالة على جهل من يظنون أنهم ذوو معرفة بكتاب الله المفروض أن يعرفوه، وينطق الخبر الحديث بدلالة التباين بين الزوجين من رؤية أمر واحد وكلٌّ منهما يطلب رحمة الله. تملي طلب الزوج الرغبة ويملي طلب الزوجة الخوف والرّعب من تحقق هذه الرغبة، وكل منهما يستخدم التعبير نفسه الذي يثير إيحاءين يمثلان ثنائية تضاد، كما أن كلاً منهما يكشف علاقة الأنا بالآخر ويجسدها ملموسة، وإن كان من تميز للخبر الحديث فهو تجاوزه للنادرة إلى التعمق في العلاقات الإنسانية، والإيحاء واستخدام لغة سهلة، بسيطة، مقتصدة موجهة، لا تخلو من مجاز، وتجرده من السند ومن الشعر ومن التفاصيل العائدة إلى الحديث النبوي الشريف. ويلاحظ أنَّ كلاًّ من الحديثين يثير سخرية تتمثَّل في مفارقة كاشفة لكن الحديث الحديث يترك للكلمة الواحدة ينطقها الاثنان أن تُنشح بالدلالة.

أولاد حارتنا، السيرة ـ الرواية

السيرة قصة حياة شخص ما متميز، وهي إما ترجمة حياة فتقرب بذلك من التاريخ أو تكونه، أو قصة تؤدي المادة التاريخية، من منظور الراوي، في بناء متخيَّل ينطق برؤية كاتبها فتكون أدباً، أو تأمل في الوقائع يؤدَّي في بناء يقرب من الأدب أو يبتعد عنه بمقدار قربه من إقامة البناء الأدبي المتخيل أو بعده عنه، أو سيرة ـ بحث تتبع منهجية علمية في تقديم معرفة بوقائع التاريخ وحقائقه. وما يعنينا، في الدراسة الأدبية، هو السيرة الأدبية، أي السيرة المتخذة ترجمة الحياة مادة أولية لإقامة بنائها القصصي الناطق برؤية صاحبها.

تفيد قراءة السير الشعبية أنها تتصف بالصفات النوعية المشتركة الآتية:

1 ـ سرد نثري طويل يوظف الشعر في مواقف كثيرة، ما عدا السيرة الهلالية، فهي في نسختها الأكثر شهرة، شعرية.

2 ـ تروي قصة حياة بطل شعبي في مختلف مراحل حياته: ما قبل الولادة، الولادة، التميز، المخلِّص ـ ولادة البطل، السعي إلى تحقيق الهدف الفردي والجمعي، الانتصارات، الموت ليس نهاية بل تواصل يحققه الابن أو الأبناء، يمثل البطل قيم الفروسية ـ الفتوة ومثلها فردية واجتماعية، ما يجعله البطل ـ الرمز والمثال.

3 ـ تتمثل القصة في أحداث خارقة ذات مرجع تاريخي تنتظم في سياق خيطي غير محكم الحبك، غني بالمفاجآت والمبالغات وإثارة الخوف، فمثلاً يصل البطل إلى حافة الخطر، ثم ينجو بعمل بطولي، والنهايات تتحول بدايات في سلسلة متصلة الحلقات. والمبدأ الذي يحركها وينظمها هو مسار سعي البطل إلى تحقيق بطولته وانتصاره.

4 ـ يؤدي القص راو عليم متحكم، يروي عن رواة يسميهم ليوهم بصدقية، ومن الرواة، على سبيل المثال، في سيرة عنترة، الأصمعي (123 ـ 216هـ/739 ـ 831م)، وهو راوية وعالم لغة معروف، لكنه توفي قبل أن تدوَّن سيرة عنترة، وفي سبيل إيهام بالصدقية، أيضاً، ينسب راوي سيرة حمزة البهلوان روايته للمؤرخ الشهير ابن الأثير إلخ...

5 ـ يؤدَّي القص بلغة الراوي الشعبي المتوجه إلى جمهور متنوع ليثير انتباهه واهتمامه ويطيل أمدهما، فاعتمد لغة تمتزج فيها الأضداد: تقرب من العامية ولا تخلو من الفصيح الجزل، تسهل فتكاد تقرب من الركاكة وتتوسل الصنعة وتعتمد التكرار والترادف والمزاوجة واستخدام الألفاظ ذات الجرس القوي وأدوات الخطاب المباشر، وتجمع بين الإيجاز والإطالة. وهذه الصفات جميعها تشير إلى أمرين هما: شعبية السيرة وشفويتها.

6 ـ يبدو أن السيرة تكونت في مسار التاريخ، أخبار وروايات كانت تروى في المجالس شفوياً: أحاديث سمر، ثم جمعت ودُوِّنت، وبقي الراوي، ويسمى الحكواتي، يقدمها في المجالس العامة، وبخاصة في المقاهي.

7 ـ البناء القصصي، وإن كان ذا مرجع تاريخي، إبداع شعبي متخيَّل ينطق برؤية الشعب إلى بطل يمثل قيمه ومثله.

في ضوء ما سبق، نسأل: هل يمكن أن نعد أولاد حارتنا سيرة؟

يعرف الراوي "أولاد حارتنا"، في افتتاحيتها، بقوله: هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق"(20)، وقوله هذا يذكِّر بما جاء في القرآن الكريم: )تلك القرى نقص عليك من أنبائها( (الأعراف/71). ولا يلبث أن يقول: إن كل من ناء بظلم في هذه الحارة يأخذ في قص القصص والاستشهاد بـ "سير أدهم وجبل ورفاعة وقاسم من أولاد حارتنا الأمجاد"(21) وإذ نقرأ على غلاف المؤلَّف "رواية" تعريفاً لنوعه الأدبي، نعلم أننا إزاء تعدد في الأنواع: حكاية، حكايات، قصص، سير، رواية، ففي أي نوع يمكن تصنيفه؟ وهل يمكن القول: إن لكل نوع من الأنواع حضوراً فيه، في الوقت نفسه الذي يتفرد فيه بخصوصيته الفريدة، الجديدة، المحتفظة بجوهر ثابت؟

لـ "أولاد حارتنا" اسم آخر هو "أولاد الجبلاوي" و"الجبلاوي"، كما يقول الراوي، "جدنا، جميعنا من صلبه"، "ضرب المثل بطول عمره...، اعتزل في بيته لكبره منذ عهد بعيد قصة اعتزاله وكبره مما يحير العقول، ولعل الخيال، أو الأغراض قد اشتركت في إنشائها على أي حال كان يدعى الجبلاوي، وباسمه سميت حارتنا..."(22).

وأولاد حارتنا.. أو "أولاد الجبلاوي"، تروي القصة التي تحير العقول، والقصص التي تولَّدت منها، ومحورها النزاع على "الأوقاف" الذي بدأ منذ ولدت القصة، ومضى خطره يستفحل بتعاقب الأجيال حتى اليوم والغد... ونفهم "والغد" هنا عندما نعرف أن نهاية قصص النزاع مفتوحة، فـ "حنش" لا يزال يسعى، وناظر الوقف لا يزال متحفزاً، وعناصر النزاع لا تزال موجودة...

فالقصة هي القصة العجيبة وقصص النزاع الذي تولَّدت منها... والقصة العجيبة هي قصة "الجبلاوي"، الذي يفيد جذره اللغوي جَبَل = خَلَق وفَطَر، ما يجعلنا نرى أنه يرمز إلى الخالق، في الوقت نفسه الذي يشير فيه إلى "الجبل" (تجمع الشيء في ارتفاع وثبات)، وهو، في هذا، يفيد من الآية الكريمة )ولما جاء موسى لميقاتنا، وكلَّمه ربه، قال: رب أرني أنظر إليك. قال: لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقا، فلما أفاق، قال: سبحانك تبت إليك، وأنا أول المؤمنين( (الأعراف/143)، فيروي عن أدهم: "ثم رآه [الجبلاوي] بشيء كجسم هائل"(23).

وعن جبل قوله: "... ولكنه بدا لي [الجبلاوي] شخصاً ليس كمثله أحد في حارتنا، ولا في الناس جميعاً، طويلاً عريضاً، كأنه جبل"(24).

الله، سبحانه وتعالى، يخاطب كليمه: لن تراني، ويتجلى في الجبل الذي جعله دكاً، وهذا ما أفاد منه الرَّاوي في أولاد حارتنا، فأدهم وجبل لا يريان الجبلاوي، وإنما يرى أولهما جسماً هائلاً، ويرى الثاني كائناً كأنه جبل، وعرفة نفسه عندما يقتحم البيت الكبير، ويقتل خادم الجبلاوي، لا يرى شيئاً، لا الجبلاوي، ولا الجبل، لأنه مختلف عن أدهم وجبل، إذ إن رؤيته لا تمكِّنه من ذلك، وهذا ما سوف نتحدث عنه في ما بعد.

أولاد حارتنا تروي إذاً قصة الخلق وقصص نزاعهم الدائم، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، مستفيدة، في ما يتعلق برؤية الخالق، من القرآن الكريم، وتتمثَّل هذه القصة في قصص الجبلاوي الخالق وأدهم وجبل وقاسم: الأنبياء، آدم وموسى ومحمد، وعرفة/العلم، بوصفه يرمز إلى العلم، نبي العصر الحديث.

مادة القص (ومتنه = الحكاية) مأخوذة من القرآن الكريم والقصص الديني ما عدا قصة عرفة. يقول الراوي إنه يشهد من واقع هذه القصص سوى طورها الأخير الذي عاصره، وقد سجلها جميعاً كما يرويها الرواة(25)، ثم يقول في موضع آخر على لسان أحد أصحابه عرفة: "... إنها تروى بغير نظام، وتخضع لأهواء الرواة وتحزّباتهم، ومن المفيد أن تسجل بأمانة، في وحدة متكاملة لحسن الانتفاع بها، وسوف أفيدك بما لا تعلم من الأخبار والأسرار"(26).

يفيد ما سبق أن نجيب محفوظ، في أولاد حارتنا، اختار مادة القص من القرآن الكريم وأوكل القص إلى راوٍ عليم كلي المعرفة، فأقام بنية قصصيّة قوامها قصَّة إطار هي قصة أولاد الحارة، أولاد الجبلاوي، تنتظم، في إطارها قصص آدم وجبل وقاسم وعرفة، في شبكة/ نظام علاقات تنطق بدلالة كلية هي رسالة يتبينها المتلقي، وهذا متعدد، ما يجعل الدلالة متعددة، تتجدد في كل حين. يسجِّل نجيب محفوظ وقائع السيرة بأمانة كما يقول، لكنه يغير، فيقص من منظوره هو، وإن أخذنا حادثة هبوط آدم من الجنة على سبيل المثال، نقرأ في القرآن الكريم: )وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغداً حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها، فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا: اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين( (البقرة 35/36 والأعراف/19 و24)، ونقرأ )فوسوس إليه الشيطان قال: يا آدم هل أدلّك على شجرة الخلد وملكٍ لا يبلى( [طه/20].

وندرك أنَّ سبب الهبوط يعود إلى انتهاك آدم للمحرم بعدما أزلَّه الشيطان، فأخرجه مما هو فيه الجنة = الرَّغد إلى الأرض، ليخوض صراعاً دائماً تحتمه عداوة تفرض عليه بوصفها قدراً يمتد حيناً من الزمن. في "أولاد حارتنا" ينتهك آدم المحرم بعدما أزلّه إدريس، والانتهاك هنا موضوعه "الوقف"، فأدهم بتحريض من إدريس أراد أن يعرف وصية "الجبلاوي" في ما يتعلق بالوقف فطرد، فالصراع الدائم موضوعه "الوقف" وريعه، أي الثروة، وهذا الصراع من سنن الحياة في هذه الدنيا، وفي هذا يلتقي المنظوران. لكن القرآن الكريم، وفي سورة طه، ينص على أنَّ الشيطان وسوس لآدم بأنه سيدلُّه على شجرة الخلد وملك لا يبلى، في حين ورد في أولاد حارتنا أنَّ إدريس أزلَّه محرِّضاً على معرفة وصية الجبلاوي أي نصيبه من "الوقف"/الثروة، فالسبب في القرآن الكريم هو رغبة الإنسان في الخلود والملك الذي لا يبلى، وفي أولاد حارتنا الثروة والسلطان...

ويلتقي المنظوران في أمر آخر، وهو أن السبب في تفضيل آدم لأدهم هو المعرفة والاتصال بالناس. ويستمر صنع إبليس/ إدريس. فيقول عرفة الولد الأخيرة من "أولاد حارتنا" مخاطباً الجبلاوي: "... لماذا عاقبت إدريس، وكان خيراً ألف مرة من فتوات حارتنا، يا جبلاوي!؟"(27).

ففي أولاد حارتنا من السِّيرة، سير الأنبياء، وإن كان قد أعيد إنتاجها، وفيها من الحكاية، العربية ـ المشرقية، القصة ـ الإطار الذي تنتظم القصص في إطارها، فيمكن أن تكون القصة الواحدة مستقلة ومتخذة موقعاً ودوراً في البناء الكلي في آن، وفيها من الرواية إعادة إنتاج المادة من منظور روائي ينشئ بناء ـ نظاماً ذا وحدة متكاملة، فيتبع الراوي تفاصيل تطور الحدث الذي ينطلق من فقد توازن كان قائماً، وينمو بفعل عوامله الداخلية ليشكل في نظام ما /حبكة ويمثل سعي شخصية/ فرد إلى التحقق تساعدها شخصيات وتناوئها أخرى في مكان وزمان معينين. والبناء، وإن كانت مادته سيرية متداولة، هو متخيل يحاكي الواقع ويمثله، ما يقنع أو يوهم بصدقية وبأنه الحياة اليومية المجسدة لغة كاشفة.

وإن يكن القصص القرآني، الذي يمثل مرجع/ مادة أولاد حارتنا يروى من منظور إبلاغ الخبر الحق بدقة بغية تثبيت فؤاد النبي (e) وتقديم العبرة والموعظة للناس وحثِّهم على التدبر(28)، فإن القصص في أولاد حارتنا يروى من منظور يمثل "النزاع" الأبدي من أجل الوقف الذي يستبد به ناظره، والسعي الأبدي من أجل "المخلص"، تمثل السير هذا السعي إلى تغيير الحالة الكئيبة الدائمة، يقول الراوي: "... وهذه الحالة الكئيبة شهدتها بنفسي في أيامنا الأخيرة، صورة صادقة مما يروي الرواة عن الأزمان الماضية"(29). والناس في هذه الحارة كانوا يتقلبون كما هتف عرفة ساخراً بين الهدايا والنبابيت: "يا حارة الهدايا والنبابيت"(30). ويظلُّ الناس في سعي إلى التخلص من هذا الواقع وتحقيق العدل في توزيع ريع الوقف. وينتهي القصص بجولة نزاع جديدة من أجل صناعة "الخلاص الموعود"، يقول الراوي: "وحدث أن أخذ بعض الشبان من حارتنا يختفون تباعاً، وقيل في تفسير اختفائهم إنهم اهتدوا إلى مكان حنش فانضموا إليه، وإنه يعلمهم السحر استعداداً ليوم الخلاص الموعود"(31).

يبدو زمن هذا النزاع دائرياً، فيستمر الماضي في الحاضر، ويتكرر الحدث، في عالم محكوم بمنطق، بمبدأ، على الرغم مما يبدو فيه من عشوائية، ويتجدد فيه البطل في كل مرحلة من الزمن في ابن أو حفيد. وهذه مزايا القَصص السِّيَري، العربي، لا الأسطوري الغربي الذي يبعث فيه البطل. ويكون الإله، وإن كان جباراً كالجبلاوي، رحيماً، يطرد أدهم ويعيده، على سبيل المثال. وهذا ما يقوله القرآن الكريم عن آدم: ) ثمَّ اجتباه ربُّه، فتاب عليه وهدى( [طه/122]. وخاطب إبليس: )إنَّ عبادي ليس لك عليهم سلطان، وكفى بربك وكيلا( [الإسراء/65].

ما سبق من مزايا: بنية القصة ـ الإطار، سيرة البطل المخلص، الزمان الدائري، المحكومة حركته بمبدأ خفي، النزاع الرامي إلى مخلص، في زمن دائري... جوهري ثابت من القص العربي القديم، مثَّل مكوناً من مكونات تجربة نجيب محفوظ تفاعلت ومكونات أخرى، فأبدع الأديب المتميز رائعته الخالدة الفريدة في مزاياها أولاد حارتنا.

ويمكن أن نشير إلى قضية أثارت جدلاً طويلاً، وهي عدم رؤية عرفة لـ "الجبلاوي" عندما اقتحم بيته وقتل خادمه، وأشيع، ليس على لسان عرفة، وإنما على لسان ناظر الوقف أن الجبلاوي مات حزناً على خادمه، وفي هذا سخرية، إذ إن القارئ لا يصدق أن هذا "الجبار"، كما تقدمه الرواية، يموت حزناً على خادمه العجوز، وما أشيع يَفِيد منه ناظر الوقف، إذ إنه يتخلص من قوة كانت تختار "المخلص" وتوجهه، ويمكن للقارئ أن يتبيَّن في هذه الوحدة السَّرديَّة رؤية إلى قضية الوجود الكبرى، فقد ضمن نجيب محفوظ هذا البناء القصصي الفريد رؤية إلى هذه القضية وسبل إدراكها، وهي قضية الإيمان..

نقدم معرفة برؤية نجيب محفوظ المباشرة إلى هذه القضية، ثم نتبيَّن ما تنطق به أولاد حارتنا. جاء في أصداء السيرة الذاتية: "قال عبد ربه التائه: الحمد لله الذي أنقذنا وجوده من العبث في الدنيا ومن الفناء في الآخرة"(32).

ويبدو أن رؤيته، في هذه الرواية، تقرب من رؤية الصوفي، وهو كما يقول في حوار له: "إنني أعشق الصوفية كما أعشق الشعر الجميل"(33) وكان يعد نفسه من أصحاب القلوب فقد قال في رسالة إلى أنيس منصور: "وقضى ربك أن أكون من أصحاب القلوب لا العقول، ولا مناص من الرضى بقضاء الله".

الكاتب يعدّ نفسه من أصحاب القلوب لا العقول، وهو في رواية "أولاد حارتنا" يرى من هذا المنظور، فيشيد بناء روائياً ناطقاً برؤيته المتميِّزة.

يقول أصحاب القلوب، على لسان المتصوف الإسلامي الكبير، فريد الدين العطار: "العشق نار هناك. أما العقل فدخان، وما إن يقبل العشق حتى يولي العقل الفرار مسرعاً. العقل يأتي لك بما يأتي به غربال ماء من بئر".

ويقول شاعرهم في العشق:

فإن تقرأ علوم الناس ألفا

 




بلا عشق فما حصلت حرفا

يبدو أن تجربة محفوظ في "أولاد حارتنا" تصدر عن هذا المنظور، وهو ليس ببعيد عن الاتجاه الذي تمثله منظومة "منطق الطير" لفريد الدين العطار. مثل العطار يرى محفوظ أن العلم/ العقل عاجز عن الوصول إلى المعرفة الإلهية، لأنه "دخان" ويأتي بما يأتي به غربال ماء من بئر... بتعبير العطار. ولأنه متمثل بـ "عرفة"، في "أولاد حارتنا"، كما يرى محفوظ، لا يجد في مقام الجبلاوي أحداً، فالله سبحانه لا يُرى بالبصر، كما مر بنا آنفاً، ونضيف هنا ما تفيده الآية الكريمة: )وإذ قلتم: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون( (البقرة/55). والرائي يحتاج إلى قدرة أخرى تحصِّل معرفة من نوع آخر. إن معرفة العشق معرفة إشراقية تقتضي سفراً، وهذا "السفر" نقع في "منطق الطير" على مراحله الموصلة إلى الكمال.

لنجيب محفوظ، في أصداء السيرة الذاتية، كما مر بنا، ما يفيد أن الإيمان إشراق يحمي من الشعور بالعبث والفناء، ويدفع الإنسان إلى السعي نحو تحقيق الكمال. وهذا هو السفر الذي لا يقدر عليه "عرفة" /العلم/ العقل، ولهذا هو غير محمي من ذلك الشعور المدمر، وغير خليق بالسعي إلى الكمال، بل غير خليق وحده بالتحلي بالصفات المميزة للإنسان... وهذا ما تجلى في مجازر العدوان الهمجي الأخير على لبنان. الإسرائيلي "الصهيوني" يملك من إنجازات العلم الكثير، ولا يملك القليل من صفات الإنسان الساعي إلى الكمال. وهذه هي مشكلة إنسانية كبرى، تعاني منها البشرية في هذا العصر.

وإذ نعلم أن أصول هذه المنظومة / الرواية تعود إلى أشكال عدة من التراث القصصي العربي الإسلامي، ندرك عمق تجربة نجيب محفوظ التراثية.

وقد بينت د. سيزا قاسم، وهي تدرس بناء الرواية دراسة مقارنة بين ثلاثية نجيب محفوظ وروايات غربية مشابهة لها، ومنها "ايجنيه غرانديه" لبلزاك الفرنسي، ما يأتي(34): إن الفصول الثلاثة، من "قصر الشوق" التي تعالج علاقة ياسين بأم مريم، تمثل وحدة قصصية مستقلة، لها بدايتها ووسطها ونهايتها،..". ثم ترى أن كل "فصل من هذه الفصول له زمانه ومكانه وعقدته، ويمثل وحدة مستقلة. ثم إن الفصول الثلاثة تكون وحدة أكبر تتميز، أيضاً، بالصفات نفسها. وترجح أن هذا البناء يأتي من المؤثرات العربية التي يعمل في ظلها نجيب محفوظ" وتقول: "فالمقامة العربية هي وحدة قصصية مستقلة لها بنيتها الخاصة. ويجب ألا ننسى أن الرواية في مصر بدأت في ظل هذا الشكل المقامي. ولا بد من أن صداه ظهر في المؤلفات الأولى، وامتد بشكل أخف في الإنتاج القصصي بعد ذلك. هذا بالإضافة إلى ألف ليلة وليلة التي تتكون من وحدات قصصية صغيرة داخل إطار أوسع، وتمثل كل قصة وحدة مستقلة متماسكة داخل الإطار العام. وينتفي فيها تداخل الوقائع والشخصيات، لأن كل قصة، رغم تقسيمات الليالي التي تصبح جد مفتعلة، هي قصة قائمة بذاتها".

وفي تقديرنا أن التأثير الفاعل يعود، ليس إلى المقامة = القالب القصصي القصير المستقل، وإنما إلى نمط القصة ـ الإطار، ومن نماذجه المشهورة ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، السائد في التراث الشرقي. وقد طوره القصاصون العرب والمسلمون، وعرفه الأوربيون من طريق الترجمة، فكان الأساس في نشأة الرواية الحديثة بوصفه جوهراً يتجدَّد في مسار تاريخي، وهذا مظهر من مظاهر تأثير التراث القصصي العربي في إغناء فن القص العالمي وتطوره.

وقد خلصنا، في دراسة بناء اثنتي عشرة رواية لبنانية صدرت خلال الآونة الممتدة من عام 1972 إلى عام 1992، إلى ما يأتي: "إن الحلقة، أو الفصل، أو القسم، يمكن أن تكون، أو يكون، عملاً قصصياً مكتملاً ينطق بدلالة خاصة، وينتظم في الوقت نفسه في بناء الرواية العام لينطق بدلالة كلية، وأن بناء القصة القصيرة، أو الطويلة، يطغى على وحدات الرواية، وتنتظم هذه الوحدات لتنشئ بناء الرواية. وأن روايتين تتخذان، في بنائهما العام ودلالته، بناء القصة القصيرة..."(35).

ويبدو أن القص القائم بناؤه على توالد القصص في إطار قصة إطار ميزة جوهرية. تمثل ثابتاً، وفضلاً عما سبق ذكره نعود إلى مرحلة تاريخيَّة سابقة، فنذكر مثالاً آخر هو "حديث خرافة" الذي تتوالد في إطار حكايته الأساس حكايات كثيرة، وقد تقبل المنظور الثقافي الإسلامي هذا النوع الخرافي من الحكايات.

وقد يكون التطور التاريخي قد أفضى إلى أن يشكِّل الحديث الوحدة في بناء لم ينفك عن التطور، علماً أنَّ بنية كل من ألف ليلة وكليلة ودمنة قائمة على ثابت جوهري هو الحديث في مجلس سهر أو سمر.

الحرافيش، السيرة ـ الحكاية، الرواية

يضيف نجيب محفوظ مصطلح "ملحمة" إلى الحرافيش، ويضع "ملحمة الحرافيش"عنواناً لهذا الكتاب القصصي، المؤلف من عشر قصص، يسميها حكايات، فيأتي في صدر كل حكاية، على سبيل المثال، "عاشور الناجي، الحكاية الأولى من ملحمة الحرافيش". وهكذا إلى أن تنتهي الحكايات... وهي، إضافة إلى حكاية عاشور الناجي: شمس الدين، الحب والقضبان، سليمان الناجي، المطارد = سماحة الناجي، قرة عيني = قرة الناجي، شهد الملكة = زهيرة الناجي، جلال صاحب الجلالة = جلال الناجي، الأشباح، سارق النغمة، التوت والنبوت ـ عاشور الناجي. والسؤال الذي يطرح هنا هو: لم سُمِّيت هذه الحكايات ملحمة؟

في الإجابة عن هذا السؤال نقول: يسمي بعض الباحثين السير الشعبية ملاحم. والحقيقة هي أن السيرة الشعبية تشبه الملحمة في بعض الخصائص، لكنها ليست ملحمة، فالملحمة شعر والسيرة نثر قد يوظف الشعر، والملحمة تروي قصة بطل شعبي وثني، يحكم القدر مصيره، وتتدخل الآلهة في تشكيل مسار الأحداث، بطولته تراجيدية، والسيرة الشعبية تروي قصة بطل شعبي، مسلم، يتحكم هو بمصيره، وإن كان يقترب من الفاجعة فإنه ينتصر لنفسه ولشعبه في النهاية، ويتواصل انتصاره في أبنائه من بعده، يتجدد بأبنائه ولا يبعث. والقيم التي يمثلها فردية ـ قومية ـ إنسانية.

في ضوء ما سبق يمكن أن نقول: إن ملحمة الحرافيش ليست ملحمة بالمعنى المحدَّد لهذا النوع الأدبي، وإنما هي ملحمة وفاقاً لتسمية بعض الباحثين الذين يطلقون على السيرة المتميزة اسم ملحمة. وبهذا يمكن أن نعدها شكلاً جديداً من أشكال السيرة، ملاحظين أولاً أنها ليست ترجمة حياة لشخص معروف، أو أشخاص معروفين، وإنما هي سيرة حياة أشخاص متخيلين، قد يجد الباحث مرجعاً لكل منهم، ولكنهم ليسوا أشخاصاً معيَّنين كما في السير، وكما في أولاد حارتنا، وثانياً، أنها تروي سيراً وليس سيرة شخص واحد. تروي سيرة أسرة ـ أجيال، فالأبطال كثر، وسيرهم كثيرة، وهنا نلمس الثابت الجوهري الذي لمسناه في ما سبق، وهو توالد القصص، وثالثاً أن القص فيها يتصف ببعض مزايا القص في الحكاية، ومنها:

1 ـ هيمنة الراوي العليم الحريص على شد اهتمام المتلقي والإمساك به ليصغي، ويتلقى ويتسلَّى ويستمتع...

2 ـ اعتماد تقنيَّتي التلخيص/ القفزة في الغالب، ونماذج ذلك في الحرافيش كثيرة، نذكر على سبيل المثال قول الراوي: "وتتابعنا الأيام على أنغام الأناشيد البهجية الغامضة. وذات يوم، قال الشيخ عفرة زيدان لشقيقه درويش: بلغت العشرين من عمرك فمتى تتزوج؟"(36) وإذ نعلم أن عمر درويش كان عند العثور على عاشور عشرة أعوام، نعرف أن تقنيتي التلخيص القفزة تجاوزتا عشرة أعوام في أسطر.

3 ـ الزمن الدائري، وكنا قد تحدثنا عنه آنفاً، ونضيف هنا إلى ما سبق أن الحرافيش تبدأ بعاشور وتنتهي بعاشور، وكل منهما مثل المخلص، فكان الزمن يعيد نفسه.

4 ـ وفرة الأحداث الخارقة. ويسميها الراوي في الحرافيش "أسطورة" (العمل الخارق) و"كرامة"، ومن نماذج ذلك، قوله عن شمس الدين: "عدت صلابته البطولية أسطورة وكرامة من كرامات الأولياء حتى سمي بقاهر الشيخوخة والمرض".

وقوله عن سماحة: "ورويت مأساته بالطول والعرض فأصبحت أسطورة وموعظة"، وقوله عن سليمان: "وفتح قلبه الغض لسحر العظمة الحقيقية"، وقوله: "وما يعنيه اسم الناجي التفرد بالمعجزات.."(37).

لكن اللافت في سيرة الأجيال ـ الأسرة وحكاياتها أن الراوي. وإن كان مهيمناً يروي أحداثاً خارقة (أساطير)، فإنه يسوق الحدث كما تنمِّيه العوامل الداخلية، ليقنع بصدقية، كما أن شخصية البطل في كثير من الأحيان ليست جاهزة مكتملة، ففي حالات كثيرة يتغير البطل، وقد يتحول،  وقد يرتكب هفوات بدءاً من عاشور الأول وامتداداً إلى أولاده وأحفاده، فضلاً عن أنه ليس منتصراً دائماً، والمآسي كثيرة في أسرة الناجي، كما أن أفراد هذه الأسرة ليسوا "خيِّرين" دائماً، فكثيراً ما كان يقول الحرافيش: "إن الشر هو وحده ما يورث في آل الناجي"(38)، وقد عبر بكر الناجي عن هذا الواقع بقوله. "أنا الدنيا بلا زيادة ولا نقصان"(39)، ما يجعل محور الحرافيش الدّنيا: الصراع بين الخير والشر، فالراوي يلخص فيقول: "هكذا مضت السنون بخير لا يذكر وشر لا يحصى"(40)، ولا يسلم إلاَّ القليل. جاء في القرآن الكريم على لسان إبليس )قال: أرأيتك هذا الذي كرَّمت عليّ، لئن أخَّرتني إلى يوم القيامة لأحتنكنَّ ذريّته إلاَّ قليلا( [الإسراء/62]. يقول إنه سيجر بني آدم من أحناكهم إلاَّ قليلاً منهم. ويدور الصراع بين الأعيان والحرافيش، ويكون الفتوة هو السلطان القادر على تغليب طرف على آخر، ما يعني أن الثروة = الريع = الأتاوات هي موضوع الصراع، كما كانت في "أولاد حارتنا"، ما يعني صدور كتابي نجيب محفوظ عن رؤية للعالم واحدة.

وإن كنا قد لاحظنا استخدام تقنيتي التلخيص/ القفزة، فإننا نلاحظ أن ميزة جوهرية تميز القص في "أولاد حارتنا" وفي "الحرافيش"، وتتمثل هذه الميزة في استخدام تقنية سردية تصور الحركة/ الفعل، وتتجلى في ما يسمى السرد التصويري والتصوير السردي، وقد سبق أن رصدت د. سيزا قاسم خصائص الوصف والسرد عند نجيب محفوظ، فرأت أنه لا يصف، على سبيل المثال، دكان السيد أحمد عبد الجواد في تفصيلاته، وإنما يصف عبد الجواد في نشاطاته المختلفة، ويقدمه إلينا في إطار الصورة الوصفية التي تذكِّرنا إلى حد بعيد بأسلوب الجاحظ في الوصف. فالأديب العربي الذي قدم نماذج قصصية في كتبه، كالبخلاء والبيان والتبيين والحيوان، كان يلجأ إلى التصوير السردي... وتورد د. سيزا صورة قصصية ساقها طه الحاجري، في مقدمة كتاب البخلاء، بوصفها أنموذجاً لفن تصوير الجاحظ للشخصية ورسمه لها، وترى، بعد أن تناقض تعليق الحاجري، أن الصورة كلها، من أول كلمة: "وكان إذا أكل ذهب عقله..." تقف على الفعل، وعلى السلوك وطريقة تناول الطعام، وتهتم بالإيحاءات والحركات لدالة على الإيحاءات النفسية الخفية، وتبين الصلة بين الحركات اللاشعورية المختلفة وبين الحركات والصفات الظاهرة...

وتقرر د. سيزا، استناداً إلى ما ترصده وتكشفه، ما يفيد أن الجاحظ ـ وقد لقبوه بخالق النثر العربي ـ قد استحدث أسلوباً تراه ممتداً إلى كاتب الثلاثية؛ حيث أن التفاصيل الدقيقة عند محفوظ تقترب من هذه الإيماءات التي عرف بها الجاحظ، وأعطت صورة دلالتها الاجتماعية والخلقية، حيث أن الصور عند الجاحظ صور أخلاقية. ونرى أن محفوظ، في هذا المجال، ينضوي تحت لواء الجاحظ وتقاليد النثر العربي في الحكي والقص".

وتقرب لغة نجيب محفوظ القصصية، في حالات كثيرة، من الشعر فتتميز بالجوهري فيه، وهو الصورة الملموسة الخالقة للمعنى. والنماذج كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال ما يؤدي الدلالة، لأنَّ التفصيل في ذلك يحتاج إلى دراسة خاصّة"... وتخايلت الحقيقة مثل حشرة تزحف في الظلام...". وابتعد الشبحان، وصوت نحيب مكتوم يتكلس حول طبلة أذنه"، "هاهي ترفع عينيها لأول مرة فتلتقي العينان، ويواصل الشمع ذوبانه في الشمعدان الفضي". " وقالت إنه لا ملامة عليها إلا إذا ليمت ريح أبية لاقتلاع شجرة خاوية نخزها السوس".

وهكذا نرى أن "ملحمة الحرافيش" نتاج قصصي فريد وليد تجربة فريدة شارك التراث في تكوينها وتفاعل مع مكونات أخرى، لتلد التجربة نسيجاً/ جديلة فيه من الجوهري التراثي الثابت وفيه من الجديد، وهو في حقيقة إبداع فريد أجيد نسجه ليؤدي الفاعلية الجمالية الدلالية التي يؤديها كل إبداع حقيقي.

وفي الختام

يمكن الإجابة عن السؤال الذي كانت هذه الدراسة بحثاً للإجابة عنه، فقد أفاد البحث أن الأدبية في نتاج نجيب محفوظ، موضوع الدراسة: أصداء السيرة الذاتية، أولاد حارتنا، الحرافيش، هي نتاج تجربة فريدة: تاريخية فردية في آن، يتم فيها التفاعل بين الجوهري الثابت، والمقصود هنا التراثي، والتاريخي المتحول: الواقع التاريخي والفردي: المبدع والمتلقي، فيصدر الإبداع نسيجاً جديداً فيه للجوهري حضور، ولكنه حضور متجدد، وقد لمسنا هذا الحضور على مستويات كثيرة، منها النوع الأدبي، وبنية النص وأساليبه، والعامل الأساسي المؤثر في هذا المجال هو الرؤية الخاصة الفريدة التي ينطق بها فاعلية جمالية دلالية، وهي الرؤية نفسها التي كانت الأساس في انطلاقه وصدوره، وبهذا يكون قد استخدم لغة "المتخيل الإنساني" استخداماً خاصاً ـ كلاماً ليضيف إليه متخيلاً إنسانياً جديداً وفريداً.

ويمكن القول، أولاً، أن الطيران الفريد يلتقط، في لحظات النُّور، ما يراه في مرمى الزمن، ويمثله قصصاً يتخذ بنية الخبر ـ النادرة، فينطق بما رأته البصيرة وسمعته السريرة، في مناخ التمتع بالكشفين: القصصي والرؤيوي، وقد كان لهذا النوع من القصص حضور في "أصداء السِّيرة الذاتية. وثانياً أن هذا النوع من القصص/ حديث السمر، تطور إلى نوع من القص قوامه القصَّة الإطار التي تنتظم في إطارها قصص، في شبكة نظام علاقات تنطق بدلالة كلية، وهذا النوع من القصص كان له حضور في "أولاد حارتنا" و"ملحمة الحرافيش"، وثالثاً أنَّه في هذا النوع من القصّ تتوالد القصص وتتناسل، وتبقى النهايات مفتوحة لتوالد لا نهائي كما هو التوالد في مسار الحياة، ورابعاً أنَّ السِّيرة تنتظم السِّير المتولّدة في نظام القصَّة ـ الإطار، وخامساً أنَّ القصَّة الواحدة يمكن أن تكون مستقلة بنية ورؤية في الوقت نفسه الذي تكون فيه مكوِّناً من مكوِّنات العمل الكامل، تتخذ في نظام علاقاته موقعاً تؤدِّي منه دوراً، وسادساً، أنَّ الزمن في هذا النوع من القصص دائري يبدأ بعاشور الأول وينتهي إلى عاشور الثاني على سبيل المثال، وسابعاً يبرز البطل المخلِّص المتجدِّد بأبنائه، وليس ببعث كما في الأساطير الغريبة، وثامناً، أن الصراع سنَّة مبدأ ثابت من مبادئ الحارة /محوره الوقف/ السلطان والثروة، وتاسعاً يدور الصراع بين الأعيان والحرافيش في مسار يكثر فيه الشر ويقل الخير، ويكون المهتدون الذين لا يجرهم الشيطان من أحناكهم قلائل، وعاشراً أن هذه الثوابت/ الجوهر تحضر، تندمج في صنيع/ نسيج جديد، تكوِّنه هذه المكوِّنات ومكوِّنات تاريخية: واقع المنتج والمتلقي التاريخي... بنية جديدة من بنى النوع القصصي يضيف إلى المتخيَّل الإنساني القصصي غير المنفك عن التكوُّن في مسار لا نهائي رصيداً تاريخياً جديداً. وحادي عشر أنَّ هذه البنية القصصية تستخدم تقنية سردية تصور الحركة/ الفعل وتتجلى في ما يسمَّى السرد التصويري والتصوير السردي، ما يذكِّر إلى حدٍّ بعيد بالأسلوب القصصي التراثي، وبخاصَّة، أسلوب الجاحظ في الوصف، إذ إنَّ التفاصيل الدقيقة عند محفوظ تقترب من الإيماءات التي عرف بها الجاحظ، ما يجعلنا نرى أنه ينضوي، في هذه الميزة والمزايا الأخرى التي ذكرناها آنفاً، تحت لواء تقاليد القصّ العربي التراثي، وثاني عشر أنَّ لغة القصّ تقترب، في حالات كثيرة، من الشِّعر، فتتميَّز بالجوهري فيه، وهو الصورة الملموسة الكاشفة، الخالقة للمعنى والمجسِّدة له...(41).

الهوامش

(1) فانسان جوف، رولان بارت والدب، ترجمة محمد سويرتي، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، ط 1، 1994، ص 21 ـ 25.

(2) م.ن.

(3) م. خرابتشينكو، ذات الكاتب الإبداعية وتطور الأدب، ترجمة نوفل نيوف وعاطف أبو حمرة، دمشق: وزارة الثقافة، 1980، ص 90 و91.

(4) م.ن، ص 47.

(5) من هذه الكتب نذكر ما يأتي:

أخبار الأذكياء لابن الجوزي ـ أخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي. نهاية الأرب للنويري ـ الكامل للمبرد ـ الهفوات النادرة لمحمد بن هلال الصابئ ـ عيون الأخبار لابن قتيبة ـ ربيع الأبرار للزمخشري ـ المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي ـ العقد الفريد لابن عبد ربه ـ الوافي بالوفيات للصفدي ـ جمع الجواهر في الملح والنواد للحصري ـ معجم الأدباء لياقوت ـ وفيات الأعيان لابن خلكان ـ الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ـ المحاسن والمساوئ للبيهقي ـ نشوار المحاضرة للتنوخي ـ طبقات الأخبار لابن أبي إصيبعة ـ مروج الذهب للمسعودي ـ طبقات النَّحويِّين واللغويين للزبيدي الأندلسي ـ المستجاد من فعلات الأجواد للتنوخي ـ الحيوان والبيان والتبيين للجاحظ.

(6) راجع: الجاحظ، البيان والتبيين، ص 250، 257، 266، 151.

(7) الدميري، الحيوان، 1/6.

(8) أبو إسحق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني، زهر الآداب وثمر الألباب، بيروت: دار الجيل، ط 4، ص 33 ـ 35.

(9) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني، صحح أصله الشيخان محمد عبده ومحمد محمود الشنقيطي، وصحح طبعه وعلق حواشيه محمد رشيد رضا، بيروت: دار المعرفة 1420هـ/1981م، ط 1، 1321هـ/1938م، ص 405 ـ 407.

(10) أرسطو، كتاب الشعر، حققه وترجمه د. شكري عياد، القاهرة: دار الكاتب العربي، 1386هـ/1967م، ص 28، 29، 63.

(11) محمد بن إسحق النديم، الفهرست، تحقيق رضا ـ تجدد المازندراني، طهران، 1391هـ/1971م، ص 363.

(12) المصدر نفسه، ص 108 و364.

(13) د. شكري عياد، "فن الخبر في تراثتنا القصصي"، مجلة فصول، القاهرة، المجلد الثاني، العدد الرابع، 1982.

(14) ما بين مزدوجين من: نجيب محفوظ، أصداء السيرة الذاتية، القاهرة: مكتبة مصر، ص (على التوالي)، 101، 27، 40، 55، 102.

(15) م.ن.

(16) م.ن، ص 154.

(17) أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي، الأمالي، بيروت: دار الفكر، 2/308.

(18) أصداء، م.س، ص 29.

(19) الأمالي، م.س.، ص 308.

(20) نجيب محفوظ، أولاد حارتنا، بيروت: دار الآداب، ط 80، 1997، ص 5.

(21) م.ن.

(22) م.ن.

(23) م.ن، ص 110.

(24) م.ن، ص 176.

(25) م.ن، ص 5.

(26) م.ن، ص 7.

(27) م.ن.، ص 475.

(28) راجع: القرآن الكريم، يوسف/3، الكهف/13، هود/120، يوسف/111، الأعراف/176.

(29) أولاد حارتنا، م.س، ص 117، راجع: ص 209 و216 و217 و226 و228.

(30) م.ن.، ص 459.

(31) م.ن.، ص 144.

(32) م.ن.، ص 552.

(33) أصداء السيرة الذاتية، م.س، ص 144.

(34) أخبار الأدب، 17/9/2006، ص 7.

(35) د. سيزا قاسم، بناء الرواية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، ص 67 و116 ـ 119.

(36) راجع: عبد المجيد زراقط، في بناء الرواية اللبنانية، بيروت: الجامعة اللبنانية، ص 257 ـ 259.

(37) نجيب محفوظ، ملحمة الحرافيش، القاهرة: مكتبة مصر، ص 9 و10، وراجع للمزيد من الأمثلة ص 11، 323 و440.

(38) م.ن.، ص 146 و147 و262 و486.

(39) م.ن.، ص 269.

(40) م.ن.، ص 182.

 (41) م.ن.، ص 323.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244