مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

تآلف المفردات المخاتلة النقد والنص الهجين ـــ ياسر قبيلات

تتآلف ثلاث كلمات في الاسم الاصطلاحي "القصة القصيرة جداً" وهي ليس أية كلمات، إن الاثنتين الأوليين منها "القصة القصيرة" تمتلكان مدلولاً اصطلاحياً سابقاً، على وقوعها في هذا التآلف الاصطلاحي الجديد، ويبدو أنه من غير الممكن منع ذلك المدلول الاصطلاحي السابق من التأثير على دلالات التآلف الاصطلاحي الجديد، بل ويبدو أن حضوره هنا ليس مصادفة لغوية وإنما هو مقصود لذاته.‏

المخاتلة والتواطؤ‏

إنها بالفعل، ليست أية كلمات فهي تقول شيئاً بادعاء أنها تقول شيئاً آخر جديداً، تقول "القصة القصيرة" جداً، متظاهرة بأنها تقول "القصة القصيرة جداً" معتمدة بذلك على تواطؤ متوقع من وعي نقدي مضطرب ومرتبك وتواجه أي جهد ينزع إلى استضافتها بدقة برميه بالحيرة والالتباس.‏

ومع ذلك، فلا بد من محاولة استنطاق هذه الكلمات الثلاث المتآلفة اصطلاحياً، بدقة فلن تكون الحيرة والالتباس المتوقعين لجهد كهذا بدون فائدة.‏

يحتمل التآلف الاصطلاحي "القصة القصيرة جداً" ثلاث إمكانات للتشكل هي:‏

ـ "القصة" القصيرة جداً، والأصل هنا هو "القصة".‏

ـ "القصة القصيرة" جداً، والأصل هنا هو "القصة القصيرة".‏

ـ "القصة القصيرة" جداً، والأصل هنا هو بكليته جديد تماماً.‏

... ولننظر في إمكانات التشكل هذه كل على حدة:‏

الإمكانية الأولى:‏

ـ "القصة" القصيرة جداً، الأصل هنا هو "القصة. بمقتضى هذه الإمكانية تكون "القصة" هي النوع الأدبي الأم، فيما تشكل "القصة القصيرة" و"القصة القصيرة جداً" مجرد لونين فنيين، داخل ذلك النوع الأدبي "القصة".‏

الإمكانية الثانية:‏

ـ "القصة القصيرة" جداً، الأصل هنا هو "القصة القصيرة" وبمقتضى هذه الإمكانية تكون "القصة القصيرة" هي نوع أدبي يقف على قدم المساواة والاستقلالية إلى جانب النوع الأدبي الآخر، الذي هو "القصة"، فيما تشكل "القصة القصيرة جداً" مجرد لون فني، داخل النوع الأدبي الأم "القصة القصيرة".‏

الإمكانية الثالثة:‏

ـ "القصة القصيرة جداً" الأصل هنا هو بكليته جديد تماماً. أي نوع أدبي جديد.‏

إن اسماً اصطلاحياً كهذا، ينطوي على إمكانات التشكل هذه، إنما يكشف عن سمات الوعي النقدي الذي صاغه، إنه نوع من وعي "نقدي" استهلاكي غير منتج يعتمد النقل والقياس الميكانيكي، فإن لم يسعفه ذلك في تأطير نص ما، ارتبك وإصابته الحيرة، أو أخذته العزة بالإثم، فألقى باللائمة على النص الذي لم ينصع، ولم يشأ أن يندرج في واحد من الأنواع الأدبية المعروفة.‏

تتمثل الخطورة على نحو جدي حينما يحافظ هذا الوعي "النقدي" الاستهلاكي على رباطة جأشه، ويلجأ إلى ما في جعبته من مقاربات جاهزة، فيتخلص من مشكلة النص الذي يتأبى الاندراج الطوعي، بإدراجه قسراً، وخلسة في أحد الأنواع الأدبية، أو بإبقائه معلقاً في مكانه، بإصدار رخصة نظرية تعلنه نصاً وسطاً وهجيناً.‏

ويتغاضى هذا الوعي "النقدي" الاستهلاكي في ذلك، لنفسه، عن ما لا يتغاضى عنه لغيره، أو هو في غفلة إلى حد أنه لا يفطن إلى أنه هو، نفسه، يسارع للتخلص من معضلة النص "الهجين" بإنتاج اسم اصطلاحي هجين له!‏

إن مثل هذا الوعي "النقدي" الاستهلاكي هو وحده القادر على إنتاج اسم اصطلاحي مثل "القصة القصيرة جداً" المثال النموذجي على الاسم الاصطلاحي الهجين.‏

إن الهرب من معضلة النص المغاير، على هذا النحو، يقود عادة، إلى الغرق في بحر المعضلات، معضلات الدفاع عن مفاهيم هجينة فعلاً وحقاً، تتوافر في إنتاجها القصدية وسبق الإصرار.‏

ذلك ما نواجهه مع مفهوم "القصة القصيرة جداً" الذي يتشكل من تحرير "تهجين" اسم اصطلاحي جاهز وموجود لنوع أدبي راسخ الأركان، فهو مفهوم ـ كما قلنا ـ يقول "القصة القصيرة" جداً، بادعاء أنه يشير إلى نوع أدبي آخر مستقل بذاته.‏

....... فمفهوم "القصة القصيرة جداً" يضعنا أمام نص هو:‏

ـ قصة قصيرة، بالغة القصر.‏

ـ يمتاز بالاختزال، والتكثيف، والاقتضاب، والاقتصاد.. إلخ.‏

ـ مع احتفاظه بالتعيينات الجمالية والنوعية للقصة القصيرة.‏

.... وهذا كله يبقينا على البرِّ نفسه، وكأننا لم نبحر، ولم نبلغ الشط الآخر:‏

ـ فالقصة القصيرة، هي قصيرة ولا يجعلها القصر البالغ شيئاً آخر.‏

ـ والاختزال، والتكثيف، والاقتضاب، والاقتصاد في اللغة، هي من سمات "القصة القصيرة"، ويستحسن فيها ذلك.‏

ـ أما احتفاظ النص بالتعيينات الجمالية والنوعية للقصة القصيرة فليس حجة على شي، إلا على أن هذا النص هو بالذات قصة قصيرة وليس نوعاً آخر.‏

لا يقدم لنا، هذا المفهوم ـ "القصة القصيرة جداً" ـ تعيينات جمالية ونوعية جديدة، ومفارقة للتعيينات الجمالية والنوعية للقصة القصيرة، إنه وحسب، يقترح ـ بكثير من المراوغة والمخاتلة ـ التواطؤ معه، في إعلان "القصة القصيرة جداً" نوعاً أدبياً، دون الوقوف على حقيقة تعييناتها الجمالية والنوعية.‏

لقد تجاهل الوعي "النقدي" مهمات البحث عن التعيينات الجمالية لفن "القصة القصيرة جداً" لدى اعترافه به، وسوَّغ اعترافه به، كنوع أدبي مستقل، بمفردات توصيفية، وباسم اصطلاحي يحيل إلى القصة القصيرة.‏

غير أن ما يقوله الاسم الاصطلاحي الذي تمت صياغته للإشارة إلى "القصة القصيرة جداً"، كنوع أدبي مستقل، هو أنها ضرب من ضروب "القصة القصيرة"؛ أي أنه لا يقرّ بأنها نوع أدبي مستقل، وفي أحسن الأحوال يعلنها نوعاً هجيناً.‏

وبالمقابل، فإن تهجين النص وتوسيطه، لا يمكن له أن يتحقق إلا بإدخال تعديلات رئيسة على التعيينات الجمالية والنوعية للنوع الأدبي، أي بتهجينها هي بالذات وعلى نحو عضوي لا بمجرد تعديل صفاتها.‏

إن ربط "القصة القصيرة جداً" اصطلاحاً ونقداً، بالقصة القصيرة، غير ذي معنى، إن كان الحديث يجري بالأساس عن نوعين أدبيين مستقلين، كل بذاته، أما أن كان الأمر يدور حول لون فني جديد، ضمن النوع الأدبي الواحد، فما نرى من حاجة إلى الاسم الاصطلاحي الجديد ولا نجد له ما يكفي من المسوغات.‏

التعيينات الغائبة‏

لقد نالت مفردات توصيف "القصة القصيرة جداً" حظاً كبيراً من الذيوع والانتشار، وبات التناول النقدي لهذا الفن محكوماً لمفردات من قبيل "الاختزال"، "التكثيف"، "الاقتضاب" و"الاقتصاد".. إلى آخر القائمة.‏

ولقد شكّل الاسم الاصطلاحي لهذا الفن ـ "القصة القصيرة جداً" ـ منزلقاً، نجمت عنه قراءات مغلوطة للشكل الفني، وفهماً خاطئاً له، وفي وضع مشابه، بدأت تلك المفردات المشار إليها تشكل منزلقاً آخر، لا يقل تيهاً.‏

وإذا كان الاسم الاصطلاحي لهذا الفن، قد ربطه بفن "القصة القصيرة"، فإن مفردات توصيف "القصة القصيرة جداً"، تنقل هذا الترابط من مستواه الذهني واللغوي، وتحققه موضوعياً على مستوى الإيهام بكثير من المخاتلة والمراوغة.‏

..... ولنلاحظ، هنا، إن هذه المفردات:‏

ـ لا تشير إلى عناصر شكل أدبي، ولا تدل على مكونات نوعية.‏

ـ وأنها مجرد صفات لمثل تلك العناصر والمكونات.‏

ـ أنها تقتصر وتتركز على توصيف جانبين فقط هما: الحجم واللغة.‏

ـ أنها من حيث هي توصيفات لعناصر ومكونات تحيلنا على عناصر ومكونات "القصة القصيرة"، إذ هي تنطلق بالأساس من القول إن "القصة القصيرة جداً" هي "قصة قصيرة" للغاية، مكثفة، مقتضبة، ومختزلة، وبالتالي فإن هذه التعيينات الوصفية تعود على عناصر ومكونات "القصة القصيرة".‏

وبعد، فإن حشد كل تلك المفردات، على هذا النحو، في توصيف فن "القصة القصيرة جداً"، لا يجدي في تبرير هذا الفن، ولا يفيد في التدليل عليه كنوع أدبي مستقل بذاته.‏

إن الإصرار على ربط "القصة القصيرة جداً" بالقصة القصيرة، هو حكم نقدي يفقد مسوغاته، بالنظر إلى أن الحديث يجري حول نوعين أدبيين مستقلين بعضها عن بعض، غير أنه إعلان "القصة القصيرة جداً" نوعاً أدبياً مستقلاً، هو ـ كذلك ـ حكم نقدي، لم يحظ بعد بمسوغات كافية، مما يعني في النهاية، أن مثل هذه المسوغات، إما غير موجودة أصلاً، فيسقط هذا الحكم النقدي، وإما هي غائبة نتيجة تقصير نقدي.‏

إن اختبار هذه المساحة الملتبسة، يفرض قبل كل شيء البحث عن التعيينات الجمالية والنوعية للقصة القصيرة في "القصة القصيرة جداً".‏

فتوافر أو عدم توافر هذه الأخيرة على مثل تلك التعيينات الجمالية والنوعية، من شأنه أن يزيل الالتباس القائم دفعة واحدة، فإما هي قصة قصيرة قولاً وفعلاً، وتقوم على التعيينات الجمالية والنوعية لفن القصة القصيرة، وإما هي فن مستقبل بذاته، وفقط، لدى الوصول إلى مثل هذه النتيجة، يمكن البحث عن التعيينات الجمالية والنوعية الخاصة بفن "القصة القصيرة جداً" كنوع أدبي مستقل.‏

إن ما لدينا هو مجرد مفردات توصيفية وحسب، وهي كما لاحظنا سالفاً، ليست تعيينات جمالية أو نوعية بأي مفهوم، فهي لا تشير إلى عناصر شكل أدبي، ولا تدل على مكونات نوعية، وهي مجرد صفات لمثل تلك العناصر.‏

وحيث أن لا مفر، فإننا من طبيعة مفردات توصيف "القصة القصيرة جداً" تلك بدءاً من ملاحظة ما أشرنا إليه بصددها:‏

ـ لقد قلنا إن هذه المفردات من حيث توّصف "القصة القصيرة جداً"، تعود في النهاية على القصة القصيرة فتجعلها "قصة قصيرة"، "للغاية"، "مختصرة"، "مكثفة"، "مقتضبة"، "مختزلة"، "مقتصدة"، أي أنها تقترح التعيينات الجمالية والنوعية للقصة القصيرة، كقاعدة تنشأ على أساس تعديلها التعيينات الجمالية والنوعية لفن "القصة القصيرة جداً".‏

ـ وقلنا إنها مفردات تتناول جانبين فقط من تعيينات "القصة القصيرة" الجمالية والنوعية، وببعض التساهل يمكن لها في أفضل الأحوال أن تتناول ثلاثة أوجه أو ثلاثة جوانب من هذه التعيينات هي:‏

1 ـ قصة قصيرة، من حيث الحجم، مختصرة ومختزلة.‏

2 ـ قصة قصيرة، من حيث اللغة، مقتصدة ومكثفة.‏

3 ـ قصة قصيرة، من حيث الجملة، مقتضبة.‏

لا يبدو هنا، أننا نتحدث عن "قصة قصيرة" مختلفة، ومفردات توصيف "القصة القصيرة جداً"، بأوسع توظيف ممكن لها، تبدو أعجز من أن تحددها، كلون فني ضمن النوع الأدبي للقصة القصيرة، ناهيك عن تحديدها نوعاً أدبياً مستقلاً بذاته.‏

ويبدو جلياً، أننا لو كنا أوضحنا الأوجه التي تتناولها مفردات توصيف "القصة القصيرة جداً"، دون أن نذكر "القصة القصيرة" صراحة، لما كان بوسعنا أن نعرف إن كان الأمر يتعلق بالقصة القصيرة أم سواها، ولكن يبدو واضحاً، هنا، أن التعيينات الجمالية والنوعية لفن "القصة القصيرة" غير ذات علاقة.‏

واقع الأمر، إن مفردات توصيف "القصة القصيرة جداً" تحقق فشلاً مزدوجاً:‏

الأول: فشلها في تقديم "القصة القصيرة جداً"، كنوع أدبي مستقل بذاته؛ أي، أنها تفشل في توصيفه، من حيث هو كذلك.‏

الثاني: عجزها حتى عن الإحاطة بفن "القصة القصيرة"، ومس تعييناته الجمالية والنوعية على نحو يبررها، وهي التي ـ أي هذه المفردات ـ تأخذ حيزها في حقل الممارسة النقدية، بادعاء أنها قادرة على القيام بمهمات توصيف نشأة "القصة القصيرة جداً" كتحول نوعي في التعيينات الجمالية والنوعية لفن القصة القصيرة.‏

إن عقم مفردات توصيف "القصة القصيرة جداً" ينجم بالذات، عن كونها تؤدي وظيفة في ربط "القصة القصيرة جداً"، بفن "القصة القصيرة"، من خلال الإيحاء بأن "القصة القصيرة جداً" هي نتاج عملية تعديل في صفات المكونات الجمالية والنوعية للقصة القصيرة.‏

إن معاني الفشل الذي تمنى به مفردات توصيف "القصة القصيرة جداً"، بالغة الأهمية، حيث يثبت هذا الفشل، بجلاء، حقيقتين هامتين:‏

الأولى: إن "القصة القصيرة جداً" ليست نتاج تعديل في صفات عناصر شكل "القصة القصيرة" ومكوناتها، وهي ليس لوناً منها.‏

الثانية: إن "القصة القصيرة جداً" ليست كذلك نتاج عملية تحوّل نوعي في التعيينات الجمالية والنوعية لفن القصة القصيرة، وهي ليست نوعاً أدبياً هجيناً.‏

أي، أن "القصة القصيرة جداً" هي فن، ونوع أدبي مستقل بذاته، وأن توصيفه وإطلاق اسم اصطلاحي عليه، لا يمكن أن يأتي قاطعاً وحاسماً، بدون البحث في تعييناته الجمالية والنوعية، وأن البحث في تعييناته الجمالية والنوعية، لا يمكن له أن يكون مثمراً، ما لم تتم معاملة "القصة القصيرة جداً" على أساس استقلالها الذاتي كنوع أدبي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244