مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

صورة سليمان البوطي 1984 بالأبيض والأسود [ثانيةً.. إلى سعدي يوسف الشاهد والشاعر] ـــ إبراهيم الجرادي

أكنا نَقيسُ زمانَ الحنينِ بأقدامنا..؟‏

ركلنا حصاةَ الأسى‏

واستظلّتْ بنا "طفلةُ الرغباتْ"‏

وكانتْ مياه المخيمِ مِثلَ الزجاج‏

وكانَ الحنينُ يقومُ ويجلسُ، شيخاً جليلاً،‏

على صَحنِ جامعِهِ المستديرْ.‏

أكنا صغاراً..؟‏

ثلاثونَ مرّتْ.. ولا فرْقَ‏

كنتَ تملّحُ أيامَنا بالمجازِ.. فترسو!!‏

وفي (المعهدِ المسرحيِّ)‏

كنت تُرَتِبُ أقوالَ (انجلزَ)‏

كي تَسْتَميلَ إلى الليلِ تلكَ الممثلةَ الناشِئةْ.‏

أكنتَ التقطتَ "الطبيعةَ" من بين أهوائِها‏

وذهبتَ‏

بها‏

للعراءْ؟‏

كم مرةً، أنتَ، قولّتَ (انجلزَ) ما لمْ يقلْ؟‏

وكم مرةً، أنتَ، أذنّتَ في اليأسِ قبل الأوان؟!‏

وكم مرةً، في أواخر "كانون"‏

كانتْ وحولُ المخيمِ تأكلُ أطرافنا‏

في الليالي الشتائية الدافئةْ؟‏

أكانتْ معاطفُنا من كلامْ؟‏

أكانَ العراقيُّ، ذاك الحزينُ، يُخلّعُ أصفادنَا في القصيدةِ‏

يدخلُ حزنينِ في آنِ‏

ثُمَّ يؤلف جيشاً صغيراً لتحريرِ أشعارِنا مِنْ بقايا المِحنْ؟‏

أكانَ الخرابُ الذي يتقدمُ أوصافهمْ‏

يَسْتَميلُ إلى نفسِهِ فتيةً سادرينْ؟‏

أكانتْ دمشقُ التي لا نُحِبُّ تُحبُّ؟‏

تَنوءُ.. تغني‏

وتنهضُ‏

تَسْريْ إلى ليلِ حلمتِها الباهظَةْ؟‏

[انهضوا‏

واستريحوا قليلاً‏

ألا أيها النائمون بقلبي‏

استفيقوا!]‏

أكانَ الفتى المُدْلَهمُ.. العُمانيُّ سيفٌ.. وسيماً‏

ويشكو من العارضِ المستديمِ‏

ويملأُ صدْغيهِ أشياءَ طارئةً‏

ويُحدِثُ عن (نزوةٍ) تَسْتطيلُ وتكبرُ كالدمَّلِ الوطنيِّ:‏

دَمٌ‏

وكتابٌ‏

مآتمُ‏

أشياءُ تركضُ كالنيصِ في الرأسِ‏

حينَ تَعيثُ فساداً بصدْغيهِ (قُبرةُ الشهواتْ)‏

أكانتْ على القُربِ مصيدةٌ‏

ويقينٌ يُفتِتُ أعصابَ صاحِبهِ‏

والحَمامُ يئنُ على قُبَةِ الأمويِّ‏

وحيداً..؟‏

سيسهرُ خيفانَ، ليلَ متاهاتهم‏

.... إنهم‏

يضربونَ‏

نِطاقاً‏

على‏

مَدْخَلِ‏

الروح‏

مُسْتَكثِرينَ على بَعْضنا أملاً يائساً بالحياةْ!!‏

يا‏

لهذي‏

الحياةْ!!‏

أكانَ، إذنْ، في الخرابِ، وصيفٌ‏

يُفتِتُ أعصابَ سيدِهِ‏

مثلما فتتَ الذئب لحمَ الغزالْ!‏

كلُّ شيءٍ على حالِهِ....:‏

فاليقينُ، هناكَ، شتاءٌ‏

وبُرْدَتُهُ بَردٌ أسود‏

يتعففُ عن سرِهِ ليكونَ سُخَاماً على فخذِ سيدةٍ‏

نَصفُها للغريبِ‏

ونِصفٌ يوزعُ، شورى، على خَدَمٍ طيعينْ.‏

يتباهى‏

هنا‏

بالمُلماتِ شَعْبٌ‏

ومستثمرونَ، هنا، في المدينةِ يخترعونَ لسيدِهم لَقَباً ثانياً‏

ثالثاً‏

رابعاً‏

خامساً‏

سادساً‏

سابعاً‏

ثامناً‏

تاسعاً‏

عاشراً‏

يا إلهي..! يتوجُ شَعْبٌ على نَفْسِهِ....(1)‏

أما مِنْ مكانٍ يُحْررني من ضَلالةِ أوصافِهِ‏

سوفَ أمضي إلى آخرِ التيهِ‏

قلدني (نَفْسَهُ) اليأسُ‏

يا ربُ.. ذاكَ دمي:‏

جثثُ‏

ومراثٍ تليقُ بأسمائنا!‏

سوف تنكثُ عهداً بلادي التي لن يحررها..... (2)‏

أنأخذُ يوماً على محمل الجدِّ أشلاءنا‏

ونُخْرِجُ تلكَ الخيانة من جحرها‏

مثلما يخرُجُ الضبُّ من حجره...؟‏

***‏

أتذكرُ..؟‏

كنا قرأنا لسعدي بن يوسف بعضَ قصائدِهِ‏

صار يبكي!‏

وكانَ العراقُ على كتفيهِ ثقيلاً ثقيلا‏

وكنا على وشكِ اليأس.. أو بَعْدِهِ‏

أبلادُ تنيخُ على الشيخِ أثقالَها‏

قلتُ: زحزحْ عن الشعرِ هذا العذابْ‏

استقمْ‏

بالوقوفِ على شَفْرةِ الرعدِ‏

خلِّ لسعدي (السعيدِ) الذي جيّرَ النثرَ للشعرِ‏

وقتاً ليشقى!!‏

من أينَ جاءَ بهِ‏

بالعذابِ‏

العذابْ‏

بالعراقِ الذي يدخلُ، الآنَ، مثليَ حزنينِ في آن:‏

حُزنٍ على الذاهبين سدى‏

وحُزنٍ على القادمين سدى‏

ستركضُ، قلتُ، ستركضُ فيه الغزالاتُ‏

يركضُ أهلوهُ في بَرْزَخٍ للغبارِ‏

فيهتزُ قلبٌ‏

ويمعِنُ في ركضِهِ شاعرُ البيتِ‏

نحو متاريسَ فرّغها الخائفونَ العراةْ‏

ستركضُ قلتُ، ستركضُ في شعرِهِ طفلة النثر‏

لسنا لصحرائِهِ مطراً‏

ولسنا، هنا، أبداً!!‏

ما مضى قد مضى؟؟‏

كلُّ شيءٍ، كما ينبغي، فالنساءُ الشغوفاتُ، طَرْقٌ على البابِ‏

أعضاؤنا بليتْ مثلما بليت سُتَرُ الجُندِ! قالت: ستمضي بيَ، الآنَ،‏

نحو لذائذَ أعرفها: فمٌ يتباهى بسطوتِهِ، ويدانِ ترقانِ بيّ، وفيّ،‏

ستنهضُ أفعى اللذائذِ‏

مِنْ تَعبٍ سوف ينهضُ ماءُ‏

وتنهضُ أسماءُ للغيمِ‏

تنهضُ قُبَرةُ الدفءِ‏

تنقرُ فخذيكَ بالرقِةِ الأنثويةِ‏

ينهضُ شِعرٌ له نكهةُ الدمِّ‏

ينهضُ سعدي بن يوسف‏

يكتبُ شعراً مُسجى لهذي القيامةِ‏

في مُدنٍ ليس فيها سوى هدأةٍ من نشيج:‏

عِراقٌ له‏

وعِراقٌ لهم‏

عراقان يأتلفانِ على مَحْملَ الدمِّ، يزدحمانِ: عمائمَ قتلى،‏

فوارسَ قَتلٍ، حفاةً، عَراةً، خطى للدليلِ الضَليلِ، مَجَراتِ‏

دمعٍ، نشيداً يهرول في ُثكناتِ العدوِّ........‏

ستمضي بنا النارُ نحو مفاتنِها‏

لنقيسَ مكانَ الحنينِ بأحفادنا‏

ثُمَّ.... يسهرُ (سعدي بن يوسف) جذلانَ مبتسماً عند مُنْعرَجٍ‏

في اليقينْ.......‏

واليقينُ يفتتُ أعصابَ صاحبِهِ‏

مثلما فتَتَ الكلبُ لحمَ العراقْ.‏

(1) القصيدة كمخلوق ظهرت بعد عشرين عاماً، من ولادتها، هي المسافة الزمنية بين الصوت وصداه. وسليمان البوطي، باحث في الشعر والنثر، شخصيةٌ إنسانيةٌ مفتوتةٌ بالمجاز، يستثمر مقدراته النافذة في استهلاك الوقت على نحو مرضٍ، ومن جهوده التي تسعى في الغائب النقدي: ظاهرة المخبر في الشعر العربي، تماوج المعنى، الفساد مفهوماً وسلوكاً منذ الجاهلية حتى الجاهلية الجديدة.‏

(2) من حق القارئ الكريم، هنا، أن يختار صفةً غالبةً، مناسبةً للمتوج، تليق بميزته ـ إضافة إلى مزاياه الأخرى ـ ومن مقترحاتي: فاسداً، قاتلاً، كاذباً وفي (2): خائنٌ، مُفْسِدٌ، عَلْوَجٌ، ... إلى آخر ذلك من توصيفات يجدها القارئ الكريم مناسبة للموصوف، حسب صفاته المهيمنة ـ وهي كثيرة بالطبع ـ مع إجازة الكسر الوزني واللغوي لصالح التوصيف.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244