مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الوجه الآخر ـــ عمر الحمود

( المدد المدد يا جدي، وانقذ الولد!.‏

صاح بكار في داخله متوسلاً، وقد انخطف لونه، ورنا بصره إلى مقبرة البلدة القريبة، فهناك مرقد جده والمقامات بقبابها الخضر وشجر التوت المعمر.‏

((سيارة مسرعة رفعت ولده إلى الأعلى، وألقت به على الإسفلت كومة مهشمة، تزاحم الفضوليون والمارة، أحاطوا بها، تمكنوا من رؤيتها، وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون)).‏

( العون العون يا جدي، وكذب الخبر!.‏

ودارت الدنيا رحى، وبكار بين صخرتيها تهرس منه ما تشاء بلا عطف ولا رحمة.‏

أخفى وجهه بكفيه، أجفلته يد استقرت على كفته، قال صاحبها: البكاء للنساء، ألا تعلم أن جدك دفن والدك، وهو في عنفون الشباب وزهوه، ولم تهتز له شعرة.‏

مسح عينيه الدامعتين ولحيته التي يتصارع فيها البياض والسواد، وقال بصوت ذبيح: اللهم ألهمني الصبر والسلوى.‏

وبات يرقب المشهد بذهول أشبه بالتربص والحيادية.‏

السائق المراهق الخارج من البار انزرع في مكانه، أحدهم يبعد الفضوليين عن الكومة التي كانت طفلاً، آخر يتهم السائق بالتهور والسكر، وحين يرى لوحة السيارة يخف اندفاعه، ويغيب بين الحشد المكتظ، ضجيج لم يألفه الشارع، صرخات وأحاديث مختلطة عالية، شرطة تحضر، يوسع لها الحشد مكاناً، يسأل الضابط عن السائق بعصبية، وحين يرى السيارة تزول عصبيته، ويعود إلى وقاره يتنفس السائق الصعداء، أو يصحو من سكره، يخرج جهازاً من جيبه بحجم علبة الدخان...، وخلال دقائق احتلت سيارة فخمة عرض الشارع ينزل منها رجل أنيق يرافقه رهط من الرجال.‏

يسود المكان وجلٌ وهيبة.‏

الرجل يصافح السائق، ويدور حول السيارة، يمتعض، لقد تقشّر دهانها نتيجة لاحتكاكها بالرصيف، تفحّص هيئات الحشد بعينٍ خبيرة مؤنبة، بصق، وسبّ من ينجب، ويقذف بأولاده إلى الشارع، ووضع السائق بجانبه، وعاد أدراجه.‏

ارتاحت الشرطة، فقد مرّ الأمر بشتمٍ وتأنيب وبصقة، لأنها لم تره ساخطاً بهذا الشكل من قبل، ولو أشار بإصبعه لأوقعت الرعب بين الحشد.‏

واستغرب الحضور تجاهل الرجل لبكار، فبكار سليل رجل طلّق الدنيا وما فيها، فهو ينشد الأذكار بالعشي والإشراق، وسيرته على كل لسان، ومن ضرب بحجره لم يخطئ الهدف، ومن زاره، وطرح نفسه ببابه، ومّرغ خده بثيابه نوِّر قلبه، وقوي بدنه، وزاد رزقه، ودام ستره، ومن عاداه أظلم قلبه، ووهن بدنه، وقلّ رزقه، وفُضِحَ سره، وما حدث فأل سوء، وتفور أذهانهم بأسئلة لم تخطر على بالهم من قبل: لماذا لا يسخر بكار قدره لردع عاجل؟!.‏

أهو تسامح أم عجز وتقشف ومقت للدنيا وعزوف عنها؟!.‏

ويتوقون إلى تدخلٍ حاسمٍ، ويردعهم الخوف من المجهول.‏

وأدرك بكار أنه إذا اعترض سيخسر الكثير، وأكبر مما يتصوّر، فهنا لن تنفعه معوذاته ورقاه، إنه الآن بلا حيلة، فليثبت، وليحفظ لسانه من الهفوات والزلات، وصرخ بصمت: أهكذا يرخص حفيدك الآن بلا حيلة، فليثبت، وليحفظ لسانه من الهفوات والزلات، وصرخ بصمت: أهكذا يرخص حفيدك في نظر القوم يا جدي؟!.‏

ألا تراه كشاةْ ملقاةٍ في فلاة؟!‏

وهتف له صوتٌ هاتف: نسيتنا فنسيناك، وتركت الاستقامة فتركناك.‏

ارتجف.‏

لقد ميّز الصوت الهاتف، إنه صوت جده، هذا الصوت الذي غاب عنه، وقد كان له مصدر أمن وقوة عند تعسّر الحاجات وتعقد الأمور.‏

نسي المشهد كله بتفاصيله وصخبه ومصابه الأليم.‏

( ابتعد عني يا جدي، وقد فقدت ولدي، ولدي الذي لم أرزق به إلا بعد نذور وتوسل بالملائكة والكتب والرسل واجتياز القفار وركوب البحار ومراجعة مشاهير الأطباء وإفناء السنين من عمري و...‏

يقاطعه الصوت بكلمات تلسعه كسياط النار: ابتعدت عنّا فنبذناك، لم تكن ولياً لتوهب كرامات، ولم تكن مريداً لتسعفك المغوثات، صاحبت أعدى عدوٍ لك، تبعت كل ناعق، وسمعت كل صائح، وقمت بأفعالٍ يندى لها الجبين خجلاً، واتخذت من التمائم والمندل وسيلة لثراء سريع لم تنعم فيه، وادعيت أموراً بعيدة عنك بعد الأرض عن السماء، فأنت تجمع بين المرء وخليلته، وتفرق بين الزوج وزوجه، وترّجع المسروق، وتفك أسر المأسور، وترشد التائه، وتزوج العانس، وتقص الأثر، وتقرأ الطالع، وتفسر المنام... حذّرتك إشاراتنا فلم ترجع إلى وجهك الأول، ولم تتخلص من ذنوبك، وترتقِ من مقام الخوف إلى مقام التوبة، أغواك العمه والضلالة، فسطرت آثماً مدحوراً.‏

( رفقاً بي، فهذا ليس وقت التأنيب.‏

ويظن المجتمعون أنه يحدّث نفسه من هول المأساة، يراقبون ارتعاشات وجهه ونظراته الشاردة، يضربون كفاً بكف، ويهمسون: صدِم الرجل، يا رب احفظْ عقله.‏

ويهدر الصوت آمراً: تذكرْ آخر منكر فعلته حين جاءك العبد مردود.‏

يحل الصمت كئيباً ثقيلاً.‏

يطرق بكار منصتاً، ينفّذ الأمر، ينشر ما حدث منذ سويعة: عاين السماء كعابدٍ متبتل، حمد الله الطقس يساعد على الرؤيا وقال: إن هذا اليوم يوم سعدٍ كما يقول أحد كتب التنجيم، وأظهر من خرجٍ جلدي عيداناً وقال لمردود: عيدان البخور غالية، يجمعها عطّار من أعشاب الهند، ويرسلها لي. يسلمه رزمة مال، ويعده بالربع إن عاد ماله المسروق.‏

ويهدر الصوت ثانيةً: وقد أخفيت المال بخفة المعتاد على الأخذ والإخفاء، وقد جعلت دارك مزاراً من يدخله تُقضى حاجته، وكثيرون قدموا ببكاءٍ ولطم وزفرات وعادوا بشدوٍ وتصفيق ومسرات كما تدعي، وتعلّق بتباهٍ بأنك ورثت هذا كابراً عن كابر، وأنّ حدسك لا يخطئ، وفراستك لا تشيخ، وتطنب في سرد حكاية فيها عجائب غير مألوفة ولا مأنوسة لتثبت قدراتك المزعومة وسلامة صدرك وحبك للأتقياء، وتقوم بحركات غريبة وتخرج لتعود بطفلك حين لم تجد طفلاً سواه، طمعك أوعز لك بهذا، مسَّدت شعره، شرحت له ما تريد، فتلّهف لرؤية ما سيحدث، وتكتب طلسماً في كأسٍ مملوء بالماء، وتضع في الكأس نقطة زيت زيتون، وتقول للطفل: سترى ما لا يراه غيرك، فخذْ هذا القرطاس نسخت فيه آية الكشف ألصقه على جبهتك واربطه بمنديل.‏

وتساعده في ربط المنديل، وتأمره أن ينظر في نقطة الزيت بتركيزٍ شديد وتجزم بأن صورته ستتلاشى في نقطة الزيت ببطء، وتحل محلها صورة لشيخٍ لطيف مطيع، يقف خاضعاً ذليلاً وينتظر سؤاله خائفاً مسكيناً، وترفع يديك، وتحرك شفتيك بأدعيةٍ وآيات وعزائم تكثر فيها أسماء الله وأرواح سفلية وعلوية لصرف الجن الذين يسكنون المكان.‏

وينقطع الصوت ليفسح له استعادة بقية المشهد.‏

تفّرغْتُ للطفل قائلاً: اجلسْ بلا حركة، سترى الشيخ، تسأله ويجيبك.‏

وعزّمتُ متمتماً: ((أقسمت عليكم يا معاشر الأرواح أن تكشفوا الحجاب بينكم وبين ناظوري حتى يراكم ويكلمكم ويسمعكم وأنه لقسم لو تعلمون عظيم)).‏

ونطقْت بكلمات سريانية، ترنمت بها كدرويش في سكرة وجد، وساد المكان صمت مهيب، ولم يبقَ سوى صوتي وصوت الطفل، ورائحة البخور تنزل على مردود برداً وخدراً، جعلته عابداً زاهداً ينتظر ومضة إبهار، أو نفحة كرامة وأقول للطفل بتفاؤل: كلماتي سيف بتار، يُدخل الرجال القبور والجِمال القدور، ويُسلّط على رقاب الأرواح، وما على الأرواح إلاَّ السمع والطاعة، سترى الخادم سلّمْ عليه واطلب منه أن يدلك على المال المسروق وببرود يقول الطفل: لم أشاهد سوى صورتي.‏

فتقدمت منه حتى لفحت أنفاسي وجهه، عزّمت، لم تثمر محاولتي، ضاعفت البخور، قصف عيداناً، وأحرقتها، فانتشرت رائحة أحدثت استرخاء في جسد مردود وسكوناً في أعصابه وخمولاً في وعيه وأردد مع الطفل: ((أقسمت عليكم يا خادم هذا المندل وبأسمائه الحسنى وباسمه العظيم الذي يعرفه آصف بن براخيا أن تظهر لي حتى أراك وأكلمك وأسمعك)).‏

أجمع قواي، وأجاهد لجلب الأرواح، أعزّم، أصيح، أغضب، أرغي وأزبد، أسأل الطفل: هل بزغ الخادم؟!‏

يقول الطفل: لم يبزق الخادم.‏

أستدرجه مكرراً سؤالي، يعيد الجواب نفسه، وقد تقاصر عن التركيز، أردد كلمات مقتبسة من كتبي، بذلت قصارى جهدي، تفصّد العرق من جبيني وتحجّر وجهي، أقول بحسرة: هذا قدرٌ لا نستطيع رده، الدروب محروسة رفضت الأرواح الظهور والبوح بالأسرار، إنها تطوف ولا يستقر لها قرار، أمامها عقبة كأداء ودربها محفوف بالمخاطر، فهذا الطفل غير مقبول لديها، يا لحظك المنكود.‏

وأبعد الرباط عن رأس الطفل، وأطرده من الدار.‏

يخرج خائفاً شارداً، يرسم صوراً عديدة للخادم، ويتساءل عن سبب عصيانه، وبعد رحيل مردود يسمع صوتي، يفز من شروده وتصوراته، يتحرك كل شيء فيه حتى كاد يطير، يصك الشارع، فترتطم سيارة بجسده الغض، ويُسدل الستار على المشهد.‏

يعود بكار محروق القلب إلى الشارع والضجيج والتعب والغبار والتجمع البشري وإجراءات التعازي، يشعر أن ظهره قد قصم، وأنّ الدنيا اسودت في وجهه ولا منفذ للضوء فيها، وأن الاتهام يوجّه إليه من كل الجهات، يتعقّبه، سمومه تطارده، تلتصق به كجلده، يستغيث، يسعى إلى طمأنينة ولا يجدها، يتوقع تضامناً من الحضور، يجد رفضاً وصدوداً، وتهتز أصابع غاضبة أمام عينيه، تتأهب لفقئها، وبكلمات نارية يقذفونه: أنت قاتل.... أنت دجّال.... أنت....‏

وبقدر معرفته لآثامه يزداد اضطرابه، ويحرق ركائز الوعي، ويعمي البصيرة والباصرة.‏

وبتوترٍ وفزع وذلٍ يقول: قتلت ولدي.‏

وتُقطع الشعرة التي بينه وبين الانفجار!.‏

وفي لحظةِ تحسر وحزن وهيجان يسرع إلى عيدانه العطرية، ومباخره الصدئة، وكتبه الصفر المتآكلة وصناديق عطايا الزوار، يلقي بعود ثقاب عليها، فتشتعل نارٌ حامية، لم يجسر الحضور من الدنو منها، ولم تتوقف حتى التهمت الدار وما فيها.‏

يحوقل الحضور، فقد خسر بكار المال والولد.‏

ويعيد المعمرون أخباراً عن جده الذي ينفخ على الحرائق تخمد حين تستغرقه الحال، وفي تحدٍ أمام جند فرنسا ضرب صدره بالبارود، ولم تنزل منه قطرة دم، ويقارنون الأمس باليوم، وتنفرع أشجار الشكوك في الصدور.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244