مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

في شرفة الحلم.. ـــ نزار نجار

ذلك تاريخ لا يذكره التاريخ..‏

وفي كل حارة ذاكرة.. في كل حارة فضاء يتّسع لحالات العشق، والروح تهيم باحثة عن الأبواب التي ترتجّ حباً، ممعنة في طوفانها اللاهث بين الدهاليز والأزقة الشعبية!.‏

هاهنا مسارح للأحلام؛ ملاعب للرؤى الطالعة من نسغ الحبّ والعشق والهيام..‏

هاهنا حكايات المساء المفعمة بطراوة العشب.. وهدير البراءة.. هاهنا الحلم الجميل الذي يحملك حتى جنح الفجر..‏

وحارة التركي لها ذاكرة.. حارة الفرّاية لها تاريخ.. تاريخ غير مكتوب، سجلّ شعبي غير مدوّن، أحاديث تتردّد، أنباء يتناقلها فلان عن فلان، وأخبار تتدفّق مع سيل الوقائع المشهودة، مع شلاّل الحب لهذه الأرض الطاهرة!.‏

الحملة الفرنساوية قادمة، والمصفّحات الثقيلة ترجّ الطرقات، ومحمّد الفرحان يذرع الدروب قلقاً!..‏

محمّد الفرحان خرج من الدار، قال لأمّه وعيناه تشعّان ببريق أخّاذ:‏

ــ لن نتركهم يمرّون!‏

عينان جميلتان تتوقّدان بالإرادة والتصميم..‏

عينان سوداوان مكحولتان بالحب والعشق والإقدام..‏

عينان لفتى لمّا يبلغ التاسعة عشرة تفيضان بالإشراق والجرأة والجسارة..‏

المصفّحات على الطريق.. المصفحات تناور في باب طرابلس، تنهش أطراف الحارات، المصفحات تتقدّم، والمعركة ستبدأ، ولا خيار أمام الثوار، لا خيار أمام الرجال الذين نذروا أرواحهم رخيصة من أجل هذه الأرض الطاهرة..‏

ومحمّد الفرحان خرج متمنطقاً رصاصه وفتوّته وإقدامه وعينيه السوداوين، مصفّحة ثقيلة تقدّمت، رتل المصفحات، رمت ظلّها فوق الدرب تياهة ممعنة في دبيبها المجنون، ومحمّد خرج لملاقاتها، كشف نفسه وصدره للمصفّحة الهاجمة.. قذف قائد الحملة قنبلة يدوية، يريد أن يشقّ طريقاً لرأس الرتل، ومحمّد استقبل انفجار القنبلة غير المتوقّعة بقلب نابض وعينين مفتوحتين. القنبلة الآثمة قامت بدورها، وعينا محمد الفرحان هذه المرّة لم تبقيا مفتوحتين، لقد وصلت شظاها إلى هدف غير منتظر!‏

صارت عينا محمّد داميتين..‏

صارتا حفرتين من ألم طاغٍ.. ودم.. و.. عتمة..‏

صاح الفتى:‏

ــ عينيّ!!‏

ردّدت صيحته الدروب والطرقات، والأزقّة والحارات..‏

سمعت أمّه الصيحة..‏

سمع أبوه فرحان التركاوي..‏

سمع الثوار..‏

سمعت الأرض..‏

سمعت السماء..‏

سمعت الأشجار والعصافير..‏

ردّدت صيحته القلوب والأسماع..:‏

ــ عينيّ..‏

صارت الدنيا عيوناً، وأبوه فرحان من بين الثوار اندفع إلى هدفه، لم يعد أمامه غير المصفّحة المجرمة.. لم يعد يبصر إلا سائقها المتقدّم أوّل الرتل.. الرجل الذي سمع الصيحة لبّى النداء.‏

الرجل صار فوق المصفّحة، والحياة توقّفت لحظة، أمام هذا المنظر الفريد، فرحان، الأب. صار فوق الحديد، ارتفعت قبضته بالخنجر نحو السائق الذي أخذته المفاجأة، كل شيء حبس أنفاسه، كل شيء صار عيوناً مفتوحة على المشهد غير العادي، والحكاية اكتملت بمصرع السائق المذعور.‏

تلوّت المصفّحة، أخذتها الدروب التي لم تعد سالكة على هواها!.. تعثّرت مقدّمة الرتل، ثم تخبّطت، انقلبت بحديدها وثقلها ومن فيها على طرف الخندق، وفرّت المصفّحات!.‏

فرّت أمام الثوار الذين شدّدوا هجومهم المباغت. وفصول المشهد دارت عند منبثق المكان.. لقد ظفر الثوار بما أرادوا وخابت الحملة الفرنساوية.‏

انتصرت عينا محمد الفرحان، على الرغم من أنّهما ودّعتا تلاوين الأشياء،والصور، والوجوه الحلوة..‏

صارتا نجمتين في سماء لا يعكّر صفاءها كدر، ولا يحجب إشراقها خطر.‏

وفي شرفة الحلم تنهمر الأقمار والكلمات والحكايات.. وليس هناك أجمل من الوطن في عينيّ فتى مغامر منذور للعشق والحبّ والهيام..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244