مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

آخر ليالي المونديال ـــ د.جرجس حوراني

1‏

عندما ترجل صاحب الشعر الأبيض، والنظارة السوداء من سيارة المرسيدس الطويلة، رفع نظارتيه، وحدق في البعيد، ثم ابتسم، وقال للرجل المرافق له: هنا. وأشار بيده إلى بيت أبو الرجب.‏

بعد أيام قليلة امتلك البيت وسط احتجاجات كثيرة من الأهالي اعتبروا أن هذه بداية سيئة، لاموا أبو الرجب الذي باع بيت أجداده الأثري للغريب. لكن أبو الرجب ضحك طويلاً وقال: المال يغري يا جماعة. ومن وقتها لم نعد نرى أبو الرجب الذي حمل شنطة ماله ورحل إلى المدينة. عرف الأهالي وقتها أن هذا الرجل سيقلب الضيعة رأساً على عقب.‏

وسرعان ما خيم الحزن. البعض قال: هذا الرجل جاء ليسرق الطمأنينة من صيفنا الجميل. والبعض الآخر قال: لننتظر يا جماعة، الوقت مازال مبكراً لنطلق الأحكام.‏

لكن زيارته المفاجئة للمختار أشعلت الحريق في قلوب الناس، وكثرت الأقاويل.‏

البعض قال: سيشتري المخترة، والبعض قال: لعله سيشتري الضيعة، ويعود زمن الإقطاعي اللعين.‏

ثلاث ساعات دام اللقاء بين المختار والرجل صاحب العطر الأخاذ، كانت كافية لتبث الرعب في القلوب، لقد عشنا ساعات أحسسنا فيها أن جبلاً يتربع فوق صدورنا. هنا في هذه الضيعة التي يحضنها الجبل من جهاتها الأربع، والتي أنى نظرت تلقي عليك أشجار الزيتون تحية سلام وحب. لنا صراعاتنا ومشاكلنا وربما أحقادنا، لكن في نهاية الأمر نحن أناس طيبون نعيش بحماية هذا الجبل ورعاية الزيتون. لذلك شعرنا أن هذا الغريب سيحدث شرخاً فينا، حتى أن البعض قال: لعله يفاوض المختار الآن على تنقيب هذا الجبل.‏

خرج أبو الليل الذي كان يخدم على الرجلين. ركضنا نحوه كمن أتاه الفرج. ضحك وراح يحدثنا عما جرى: إنه ابن ناس يا جماعة، عينه شبعانة، ضحكته تريح الأعصاب. لقد جعل مختارنا صاحب الرأس الحجري، يردد ألف نعم خلال الجلسة. سيجاره يشعرك كم هو عظيم. قل لنا المفيد يا رجل، كأنك تتغزل بحبيبتك. ضحك أبو الليل وتابع: هذا هو الحوار الذي دار بين الرجلين.‏

ــ أرى أن الزيتون يغطي مساحات واسعة من الأراضي، والمواسم جيدة يا مختار، أين تعصرونه؟‏

ــ نعاني كثيراً في هذا الموضوع.‏

ــ ما رأيك بإنشاء معصرة لخدمة هؤلاء الطيبين؟‏

ــ فكرة جيدة، لكن ليس بالمستطاع.‏

ــ ليس هناك شيء مستحيل. أعدك أن تعصروا الزيتون في معصرتكم هذا الموسم، فقط أريد الأرض، وبثمنها.‏

لم نكن نصدق ما نسمع. أي رجل هذا. وهنا تدخل البعض قائلاً: بانت لعبته القذرة، الانتخابات على الأبواب، ويريد أن يكسب أصواتنا.‏

أو لعله معتوه، أو أهبل: قال البعض الآخر.‏

ضحك مروان وقال: يا أخي دائماً تفكرون النوايا السيئة، ما قيمة أصواتنا يا رجل؟‏

وبالرغم من حديث أبو الليل، وتأكيد المختار على صحته بعد ذلك إلا أننا لم نصدق أن شيئاً سيتغير. لكننا كنا نراقب أعمال البناء بخوف، وفرح. نخشى أن يحترق هذا الحلم، ونصحو على وهم كبير. لكن خلال وقت قصيرة سينتهي هذا الخوف بإعلان تدشين المعصرة وسط عرس حقيقي لم تشهد مثله القرية منذ عشرين سنة. كانت المعصرة متميزة ستجعل كل القرى المجاورة يقصدونها. ولن نصدق وعد الرجل بأن يتم عصر الزيتون مجاناً لكل أهالي الضيعة. لكن بالرغم من كل ذلك زاد خوفنا منه، وأحسسنا أننا ذاهبون إلى زمن يعج بخيبات متلاحقة.‏

2‏

في الوقت الذي كنا نجتمع به لدراسة التهديد المباشر لضيعتنا الذي يقوم به هذا الرجل صاحب القامة الممشوقة والشعر الأبيض والشامة المدورة على خده الأيسر، كان هو الآخر يعقد اجتماعه الثاني مع المختار الأمر الذي أثار ريبتنا وغضبنا، وجعل الصمت يسود المكان الذي يغص بالدخان والعيون المرتبكة. أسئلة كثيرة طرحت دون إجابة. لم يقدر أحد أن يقدم مداخلة مقنعة تشرح الأسباب الحقيقة لاختيار الرجل الغريب لضيعتنا كي يعبث بأمنها. لكن على ما يبدو فإن النجاح في الانتخابات هو ما أجمعنا عليه أخيراً. تم الاتفاق على ما يلي:‏

* ما يقوم به الرجل يمس أمن الضيعة بشكل مباشر.‏

* لابد من المراقبة المستمرة، وعدم إعطائه أية فرصة لتكرار ما عمله بادئ الأمر عندما أجبر أبو الرجب على بيع بيته بإغرائه بالمال.‏

* هناك خطة مبيتة على امتلاك الضيعة والعودة إلى زمن الإقطاع اللعين.‏

* لن ينال أي صوت انتخابي من الضيعة.‏

وانتهى الاجتماع، على أن نكون في حالة طوارئ.‏

أما ما جرى في الاجتماع الآخر فقد نقله لنا أبو الليل في وقت متأخر جداً، وكانت هناك مفاجأة جديدة زادت الأمور تعقيداً: قال أبو الليل فرحاً: جاء الفرج لأولادنا يا جماعة. لن نستطيع أن نفي هذا الرجل حقه. لقد قال: الأطفال هم الأمل. أما نحن فقد غلبنا الحقد، ورمانا في مستنقع موحش، وعلينا أن ننقذ أولادنا منه، لذلك وعد ببناء مدرسة صيفية نموذجية، لتعليم الفنون بأنواعها. حيث أصر أن لا شيء يمنعنا من هذا الدرب الموحل إلا الفن.‏

طبعاً دخلنا في دوامة جديدة ازدادت مع أعمال البناء الجديدة المسرعة. لقد وعد أن يقضي الأطفال صيفهم فيها، ووفى بوعده، وصار حكايتهم الجميلة. أما نحن فقد ازداد كرهنا له، وخوفنا منه، المختار قال: يا جماعة هذا الرجل يقضي على البطالة في ضيعتنا. انظروا عدد الذين صاروا يعملون في المعصرة وفي المدرسة. فكروا قليلاً. لكننا كنا نتمنى أن تأتي الانتخابات بسرعة كي تظهر حقيقة هذا الرجل الذي يلهث وراء السلطة.‏

3‏

الاجتماع الثاني الذي عقدناه كان رداً على خيمات القصب التي بدأت ترتفع في ساحة الضيعة.‏

ــ يبدو أن المهرجان الخطابي السابق للانتخابات سيبدأ عما قريب.‏

ــ أتشوق كي أسمع برنامجه... ماذا سيقدم للناس من أكاذيب.‏

ــ في كافة الأحوال اقتربت نهايته. سوف يسقط قريباً أمام أولئك الذين يعدونه قد حارب البطالة.‏

ــ المهم أن يسقط أمام أولئك الأطفال الأبرياء الذين يصدقون أنه لا زال هناك رجال يمكنهم أن يصنعوا الفرح لهم.‏

ــ لابد من تحضير مفاجأة من العيار الثقيل... ما رأيكم يا جماعة؟‏

ــ ماذا تقصد؟.‏

ــ سنحرق الخيمات عندما ينتهي من خطابه الانتخابي.‏

ــ نحرقها!‏

ــ ربما نثير بلبلة بين الناس... لا نضمن ردود الفعل.‏

ــ المهم أن تسقط الأقنعة.‏

ــ على بركة الله.‏

وختم اجتماعنا بعد أن تعاهدنا أن نبقى يداً واحدة من أجل هذه القرية الطيبة.‏

4‏

"على الفقراء أن يأكلوا ويشربوا فقط. كرة القدم رفاهية، لا حاجة لهم بها" هذا الكلام سمعته من البعض. هكذا بدأ كلامه أمام الشاشة الكبيرة.‏

قلت لهم: لعله يود أن يعرض لنا برنامجه على هذه الشاشة يا سادة.‏

تابع كلامه: أرادوا أن يبرروا حصر نقل مباريات كأس العالم ببعض المحطات التلفزيونية الخاصة.. لكنني أعدكم أن تشاهدوا كل مباريات كأس العالم رغماً عنهم وعن أمثالهم الذين لا يعرفون أن هذه اللعبة خلقت للفقراء الذين هم أبطالها وأبطال الوطن.‏

دون أن نشعر بدأنا نصفق له بحرارة.‏

ستشاهدون كأس العالم كاملاً. الكراسي موزعة بانتظام، والمشروبات التي تحبونها موجودة كلها. كل شيء مجاناً. وفي نهاية كل مباراة سنعقد الدبكات الشعبية المحببة. أريد أن أشاهد عرساً كروياً بكل معنى الكلمة.‏

مرة أخرى صفقنا بحرارة.‏

اقتربت منه وهمست في أذنه: أرجوك قل لنا لماذا أتيت إلى ضيعتنا؟ ضحك وقال: بحثت عن مكان آمن للحب والنقاء. أملك من المال ما يمكنني من شراء مدينة كاملة، لكنني أفتقر إلى شخص يؤانسني. أولادي الأربعة أسمع أصواتهم في المناسبات. لم أر أياً منهم منذ سنوات. أمهم لم تحتمل هذا الأمر، لذلك ماتت.‏

بحثت عن ناس طيبين أشتري منهم الحب والمؤانسة بما جمعته من مال. أود يا بني أن أشعر أن هذا المال الذي فنيت عمري كي أجمعه، يفيدني في خاتمة عمري.‏

5‏

كانت الليالي ممتعة جداً. لقد استطاع أن يخلق جواً من الحب والألفة بين الأهالي الذين نسوا أحقادهم القديمة وعاشوا المونديال ليلة بليلة. كثرت المراهنات، والأغاني الشعبية. ازداد حب العمل صباحاً منتظرين المساء فيجتمعون في خيمات القصب حيث تبدأ المباريات وسط جو حميمي. قال لنا: أتيت إلى هنا بالدرجة الأولى بحثاً عن الحب، لذلك أطالب الجميع بتنقية القلوب كي نعيش هذا المونديال بفرح. وعليكم أن تلاحظوا أنني لم أبن صالة من الرخام وكان بالإمكان ذلك، لكنني حرصت أن تكون من القصب الذي يحملنا إلى أيامنا الماضية المليئة بالاطمئنان والسكينة.‏

كان يتكلم والغصة تكاد تعتقل كلماته، لكن عينيه أعلنتا أنه حزين.‏

خيم الفرح علينا لا شيء يعكر صفوه سوى اقتراب صدور أسماء المرشحين للانتخابات. لقد بدأنا نحب هذا الرجل الذي كان يقضي صباحاته في المعصرة، والمدرسة. وكنا نخشى أن يسقط هذا الحب الذي أتى بصعوبة مع صدور أسماء المرشحين. البعض قال: لا يهم سوف ننتخبه. إنه أحق من غيره. لقد قدم لنا الكثير. والبعض عارض ذلك: نخشى أن نكون جسراً يعبر عليه عاشقو السلطة.‏

6‏

تلك الليلة، كانت الليلة ما قبل الأخيرة. من ليالي المونديال. غادر باكراً. قال لنا: أشعر بألم في صدري. أود أن أرتاح وأنام باكراً هذه الليلة.ابتسم وهو يحضننا بنظرة حنونة: غداً يكون المونديال قد انتهى، وسينتهي معه وقت اللهو، لذلك سنجتمع هنا، لنناقش مشروعاً هاماً يغير الضيعة بأكملها. حاول أن يلفنا بنظرة واحدة، ابتسم، وغادر.‏

ــ هل رأيتم. لقد هرب. لا يود أن نسمع اسمه بين المرشحين.‏

ــ لماذا تظلمونه ثانية.‏

ــ ألم تره لم يكمل هذه المباراة وهو العاشق للكرة.‏

ــ إنه مرهق من هذا الزحام الذي يملأ رأسه. ضيعتنا تشغل فكره، يتمنى أن يقدم لنا كل شيء جميل.‏

لم ينته هذا النقاش إلا بقدوم أبو الليل يحمل أسماء المرشحين أرسلها المختار. وقف وسط الخيمة. جمد الدم في عروقنا. قال مبتسماً: ليس له اسم.‏

جاءنا الخبر، كجبل من الثلج سقط على سهل ملتهب فيخمده. كل منا شعر أنه ربح الجائزة الكبرى. ارتبكنا، لم نعرف كيف نعبر عن فرحنا، فما كان منا إلا البكاء. تركنا المباراة، وانطلقنا في الضيعة ننشد كل الأغنيات الشعبية التي نحبها، ثم عقدنا الدبكات التي أطلت الشمس معلنة قدوم أهم الصباحات في حياتنا.‏

7‏

أخيراً جاء الصباح الذي طالما انتظرناه. إنه وقت المصالحة مع الذات، والاعتراف بأننا كنا متوحشين مع هذا الرجل المختلف. سنطلب منه السماح، وسوف يسامحنا، لأنه أكبر عمل منذ البداية على محاربة الوحشية، لذلك بنى مدرسة الفن الأصيل كما سماها.‏

زحفنا مثل جيوش النمل، باتجاه المعصرة حيث يبدأ صباحه هناك، لكنه لم يأت. لذلك زحفنا باتجاه المدرسة، لأنه يحب أن يمارس الرياضة الصباحية مع الصغار. لكنهم قالوا لنا والحزن باد على وجوههم: افتقدناه هذا الصباح.‏

ــ ما رأيكم يا جماعة؟‏

ــ لم السؤال.. هلموا إلى البيت، سنحمله على أكتافنا، ونبدأ مع الجولة الصباحية.‏

انطلقنا بخطى حثيثة، وكنا نغني. كان الفرح يغمرنا. سنعترف له بكل شيء وبحبنا. هذا الرجل ظاهرة خدعتنا لأننا لم نعتد على هذه الظواهر النقية الجميلة. قرعنا على الباب مراراً. لم يفتح لنا.‏

ــ ما الأمر يا جماعة؟‏

ــ أخشى أن يكون قد رحل. قلت لهم ذلك، وأكملت بصعوبة: جاء يبحث عن أنيس له. لكنه لم يجده بيننا. لقد حاربناه.‏

ــ لا تقل ذلك. سنكسر الباب ونحمله. هيا.‏

هجمنا بكل قوة. كانت الضيعة بأكملها قد صارت في بيته خلال أقل من دقيقة واحدة.‏

في الغرفة الكبيرة، رأيناه، كان جسداً قد فارقته الروح، وقد وضع يده على صدره. هجمنا عليه، لم نصدق، حملناه على أيدينا وخرجنا إلى خيمة المونديال كي نستعد لمشاهدة آخر المباريات، وكلنا أمل أن يستيقظ قبل أن يعلن الحكم صفارة البداية، ليشاهد فريقه الأزرق وهو يحمل الكأس...‏

قالت زوجتي عندما ودعتني وأنا في طريقي إلى العمل صباحاً: مشروعك لخدمة هؤلاء سيجعلك في نظرهم أهبل أو معتوه، أو مشكوك بأمره، اسمعني جيداً.‏

لم ألتفت ولم أسمع.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244