مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

السمكة والأرشيف ـــ محمد أبو معتوق

(أ)‏

ــ رغم الأحواض.. تظل للأسماك فتنتها وأحلامها البعيدة.‏

*وقف الأب يتأمل حوض السمك الذي طفت عليه سمكة ملونة، كانت قد نبهته إليها ابنته الصغيرة، التي ركضت إليه فزعة.‏

وصاحت: السمكة الملونة نائمة على سطح الماء وهي لا تتحرك. لذلك وقف الأب أمام حوض الماء الزجاجي وتأمل السمكة وقال لابنته:‏

ــ يبدو أنها ماتت.‏

وتابع الأب تأمّل السمكة الطافية، وتأمل الماء الذي يجاورها.. وقال:‏

ــ الأشياء القريبة من الماء، أجمل من الأشياء البعيدة عن الماء.‏

*لكن الصغيرة لم تفهم. وعندما لا يقدر الصغير على الفهم يصبح أكثر استعداداً للبكاء، لذلك سالت على خد الفتاة الصغيرة نقطة ماء.. وبذلك أصبحت الفتاة أقرب إلى الماء وأكثر جمالاً وبريقاً.‏

وقف الأب بعد أن شدَّ معطفه على جسده.‏

قالت الابنة بعد أن لمحت استعداد والدها للخروج:‏

ــ ربما ماتت السمكة بسبب البرد. ليتها وضعت على جسدها معطفاً سميكاً مثلك.‏

وهكذا وجد الأب نفسه يرتعش من فتنة كلام ابنته.. فقال:‏

ــ ولكن الأسماك لا تحتاج للمعاطف مثلنا.‏

تساءلت الابنة: ولماذا لا تحتاج.‏

ــ لأن الأسماك نفسها عبارة عن معاطف مملوءة بالحركة والروح.‏

ــ فلماذا ماتت إذن ما دامت لا تحتاج للمعاطف‏

ــ ربما بسبب قلة الهواء. أو بسبب الوحدة. فالسمكة عندما تكون وحيدة. لا تستطيع أن تتذكر أهلها والبحر أو النهر الذي جاءت منه، لذلك تحزن ويخطر ببالها أن تموت.‏

ــ مثلما فعلت أمي.. (قالت الابنة الصغيرة)‏

ــ لا أدري.. ربما كان للأسماك أسباب خاصة لا نفهمها.‏

ــ وهل بكت السمكة قبل أن تموت.. (سألت الابنة).‏

ــ لا أعرف. ربما بكت وربما لا.‏

ــ لابد وأنها بكت.. الذين يعيشون داخل الماء لا ينتبه أحد لدموعهم.. لو أن دموعها كانت ملونة مثل جسدها لكنت انتبهت إلى السمكة ورأيت دموعها.‏

أدهشت الأب فكرة أن تكون الدموع ملونة، حتى يفهم الناس مشاعر أصحابها دون كلام. لتكن دموع الفرح خضراء، ودموع الحب زرقاء، ودموع التعذيب رمادية، ودموع المرض صفراء، ودموع الأمهات بيضاء، ودموع رؤساء تحرير الصحف سوداء. تابعت الابنة الكلام وهي تتأمل شرود والدها:‏

ــ لو أنني سمكة وكنت أعيش داخل الماء، هل كنت ستنتبه إلى دموعي.‏

ــ طبعاً سأنتبه، شرط أن لا تكون دموعك سوداء مثل دموع رئيس التحرير.‏

بعد ذلك ضحك الأب.. ثم ضحكت البنت. ولم تستطع السمكة الطافية على سطح الماء أن تضحك. ربما لأن ماء الحوض الذي لا يقدر على إظهار دموع الأسماك، لا يقدر على إظهار ضحكاتها.‏

(ب)‏

في مقر عمله بالجريدة المحلية الوحيدة، جلس الأب لينجز مقاله الأسبوعي وقد خطر بباله أن يكتب عن التلوث... وعلاقته بالدموع السوداء.. فليست المداخن وحدها، وليست مخلفات المصانع، وليست زفرات الناس هي التي تسهم وحدها في التلوث. وإنما ملاحظات السيد رئيس التحرير. لذلك يحس بالهواء القليل وبأنه يطفو على وجه الأشياء مثل سمكة دخلت إلى الجريدة. وكان يتشبث بالقلم كما يتشبث الغريق بسارية سفينة، وهو يمعن في الكتابة واللهاث، وكانت سكرتيرة رئيس التحرير الجديدة قاعدة خلف طاولتها في الطرف الآخر لغرفته، تتابع الرجل وتحولاته. أما ساقها الجميلة الخارجة عن الحصار فكانت وحيدة وملساء مثل سارية سفينة. وقد حاول الرجل أن يذهب إلى الساق ليعتصم بها من الموج، لكنه تردد وخاف، ثم استلَّ من جسده ورغباته ظلاً لرجل يشبهه وألقى به إلى جهة الساق.. وقد أحست السكرتيرة الجديدة القاعدة من طرف رئيس التحرير بجوع الرجل القاعد قبالتها ولؤم نظراته.. فاستلت ساقها من عينيه بعصبية وخبأتها خلف الطاولة وتركت الرجل يتخبط على هواه.‏

بعد أن استعادت المرأة ساقها.. استعاد الرجل نفسه وبدأ الكتابة ومن بين السطور قفزت إلى مخيلته سمكة ابنته الملونة التي طفت فوق الماء.‏

فتذكر كلمات صديقه رئيس التحرير الذي قال له بعد أن قرأ مقالته الأخيرة:‏

ــ صحيح أننا كنا معاً أصحاب همٍّ واحد على مقاعد الدرس، وأصحاب هدف واحد في معارضة خطة رئيس التحرير السابق، لكن وبعد أن صرت رئيساً للتحرير، فقد اختلفت الأمور، ولأنني قمت بواجبي نحوك كصديق، ونبهتك مراراً إلى نتائج الشطح ومحاذير التطاول، ولكنك لم تنتبه ولم ترتدع. رغم أنني قصصت لك من مقالاتك أحسن القصص، وأنبل الأفكار والمواضع، حتى تعب المقص وما تعبت عن الكتابة والغلو والمبالغة.. ولأنك صديق ولا أرضى لك الفصل والتسريح فقد وصلت إلى اتفاق يرضيني ويرضيك.‏

سأل الرجل الواقف في حضرة المدير دون أن تقفز إلى ذهنه سمكة طافية.. أو سابق جانحة:‏

ــ وما هو الاتفاق الذي يرضيك؟‏

ــ سأحوِّل كل مقال تكتبه إلى مقالين بعد أن أقصه بالطول.‏

ــ ولكن المقال يشبه امرأة، هل يمكن أن نحول المرأة الجميلة.. وساقها من طرف الخزانة إلى امرأتين.‏

ــ يمكن.. (أجاب رئيس التحرير.. مبتسماً).‏

فتأمل الرجل رئيس التحرير.. وابتسم، كيف يتمكن المنصب من تحويل الرجل إلى رجلين.‏

قبل أن يغادر، التفت المحرر إلى رئيس التحرير وقال له:‏

ــ أنا موافق.. المهم أن أتابع الكتابة.. والباقي أمر لا أهمية له.. واسمح لي أن أنبهك.. توجد تحت عينيك نقطة سوداء، تشبه دمعة قديمة جافة.. حاول أن تقصها، حتى لا يسيء الناس فهمها.. (ثم مضى إلى الباب).‏

عندما رجع المحرر إلى غرفته.. كانت ساق سكرتيرة رئيس التحرير القاعدة في غرفته ممدودة من وراء الطاولة إلى جهته، لذلك جلس وتابع الكتابة والتحديق حتى أكمل الموضوع، وكانت الساعة قد اقتربت من الثانية. ودون أن ينظر إلى الساعة فتح الباب وأطل صديقه موظف الأرشيف وقال له.‏

ــ هل تذهب معي إلى السوق لنشتري السمك.‏

ــ طبعاً أذهب.. يبدو لي هذا اليوم وكأنه يوم السمك العالمي.‏

قبل خروجه ودَّع الرجل الساق الجميلة بنظرتين حارقتين.. اضطربت لهما الساق وبدأت بالتخبط والانفعال مثل سمكة عريقة خارجة لتوها من الشباك.‏

كان الصديق الذي يعمل في الأرشيف، من فقهاء السمك العظماء وكان يؤكد لصديقه..‏

ــ هل تصدق يا رجل أنني أحس في الليل وكأن الماء من فوفي ومن تحتي، وعندما أحس بالغرق أتلمس عنقي فأحس بالخياشيم. لقد بدأت أشعر وكأنني من فصائل الحيتان والأسماك اللعينة لذلك أتسلى بقلي السمك والتهامه.. حتى لا تقتلني رائحة الحبر المنبعثة من غرفة الأرشيف.‏

حين ضحكا معاً، كانا قد اجتازا نصف الطريق الموصل إلى السوق وحين وصلا.. كانت الساحة مملوءة بالعربات، والبضائع.. والصرخات وفي الطرف الآخر من الساحة احتشد الناس بكثافة تثير الانتباه.. وحين اقترب الصديقان من الحشد كان الناس يتأملون بنهم، حوضاً للماء مملوءاً بالسمك الحي وكانت الأيدي الممدودة للبائع تطالب بحصتها من السمك والدماء.‏

وكان البائع الواقف قرب الحوض يخرج الأسماك الحية الفتية، كاملة القوة والنشاط من الحوض.. ويعالجها بضربة. ويضعها في الميزان.. ثم يلقي بها واحدة وراء واحدة إلى الرجل المسؤول عن التنظيف، حيث يمسك بالسمكة ويهوي على رأسها بالساطور، كما يفعل رئيس التحرير بالمقال الأسبوعي.‏

ثم يفتح جوف السمكة ويخرج عناصرها وتاريخها ويلقي به إلى المزبلة، ثم يدفع بها. ورغم أن السمكة بدون رأس ولا عناصر وجوفها فارغ ومفتوح مثل صحيفة محلية وحيدة، رغم ذلك كانت السمكة تتخبط وتتخبط كأنما تبحث عن ماء قريب.‏

اختار الصديق المتفقه في شؤون السمك، والذي يعمل في الأرشيف ثلاث سمكات فزعات. وبعد أن تم تحضيرها بواسطة الساطور، وإدخالها في الأكياس حملها الصديق ومضى وبوادر حركة فزع واستغاثة تتخبط داخل الكيس. أما المحرر المندهش فقد اكتفى بشراء سمكة واحدة وطلب من البائع أن يضعها حية في الكيس بعد أن يملأه بالماء ثمّ حمل السمكة ومضى بها وبوادر حركة أليفة تحرك أطراف الكيس. وعندما وصل إلى المنزل استقبلته ابنته بفرح. فاقترب من حوض الماء ودلقَ السمكة الكبيرة الحية فيه. كانت السمكة على قدر كبير من اللزوجة والسواد، مثل افتتاحيات رئيس التحرير، وعندما صارت السمكة داخل الحوض أحست بالضيق وبدأت تفتح فمها بقوة حتى تتمكن من الفهم ومعرفة الوضع الجديد.‏

ثم جلس الأب وحكى لابنته حكاية السمك في السوق، فالتفتت الصغيرة إلى الحوض وقالت:‏

ولكنها سوداء وأنا أحب الأسماك الملونة.‏

ــ الأسماك الكبيرة لا تكون ملونة.‏

ــ وما هي الأسباب.‏

ــ لا أعرف.. وكذلك لا يعرف صديقي في الأرشيف.‏

ثم ضحكا وذهبا معاً لتبديل مياه الحوض لتشعر السمكة بالأمان.‏

في الصباح نهضت الابنة وركضت إلى الحوض فوجدت السمكة الكبيرة وقد طفت على سطح الماء. فحزنت ولم تحاول أن توقظ والدها حتى لا يحزن معها.‏

في مقر عمله في الصحيفة جلس الأب إلى طاولته. وبدأ كتابة مقاله الأسبوعي وكان عن الأسماك.. وخلال انهماكه بالكتابة أحس بحركة إلى جواره.. فرفع رأسه وتأمل. كانت سكرتيرة رئيس التحرير التي تقعد قبالته واقفة قربه وكانت ساقها التي من طرف الخزانة إلى جواره.‏

لذلك نهض باضطراب وطلب منها أن تقعد على الكرسي المجاور فقعدت.. ثم تأملته، وقالت:‏

ــ ساقي هذه التي من طرف الخزانة منتبهة إليك، وكلما حاولت حبسها وراء الطاولة، تخرج عني وتلتفت إلى جهتك. أول الأمر لم ألتفت إليها غير أنني وبعد أن بدأت قراءة مقالاتك المشوشة.. بدأت أفهمك وبدأت ساقي تخرج علي وتلتفت إليك.. فتصرَّف فأنا ما عدت أحتمل.‏

ساعة الانصراف خرجا معاً دون أن تلتفت المرأة إلى جهة رئيس التحرير.‏

وعندما اقتربا من البوابة.. تدفق إلى جهتهما.. ماء كثير.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244