|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
آخر أيام العشق ـــ إبراهيم سليمان نادر امتطي الحصان الأبيض وانطلقي كالرمح سأنتظرك في الغابة في خيمة لم يولد فيها أطفال بعد مع بلبل ووردة مع سرير من جسدي وبوسادة من كتفي صباح الخير.... أيتها الجميلة (من أغاني الغجر في رومانيا) أزقة حينا تعرف (مريم العصفور)، تلك الصبية الشقراء، المتقدة ناراً وفتنة. تتسامق أعناق الرجال إليها من النوافذ والنسوة من على أسطحة البيوت، والشباب يقطعون أحاديثهم حين تتمايل في الزقاق الطويل، وتتثنى في مشيتها إلى ضفة النهر. كنت ألاحقها دون أن تدري، وتلتهب أحداقي شوقاً إليها وهي تعوم في النهر، حتى تبلغ الضفة الأخرى. اليوم تمر عشرون من السنين، تنضج فيها (مريم العصفور) وتصبح أنثى تملأ العين. استدارت الأرداف، وتناسق القد وتكعب النهدين، وتجلت ثنايا الجسد على أجمل ما يكون. كان صيد الحجل المختبئ بين عيدان القصب، وأحراش العليق هوايتي المحببة. من الجهة الغربية، كانت (مريم العصفور) تتبرد بماء النهر. تجلس، تقف، تحرك أطرافها، تشعر بسعادة غامرة. بعيداً خلف الأحراش تتعرى المرأة في صمت مهيب ساحر يلف المكان. موسيقى مهدهدة للحواس تأتي مع الموج إلى درجة الخدر وهي تمرر بين فينة وأخرى راحتيها على جسدها البض الأملس، وبعفوية تداعب بأصابعها ثدييها، وترفعهما إلى الأعلى، إلى ما فوق الماء، ناظرة إليها بإعجاب وكبرياء. كنت أرى الجزء، والجزء لا يغني عن الكل، وبانتظار أن تخرج من الماء، أو أن أمسح جسمها كله بنظراتي النهمة. راحت غلمتي تتألق بتواتر متصاعد، ناسياً الصيد وسلالته، منصرفاً بكل حواسي إلى هذا الصيد الأبيض الصقيل، المتورد الساعدين، وهي ترفعهما فوق الماء، فأرى بضة الزندين والإبطين، استدارتهما، طولهما المتناسق، فيجن فيّ شوق إلى الاندفاع. أخرج من مكمني وأفكاري ومن كل الاحتراز الذي يلجم صبري النفاذ، راغباً بضراوة أن ألحق بها قبل أن ترتدي ثيابها، كي لا أضطر إذا لبستها إلى تمزيقها، إلى تعريتها وافتراسها عنوة إذا قاومت. رحت أضغط على مشاعري التي اشتد عواؤها، جالباً بفعل التجربة خاطراً تاه عني، مؤداه أن المرأة لا تنال بالقوة وحدها، وإنما بالمكايسة والرقة معها، فأن أكن قوياً، فالقوة تولد العنف، والعنف يولد الطيش، وهذا قد يدفع هذه الأنثى إلى المقاومة والصراخ، أو تتبادل المقاومة معي إذا تماديت، وعندئذ أخسرها وأخسر معها نفسي، وأموت ميتة الكلاب، أو أجعلها هي أيضاً تموت على هذا النحو. أدخل سلك الجريمة من الباب الواسع عند الدخول الضيق، قلت في نفسي: (عليّ أن لا أكون أرعن، وإلا أضعت كل شيء). انتظرت طويلاً.. طال انتظاري، نبتت للانتظار أظفار مسننة. أدمت جسدي الأظافر المسننة، كدت أيأس أقوم بحركة تجعلها تجفل، فتخرج من النهر. أستغرب أن تكون لماء النهر هذه العذوبة، أن يكون جسدها قد استسلم لهذه الرغبة وهي وحيدة خلف تلك الأحراش. ألا تخاف من ورود أيما حيوان ليشرب؟ فتعاوده غريزته الافتراسية وينقض عليها غفلة. في هذه الحالة يكون علي أن أقتل الحيوان، لكن الحيوان إذا رأى هذا الجسد الآدمي العاري، قد تفارقه وحشيته ويصبح أنيساً، لطيفاً، مدجناً بمفاتن ما يرى، مثله هو بالذات، بعد أن انقلب من رجل تهيجه الشهوة، إلى شبه رجل فارقته الشهوة، إلى إنسان يكتفي بعد أن أصابته (العنّة) والاستمتاع بالرؤية وحدها، موقناً في تحولي أن المرأة وحدها، من في وسعه أن يحول وحشية السلوك إلى إنسانية، أن يلجم اندفاعة الناب عن النشوب في اللحم الحي، المشتهى جداً، لاوياً هذا الناب لياً عجيباً. التمعت الجوهرة في وهج الشمس المتبقعة، وراحت الأشعة اللذيذة تتكاثف عليها متساقطة من بين أحراش القصب والعليق في دوائر غير ثابتة على الأرض، حدثت الرؤية الموعودة المتجسدة في قوام أنثوي حقيقي أمام ناظري. رحت أتأمل التناسق العجيب، كأنما نحت بأزميل نحات ماهر، فلا نتوء فيه ولا عوج. كانت المرأة تدير ظهرها لي، تمسح الماء عن صدرها وساعديها بغير تسرع ولا إبطاء. ترد شعرها المبلل إلى وراء وهي تعرض جسدها في وقفة متأنية، كأنما تستثير الشمس كي تسطع أكثر لتنسكب أشعتها، فتلحس كما في الخيال المبلل وتجففه. رحت أثبت نظري على الرابيتين المدورتين المكتنزتين بلحم فتي أبيض، المرتكزتين على ساقين مسكوبين بقالب مرمري، مبرومتين بإتقان، تنحدران إلى الركبتين انحداراً فيه انسجام إلى حدود القدمين الحلوتين اللتين تمشيان على الظهر، يغري باللمس، بالتمسيد، بالمداعبة، ومن كل هذا المنظر ثمة استدلال على أن صاحبته تعد نفسها جيداً للذهاب إلى فراش الرجل الذي مهد مضجعه سلفاً، وبات متلهفاً إلى اللحظة التي تقبل فيها إليه. فقدت كرجل شرقي السيطرة على أعصابي. انهار مشلول القدرة على أيما فعل. قاتل ضبط بالجرم المشهود في مكان القتل ذاته، فلا مهرب لي ولا هو باستطاعتي. أغمضت عينيّ مفكراً، محتاراً، متأرجحاً بين أن أهاجم وليكن ما يكون، أو أتمهل ريثما أجد المخرج الأنسب في الوصول إلى غايتي، دون إرادة مني أطلقت رصاصة في الفضاء أجفلت المرأة. صاحت وهي تختفي وراء دغل وارف الخضرة وثيابها بيديها، ثم صاحت: ــ ليس هذا من الشهامة إن كنت رجلاً. ــ ....... ــ اظهر وبان. ــ ....... ــ أنهيت لبس ثيابي، فاظهر وكن شجاعاً. ترددت في البروز، زعمت في المرة الأولى أني أطلقت النار على حجل، صحت من مكمني وراء الدغل: ــ لقد أخطأت ومنك العفو. الناس يخطئون، بعد كل شيء، نحن بشر. ــ اعترف. ــ نحن لسنا في كنيسة، وأنا لست بكاهن حتى أعترف، إنني نادم..... نادم بأكثر مما تتصورين. ــ كان عليك ألا تخطئ حتى لا تندم. ــ نعم هذه البديهيات، ولكن الحق على من؟. ــ عليك. ــ لا.... على النهر. ــ هذه مغالطة، هذا الكلام خبيء، النهر ماء، ماذا ارتكب النهر من إثم حتى تحمله هذا الوزر؟. كن جريئاً وقل الحق، عندئذ أفهمك، وقد أعذرك ونتكلم على ما هو أهم. ــ نعم إنه الحق، وأنت تفهمين، لماذا كنت عارية في ماء النهر؟. ــ كي أتبرد. ــ التبرد على هذا النحو من العري، وهذا العطاء من الجمال، يلحق الضرر بالآخرين، ستقولين الضرر يأتي من النظر، لماذا نظرت إليّ وأنا في الماء؟. لأنك فاتنة مكتسية، فكيف وأنت دون كساء. أنا لست لصاً. لم أقترف السرقة في حياتي، لكنني اليوم فعلتها دون إرادة مني. أنت تعتبرين النظر إليك وفي هذه الأحراش سرقة. نعم أنا سرقت، عاقبيني وليكن عقابك قاسياً، وليكن الموت، لأنني مادمت حياً، سأظل أنظر إليك، وهذا قدري، أنا لن أغتصبك، وبرهاني أنني لو شئت ذلك لفعلت. ــ تستطيع؟؟؟. ــ كفي عن حرق دمي. ضحكت المرأة وقالت: ــ وإذا لم أكف؟. ــ يكون بيننا الموت. ــ من أي نوع؟. ــ أعوذ برب الفلق من شر ما خلق. أعوذ بالله منك وأعوذ من فتنتك، أغربي عن وجهي. قهقهت وردت شعرها إلى الوراء. أصلحت من فتحة بلوزتها وقالت: ــ ما أرعن الرجل حين يوشك أن يفقد أعصابه. أين الحجل الذي اصطدته؟، هل لديك طعام؟، تعال واقترب مني، سنأكل هنا. ــ لا، ليس قرب النهر. ــ لماذا، هل أنت خائف مني؟. ــ ليس قرب النهر. ــ تخاف أن ترى صورتك فيه؟. ــ جمالك إنساني، أخاذ، مستحيل، وأنت في النهر وخارج النهر. هذا النهر عجيب، كالحياة يتجدد على الدوام، ناشداً السلام للأرض التي يفترش على متنها، ناشداً......!!!، ها أنا أخوض حتى الركبتين في مائه، بل وحتى العنق أحياناً، أغتسل من ظلام خمسين سنة خلت، أستعير من ألقه الزاهي وأتآلف معه ألفة حقيقية، فنتحد معاً في هذه اللحظات المقدسة الخاصة التي تقف خارج التاريخ، خارج وقع خطى الليالي الثقيلة، والنهارات اليائسة، وخارج دموع الزمن التي تهمي على الأحراش بصمت. متى كان البكاء مجدياً، ومتى كان الغناء مجدياً، ومتى كان الغضب مجدياً؟؟؟... متى؟ الآن أنا في حضرة النهر العتيد، وأنت قبالتي والنهر وحده يمنح معنى لوجودي، لا أحد يسمعني الآن إلا أنت، أنا الذي تختلط بدمي كل الأصوات. لن يسمعني أحد مهما كان صوتي فاجعاً، ولن أجد بالتأكيد من يسمعني إلا هو. ــ من هو؟. ــ النهر، هو وحده القادر على حمل هذا الوجد والترفق بهذه الشكوى، والتصبّر على هذا الأنين، حتى يبلغ بها أقاصي الدنيا، لا أحد يفعل هذا غير النهر إذا لم يلتحم بالبحر. قلت هذا من زمان، ثم ضاعت صرختي وتلاشت في وهاد سحيقة اختفت. ــ من أي محرقة أتيت؟. ــ من خلف حاجز من الجروح التي ما هدأ نزفها طوال خمسين سنة. منذ تبددت أسرتي بقصف الاحتلال لمدينتنا، تداخلت فيها الليالي والنهارات حتى أعيتني الحيلة وهجرني الصبر وتجرعت مرارة الموت البطيء، حتى رأيتك الآن مرة أخرى. خمسون عاماً وأنا أغذ السير خلف وهم خاطف، مر بي وغادرني إلى الأبد، خلف دبيب الشهوة المستعرة التي هي الموت بعينه دون أن يطرف لي جفن، أو يلوح لي ولو بصيص ضوء. هاهو النهر والضفاف بعيدان بجبروتهما عن نفسي. القصب والعليق، قويان، متطهران بمياهه، مغتسلان بزرقة الماء القاتلة. ــ لقد امتدت المسافة بين حرب وحرب. ــ بين حرب وحرب، يزدهر في قلوب بعض الخلق يأس مرير، كما يزدهر الحرمل على حافات الخنادق وتحت قناطر السكة الحديد في البراري الشاسعة، وكما تزدهر الشوارع الخلفية، والمقاهي المعتمة ودهاليزها الرطبة الضاجة برائحة التبغ الرخيص والأجساد الآدمية في أيام الحروب والمحن، بالبهاليل والمجدورين والمشوهين والممسوخين والأنذال. أعطيت ظهري للنهر ومشيت دون أن أحدد وجهة معينة. مشيت على غير هدى، لا أدري بالضبط بماذا كنت أفكر، ولكني أكتم إحساساً مفاجئاً بالخيبة. أمن الممكن أن يهيأ متكأ أمن بعيد قدر الأماكن عن حضرة الجسد الهش ورائحته الطيبة؟. أمن الممكن أن أقع وأنا في طريقي خارج الأحراش على من يجعلني أستفيق من هذا الذهول حتى لو تطلب صفعي قوة. متى اكتشف مساحات الحب في نفسي، لكأن ما يحدث.... يحدث في الحلم!!. لا حياة الآن سوى حياة الحرب والخوف، ولا هواء سوى هواء البارود وسحب الدمار، ولا روائح سوى روائح اللحم البشري المحترق. تغلغلت قوات الاحتلال في المدينة ليلاً، ودنست المدرعات والدبابات ترابها المقدس ولوثت المروحيات هوائها الطيب النقي. لم يصمد المقاومون أمام القوة المتعاظمة. أسلحة خفيفة وبضع قاذفات كانوا يمتلكونها فقط. ضاع كل شيء ونهب كل شيء. جمع المحتلون الناس الذين قاوموهم في الساحة العامة. أجلسوهم على الأرض وعصبوا عيونهم وأحاطوا بهم من كل الجهات. لم يكن يسمع سوى صريخ الأطفال والهمهمات الحزينة للنسوة والرجال. بعد ساعة جاءت سيارات عسكرية كبيرة، وشرعت بإرغام الناس على الركوب فيها، كانوا أشبه بالنفايات. في الليل لم يكن من رفيق لهم في رحلتهم المعتمة سوى حفيف عيدان القصب وأحراش العليق التي أحاطت بالنهر. حفيف يتعالى ويشتد. صار الحفيف أنيناً لنهر ونباتات تبكي في ليل طويل وحزين بشراً أحبهم وأحبوه. كانت (مريم العصفور) شديدة التأثر عليّ، تشبه ملاكاً هبط من السماء غفلة. عيناها الراقصتان فيهما سر غريب، وشفتاها المكتنزتان القانيتان اللتان تشبهان منقار حجل، مليئتان بالنداءات والأسئلة. جبهتها المضيئة وأنفها الدقيق يشبهان شيئاً لا أعرفه. كانت تلبس ثياباً عريضة، تخفي طولها وتفاصيل جسدها دوماً، منذ أن رأيتها أحسست بخفقة ما داخل صدري. كانت أنثى متكاملة لا تجاعيد في وجهها، ولا يباس في أصابعها ولا تغضنات في جبهتها أو رقبتها. امرأة صافية كالبلور، وجهها لا يخلو من لمعة أبدية لكأنها تمسحه بزيت فيضيء كي يغص قلبي. امرأة معدة للرؤية والفراش في أي وقت. لا أدري لماذا حفظت وجهها الذي رافقني في الليل والنهار، ربما لكي يعذبني، فيزداد بكائي ليصير شرشفاً يغطي وحدتي الشاسعة. قلت لها يوماً: ــ اعذريني إن قلت لك أنني أفرح حين ألقاك. قالت بهدوء وصوت صاف: ــ فرحة المؤمن؟. صمتت ولم تنظر إليّ، فصمت. كانت قوية بما يكفي لإغلاق باب الحوار أو فتحه، لكنني لم أنفر منها، على الرغم من قسوتها تجاهي، ولم أتحاشاها، ظلت روحي تتشوق إلى رؤيتها، وتهفو إلى لقياها وكنت دائماً أقول لها حين أصادفها: (أنني أفرح برؤيتها) فتصمت وهي تنظر إلي بين حين وآخر، نظرة ملأى بالتعب والغموض ولم أكف عن الحديث إليها إلا عندما قالت لي ذات مرة ونحن نملأ الجرار: (أراك تسيل خارج النهر). أرعبني قولها، وأعادني إلى النهر بقوة. بعد مرور وقت طويل، هي التي صارت تقول لي أن رؤيتها لي تفرحها فلا أجيبها سوى بابتسامة بلهاء، لا تكشف عن شيء وأنفر منها. أمي أكدت لي أن المرأة إذا ما نبت رجل في رأسها، فإنها تطارده حتى يقع في شباكها، دون أن تعرف اليأس أو الاستسلام ولعلي بعد مضي سنوات من الرؤية والمعايشة والكلام والعزلة، دخلت في رأس (مريم العصفور). صرت كائناً أعنيها، فسعت إليّ. كانت المرأة جريئة وحاسمة، كما كانت واضحة وقوية. قالت لي ونحن خلف الأحراش، وكان الوقت ضحى: ــ أما زلت تفرح لرؤيتي؟. أجبتها دون مراوغة: ــ نعم. ــ لماذا؟. ــ لأنك تشبهين أمي. ــ أتريدني أماً لك؟. ــ نعم. فعلاً كنت أريدها مثل أمي، تمسد شعري، وقلباً يخفق خوفاً عليّ وروحاً تماشيني في دروبي، وملاكاً حارساً في الليل ينقذني من هواجسي وملاكاً في النهار يحرسني كي لا أقع في الخطيئة، كنت أريدها حضناً ألوذ به عند الشدائد. تسألني مرة أخرى: ــ هل تراني عجوزاً؟. ــ أنت تشبهين أمي، صافية وجميلة مثل طبق الحليب في إفطار الصباح. تبتسم وتغص. كنت أتابعها بعينيّ وقد أرخت بصرها فوق جرتها التي امتلأت بالماء، وحين ترفع الجرة تسألني: ــ هل تفكر بالزواج؟. أصمت ولا أجيب، لأن سؤالها أشبه بالدرب الذي تفضي إلى غابة من الأشواك والعليق والخرنوب والصبار والحنظل، لذلك أهرب وأجلس مفكراً بالسؤال، متلمساً جواباً له، أحار بماذا أجيب. إن قلت (نعم)، كيف ستنظر إليّ، وإن قلت لها (لا)، هل ستقتنع بأن إيماني عميق؟. لا أنهض من جلوسي إلا عندما أراها قبالتي، قربي تماماً، وحين تعود أشعر بأنها تسحبني وراءها دون وعي مني. مرت سنين عديدة، نسيت (مريم العصفور) التي ما عادت سوى حك بسيط في ظاهر يدي. عرفت أنها تابت عن ممارسة الحب بعدما طلقها (سعدون الجزار)، وآخرون يقولون أنها غرقت في نهر دجلة وهي تملأ الجرار، لكنهم نسوا أنها كانت من أفضل نسوة الحي جميعاً بفن العوم وعبور النهر إلى الضفة الأخرى بفترة قياسية. في نقاء حي (الشهوان وقليعات وشط الجومة) تكمن التراجيديا. الحياة، هي هذا الظهر المنحني المستعبد، تبدو بسيطة وساذجة، لكنها دفاع عنيد وذكي، وهروب متواصل ليس له حدود، أو ظل. إنه تيه أسطوري، أن يمتطي المرء حصانه اليافع، ثم يركن إلى قدره دون أن يحلم في إيجاد مكان له، بغيته الشرف الإنساني والاعتقاد بأن وجوده على هذا الكوكب هو مجرد أكثر من صدفة عابرة. أخيراً وجدت فسحة تتسع لجسدي فجلست، ولم ألبث أن غبت في النوم، ربما ساعات وربما لحظات. كل ما أذكره أنني صحوت على أصوات مرعبة، تصرخ وتستغيث، وتخرج رؤوسها كما أحاول أن أفعل من تحت صنابير تصب عليّ سيلاً من ماء مثلج. أذكر أنني في ذلك اليوم كنت وحدي، وأعترف أن الأعمال لم تعد مزدهرة كما كانت، لم أملك ساعتها إلى ضحكة بلهاء ليس لها معنى، أطلقتها وأنا أساق إلى زنزانتي المنفردة، حيث العتمة فيها شديدة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |