مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الجدار ـــ عبد الحفيظ حافظ

بلا مقدمات بدأ "حمود" يروي قصة "الجدار":‏

تعثرتْ دراستي في المرحلة الثانوية، فامتهنتُ "نجارة الباطون" وعندما ضاقت بي الدنيا وسبلُ العيش، اشتريت "فيزا حرة" وسافرتُ إلى "السعودية".‏

قضيتُ زهرةَ شبابي فيها، بين تعثرٍ ونجاحٍ حتى أصبحت مقاولاً، وادخرت بعض المال، فعدت إلى بلدي تحت ضغط قلبي.‏

عشت سعيداً بين أفراد أسرتي، وقد توزع أبنائي على المراحل الدراسية، فبنيت بيتاً جميلاً على رقعة أرضٍ زراعيةٍ ورثتُها عن والدي رحمه الله في طرف قرية "مسكنة"، وأطلَّ بيتي على دربٍ زراعي يفصلُ بين أراضي "مسكنة ــ كفر عايا".‏

منذ خمسةٍ وعشرين عاماً استملكت مؤسسةٌ رسمية الأرض المطلة على الجانب الآخر من الطريق الترابي، وشيدت "ضاحيةً" لكنها توقفت عن متابعة البناء والإكساء، وأخذت تبيع ما بنته على وضعه الحالي.‏

أنا لا أنكر أن المؤسسة عبدت الطريق وأمنت المرافق والخدمات لهذا المشروع، وشقت طريقاً طويلاً فوق الدرب القديم، الذي كان يفصل بين القريتين، وإلى الآن يروي الرجال والنساء قصص ذاك الدرب المظلل بأشجار اللوز والمشمش والدراق، عن العشاق كانوا يلجؤون إليه هرباً من أعين العذال، ويطارد الصبية فيه الأرانب والبلابل والعصافير.‏

بدأت قصة "الجدار" تحيك خيوطها عندما أقامت المؤسسة جداراً واحداً من الجهة الشرقية من المشروع، ففصلت فيه الضاحية عن أراضي "مسكنة" وبهذا أصبح بيتي يتيماً خلف ذاك الجدار يرنو بناظريه إلى الشارع المعبد، وخلفه أراضٍ زراعية.‏

عندما وصل حمود إلى هذه النقطة من قصة الجدار، تذكرتُ جدار برلين، الذي انتصب وشق المدينة إلى نصفين، وحال دون الانتقال بين شطريها، كان ذاك الجدار امتحاناً لعشاق الحرية الذين حاولوا تسلقه والقفز من فوقه، وسجل مواطنٌ من أصل عربي أول عملية قفزٍ فوق الحاجز عند المعبر على دراجة نارية، وخلفه عشيقته، فاحتفل به النصف الغربي من برلين.‏

هزني حمود بعصبيةٍ، وصرخ في وجهي:‏

ــ أين ذهبت بخيالك؟ كأنك لست معي، وأنا أحدثك عن الجدار ثم تابع حديثه:‏

كم عانى أطفالي من السير في الحقول للوصول إلى مدارسهم في المدينة، وطريق حمص ــ دمشق على مرمى حجر منهم في الجهة الأخرى من الضاحية، فبدؤوا يتسلقون الجدار.‏

سنواتٌ مرت والأمل يحدونا بتنازل المؤسسة عن المرافق لبلدية المدينة، وكان العمر يمضي، وأخذت حالات احتشاء قلبي تداهمني، لقد حلمت أكثر من مرة أنني حصلت على موافقةٍ رسميةٍ بحق الارتفاق بالطريق وفتح باب في الجدار.‏

كما تسلق أطفالي الجدار، أسعفت إلى المشفى محمولاً على سلم خشبي تسلق الجدار على أيدي أبنائي وزوجتي. فهل لكل زمان سلطانه، ولكل سلطانٍ جدار؟!..‏

تركت حمود وجداره وسرت بخيالي فوق سور الصين العظيم الذي امتد أمامي حتى الأفق تقطعه أبراج الحراسة، وهو جدار كان يحمي الإمبراطورية الكونفوشسية من الغزاة.‏

يا الله كيف طوقتنا الجدران؟.. حتى أن سجينا خلفها هلل لطنين ذبابةٍ آنست وحشة منفردته.‏

عدت إلى حمود فوجدته يتابع سرد قصته:‏

منذ أشهر استعنت بالله، وأنا كما تعرفني أمشي الجدار أقصد الحيط الحيط وأقول يا رب الستر، كنت سمعت أن ميلاً من جانب السلطان عبد الحميد ــ وهو مهندس في المشروع ــ صدر عنه بالسماح لي بحق الارتفاق من الطريق وفتح باب في الجدار.‏

كانت يدُ حمود ترتجف بكأس الشاي وهو يقص على مسامعي قصة الجدار، رأيته يرفع عينيه إلى السماء ويتمتم بعباراتٍ غامضة. فتذكرتُ الجدار الذي يشيَّد في فلسطين ويقطِّع أوصال الحقول والبيوت ويمنع حركة الأطفال.‏

فاجأني حمود بتصريحه:‏

إنني رصدت بضعة آلافٍ إكرامية للسلطان عبد الحميد لتكرمه والسماح لي بفتح باب في الجدار، فعمت الفرحة في بيتي، لكن الإكرامية المطلوبة يا صاحبي بلغت مئات الآلاف، فرفضت الدفع، وأصبح فتح الباب، واختراق جدار السلطان قضيتي.‏

تركت حمود مع جداره، واستعرضت رواية "الجدار"، "لجان بول سارتر" سجل سارتر فيها أحاسيس ومعاناة ثلاثة رجال في ليلتهم الأخيرة قبل تنفيذ حكم الإعدام بهم رمياً بالرصاص على الجدار. عجوز مريض، شاب عاشق، وثالث اختبر الحياة وعبّ حلوها ومرها.‏

سمعت حمود يقول:‏

دخلتُ قصة "الجدار" الدوائر الرسمية في المدينة، بلدية "مسكنة"، المؤسسة، المحافظة، الشرطة، القضاء، وبالرغم من مهاجمة العاصفة الثلجية للمنطقة، وسقوط مؤسسات المدينة في امتحانها، وتوقف الخدمات تحت ضربات العاصفة، استمرت قضية الجدار بالدوران في الدوائر الرسمية.‏

أتى السلطان برفقة دورية شرطة، وبعد مشاجرة بالألسن ذهبنا إلى الشرطة، فاستغرب الضابط إصرار السلطان على إغلاق الباب، وكان العيد على الأبواب، فاستمهلني إلى ما بعد العيد طالباً مني الحصول على ترخيصٍ رسمي بفتح الباب، وبقي الباب عيناً مفتوحة في جدار السلطان.‏

قاطعته:‏

ــ حمداً لله أن الباب بقي مفتوحاً، فقد حُلت عقدتك يا أخي.‏

ــ "لا تخطف الكباية من رأس الماعون".‏

ــ بُعَيْدَ العيد مباشرةً أتى السلطان بدوريةٍ أخرى، وحاول إغلاق فتحة الباب، وبعد مشاجرةٍ ارتفعت وتيرتُها، ذهبنا من جديد إلى الشرطة، فأنذر الضابط السلطان قائلاً:‏

لن نتدخل بعد اليوم إلا بأمرٍ من القضاء، ثم سأل السلطان:‏

ــ ماذا يضرُّ الضاحية وفيلاتها فتح باب لهذا المسكين؟ لقد أفاد رجالنا أن الضاحية حيٌ سكني، وأن شوارعها مشرعة من كل الجهات لدخول الناس وخروجهم منها.‏

بعد بضعة أيام جاء السلطان بدوريةٍ جديدةٍ وبورشة عمال، خلعوا الباب، سدوا فتحة الجدار، أعاد العفاف إلى الجدار، ثم أرسل بعد يومين عماله فكسروا البلاط الذي قمت برصفه على الرصيف، وغرسوا بضعة شجيراتٍ مكانها أمام فتحة الباب وأمام رقعة بيتي، ونحن في العشرين من شهر شباط، ومازال الثلج يغطي الأرض بثوب زفافها.‏

قصة الجدار التي يرويها حمود دفعتني لأسترجع ما سمعته بالأمس من التلفاز في نشرةٍ أخبارية:‏

ــ دولةٌ عربيةٌ كبيرةٌ تهدد بإقامة جدار يفصلها عن دولةٍ عربيةٍ أخرى حرصاً على أمنها الداخلي، فحدثت نفسي:‏

ــ ألا يعيق الجدار المزمع إقامته "إيلافنا رحلة الشتاء والصيف".‏

ــ ألا يمنعُ الجدار تنقل المواشي والخيول والجمال والذئاب والأرانب والغزلان والثعابين والعقارب لاسيما في أشهر الإخصاب؟. ألا يمنع تنقلها في أرض الله الواسعة؟!، ربما أصبحت هذه الحيوانات مطالبة هي الأخرى أن تقيم أوكارها القطرية، فعلى الحيوانات أن تدين بدين ملوكها!.‏

التفت إلى حمود خاطبته:‏

ــ لمَ لا تلجأ إلى القضاء؟.‏

ــ تقدمت يا سيدي بطلبٍ إلى القضاء بحق الارتفاق من الشارع، ووكلتُ محامياً، وتقدمت بطلبٍ خطيٍّ إلى السيد المحافظ بذات المضمون، فأُحيل طلبي إلى المكتب التنفيذي، الذي أحاله إلى بلدية مسكنة، التي أفادت:‏

"إن الطريق الذي تمَّ قطعه ببناء الجدار من قبل المؤسسة هو الطريق الوحيد المؤدي إلى منزل المواطن حمود.. وحق الارتفاق هو حقٌّ قانوني...".‏

تنهد حمود، وضع يده فوق صدره، جمع ذراعه اليسرى، تسارع تنفسه، ازرق لون وجهه، فاستدعيت سيارة إسعاف.‏

منذ ذاك اليوم وجدار السلطان يقف لي بالمرصاد، صورته لا تفارقني، أراه في يقظتي وأحلامي، تخيلت السلطان عملاقاً يناطح غيوم السماء، قوياً يحمل الجدار بيديه، يركض خلفي ليضع الجدار فوق صدري.‏

كابوس ركبني، أصبحت أتوسد الخوف والتحف الحذر، استيقظت رواية "ذكريات من بيوت الموتى". "لدستوفسكي" من رقادها وبدأت أعيش مع أبطالها المسجونين في تلك القلعة، وأحصيت مع أحدهم عدد حجارة الجدار الدائري الذي يطوقها، بل عدد زوايا الحجارة التي فيه، أخذت أستيقظ من نومي مذعوراً ألوذ بزاوية السرير، فتلتم أسرتي على صراخي، ولا يجدي معي محاولات في التهدئة من روعي.‏

لكني بدأت أتأبط في الأحلام معولاً لا يفارقني.‏

حمص 25/2/2004‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244