مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أب ـــ عارف الخطيب

ما شأنُ ذلك الرجل؟!‏

كثيراً ما رآهُ الناس، عند سياج المسبح، يزرع خطواته، مجيئاً وذهاباً، وهو ينظر إلى ساعته تارة، وإلى باب المسبح تارة أخرى، إلى أن تغيب الشمس، ويتدفَّق الأولاد من الباب الكبير، وهم يتدافعون ويضحكون..‏

حينذاك، يقف الرجل في مكانه، يرنو إلى وجوههم النديّة البريئة، واحداً إثر آخر، كأنَّه يبحث عن أحد بينهم، وعندما لا يجد من يبحث عنه، يعود أدراجه وحيداً، في شارع مألوف، لا يحيد عنه..‏

في السنين الماضية، كان لـه ولدٌ يتدرَّبُ على السباحة، وقد اعتاد أن ينتظره كلَّ يوم، حتَّى يخرج الأولاد، فيبحث عن وجهه بين الوجوه، وحينما يلمحه، يقبل عليه فرحاً، ويصحبه إلى البيت، وفي طريقهما المألوف، يشتري له ما يأكله، فيفرح الولدُ، ويفرح أبوهُ...‏

وصار الولد شابَّاً، يعيش مع زوجته، في بيته الجميل، وبين حينٍ وآخر، يزور أباه، فيستقبله بالترحيب والفرح.‏

ولكنَّ زياراته أخذتْ تقلُّ، شيئاً فشيئاً، إلى أن انقطعتْ.‏

ذهب أبوه لزيارته، فلم يجده كما عهده، لقد غيَّرهُ المجتمعُ، أكسبَهُ طباعَ الغاب، فقسا قلبه، ورقَّ دينه! أشفق أبوه عليه، أسدى إليه نصائحه، فهزَّ رأسه، وصمَّ أذنيه.‏

وفي زيارة أخرى، رفع صوته فوق صوتِ أبيه.‏

وفي آخر زيارة، انتهرَ الابنُ أباهُ..‏

خرج الأبُ لا يبصرُ طريقه..‏

مكثَ في بيته أيّاماً، وهو غارقٌ في أحزانه، لا يجدُ سبيلاً إلى السلوان..‏

وتذكَّرَ أيّامَ المسبحِ، وولده الصغير البريء، وهو ينتظره كل يوم، ويصحبه على البيت.. ما أحلى تلك الأيام،‏

ما أحلى ذلكَ الولد!‏

تأوَّهَ الأبُ الحزين، نهض واقفاً، وخرج من بيتهِ.‏

مضى إلى المسبح، يتبعُ خُطا قلبه..‏

* * *‏

فتاة‏

تفتَّحت أزهار الربيع، وتفتَّحتِ القلوبُ الفتيّة..‏

هذا ما شعر به غزوان، فانطلق إلى الحديقة العامّة، يطوف في أرجائها، ويرمق أزهارها وفتياتها.. لم يصادف فتاة وحيدة!‏

هذه بصحبة أُمّ، وتلك بصحبة صديق..‏

مرَّ بفتيان، يغازلون فتياتٍ، يتمايلنَ ضاحكاتٍ فرحات.‏

ظلَّ يطوف وحيداً، وصل إلى مكان منعزل، لمح فتاة وحيدة، تحت شجرة وارفة.. وقف يراقبها من بعيد..‏

تسلَّل إليها شعاع الشمس، شرع يقبِّل خدَّيها الجميلين..‏

تثنَّتْ، تأوَّدتْ، توهَّج الذهبُ في عنقها..‏

قال غزوان في نفسه:‏

ــ هاهي ذي فتاة وحيدة، وأنا مثلها وحيد!‏

أتاها من خلفها، يدنو منها، شيئاً فشيئاً..‏

صار وراءها، وقف واجفاً صامتاً، يصغي إلى وجيب قلبه، يختلط بطقطقة علكتها..‏

أقبل عليها الهواء الجريء، وأخذ يعبث بشعرها الطويل.‏

انحنى غزوان عليها، يمسح شعرها براحتهِ.‏

نهضتِ الفتاة واقفةً، والتفتتْ إلى غزوان.‏

حملق غزوان مدهوشاً مذهولاً..‏

ــ يا لَلعجب، أيُّ فتاة هذه؟!‏

لقد انتصب أمامه فتى غاضب!‏

انشقَّتِ الأرضُ، وابتلعت غزوان!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244