|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الحكم الأقوى ـــ غانم بو حمّود (1) كلّما عادت من زيارتها الأسبوعيّة للجارة القديمة (بوسي) يسألها: "كيف حال الزيتونة.؟" تشيح بوجهها عنه.. تقول في داخلها: "الزيتونة..!" وتتمتم بما لا يفهم، وهو منهمك في حجرته الجديدة، يعيد ترتيب كتبه الصفراء فوق الرفوف الخشبيّة. ضاقت عيناها.. عضّت على شفتها السفلى، واحمرّت وجنتاها، وهي تجيبه: "الزيتونة.! العوض بسلامتك." على الرغم من أنّ باب الشرفة كان مفتوحاً، وعصا الجدّ الخيزران،لم تزل معلّقة على جدار حجرة الاستقبال، لم يتصرف عبد الرؤوف كما يتصرف الجهلاء، ما دام قد تصالح أمس الأوّل مع ذاته، وأصدر حكماً عادلاً بحق نفسه. الحكم.. الذي كان قد استعدّ له قبل صلاة العيد بقليل، فلم يذهب إلى المقبرة لزيارة ضريحي والديه، كعادته في مثل ذلك الصباح من كلّ عام.. والداه الطّيبان، اللذان أضحيا لديه كمشجبين، يعلّق عليهما قمصان اللوم والعتب، لتركهما قضبان شجرة الرمان تتطاول، من دون أن يقتطعاها، ليقوما بكسرها فوق ظهره، جزاءً لتصرفاته الساذجة مع الناس، ولجهله قراءة عيونهم.. (2) انتهى عبد الرؤوف إلى قرار.. أن لا مكان أفضل لإنزال العقوبة من غرفته الصغيرة، حيث تتراكم الكتب الصفراء المكفهرّة، وتتبعثر الصحف اليوميّة الشامتة.. فالخمسة عشر يوماً الماضية، والتي أرهق برنامجها الثقيل أفراد أسرته، كانت مهلته لتنفيذ الحكم، وهي عين المدة.. التي منحها له عقد البيع، لتسليم الشقّة المباعة، في حي (الزهرة) من شمال المدينة. لم يكن الوقت من ذهب وحسب، بل كان أغلى ثمناً، ولم يكن كحد السيف المهنّد، بل كان أشدّ مضاءً. تعلّم خلاله.. من البغال قوتها، ومن الحمير صبرها، أمّا من الخيول، فقد تعلم سرعة الجري، وشدّة الصهيل. لذلك، لم يكن احتفاؤه بتلك الصفات، تعبيراً عن نشوة المنتصر، الذي حرم الشاري من قطف ثمار الشرط الجزائي، أو من غرامة التأخير. بل كان تعبيراً عن فرح عارم غمره، بدنو أجل تنفيذ العقوبة المشتهاة. (3) قبل أن تبترد أطراف عبد الرؤوف، وتعود إليه أنفاسه، في منزله الجديد، كان قد خطب خطبة جاهليّة، بأفراد أسرته المهزومين، ناشدهم فيها ــ رفع وتيرة أصواتهم، وإشعال فتيل الضجيج ــ بعد أن خلص من خطبته.. استدارت ليلى نحو شاشة التلفاز، وقالت متهكمة: ــ "قل هذا الكلام لغيرنا، يا عبد الرؤوف". أطلق الأولاد ضحكات عالية، اهتزّت لها قصص (ألف ليلة وليلة) بين يديه. ــ "ماذا تقولين يا ليلى.؟!" سألها بحدّة. "رحم الله أمّك.. كانت تسمع صوت الرعد من سماء قبرص. وهل تركتَ لي ما أقوله؟!" قالت في نفسها. للتو، حضرته عبارة.. سبق أن كتبها في مذكّراته.. ــ إذا أردت أن تغيظ امرأة، لا تصغ لها من المرّة الأولى.! "هل قرأت ليلى خلسة هذا القول.؟" سأل نفسه، وهو يتابع مسح رفوف مكتبته، ويعيد ترتيب محتوياتها. في الحقيقة.. هو لم يكذب على الزوجة والأولاد، حينما ألحّ عليهم في إثارة الضجيج، بل كان صادقاً وجاداً في ما قاله، وإلاّ كيف يمكنه أن يخلص لحكمه، في مثل هذا الطقس من الهدوء المطمئن، الذي عوّدهم عليه في شقّتهم القديمة، في الوقت الذي كان يختزن عبارات محليّة ومستوردة، ليرشّها كالتوابل الهنديّة، فوق كلّ وجبة تهديد ووعيد. بل، كيف يستطيع عبد الرؤوف، أن يكون غير جادٍ في كلّ ما قاله، ما دام ليس بخافٍ على أحد، ما تسببه العقوبات الجسدّية من وجع، لمواليد القرن الحادي والعشرين، وما يليه من قرون، وما سيرافقها من صراخ وأنين، خاصّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو الذي يتشهّى إنزال أحدثها وأشدّها بنفسه. (4) للوهلة الأولى، اعتقد عبد الرؤوف، أن مصير خطته الفشل.. فالعقوبة.. ليست من النوع، الذي ينتهي بطلقة واحدة، أو أكثر.. من فوهة سلاح حربي، ما زال يحتفظ به، منذ اليوم الأول للعدوان الثلاثي على مصر.! وليست من النوع الذي ينتهي، بعقد حبل على رقبته.. ذات الحبل، الذي كان يحزم به أسمال شتاته، منذ أوّل هجرة صهيونيّة إلى أرض فلسطين.. وليست، من النوع الذي ينتهي بتناول جرعة سمٍّ، من تلك.. التي كان يخبئها، في مكان قصيّ من جسده، منذ اعتراف أوّل دولة عربيّة بإسرائيل" عبد الرؤوف، الذي لم يتابع يوماً أفلاماً أمريكيّة على الشاشة، يفهم من خلال إصغائه، ما يثرثر به البعض عن ثقافة العولمة ــ وما مفاده.. إنّ كلّ الوسائل المتاحة له لتنفيذ العقوبة. ليس من شأنها إطالة أمد العذاب ــ ذاك العذاب، الذي لا ينقضي الحكم من دونه..! (5) مرّت أكثر من ستين دقيقة على عبد الرؤوف، وهو معتكفٌ في غرفته.. ينتظر ولادة ضجيج، لا يشبهه أيّ ضجيج، كي يعلن لحظة البدء... ومن ثمّ يتصاعد إيقاع العقوبة. لسوء الطالع، لم يأت المنتظر. ما حدا به إلى تفجير صرخة، دوت لها أرجاء الشقّة: "ضجيج.! قلت لكم، يا أبناء آدم.. ضجيج.!" وعاد يتصفح كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين.. يصيخ السمع، فلا يسمع سوى صوت ماء (الدوش) المعطّل ينقر طست الغسيل. لمّا طال انتظار عبد الرؤوف، ولم يحصل المرتجى. اصطنع سعالاً خفيفاً، واستدار نحو باب الحجرة.. ليرى شبه قنطرة متصدّعة، شكّلتها رؤوس أولاده المشدوهين. ما أن تقاطعت نظراته مع نظراتهم البائسة، حتّى غدا الشكل الذي رآه، كقوس قزح ضبابيّ القسمات.. مترف الانحناء.. يحيط بجسد ليلى.. التي جلست القرفصاء تماماً في فم الباب، وقد انفرجت شفتاها عن أسئلة صامتة. ارتبك عبد الرؤوف في داخله، لكنّه أراد أن يريهم وجه الأب الأكثر صرامة. فما أن رمى من بين يديه، كتاب تفسير الأحلام، ورفع بالنظّارة عن عينيه، حتّى ولى الأولاد الأدبار، باحثين عن مكان آمن، في حين بقيت ليلى متمترسة في مكانها..يدٌ على الجدار، وأخرى على نصل الباب المفتوح. ارتفع عبد الرؤوف عن كرسيّه قليلاً.. أبعده إلى الوراء، وأصابعه لم تزل ماسكة بنهايته.. مقترباً خطوة واحدة من ليلى، التي على غير عادتها لم تهرب من وجهه.. "قلتِ.. العوض بسلامتك؟!" للوهلة الأولى، لم تنبس ليلى ببنت شفة، فما أن قال لها: ــ "أنا من زرع الزيتونة، لمّا رزقنا بابننا البكر (عزيز)، وتعرفين جيداً، ماذا تعني تلك الزيتونة بالنسبة لي.!" وكأنّه يحمّلها مسؤولية إعدام الزيتونة، حتّى أخذت وضعاً مختلفاً. فدفعت بباب الحجرة نحو الداخل، ليرتطم بالجدار المجاور، واقتربت منه، حتّى كادت تلتصق به منتصبة، كمثل صخرة سلخ السيل عن جسدها عباءة التراب. ــ "وهل أنا من قطعت الزيتونة، يا أبا عزيز؟!" قالت بغضب. ــ لكن.!! ــ "تقول لكن..! أم هل أنا من فتحت الباب ذات مساء، لتتسلّم هديّة (الزير)؟! ألم تقل بعد أن غادرنا ــ إنّ من أفضل ما أهدي إليّ في حياتي، كان تلك الكتب الصفراء، التي وضعها بين يديّ!" ــ لكن! ــ وتقول لكن أيضاً.. يا عبد الرؤوف.! أم كنت أنا، من طلبت منك فتح الباب على مصراعيه، لزوجة الزير وأولادها، أم كنت أنا من أجبرتك يومئذ، على قول تلك العبارات الخشبيّة ــ بيتنا..! بيت كرم، يا ليلى. للضيف صدر البيت، ولنا العتبة.. طعام واحد، يشبع ثلاثة. من أجل الجيرة يا ليلى! الأمّ جاهلة، قليل من وقتك لوظائف الأولاد.. وكلّ حرف تعلمينه، كصدقة جارية.!" واستطردت ليلى: "ألم تقل كلّ ذلك وأكثر، يا عبد الرؤوف؟!". ــ قلت لكِ لكن. "ألا تخجل على دمك، عندما تقول لكن..! هل كنت أنا، التي ترأست لجنة البناء، وغضّت النظر، عن مخالفات الغجري المتكرّرة، ألم تذهب إلى أبعد من ذلك، يا عبد الرؤوف.. حينما توسطت لدى رئيس المجلس البلدي، ومهندسيه الكرام، فارتكب صاحبك الغجري تلك الحماقة، وأقام سقفاً إسمنتياً، فوق كامل مساحة الحديقة، التي كنّا نتنفس من خلالها الأكسجين.؟!" أراد عبد الرؤوف.. أن يصرخ في وجهها، وقد حاصرته بأخطائه، واضطرته خطواتها الواثقة، إلى التراجع عن المكان الذي يشغله. حتّى أنّ أنفاسها الملتهبة، المتلاحقة.. كانت تخرج، كما كلماتها.. لتصفع وجهه المتعب.. لكنّه أبى الاستسلام لأمّ عزيز، ولو لمرّة واحدة في حياته. ألم يقل له موظفو البلدية: "من يسقط أمام امرأته مرّة واحدةً، يسقط أمامها إلى الأبد!" قال لها، وهو يبعد ذراعيها بقوّة من أمامه: "كان مخطط احتيال، وشروع بالغدر... أيّتها الحمقاء.!" ــ "ما شاء الله.. تقول "غدر.!" ومتى؟! "استنتاج متأخر جدّاً، أيّها..!" وراحت تذكّره متهكّمة: ــ "أهذا ما تدعونا إليه الكتب الصفراء، يا ليلى!؟ وكدت تتهمني بالعصية على فعل الخير. أليس.؟!" توقفت للحظات، ومن ثم تابعت. "والآن.. ماذا لو قرأت الكتب الصفراء، بعدسات جديدة.! لا، عفواً.! لن تفيدك القراءة بعد، يا عبد الرؤوف!" كانت إحدى الشاشات، تبث برنامجاً، يتناول ثقافة الحوار لدى الأسرة العربية، استغل (عزيز) الجدال الحاصل بين ضيوف البرنامج، فرفع عالياً صوت التلفاز. وجد عبد الرؤوف، أن ساعة تنفيذ العقوبة قد أزفت، ولكن ليس قبل أن تكون له الكلمة الأخيرة: ــ "لأنني حسن النية، فأنا مرتاح البال، و..." لم تدعه يكمل: ــ "انظر، ماذا فعلت بنا راحة بالك، وإلى أين أخذتنا نواياك الحسنة..!" هدأت ليلى من روعها، لما رأت عبد الرؤوف حزيناً، يتراجع إلى الوراء، ويسند ظهره على رفوف المكتبة.. فأسبلت يديها، وتراجعت هي الأخرى خطوة واحدة.! ــ "أطفئوا التلفاز، يا أولاد..!" صاحت بهم من بعيد.. ومن ثم عادت، لتستدير عكس الاتجاه، تنظر في وجهه الشاحب، وهو صامت لا يتكلم. اخترقت إهانات ليلى ضمير عبد الرؤوف، وأشعلت ريحانة وجدانه، فخطر بباله قبل تنفيذ الحكم، الثأر لكرامته.. مستخدماً معها نفس أساليبه القديمة.. رفع عن طاولته فنجاناً. قذف به بقوة فوق بلاط الحجرة، تناثر قطعاً صغيرة في أرجائها.. وراح يطير بيديه محتويات المكتبة.. ويبعثرها في كل الأرجاء. لم تسلم قدم ليلى من إصابة بالغة بشظية، وهو الآخر، لم تسلم قدماه. لم يرغب عبد الرؤوف في إيذاء الزوجة المحتقنة، منذ أكثر من عقدين ونيف، بل أراد إيقافها عند حد معين من الاستذكار. لكن ليلى، التي صمتت طويلاً، لم تردها ساعة خرساء. انحنت تمسح عن ساقها الدم، الذي سال بغزارة، تحت قدميها الحافيتين، رفعت أصابعها المغرورقة بدمها الطازج، اقتربت منه، حتى أصبح وجهه في متناول يدها، التي رفعتها عالياً، لتصفعه تلك الصفعة القوية، محدثة رنيناً نحاسياً، تماوج في أرجاء الشقة. أرادت أن تتبعها بصفعة أخرى، لكن صوت المؤذن في المسجد المجاور، جعلها مسرعة تسترد يدها.. هل كان عبد الرؤوف، الذي لم يطأطئ رأسه يوماً لامرأة، راغباً في أن تصفعه أكثر.. في أن تركله.. وتجلده بأي شيء، في متناول يدها!؟ نعم.! لا من أجل، أن يتوجع عبد الرؤوف، أو أن يئن..! كما هو حال معتقلي (غوانتينامو)، بل.. كي يشبع رغبة جسده.. الجسد، الذي غدا يلح عليه أكثر، في طلب وجبات إضافية، من التوجع والأنين، كلما تقدم به العمر.. وقبضت على ذاكرته أصابع الندم، الندم.. الذي يحثه على التذكر، أكثر مما تحته معدته اليابسة، على طلب وجبة ــ حساء هارونية ــ ساخنة، كان يوصي (زرياب) أمراء الأندلس باحتسائها.. "تصفعينني..! حسناً.. ما فعلته، يا ليلى..!" قال في نفسه. كان عبد الرؤوف لم يزل محتفظاً بمنديل قماشي، ليعض عليه لحظة تنفيذه للعقوبة. أخرجه من جيب سترته.. أراد أن يمسح به، ما تركته أصابعها الخمس، على وجنته من دم..! لكنه امتنع عند اللحظة الأخيرة، فأعاد المنديل إلى جيبه. أدركت ليلى للتو، أن ما ارتكبته بحق الزوج، ليس سوى حماقة، وأية حماقة.! لكنها لم تجبن. لم تبرح مكانها. قالت في سرها: "طريق المقبرة، أكثر أماناً لي، من طريق بيت أبي..!" بينما كان يقول عبد الرؤوف في سره: "ضرب الحبيب زبيب". كان منشغلاً بأمرٍ هامٍ،لم يخطر له على بال لحظة إصداره للحكم ــ هو خوفه من الموت، خلال تنفيذه للعقوبة، قبل أن يعترف بما اقترفه من أخطاء، وبما تسببه لأسرته من أذى، فلا يحسنون التعامل مع جيرانهم في الشقة الجديدة. والذين قد لا يختلفون كثيراً عن جيرانهم القدماء. حيث طال سكوته. السكوت الذي انتهى بكلمة (آمين..!) (6) ندمت ليلى على فعلتها، فالزوج مريض قلب، ولا تحتمل شجرة طبعه الكريمة، مثل هذه الهزات العنيفة، فأرادت أن تشعل ما تكدس من صمت بأي كلام: لو بصقت مرّة واحدة في لحيته، لو مرة واحدة صرخت في وجهه، لما اضطرك لبيع الشقة بثمن بخس، ولما كنت ارتكبت ــ أنا ــ هذه الحماقة، إياك الظن أن ما بدر مني، كان سببه جرح ساق. فلطالما جرحتني، لما كنت تستبد برأيك، وتمعن في مسخ إرادتي. "بل إن سببه يكمن، في شعوري الدائم بالهزائم. الهزيمة تلو الهزيمة، التي كانت دائماً، الشبح اليتيم، الذي يمتطي صهوات أيامنا.! كان عبد الرؤوف يرتجف أمام ليلى، كما لو أنه قد خرج للتو من مغطس ماء بارد، وهو يردد عبارة "لا حول ولا قوة إلا بالله". وقد قرأ الفاتحة أكثر من مرة، رافعاً يديه، ماسحاً وجهه بباطن كفيه. (7) توقعت ليلى ثأراً من عبد الرؤوف، فأرادت ألا تخرج من المعركة إلا منتصرة: "أنت تدرك تماماً ما أعنيه، لكنك تتجاهله. الحق معك أيها المتحضر، الذي تعامى عن جرح كرامتي، فرأى الغرباء يحتلون الشقة المجاورة لشقته، فلم يبد حراكاً. يتقاطرون جماعات وفرادى على مدار الساعة، ولا يسأل نفسه ما القيمة الفنية، أو التاريخية لهذا السرداب، الذي غدا خلال أشهر قليلة درة الحي، ومنارته الناهضة.؟!" كانت وتيرة أصوات الأولاد ترتفع حيناً، وتنخفض حيناً آخر، بحسب ارتفاع وانخفاض، إيقاع صوت أمهم السمفوني... انتهز عبد الرؤوف فرصة مناداتها لواحد منهم، كي يأتيها بمعقم لجراحها... فبادرها قائلاً ــ "إنك تجافين الحقيقة، يا امرأة، ألم أعدو وراء ذلك الغريب، الذي أيقظني على طرقاته، ذات يوم... سائلاً عن الفنانة (ترويد)؟! ــ "كيف لي أن أنسى الواقعة! ألا تخجل من التبجح بها.!؟ ماذا لو كنت مكاني، عندما اضطررت لفتح الباب، الذي كاد يتكسر، تحت قبضة يد ذلك الرجل الأسود، الذي انتصب بقفزة واحدة في منتصف حجرة الجلوس، سائلاً عن الفنانة (أنكليس..) ماذا كان ينبغي علي فعله. أن أخرج رأسي من النافذة مستغيثة بسماسرة مكتب (صادقون..!)، أو بجيرانهم مأموري مؤسسة "ليت للدمية يدٌ، ليت للصنم لسان!" "لكانت تناولتنا ألسنة الجيران..!" قال في نفسه. "وأنت..! أي صنف من الرجال أنت؟! ومن أي جبل جليدي انسلخت؟! أهذا ما ارتضاه لنا جارك الغجري، الذي قلت ذات يوم عنه ــ جار رائع ومدهش، عرف ما نحب وما نكره، وإذا لم يكن لديه من أية مكرمة، فإن مكرمته الفلكية، هي أنه لم يشعل سيجارة واحدة، خلال زياراته المتكررة لنا. على الرغم من إدمانه.!" ــ "كان ينبغي ألا تهتمي للأمر، يطرقون الباب.. ومن ثم يذهبون.!" ــ "وهل تعتقد أن طرقات أولئك السفلة، كانت لتتوقف عند حد..! ستظل ساذجاً، يا عبد الرؤوف، ولن تتعلم من دروس مجانية كثيرة، كادت تثقب أذنيك. ألم تلاحظ يوماً، أن الرعب أخرس أطفالك، وأنت كما أنت..! لا جواب على لسانك سوى ــ ينبغي ، نصبر على أولئك..! ــ "أنصبر على أذى أولئك السفلة، يا عبد الرؤوف؟!" ــ "لا تصفيهم ب (السفلة) يا ليلى، إنك والحال هذه، تسيئين أيما إساءة للسياحة الوطنية، لنفترض.. أن أحداً يسمعك الآن، ستكونين عرضة لمسائلة قانونية، بجرم القدح والذم، و ستدركين أننا بأمس الحاجة إلى ثقافة قانونية، وإلا..!" ــ وإلا ماذا أيها ال..! لم تترك له فرصة للكلام.. بل استطردت: ــ "لو توجع عنده مريض، أو أقام عرساً، أو مأتماً.. لكنت قلت.. نصبر على الجار. أما أن يفتح باب شقة الحديقة، محتفياً بتلك السياحة الوافدة، ومروجاً لها، ومن ثم يقوم بتأجير شقته، المقابلة لشقتنا، لدعاة نظرية صراع الحضارات، ومواطني عالم (القرية الصغيرة).. هذا ما لا أطيقه!" ــ إنك تتمادين في الاتهام يا ليلى، لو سمعك أحد.. ستكون المساءلة القانونية أكيدة، والجرم المنسوب إليك، سيكون أكبر. تذكري، أننا نسكن في الطابق الأرضي، وتحيط بنا شوارع وأرصفة، وهناك من يصيخ السمع..! ــ "أتحسب علي كلماتي ألا تخجل من نفسك، ونحن الآن في منفانا الآخر. تذكر.! لما كنت أحدثك عن جيران الأمس، وأحثك على استشارة رجال القانون. كنت تقول ــ ظاهرة تدعو إلى الافتخار، يا أم عزيز.! جيراننا من جنسيات مختلفة. منهم الأحمر، والأصفر، والأسود، من جميع الألوان، يا ليلى. قليل من الاختلاط بهم، يعلم المرء صناعة وصفة سحرية، لأولئك الذين يفضلون الصباغات المستوردة، على عصير الفاكهة البلدي!" أليس.... يا عبد الرؤوف.؟!" (8) كلما دارت عقارب الساعة إلى الأمام، يضعف أمل عبد الرؤوف في تنفيذ العقوبة. فجأة، يتوقف الزوجان عن الكلام، ينظر كل واحد منهما مندهشاً في عيني الآخر، ليلى التي جف حلقها، تخور قواها، وعبد الرؤوف ــ هو الآخر ــ لم يعد قادراً على التحكم بساعة الصفر..! استبدت به الكآبة، وانتابته حالة من الرجفان.. لما شعر بصعوبة تنفيذ العقوبة، وفق ما كان يشتهيه فأغمض عينيه قليلاً تخيل طيراً خرافياً بمنقار فولاذي معقوف، يثقب مكاناً في جدار الغرفة، ينقره من رقبته، يطير به فوق أزقة المدينة، يلقي به هناك، فوق جذع الزيتونة المقطوعة. لكن الضجيج، الذي انطلق فجأة، أمام باب الشقة الجديدة، أفزع الطير الخرافي، فطار.. طار بعيداً، تلمس عبد الرؤوف ما بين كتفيه، حيث كانت تنتفخ دملة، بشكل منقار طير. (9) اشتد الطرق فوق الباب، لكن أحداً لم يفتحه، ظناً من الأولاد، أن أفراد عصابة الغجري المنتشرين، في كل أحياء المدينة، قد جاؤوا أخيراً إلى حيهم الجديد مبشرين..! أراد أن يقول افتحوا الباب، يا أولاد.. لكن الكلام لم يخرج من حلقه. وليلى، التي ظلت واقفة، كانت تنهد شيئاً فشيئاً، كمثل جدار حقل الرمان، الذي ورثه عن أبيه..! أبعدها من أمامه، مخافة أن يكسر الطارق الباب، رفع من فوق الجدار عصا جده الخيزران، انطلق عبر الموزع، كانت قدماه الحافيتان، لم تزالا مضرجتين، بنزيف دم ليلى، ليلى التي ارتعبت، فوقعت أرضاً، لما رأت الغضب مشتعلاً في عينيه. رمى من يده العصا، عاد كي يرفعها عن الأرض، ويمسح على وجهها، في الوقت الذي انفتح فيه الباب، مندفعاً من خلاله ابنهما (عزيز)، الذي كان يحمل في يده غراس زعرور، وصبار صغيرة.. دهش الوالد، لم يستطع أن يعلق ولا بكلمة واحدة، على ما نطق به ابنه، الذي شرع بتلاوة منطوق الحكم الصادر عن محكمة الأسرة.. *ـ نقرر 1ــ يقوم رب الأسرة بمفرده، بتحضير الحفر المناسبة، على امتداد جدار حديقة المنزل الجديد، وتشجيرها بأغراس الزعرور والصبار. 2ــ ترفع يداه عن الحديقة، عقب الانتهاء من التشجير، ليتولى الأبناء والأحفاد أمر سقايتها، والعناية بها.. وفق برنامج سنوي.. يصدر وفق مقتضيات الحاجة.!" 3ــ تقوم الأم بإعادة ترتيب مكتبة الأب، آخذة بالحسبان: آــ رفع الكتب ذات اللون الواحد إلى أعلى رف من رفوف المكتبة. ب ــ سحب السلم المتحرك من غرفة المكتبة، وحظر استخدامه لأي سبب من الأسباب. 4ــ تقوم الأسرة بدور الرقابة على كل كتاب من لون واحد، يجد طريقاً له إلى البيت.. قراراً مبرماً، صدر وأفهم علناً.! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |