|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
قراءة في أدب جورج سالم.. روايته (في المنفى) ـ أنموذج غربة المثقف ـــ يوسف مصطفى 1 ـ مقدمة: لم أقرا طوال الثلاثين سنة الماضية كتابات تشير لأعمال الأديب الراحل/جورج سالم، ولا لإبداعاته القصصية أو الروائية، أو ترجماته عن الفرنسية.. لم أستغرب ذلك! فالكثير من الأدباء والمبدعين لم يكتب عنهم، ولا عن أعمالهم.. فلم يكتب إلاَّ القليل عن بدوي الجبل، أو نديم محمد، أو هاني الراهب، أو وصفي القرنفلي، أو عبد الله عبد، أو الكثير غيرهم.. وبقيت الإضاءات تسلط على بعضهم كنزار قباني، وحنا مينه، وأخيراً محمد الماغوط وغيرهم، مع تقديري الكبير لإبداعهم. لا أريد الدخول في أسباب ذلك.. لكن أود القول إن المؤسسات الثقافية سواء وزارة الثقافة، ومؤسساتها، كذلك اتحاد الكتاب وفروعه، ودورياته.. بالإضافة لأقسام الآداب في الجامعات، ودراساتها هي جهاتٌ معنيةُ بالسؤال عن هؤلاء الأدباء، وإعادة إحضارهم، وإقامة الدراسات عنهم من خلال الندوات، والمحاضرات، والرسائل الجامعية، وهذه مهمةٌ أدبيةٌ وأخلاقية إنسانية في إعادة استحضار الكثير من الأسماء الأدبية التي رحلت، وغاب ذكرها.. لكن أعمالها، وإبداعاتها هي قائمةٌ وتحتاج إلى الإضاءة عليها، والتعريف بها.. وتكليف الجهات المعنية كبعضِ الكتاب والنقاد بإعداد الدراسات اللازمة لنشرها وإحضارها تعريفاً بها، وتقديراً لدورها.. وأرى أن يتم ذلك من خلال برامج منظمة ولجانٍ تتفقد هؤلاء الأدباء، وتكلف بدراستهم من القادرين، والمهتمين. انتقل لأقول: إن الحديث عن الأديب القاص والروائي والمترجم /جورج سالم/ يعني الحديث عن أحد الأنساق الريادية في القصة في ستينيات القرن العشرين في سورية، هذه النماذج التي أخلصت لفكرها، وثقافتها، ولرؤيتها في الحياة، والتي تعبت، وسهرت، وجهدت في تحصيل معارفها، وتأصيل هذه المعارف بالدأب، والدقة، والمثابرة، وحب المهنة الأدبية والإخلاص لها. ينتمي الراحل /جورج سالم/ إلى جيل أدبي: صعد بجهده، وساعده، ودأبه على القراءة والمطالعة، فلعله من المطالعين الأوائل الذين يقرؤون الساعات الطويلة كل يوم.. ويتابعون كل إنتاجٍ روائي أو قصصي على مستوى الوطن العربي.. وحتى على المستوى العالمي.. كان قادراً على قراءة المؤلف باللغة الفرنسية، وبالتالي ترجمته. أما رحلتنا معه اليوم فهي: مع روايته (في المنفى) والصادرة عن دار /عويدات/في بيروت عام /1962/.. والتي أذكر أنني اشتريتها من مكتبة الزهراء في حلب عام /1965/بمبلغ ثلاث ليراتٍ سورية على ما أذكر. ـ كيف عرفت الأديب جورج سالم؟.. أطل علينا ونحن طلابٌ في السنة الثانية بدار المعلمين بحلب صباح أحد أيام العشر الأخير من أيلول/1963/وكنا في الشعبة الثالثة الدور الأرضي الجناح الشرقي من مبنى الدار في حي الميدان. عرف أنه مدرس اللغة العربية.. قامةٌ نحيلةٌ نسبياً، كان يحلق الحلقة المسماة (الإنكليزية) والشائعة اليوم كثيراً.. يرتدي غالباً أطقماً بين الرمادي، والأسود، أما العلامة المميزة فهي نظارته الطبية ذات الزجاج السميك، والإطار الأسود.. وهناك انحناءة خفيفة في أعلى الظهر.. كان عادياً.. متواضعاً.. مرحاً ويبدو عليه ملمحٌ زهديٌ غير متفائل.. وكأن لديه إحساساً خاصاً بأن الحياة هي رحلة، وأنها بالمحصلة لا شيء.. كان يحكي عن رواية (الشيخ والبحر) لهمنغواي.. وأن رحلة الثمانين يوماً للشيخ هي رحلة العمر، وأن السمكة التي عاد بها وأكلتها الأقراش، ولم يبق سوى عمودها الفقري هي رمز الحياة وأنها منتهية إلى زوالٍ.. سأله بعض الزملاء الطلبة في الصف يوماً سمعنا أنك ستنتقل إلى /ثانوية المأمون/ أجاب ضاحكاً (سأنتقل إلى رحمته تعالى) خرجت منه بلغةٍ يختلط فيها الجد بالمرح لكنها كما ظهر فيما بعد كانت إحساساً يلازمه، وهاجس يعيش في خاطره.. لم أدرك أبعاد هذا الكلام كثيراً حتى رحل باكراً في سبعينيات القرن الماضي ولم أعلم برحيله إلاَّ من صورةٍ له على الصفحة الأولى من ملحق/الثورة الثقافي/والذي كان يشرف عليه الشاعر/محمد عمران/في تلك الفترة. حزنت كثيراً على رحيله ولم أكن أدرك معنى ضرورة التواصل مع هؤلاء المبدعين. وكم كان يمكن أن نستفيد منهم ومن تجربتهم. روايته في المنفى مهداة إلى (ل) ولا أدري إن كانت هذه /اللام/ هي زوجته/ليلى صايا سالم/الأديبة، والكاتبة المعروفة.. أما الصفحة الثانية بعد الإهداء فهي نص للأديب الفرنسي الكبير/باسكال/ يصف فيه المشهد البشري بأناس مكبلين يعدم بعضهم كل يوم أمام بعضهم الحي الآخر الذي ينتظر دوره وفي نهاية النص جملة تقول (هذه هي صورة الوضع البشري).. باسكال. 2 ـ عرض موجز لفصول الرواية: ـ يبدأ نص الرواية/ص9/بقول الكاتب (كان المطر يتساقط بغزارة فوق الأرض الترابية، فتلتهم قسماً منه، وترسل قسماً آخر رذاذاً يتناثر هنا وهناك، وكانت الريح شديدة تعصف بالمارة، وتلفح ثيابهم، وقطرات المطر التي لا لون لها تتصل على مدى البصر بغيوم سود داكنة، تحجب شمس الشتاء، وتحيل ضوء النهار إلى ضوء رمادي معتم). بهذا الوصف الجميل تطل رواية (في المنفى) للأديب الروائي (جورج سالم).. بهذا المشهد الرمادي، والجو العاصف يصل معلم القرية إلى البلدة التي عين فيها معلماً.. يقف المعلم وسط الشارع ليتأمل معالم البلدة فيجدها أصغر مما وصفت له.. فهي شارعان كبيران يتصالبان عند الساحة العامة الواسعة.. مخازن صغيرة تلتصق ببعضها.. البضائع تطل برؤوسها من المخازن.. أما الساعة البيضاء القائمة في أول الشارع الكبير. فقد كانت تشير إلى الواحدة.. كان الطريق طويلاً إلى البلدة المقطوعة عن العالم (والمنزوية في منبسطٍ من الأرض لا تحدها حدودٌ). في محاولة قراءة فضاء هذا المطلع الروائي نجد البلدة بعيدةً ونائيةً عن أقرب مدينة إليها.. ثم هي في منبسط من الأرض لا يبدو في المشاهد قرى أو حراك سكني مجاور لهذه البلدة، ثم إنَّ لحظة وصول المعلم إلى هذه البلدة وسط هذا الجو الماطر والداكن.. ينبئ بزمنٍ آفاقه مغلقة، وسواده حاصلٌ، وأناسه معزولون عن الآخرين ويعيشون حياتهم برتابةٍ ألفوها واستكانوا لها، ولقواها الاجتماعية القائمة في هذا المعزل البشري الصغير، كذلك يوحي ابتعاد القرية عن أي جوارٍ سكني لبلدةٍ أو لقريةٍ أخرى يوحي بغربة المكان، وانعزاله، وقلة انفتاحه وبعده عن العلاقات الاجتماعية والتواصل الإنساني. في حوار المعلم مع/صاحب المقهى/القائم في الزاوية اليمنى من الساحة العامة كان المقهى خالياً وصاحب المقهى رجل ضخم الجسم عرفه أنه المعلم الجديد قائلاً له: (ليس في بلدتنا من أسرار وليس فيها من غريب سوى المعلم).. أما بقية الموظفين فهم من أبناء البلدة.. كما أخبره أنه بديل للمعلم الكهل الذي توفي منذ حوالي الشهر، وأخبره أن غرفته جاهزة في نهاية الشارع، وقد كانت لسلفة المعلم المتوفى.. أضاف صاحب المقهى (كان بودي أن أقدم لك فنجان قهوة أو كأساً من الشاي). سُر المعلم لهذا العرض لأن البرد كان قد جمد أطرافه.. لكن صاحب المقهى اعتذر عن تقديم كأس الشاي بسبب ذهاب خادم المقهى إلى بيت/الحاكم/ليقضي له أمور البيت على عادته كل صباح. ـ قدَّم المؤلف مستوى ثانياً في غربة هذا المعلم.. فصاحب المقهى لم يدعه إلى الجلوس وبقيت محفظتاه في يديه، واعتذر عن ضيافته كأس الشاي بحجة غياب خادم المقهى، وهنا يبدأ حاجز اغترابي ثان بعد الحاجز الأول الذي هو بُعد المكان، ونأي البلدة أقول: إذا كان النسق الاغترابي الأول سببه بعد المكان، وهو مسألة جغرافية طبيعية رغم إيقاعها النفسي ومساحة الغربة التي ستتركها في نفس المعلم.. فإن لقاءه مع صاحب المقهى هو الصدمة الاجتماعية الأولى مع النمط السكاني لهذه البلدة فلم يدعه إلى الجلوس، ولم يسقه كأساً من الشاي، وأخبره مباشرة أنه (الغريب الوحيد) في البلدة، وأن باقي موظفيها هم من سكانها الأصليين. نحن نعلم معنى الكلمة الطيبة في الاستقبال والتي لم يلقها كما يجب من صاحب المقهى، كما نعلم معنى الضيافة وقيمتها كمظهر كرم وتقدير، واحترام للضيف، وقد حرمها المعلم أيضاً.. ثم كم هي جميلة ومواسية كلمات التشجيع مثلاً: أنت بين أهلك ومحبيك، والتي جاء عكسها على لسان صاحب المقهى (أنت الغريب الوحيد في البلدة). ذهب المعلم إلى الغرفة المخصصة له، وجلس على كرسيها القديم، وأخرج من جيبه قرار تعينيه ليقرأه للمرة العشرين.. أحس المعلم (بثقل ينوء على نفسه.. أهي الغربة؟!.. أم الوحدة؟!.. أم هذه البلدة النائية التائهة فوق الأرض؟!..). يصف الروائي مشهد المعلم وحيداً في غرفته: (شعر أنه سجين في سجن لا يعرفه، ولا يعرف سبباً لوجوده فيه، واستدار فلم يجد حوله إلا جدران الغرفة، وكل ثقب فيها عينٌ تسخر منه.. كاد يصرخ لكنه تجلد قليلاً، وأراح يديه المتعبتين على ركبتيه كأنه يحنو على ذاته، ويدفع بمنكبيه غربةً قاسيةً لم يعتد عليها). المستوى الاغترابي هنا هو وحدةُ المعلم في غرفته، وبدء نوع من الإحساس الداخلي، والتداعيات الحزينة، وارتفاع المستوى القلقي لدرجة أنه كاد يصرخ.. بمعنى تسرب بعض الفصام لديه، واختلاط الأشياء، والهبوط في سقف تماسك داخله النفسي.. وهذا مستوى اغترابي متقدم أيضاً في غربة الذات الإنسانية عن محيطها. ـ الفصل الثاني من الجزء الأول/ص 15/من الرواية: في هذا الفصل يتحول المقهى النهاري إلى ملهىً ليلي ترتاده نخبة الطبقة الاجتماعية في البلدة بعد التاسعة مساءً حيث يغادره رواده في الثامنة مساءً، ويتحول إلى ملهى ليلي ترتاده الفئة المهيمنة على أمور البلدة، وتشمل هذه الفئة كما تقول الرواية: قاضي البلدة، والطبيب، والصيدلي، وتاجرين كبيرين، والمزارعين الثلاثة الذين يملكون الأراضي الزراعية الممتدة على ضفة النهر، وعدداً من كبار الموظفين، وأتباع الحاكم الذي يصرف أمور البلدة. تأتي المطربة الراقصة، ويسهرون على غنائها، ورقصها، وعريها.. وفي اليوم المخصص لزيارة الحاكم للملهى يغادرون جميعاً ليبقى الحاكم مع المغنية دون أن يراه أحد، فهو يأتي سراً ويصطحب المغنية إلى غرفتها على سطح المقهى ويغادرها في الرابعة صباحاً. ـ يقول المؤلف: (كان الصمت يغلف أعمال الحاكم وتصرفاته في غرفة المغنية السمراء، وليس من يدري أية مشيئة جعلت المغنية سمراء البشرة، ملساء الجسم.. هل لحياة الليل التي تعيشها أثرٌ في ذلك؟!.. أم أن شهوة الحاكم قد جعلت جسدها كما يرغب؟!). المفارقة الكبيرة أن المغنية التي تمارس طقوسها الأسبوعية مع الحاكم (لم تسمع صوته قط، ولا عرفت نبرة صوته، ولا استبانت خطاً من ملامح وجهه.. كانت تسمع زفيره فقط.. زفير عاصفة عاتية تكتسح صحراء قاحلة في ليلة موحشة صرصر). ولطالما رغبت أن تسأل الحاكم، وتحدثه، وهو يعبث بجسدها لكن وصية أمها المغنية السابقة كانت في أذنها، ووعيها (إذا كنت حريصةً على أن تعيشي حياةً طويلةً فالزمي الصمت، الصمت المطبق).. هكذا أوصتها أمها. ـ قدَّم هذا الفصل من الرواية مجتمعاً طبقياً هو قائم في السائد الاجتماعي، وفي مراحل مختلفة. فيه تتحالف القوى الطبقية الغنية من تجار وكبار الموظفين، وبعض أطراف السلطات الإدارية، والقضائية لتشكل نسقاً مصلحياً له عوالمه، وتجارته وحصصه، وسهراته، وسفره، ولهوه، وسريته لعدم كشف قضاياه ومسائله، ومصالحه.. وهكذا يمضي طقوسه وملاذه.. ـ يركز المؤلف على/ظاهرة الصمت/لدرجة أن المغنية لا تجرؤ على التحدث مع الحاكم الذي يداعب جسدها ليلاً ويمضي معها الساعات تحت جنح الظلام دون أن تستطيع التعرف على وجهه.. بل تحس نهمه الجنسي، وزفير شهواته القوية. ـ في هذا المشهد من الرواية يقدم المؤلف نمطاً سلوكياً/للحاكم/المتخفي الذي يصر أن لا يعرف شيء عنه.. كي تبقى له هيبته. حتى خلواته العاطفية يسودها الصمت.. وهي المكان الذي يبوح به الإنسان بما في أعماقه حيث يطغى عامل الشك، والحذر من الجميع، والشعور بالارتقاء فوق الجميع.. وبالتالي تغيب الشفافية، والوضوح.. كي تبقى هيبة الحاكم.. بالنسبة لانضمام الطبيب، والصيدلي وهما نمط ثقافي ينتمي للطبقات الوسطى التي تشكل الحامل الاجتماعي في أي تغيير نهوضي تنويري.. في تقديري هنا حصلت الخيانة الطبقية لدور المثقف الذي التحق بطبقة الإقطاع، والسلطة، وغاب عن دوره التنويري الجماهيري.. والخيانة الطبقية والفكرية واردة لدى الكثير من المثقفين أمام المغريات المادية، ومحاولات احتواء هذه القوى وبالتالي توظيفها في مديح السلطة، والدفاع عن سياساتها. ـ في الفصل الثالث من القسم الأول يتحدث الكاتب بلسان معلم القرية عن النهر المجاور للقرية وعن رتابة مائه وجريانه، وعن المطعم الصغير في البلدة ووجباته المألوفة، وصحونه الفخارية، وعن ساعة الساحة الرئيسية ودقاتها، وكيف تنظم شؤون الناس فعلى دقاتها تفتح المخازن، وتغلق، وتبدأ الدراسة وتنتهي، ويتمنى المعلم أن يستطيع زيارة الناس والتعرف عليهم في بيوتهم، وأحاديثهم لكن ذلك مستحيل فكل مغلق لمنزله ومنطوٍ على نفسه، حتى أهل التلاميذ لا يراجعون المعلم، ولا يسألون عن أبنائهم. ـ يشير المعلم إلى تعرفه على مكتبة القرية، وإلى الغبار الذي يملأ رفوفها، ويتحدث عن قيم المكتبة العجوز الذي لا يسمع، ولا يمكن مخاطبته إلاَّ بالكتابة، ينتقي المعلم بعض الكتب ويريد تسجيلها فيجيبه العجوز بابتسامةٍ هزيلة (لا حاجة لذلك فلن يستطيع أحد أن يمضي بالكتب بعيداً).. وعندما حاول المعلم الحديث معه وسؤاله أجابه العجوز (أعرف أنك تحب أن تكلم كثيراً، وأن تسأل كثيراً، ولكني أقول لك بإخلاصٍ، وأنت على عتبة عالمنا، لا حاجة إلى الأسئلة، خُذ الكتب، وامضي بها، وإذا انتهيت من قراءتها فعد وخذ غيرها). وجد المعلم في هذه الكتب مجالاً لقضاء وقته،وهكذا أصبح يمضي وقته بين التعليم، والقراءة، والتجوال قريباً من النهر (ذي المجرى الهادئ الثابت بمسيره المنتظم الأبدي في انتظامه). ـ تابع المؤلف في هذا الفصل الحديث عن الرتابة في هذه البلدة، فحركة النهر رتيبة هادئة، ووجبات المطعم رتيبة مكررة معروفة كل يوم، وساعة الساحة رتيبة بدقاتها، حيث تنظم أعمال الناس، وأبواب الناس مغلقة، وأفواههم لا تنطق إلاَّ بالحد الأدنى، حتى أهل التلاميذ لا يسألون عن أبنائهم، والمعلمون من البلدة يحملون طبائع أهل البلدة بانطوائهم وقلة كلامهم.. أما مكتبة البلدة فهي مليئة بالغبار ولا من يستعير أو يزور، وقيمها كما يبدو كبير السن لا يسمع، وكلامه قليل أيضاً.. وهو مفترضٌ أن يكون رمز الثقافة وحراكها.. وأن يكون مثقفاً للناس ومحدثاً لهم. ـ يعيد الكاتب تقديم مجتمع مغلق، غير منفتح. هو مجتمع رتيب يسوده الصمت، والانعزال، وكلٌ في شأنه وبيته، وقد استسلم لواقعه هذا، والمفارقة الكبيرة حتى الآن هو خلو المجتمع من الاستثناء ومن النماذج المنفتحة الطامحة للخروج من الرتابة، والراغبة في إحداث تغيير ولو نسبي في رتابة هذا /الساكن الاجتماعي/.. هل هو الخوف؟ أم اليأس الذي ألغى أي أملٍ، أو حراكٍ، أو رغبةٍ في التغيير والتنوير؟! سؤالٌ هو برسم الرّواية التي قدمت مساحةً مغلقةً ودوائر اجتماعية محكمةً، وأنماطاً إنسانيةً مقموعة، تعيش لحاجاتٍ يومها مستسلمةٌ لواقعها؟!. ـ في الفصل الرابع ص/31/يدور حديثٌ ولأول مرة بين صاحب المقهى، وبين المعلم، سأله صاحب المقهى: (آمل أن تكون قد تآلفت مع جوِّ البلدة؟) أجابه المعلم (لم أأتلفْ.. ولن أأتلف أبد الدهر).. عند ذلك قال له صاحب المقهى هذا أعرفه.. حتى معلمو البلدة من أهلها هم في هذا الوضع، كلٌ منهم غريب عن الآخر.. (أما ما أقصده فهو تآلفك مع الجو، والطعام، والشراب هذا كل ما في الأمر؟!).. ونصحه بأن يستمع إلى ما يقوله النهر، والسهول!.. (استمع إذن إلى الصمت اصغِ إلى صمتها فقد تجد فيه من المعاني ما لا يقدمها لك الراديو).. النصيحة بالصمت هي التي قدمها صاحب المقهى.. وكأنه يقول لـه هذا أفضل لسلامتك، وراحتك،.. أما ما خطر في بال المعلم فهي أخته البعيدة عنه، وربما كانت الأنموذج الإنساني المحب الوفي الذي يبحث عنه، ولن يجده، بسبب بعد المسافة. ـ في الفصل الخامس ص/39/.. لقاء المعلم مع أحد تلاميذه الذي كان يلعب بالرمل على شاطئ نهر القرية، ومحاورته. إجابات التلميذ القليلة، ومحاولة تهربه من الحوار.. يوحي ذلك بالخوف الذي يُسيطر حتى على الصغار في مسألة الكلام، أو الاتصال ببعضهم، أو بالآخر القريب.. لقد خاف الفتى عندما سأله المعلم: (والحاكم هل تعرفه؟..) أجاب الطفل (ما شأننا به، يجب ألاّ نتحدث عنه، بهذا أوصانا أهلنا) ص /45/. ـ يشير الفصل الخامس إلى أن الكثير من القضايا نتعلمها من الصغار، وأن بعضهم (حكماء صغار).. وأن العبقرية ليست بالعمر بل بالعطاء. 3 ـ المرحلة الثانية: الانتقال الدرامي في أحداث الرواية: ـ في الفصل السادس ص /47/ تسلل المعلم إلى الملهى بعد العاشرة ليلاً، جلس في مدخل الملهى حضر سهرةً غنائية لمغنية الملهى.. انصرف قبل الحضور كي لا يعرف به أحدٌ. علم به صاحب الملهى.. لم يرد إحراجه أو لفت النظر إليه، انزعج صاحب المقهى من حضوره، وفي اليوم التالي نبهه وحذره من الحضور، وأن الحاكم لا يرضى رغم التعاطف الذي شعر به صاحب المقهى من المغنية تجاه المعلم ورغبتها في السماح له.. لكن أفهمها أن ذلك ممنوعٌ ومحذوره كبيرٌ. ـ في الفصل السابع ص /59/: يستسلم المعلم لنداء داخله برغبة رؤية المغنية ثانيةً، حيث أحس رغبتها في ذلك، ووجد في صوتها، ونظراتها متنفساً لغربته، كما أحس ميلها صوبه، وقد أيقظت عالماً ظنه غائباً ومنتهياً.. في نفسه. يغامر ويذهب إلى المقهى للمرة الثانية مساءً وقبل حضور الزبائن المعتادين والمألوفين.. وجد المغنية تتناول عشاءها. حاول صاحب المقهى إخراجه لكنّ المغنية أبقته ودعته إلى الطعام فجلس أمامها. أحس صاحب المقهى أن كل شيء قد انتهى. خاف صاحب المقهى من نتائج ذلك.. تحادثت مع المعلم.. أبلغته سأمها من هذه الحياة ومن هؤلاء الناس.. وأنهم بالنسبة لها كالطاولات في المقهى.. أخبرته بغربتها ووحدتها وأنها تعاني ما يعانيه هو من وحدةٍ وغربة.. اطمأن المعلم بلقاء إنسان يحسُّ بذات ما في داخله، ويعيش نفس غربته، وعندما سألها عن صفوة القوم؟! أجابت: (ليس يهمني أمرها.. أنت تأتي متى تشاء.. إنني أرغب في رؤيتك، وأتمنى أن أراك دائماً. لقد لبثت أبحث منذ مجيئي إلى هذه البلدة عن إنسانٍ يخفف غربتي فلم أعثر عليه.. وها أنذا أجدك اليوم!). شكل حضور المعلم في سهرة المقهى إزعاجاً، واستغراباً من الحضور.. استفسر الطبيب من خادم المقهى عن هذا الغريب، ومن أحضره.. أجاب صاحب المقهى أن المغنية هي التي استبقته.. عرف الجميع أن المغنية هي التي استبقت المعلم. أحسّ أهل المقهى أن سهرتهم ليست كباقي السهرات.. لقد نغص هذا الغريب عليهم أمنهم واستقرارهم.. كان المعلم يشعر أن المغنية تغني له وحده. بدأ الهمس: كيف سيقضون على هذا الغريب؟؟!.. ـ في الفصل الثامن ص /68/: اعترى القلق المعلم فقد سرى خبر سهرته في الملهى في كل البلدة سمعه قيم المكتبة، وقرأه في عيني صاحب المطعم وزوجته، سمع صوت الطاهية في المطعم تردد ما قاله المزارع المالك لزميله (لابدّ من تطهير البلدة من هذا الرجس!!) أمام هذا القلق وإذ يطرق بابه.. وإذا المغنية قادمة إليه، رآها في معالم جميلة وجهاً، وقامةً، ولباساً، يختلف عن صورتها في المقهى، أبدت رغبتها بزيارته، وشوقها إليه، وانتصار هذه الرغبة في هذه الزيارة.. وطمأنته أنها لجانبه، وأنها تدري ما يحدث في البلدة.. حدثها عن نفسه، وعن حياته، وعن طفولته، وأنه لم يبق من أهله وأقربائه سوى أخته.. أيضاً هي حدثته عن وحدتها، وكآبتها، وظروفها والزيارة الأسبوعية للحاكم لها في غرفتها على سطح المقهى، كانت بحاجةٍ إلى إنسان تبثه همومها. تمنت عليه القدوم دائماً للملهى.. طالت الزيارة.. وتأخر نزول المغنية للملهى تلك الليلة.. أدرك الجميع أن هناك شيئاً جديداً.. أحسُّوا أن المغنية لم تكن تغني لهم.. ولم تكن ترقص لهم.. التفتوا إلى المعلم الغريب، ورموه بنظرات الحقد، خامرهم شعورٌ أنهم أصبحوا الغرباء في الملهى. ـ في الفصل التاسع ص /75/: يتحدث الكاتب عن التبدل الذي حصل في حياة المعلم بعد تعرفه على المغنية، لقد ضعف إحساسه بالغربة، وأصبح قلبه عامراً بحب عميق.. أصبح يحب غرفته بعد زيارتها له.. أصبح للكرسي البالي معنىً في نفسه بعد أن جلست عليه، ورتابة النهر أصبح لها معنى، بعد أن مشى معها على ضفافه، لقد أحب المعلم، وطرح عنه ثوب الغربة. حتى أداؤه التعليمي أصبح أكثر نشاطاً.. اقتربت المغنية أكثر منه، وتكررت زياراتها له، جلست إلى جانبه.. داعب شعرها وعنقها، أحاطت ذراعه بظهرها.. بادلها الأحاديث، خصوصاً امتعاض الجميع منه، أخبرته أنها تختصر الأغاني، والسهرة أيضاً عندما لا يكون حاضراً. صارحته أن تعرفها عليه (أعطاها أملاً بالخلاص).. قالت: لابد أن نترك البلدة لنعيش في مكانٍ آخر. ـ الفصل العاشر /ص 79/: يتحدث هذا الفصل عن غرق طفلٍ من أطفال المدرسة في نهر القرية وهو من التلاميذ المتفوقين، وما أحدثه ذلك من ضجيجٍ في القرية، كان هذا الطفل قريباً إلى قلب المعلم، وكان يسير وإياه يتنزهان أحياناً على ضفاف النهر.. قال المعلم: (لقد آلمني موت هذا الفتى كثيراً.. وزفر زفرةً حارةً وهو يقول: (إني لأرى في هذا الحادث نذير شؤم!؟).. حاولت المغنية التخفيف من ألمه وضيقه فلم تلفح.. أخبرها عمها صاحب المقهى أن موت الطفل سيكون له آثار سيئة. ـ لم يغلق المقهى يوم موت الطفل.. بل كان رواده أكثر صخباً، وأكثر شرباً وسكراً، حتى كادت الآلات الموسيقية تتحطم.. كان مقعد المعلم خالياً.. كانت جماعة الملهى تتغامز فيما بينها.. كان صوت المغنية في تلك الليلة متهدجاً.. باهتاً، وحركاتها فاقدة لحريتها وانطلاقها. أغفى المعلم جفنيه بعد قلقٍ، وتعبٍ، وسهرٍ طويل. ـ المفاجأة الكبيرة في هذا الفصل أن الملهى لم يغلق احتراماً لموت الطفل.. وأن حادثةً إنسانيةً بهذا الحجم (موت طفل).. لم تثر شيئاً عند الطبقة الخاصة في هذه البلدة.. وتابعت سهرها وملذاتها.. وهنا يقدم المؤلف نمطاً استهلاكياً تعيشه هذه الطبقة وبالتالي فموت طفلٍ، أو جوع مثقفٍ، وحصاره.. أو هموم الفقراء، والمحتاجين ليس في بالها.. بل هي في عوالمها المخملية، والمادية. ـ الطبقة الاجتماعية التي قدمتها الرواية هي طبقة ذات ذهنية إقطاعية، وهي لا تنتمي لفئة البورجوازية المتنورة.. بل الإقطاع المتخلف المحافظ.. وان وجود الطبيب، والصيدلي، وربما القاضي لم يضف شيئاً لهذا المجتمع ولم يجعله أكثر انفتاحاً.. السبب خروج الفئة المثقفة عن دورها لاندماجها في السائد الاجتماعي سلامةً لها ولمصالحها ولأن إرادة الحاكم في البلدة هي مع الثبات، وعدم التغيير، مع الصمت وعدم الكلام، مع الرتابة وعدم التجديد، وبالتالي مع كل هذا.. خوفاً من التغيير الذي قد يؤدي بهذه السلطة.. حال أن يخترق هذا الساكن الاجتماعي، وبالتالي يتمرد عليه. 4 ـ القسم الثاني من الرواية: (الذروات التراجيدية في حياة المعلم بطل الرواية): ـ الفصل الأول: /ص 87/: يبدأ الفصل بقول الجنديين المقتحمين لغرفته (أنت موقوف).. بعدها قاداه إلى السجن، المفارقة أن السجن هو في الأساس معبدٌ قديمٌ في القرية. عثر على لوح خشبي جلس عليه.. بدأت التداعيات، والهواجس، ومئات الخواطر تمر في مخيلته. لا يذكر أنه أخطأ، أو قصر في واجبه، فكر بالمغنية، وافترض مسألة الحب مسألةً شخصيةً، والمغنية حرةً فيمن تحب، وهو لم يحرم جماعة الملهى السهر والغناء ورقص المغنية، هل زيارته لها أو زيارتها له يشكل خرقاً؟؟!.. ألم يحبها الآخرون وقد سهروا معها؟!.. تذكر أخته الوحيدة وهل سيراها. راودته خواطر، وأحلام، وكوابيس، حاول أن يستبعد السيئ منها. يبدأ هذا الفصل بالخطاب المرعب (أنت موقوفٌ).. وما تحمله هذه الكلمات من خوفٍ، وسلطةٍ، وتسلطٍ، ومفاجأة وغياب الحدِّ الأدنى من الخطاب الإنساني، أمّا مكان التوقيف فهو مرعب، ولا أحد يزوره، أو يسمح له بزيارته، لا قريب، ولا صديق له.. أما تذكر أخته فالأخت رمز الحنان.. وكم هو سعيدٌ لو عاد لأحضانها إنَّها رمز الأمِّ هنا. ـ في تقديري وقع المعلم في سوء التقدير عندما افترض أنه يستطيع الدخول في عوالم لا يسمح له بدخولها.. خصوصاً وأن بعض أطرافها هي قوى اجتماعيةٌ، وسلطةٌ، بما فيها حاكم البلدة. هذه الاقتحامية أملتها رغبته في الخروج من عزلته، وربما كبته ومعاناته والذي وجد موقعاً له عند المغنية.. ثم هناك الإشارات الواضحة التي وصلته من صاحب المطعم، وقيِّم المكتبة، وجوِّ القرية العام المغلق، والمعزول.. فقد غامر بنفسه، ودخل عالماً ليس له.. مستسلماً لثقافة إيمانه بالحرية، وحقه في الحياة.. ناسياً ما قد يلقاه.. لقد أقدم على مغامرة لا تحمد عقباها. ـ القسم الثاني من الرِّواية الفصل الثاني: ص /94/.. في هذا الفصل يأتي قاضي التحقيق إلى السجن ليأخذ إفادة المعلم.. كانت إفادةً شكليةً تضمنت ما يلي: أأنت الغريب الذي جاء للبلدة أول العام؟ كم عمرك؟ ما عملك؟ اكتفى القاضي بذلك.. حاول المعلم مناقشته وسط دهشته، وجنونه من هذا التحقيق، سائلاً: أية تهمة وجهت إليَّ؟. أجابه القاضي متهمٌ بقتل تلميذك الفتى الصغير؟ كاد المعلم يُصعق.. ولكن من أدانني ومتى حوكمت؟ أجاب القاضي: لقد أدانتك البلدة كلها معاً، وحُوكمت، وحكم عليك يوم وطئت أرض هذه البلدة.. لقد كنت صديقاً لهذا الطفل، وكنت توده.. ألم تسر مع الفتى في جانب النهر..؟!. أنت الذي شجعت الفتى للاقتراب من النهر.. لم تسرع لإنقاذه.. لم تحضر دفنه ولم تعزِّ أهله.. أجاب المعلم: كنت في غرفتي، وأنا غريب أجهل سكان البلدة.. ثم إنك لم تذهب للملهى تلك الليلة!. أجاب المعلم كنت حزيناً قال القاضي.. لكنَّ حزنك لم يمنعك من تقبيل المغنية في غرفتك.. هنا أُسقط في يد المعلم.. ولم يعرف بماذا يجيب.. شعر المعلم أنَّه يرتجف، ويكاد يختنق.. لم يكن يقدر أنَّ عقابه الموت، وبذنب لم يقترفه.. قال المعلم: كنت أتمنى أن يحكم علي بغير الموت، بالسجن مثلاً.. أو بنقلي إلى بلدةٍ أخرى.. أجاب القاضي.. لا فرق بين سجنٍ يمتدُّ سنواتٍ قليلةً، وسجنٍ يمتدُّ سنواتٍ طويلةً.. أما نقلك فلن يفيدك. كلُّ البلاد سواءٌ، أليس كذلك؟!. ـ في حوارية المعلم مع القاضي يتجلى كيف تصدر الأحكام.. وكيف تغيَّب العدالة، وكيف يغيَّب حقُّ الدفاع.. ويقدم أنموذجاً للمسافة بين حلم المعلم ومنطقه وبين طبيعة العلاقة القائمة في وضع البلدة وآلية حكمها.. تظهر المفارقة بين المنطقين.. منطق المعلم كأنموذجٍ اجتماعيٍّ منفتح، ومنطق الاستبداد.. وكيف يفكر الحاكم فيه. ـ القسم الثاني.. الفصل الثالث ص /102/: تقوم المغنية بزيارته في السجن.. تبادل الأحاديث معها أظهرت ألمها على ما حلَّ به.. تبادل العواطف معها.. دار بينهما حوارٌ.. قالت المغنية ((هل تدري أن المغنية التي كانوا يعرفونها قد ماتت، ودفنت إلى الأبد.. وأنَّ مغنية جديدة كئيبةً لن تعرف الفرح الحقيقيَّ بعد اليوم قد ماتت على أنقاضها.. لقد جئت ذات يومٍ لتوقظ نفسي المغلقة، وهكذا تفتحت نفسي للمحبة الصحيحة العميقة التي ما عرفَتها قطُّ.. وما كان ذلك إلاَّ حلماً قصيراً جميلاً.. أيها الغريب لماذا أتيت توقظ قلبي!؟.)) نصٌّ تعبيريٌّ متقدمٌ يدل هو والكثير غيره من النصوص على اللغة المتقدمة وعلى الأسلوبية السهلة لدى الكاتب.. أخبرته المغنية بالجهود التي بذلتها لإنقاذه يجيبها لا حاجة إلى ذلك فالقضية منتهية.. كان المعلم في خوفٍ من الموت، وكانت المغنية في خوفٍ من العودة للوحدة القاسية، بكت المغنية، تذكرت كيف ماتت أمها؟! ماذا لو مات عمها صاحب المقهى؟!.. حاول المعلم التهدئة من بكائها قائلاًَ: لقد جئت مُكرهاً إلى هذه البلدة.. وهكذا سأذهب مرغماً عنها.. انتهت الزيارة بقبلةٍ طويلةٍ.. قطعتها أوامر /الجنديين/ بانتهاء الزِّيارة.. وإغلاق باب السجن. ـ القسم الثاني: الفصل الرابع ص/110/: لم يزر الحاكم المغنية فترةَ وجود المعلم في السجن، كانت تنوي الطلب من الحاكم العفو عنه، ومناقشته في وضعه.. حاولت زيارة الحاكم في قصره لكنه لم يقابلها.. وأبلغها عن طريق الجندي أن لا تتدخل في شؤون لا تعنيها.. عادت المغنية منكسرة القلب حسيرةً: (أهكذا يعاملها الحاكم؟ وقد أنَّ كلُّ جزءٍ من جسدها تحت وطأته ساعات..!!). زارت بعدها منزل القاضي.. حاولت مناقشته بأمر المعلم.. أفهمها أنَّ كلَّ شيء قد انتهى.. وأنَّه لا يستطيع أن يفعل شيئاً ولو كان يستطيع لساعدها.. سألته.. وهل سيموت حقاً؟.. أجابها بحرقة: (أجل سيموت وسيسحق كما يسحق الصرصار).. غادرت المغنية. دخل القاضي غرفته وهو يقول: (ومن يدري.. لعل البلدة تريد أن تقتله لأنه بريءٌ فعلاً؟!). في هذا الفصل يبدو بيت القاضي من دون حراسةٍ.. كما يبدو القاضي مغلوباً على أمره فهناك مشيئة الحاكم، والقاضي غير قادرٍ على فعل شيء.. وعلى ما يبدو يحمل القاضي بعض الضمير والوجدانية.. ولكنه جزءٌ من حالةٍ عامةٍ لا يستطيع مقاومتها. 5 ـ خاتمة الرواية: ـ القسم الثاني.. الفصل الخامس ص /118/ في هذا الفصل يستيقظ المعلم من حلمٍ جميلٍ بسبب سقوط صخرة بجانبه.. يصرخ أنا عطشان ظناً منه أن جندييِّ الحراسة سيعطيانه الماء.. لكن لم يلبِّ نداءه أحدٌ.. ولم يردَّ أحدٌ على صراخه. بدأت النهاية المفجعة حيث بدأ سقوط الصخور عليه من النوافذ، والكوى التي لم يكن قد رآها قط.. حاول تجنبها.. لكن أدرك أن لا سبيل للهرب منها.. سقطت واحدةٌ على رجله.. وأخرى على يده.. (وراح يهيم في محبسه كحيوان مذعور مُثار).. توالى سقوط الصخور عليه تلوى من الألم، والدماء تنزف منه.. استمر سقوط الصخور ساعاتٍ، وهو يرزحُ تحتها.. لفظ أنفاسه الأخيرة (لقد تمَّ كلُّ شيء).. امتلأت جراحه بفتات الصخور.. (وسيطر على المكان الظلام الأبدي الجديد).. ـ الميتةُ مريعةٌ.. لقد مات رجماً.. لم يسق الماء قبل موته.. وحيداً.. المكان مظلمٌ.. لا أهل ولا مشيعين.. لا من يعزي.. ولا من يعزى لا ذكر، ولا من يذكر.. هو منسيٌّ.. مشهدٌ تراجيديٌ مختلطٌ ومأساويٌ.. ومأساةٌ إنسانيةٌ كبيرةٌ بدون ذنب.. سوى تجربة حبٍّ.. متواضعةٍ.. كانت بعمر الزهور. ـ القسم الثاني ـ الفصل السادس: ص /122/ نهاية المأساة: يفتش الجنديان غرفة المعلم.. وتُؤخذ ثياب المعلم ليتقاسمها الجنديان.. أمّا كتاب تعييه معلماً فقد أرسله الحاكم للجهات المعنية مع إعلام بموته.. قال صاحب المقهى: (إذن هذا كلُّ ما يمثل المعلم: (ورقة تعيينه، ورقة نعيِّه).. (ليته أشار إلى ما جرى بين تلك البداية وتلك النهاية.. قليلٌ من الحبِّ، وكثيرٌ من الألم).. قاطع القاضي سهرات الملهى.. بقي مكان جلوس المعلم في الملهى شبحاً يلاحق الجميع.. يختم المؤلف: (تابع النهر سيره الممل المألوف.. عادت المغنية تقضي نهارها سجينةً في غرفتها، كانت تجهش بالبكاء وتنبجس الدموع من عينيها حارةً سخيةً، لم يكن يسيطر على البلدة إلاَّ الهدوء المعروف، والرتابة المعهودة.. الشمس تشرق وتغيب، ساعة البلدة تحرك عقاربها تحدد مواعيد عمل الناس وشؤونهم). 6 ـ مقاربةً نقديةً في فضاء الرِّواية، ومحمولها الاجتماعيِّ الفلسفيِّ: ـ السمة العامة للرواية وهي سمة /تراجيدية/ حزينة، وهي تمثل مأساة المثقف، وغربته الدائمة، ومستويات هذه الغربة، ودوائرها المغلقة، فنسق الغربة الذي قدمته الرواية نسقٌ متنامٍ فمن حصار إلى حصارٍ، ومن دائرة نفي إلى دائرةٍ أخرى.. فالمعلم في متواليةٍ من دوائر الاغتراب، والنفيِّ. ليس النفسيِّ فقط.. لكن الجسدي من حيث السفر، والتعب، والبرد، ونأيُّ المسافة، والوحدة، وغير ذلك هذا المستوى الاغترابي ليس ظاهرةً فرديةً بل هو حالةٌ عامةٌ، وتصل مستوى العالمية، وكم من فئات التنوير، والتّميز راحت ضحية ثقافتها، ومعرفتها، وأدائها من الحلاج، إلى ابن رشدٍ، إلى كوبر نيكوس إلى الكثيرين. ـ قدمت الرّواية مجتمعاً مغلقاً آثر الصمت، والسكينة، ولقمة العيش، والتسليم بالواقع، والاستكانة له.. قبل كلَّ ذلك خوفاً، وطلباً للسلامة، وخشيةً من بطش الحاكم.. لكن المفارقة الكبيرة أن تخلو البلدة من أفراد، أو جماعاتٍ تحمل أفكار التنوير، والتغيير، والخروج من الحالة السّاكنة.. وهذا تعبيرٌ عن مستوى خشية الناس من بعضهم، وعدم ثقتهم ببعضهم فكلٌّ يخاف الآخر. ـ إنَّ حلم المعلم، وتوقه لحياةٍ جديدةٍ تكسرُ رتابة هذا المألوف، والسَّاكن الاجتماعي جعلته يقدم على مغامرة حبِّ المغنية، وبالتالي إثارة نقمة النخبة الغنية في البلدة عليه، مما أدى لاستهدافه وما آل مصيره إليه. ـ لا شك أن المجتمع الذي قدمته الرّواية هو مجتمعٌ طبقي، وهو ينتمي لمرحلة ما يسمى /الإقطاعية/ في التقسيم الزمني لمراحل تطور المجتمعات وهو مجتمعٌ اندمجت فيه النخب المهنية القليلة كالطبيب، والمهندس، والقاضي مع هذا المجتمع متماهيةً معه، ومع سلطته، ولم تكن في الموقع الرَّافض لهذا القائم الاجتماعي وسلبيته ربما حفاظاً على مصالحها، وراحتها، وخلاصها الفرديِّ. بعيداً عما تلقته من ثقافةٍ، وأخلاقياتٍ، وقيم عامة تنتمي للجديد. ـ الكثير من الأعمال الروائية تقدم قراءات استشرافيةً مستقبليةً.. فهل رواية (في المنفى) الصَّادرة عام /1962/ كان استشرافات الروائي /جورج سالم/ لحصارات الزمن العربيِّ، والعالميِّ، وسمته /التراجيدية/ الحزينة، وإغلاق العدالة، والتعاون، والسلام لصالح الحروب، والهيمنة، والقتل، والتشريد.. والأمثلة قائمةً من فلسطين إلى /كونتي نامو/الخ. ـ لم يحدد المؤلف زمن الرِّواية ومكانها، فبقيت جغرافياً الرِّواية عالميةٌ بالدلالة.. فهذه البلدة التي لم يُذكر اسمها يمكن أن تكون بلداً في أيِّ جزء من العالم، وهذا الزمن الذي لم يحدد هو زمنٌ مفتوحٌ للماضي، وللحاضر، والمستقبل فالرؤية الزمنية العامة في الرواية هي رؤيةٌ تشاؤميةٌ في سياقها الزَّمني لا تنبئُ من خلال كل مفاصل الرِّواية وإيقاعها بنوافذ أملٍ وتفاؤل.. بل قدمت خاتمةً عدميةً /للمعلم/ رمز التغيير وهي أنَّه مات رجماً، وأنَّ سجنه كان معبداً في ماضي الزمن.. ـ في مستوى تنامي الحدث القصصي، وذروة الحدث.. كان هناك مسألةٌ فنيةٌ كبيرةٌ وملفتةٌ فكلُّ فصلٍ في الرِّواية يحملُ (ذروةً معينةً).. يسري مفعولها النفسيُّ عميقاً وهادئاً بدءاً من الفصل الأول حيث أخبره صاحب المقهى (أنت الغريب الوحيد في القرية) وكم كان إيقاع هذا الكلام مؤثراً، ومؤلماً..إلى نصيحة قيمِّ المكتبة له (أن لا يسأل كثيراً) إلى قول التلميذ (ما لنا وللحاكم.. لقد أوصانا أهلنا أن لا نتحدث بشأنه) إلى مشهد موت التلميذ، إلى النظرات الشَّزْرة التي تلقاها من الكثيرين، إلى خطاب الجنديين دون سلامٍ: (أنت موقوفٌ).. إلى النهاية المفجعة بهذه الميتة، إلى شكلِّ الإخبار لدائرته بموته (لقد مات المعلم) ولم تحرك دائرته ساكناً، أو تسأل عن السَّبب وإنما تلقت خبر الوفاة مع قرار تعيينه.. لم تذكر له جنازةٌ، لم تحضر أخته، وربما لم تُخبر بوفاته، لم يصلِّ عليه، لقد مات ميتةً جاهليةً. ـ أقول: لقد قدَّم هذا البناء القصصي الروائي الحزين المتراكم مساحةً حزينةً كبيرةً من السَّواد، وبالتالي الإيقاع تلو الآخر في نمو الحدث القصصيِّ باتجاه الألم، والغربة، والضياع، وغياب المعين، والمساعد، فالمجتمع غلفه الخوف. وطلب الخلاص الشخصي، وغاب فيه الحد الأدنى من التضامن الاجتماعي أما القاع النفسي/السايكولوجي/ الذي قدمه المؤلف هو قاعٌ لا يحمل بذور الأمل، مساحته الخوف، والقلق، والحذر للجميع من الجميع. ـ بالنسبة لموت الطفل.. لم تشر الرواية: هل وقع ذاتياً في النهر؟، أم أن هناك من أوقعه في النهر؟ والإشارة الوحيدة هي قول القاضي: أنت من علَّمه الاقتراب من ضفة النهر.. والمعلم لم يقل للتلميذ ذلك، والتلميذ متفوقٌ وفي حالة وعي، وحتماً هو لم يجازف في الاقتراب من النهر. ـ قدَّمت الرواية/نمطاً ذرائعياً/كبيراً.. كيف تفبرك الأسباب، وتُنصب المكائد، وتُلفق التهم، ويحاسب أناسٌ على ذنوب لم يقترفوها. وهذا ينسحب فردياً وحتى دولياً.. ومنطقة القوة والغلبة والسطوة. 7 ـ الفنية الأسلوبية، واللغوية في الرواية: الأسلوبية السردية المفارقة في نصوص الرواية.. وفي تقديري سائر الأعمال القصصية للأديب (جورج سالم) هي قدرته على الجمع بين الغنى الرائع في المشهد الوصفي خصوصاً النفسي وحتى المشهدي الخارجي وبين الإيجاز السردي لأداء وإيصال هذه المعاني بأقل المقاطع والصفحات، فهو لا يحتاج التمهيد الطويل، ولا الاستطرادات السردية الكبيرة كي يوصل معانيه.. وهذه خاصةٌ أسلوبيةٌ متميزةٌ لديه.. فهو في روايته (في المنفى).. والتي لا تتجاوز مئةً وخمساً وعشرين صفحةً قدَّم عملاً ملحمياً كبيراً، ومأساةً إنسانيةً ضخمةً، وتفصيلاتٍ وصفيةً جميلةً أغنت الفضاء الرِّوائيّ بدلالاته المطلوبة، ومحموله الفكريِّ الفلسفيِّ. في وصف ضفة النهر: (هذه الضفة الموحشة الخالية من النَّاس والحياة، إلاَّ من بعض الفلاحين، الذين يظهرون، ويختفون كالظلال أحياناً). في وصف المغنية (كانت المغنية تستسلم للصمت استسلام سائر أبناء البلدة.. الصمت المطلق الذي يتجلى في حركات العيون، والشفاه، وفي رقاد الليالي الطويلة الصامتة). قال قيّم المكتبة للمعلم: (أعرف أنّك تحب أن تتكلم كثيراً، وأن تسأل كثيراً، لكنني أقول لك بإخلاص، وأنت على عتبة عالمنا، لا حاجة إلى أسئلة، خُذ الكتب، وامض بها). في سؤال المعلم عن قيم المكتبة وأنه أصمُّ قال صاحب المقهى (لا تعجب.. فالحقُّ أنَّ كلَّ إنسانٍ عالمٌ مغلقٌ على نفسه.. وستدرك ذلك ذات يومٍ). في كلامٍ آخر لصاحب المقهى (استمعْ إذن إلى ما يقوله النَّهر، وإلى السَّهول!؟.. قال المعلم (إنَّها صامتةً لا تقول شيئاً) ضحك صاحبُ المقهى قائلاً (استمع إذن إلى الصمت، اصغ إلى صمتها فقد تجد فيه من المعاني.. ما لا يقدمها لك الرَّاديو). والكثير غيرها واردٌ في سياق الرواية. ـ لغة/جورج سالم/تجمع بين بساطة اللغة وفنيتها، وقدرة الجملة، أو مجموعة الجمل لديه على حمل الإيحاء الدلالي، والفني الفكري، ومساحة التعبير التي يريدها.. فهو يبني نصه السَّرديَّ بثنائيةٍ رائعة هي دقة الوصف، وإيحاؤه التفصيلي وبالتالي قصر فصول الرواية، وبعدها عن الحشو، والاستطراد وهذا ينسحب على المقاطع النصية، وعلى الجمل أيضاً وهذا يريح القارئ، ويوصله بزمن أقل لمآل الحدث في الفصل الواحد دون الوقوع في المباشرة والتقريرية، أو الاستطرادات المملة. ـ كان يمكن للروائي أن يشعب عمله الروائي (في المنفى) باتجاه شخصياتٍ أخرى.. كبار المزارعين وسلوكهم، القاضي وعمل المحكمة، بعض سلوك الحاكم.. لكنه ركز على محورٍ واحدٍ هو موضوع /المعلم/ والمصير الذي آل إليه.. إنّه الغريب في مجتمعه، وبالتالي التفصيل في مصير هذا البطل التراجيدي.. كأنموذج حاول الخروج على السائد والمألوف، والتمرد على هيمنة الاستبداد، ودفع حياته ثمناً لحراكه هذا رغم الطبيعة الإنسانية في هذا الحراك، والتي هي كما بدت محاولة البحث عن علاقة حبٍّ تخفف من غربته.. لكنَّ ذلك اعتبر إهانةً للطبقة المهيمنة، وكسراً لاحتكارها للمغنية التي هي جزءٌ من الملك الخاص لهذه الطبقة التي ملكت الإنسان والأشياء.. وكان/المعلم/ سيواجه نفس المصير لو حاول مقاربة بعض مصالح هذه الطبقة وامتيازاتها الأخرى. ـ لم تنتصر في رواية في المنفى/إرادة الحب/وإرادة الحياة، ومحاولة تحريك الساكن الاجتماعي، لقد انتصر الظلم، والاستبداد، والإلغاء.. لم تنتصر الحرية، والتوق إليها، هزم المعلم رمز التنوير، ومحاولة كسر طوق الاحتكار والسَّيطرة. ـ رحم الله الأديب الروائيَّ/جورج سالم/.. علَّ هذه الإضاءة دعوةٌ لقراءة آثاره وإعادة طباعتها وتسليط الضوء على أدبه، وإبداعاته. وهذا برسم وزارة الثقافة، واتحاد الكتاب العرب. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |