|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
رحلة أدبية مكثفة مع الشاعر الراحل حامد حسن ـــ محمد منذر لطفي ـ 1 ـ حامد حسن شاعر إنسانيُّ المنحى.. أنيق الكلمة.. مشرق العبارة، مرهف الشعور، يتميز بأسلوب ساحر.. ونغم آسر، يذوِّب نفسه شعراً أرقَّ من جفن يُعلِّم الغزل، فتشعرُ وأنت تقرأ أعماله الشعرية أنه معك جسداً وروحاً، فإذا بأنفاسه تهدهدك فتستغرق في النشوة كما يستغرق الناسك في صلاته وقت السحر. أوتي ريشةً خضيلة ثرية الألوان والظلال.. وبستاناً مملوءاً بالسحر والجمال.. ومرآة صقيلة تنعكس عليها حتى الأطياف، شاميُّ الديباجة مشرقها، باعُه في دنيا الشعر طويلة.. وخمائله فيها وارفة ظليلة، إذا ضرب على أوتار الشعر أطرب وأرقص وإذا بدأ بالغناء أسكر وحمل سامعيه بأجنحته السحرية إلى عالم جمالي.. يموج بالأنغام والرؤى التي لم ترها عين.. ولم تسمع بها أذن.. ولم تحلم بها حتى (أفروديت وليليت وفينوس وعشتار..!)
ويتابع الشاعر وصف الراقصة في قصيدة له تحمل العنوان نفسه فيقول:
ـ 2 ـ وكما أطلع جبل "البرناس" قديماً الكثير من شعراء اليونان المرموقين فيما تروي أساطيرهم.. كذلك أطلعت جبال "اللاذقية وطرطوس" حديثاً الكثير من شعراء الساحل المجيدين فيما تروي أشعارهم، ويأتي في طليعتهم الشاعر المجدد الأصيل "حامد حسن" الذي امتاز بخصائص شعرية أربعْ.. كانت مركز الثقل في كل ما كتب وأبدعْ، الأولى والثانية تتعلقان بنوعية الشعر ومداراته.. وأعني بهما [الوصف] و[الإنسان] وهذا ما مَكَّنه من المُزاوجة بفنية واضحة المعالم والسِّمات بين الصور العذارى الموشحة بالموسيقى الفاتنة من جهة.. وبين سمو الغاية ونبل الهدف من جهة ثانية، فأتتْ قصائده لوحاتٍ فنيةً رائعة مُؤطرَةً ضمن "سمفونيات" فنية ورائعة أيضاً.. راحتْ تعزفها مجموعةٌ من حسناوات الإغريق الساحرات في معبد "فينوس" بعد منتصف ليلة من ليالي "تموز"..!. يقول في قصيدة بعنوان: (ريف.. وريفيون):
بينما يقول في قصيدة (الخلود):
أما الخاصتان الشعريتان الثالثة والرابعة فتتعلّقان بفنيِّة الشعر وأسلوبه.. وأعني بهما (تجسيد الألفاظ) و(الغنائية الرائعة.. أو التناغم الموسيقي)، وهذا ما مَكَّنه من تفجير طاقة الألفاظ والعبارات والجمل تفجيراً إيجابياً مدهشاً يحمل مع الكثير من التفرد والغنى والتَّميُّز.. ويجعل الشاعر يبني لنفسه بيتاً فنياً واضح المعالم والسمات والأبعاد.. يُحددُ هويتَه، ويحفظ قيمه وسلامته ووجوده، ويصونُه من أيدي العابثين. يقول في قصيدة بعنوان: [كوخ الشاعر]:
ويصل "تجسيد الألفاظ" ذروته في هذه القصيدة الإنسانية حين ينقلنا الشاعر إلى كوخه وأطفاله.. وحالته وحاله.. فيتابع قائلاً:
ـ 3 ـ والحقيقة التي لا جدال فيها فيما أرى هي أن الشاعر "حامد حسن" واحدٌ من القلة القليلة من الشعراء الذين استطاعوا أن يُحقِّقوا عناصر العمل الأدبي الأربعة (الفكرة والخيال والعاطفة والأسلوب).. وعلى ضوء هذه البدهية.. وأمام النتاج الشعري الجيد والمُميَّز له، تُطالعكَ مباشرة ودون أي عناء سمات الشعر الحقيقي الأصيل الذي يوشحه (الصدق والأناقة والأصالة والجمال) بأكثرَ من وشاح، وهذا ما جنَّب صاحبه عثرة الضياع في زحمة غيره من الوجوه الشعرية المعاصرة.. ذات النزعات المتباينة والمدارس المختلفة.. إنه يمثل خطاً بيانياً متصاعداً في مسيرة فنية مُتجدِّدة.. يحاول الشاعر من خلالها أن يرصد الواقعين (الشخصي والعام) على حد سواء، كما ويحاول أن يخرج بالشعر من شتات التهويم إلى الواقع الحياتي المعيش.. مستخدماً عبر رحلته الشعرية المسارح الحياتية كافة.. وبخاصة (الاجتماعي والعاطفي والقومي والإنساني)، وقد استطاع شعرياً أن يجسد تلك المسارح من خلال محورين رئيسين اثنين هنا: (الفحولة والبكارة الشعريتان).. فأتتْ قصائده حاملة معها تجارب ستين سنة أو يزيد في الحب والوطن.. والمجتمع والإنسان. إنه وعلى الرغم من كونه أحد الشواهد الرئيسية البارزة للشعر الكلاسيكي في سورية بعامة.. وفي المنطقة الساحلية بخاصة ـ إلا أنه لا يهمل الحداثة الأصيلة في (المضمون).. ولا ينسى المعاصرة والإيقاع الداخلي الذي تزخر به قصائده عبر موسيقاها الداخلية الغامرة.. وعبر مسارها في رحلة (الشكل).. سواء على صعيد البحور والمجزوءات الشعرية المرقصة الساحرة.. أم على صعيد القوافي الطَّيعة المُترَعة بالأنغام الأخاذة والموسيقا الآسرة يقول في قصيدة بعنوان (سحر):
ـ 4 ـ وأعتقد أنَّ أجملَ عبارة أسوقها في هذا المجال هي مقولةُ الشاعر الايرلندي الرمزي (و. ب. ييتس) الذي يقول: "لماذا نُمجِّدُ فقط أولئك الرجال الذين يخترقون صفوف الأعداء ودفاعاتِهم ليستشهدوا في ساحات القتال؟... إن الإنسان بعامة.. والشاعر بخاصة.. يستطيع أن يُبديَ شجاعة مماثلة وهو يخترق أغوار نفسه". وأعتقد جازماً أن الشاعر (حسن حامد) واحد ممن عَنَاهُمْ (ييتس).. لأنه استطاع على صعيد الذات أن يخترق أغوار نفسه في مكاشفة جريئة معها ومع الآخرين، كما استطاع على صعيد الفن الشعري أن يُجرِّد اللغة من واقعيتها إلى حد كبير، محققاً بذلك غاية الإيقاع في الشعر.. مضيفاً شيئاً من الإدراك المبهم.. أو الوجود غير المحسوس إلى القصيدة أو المقطوعة المنظومة على حد تعبير شاعر الطبيعة الإنكليزي (ووردز ـ وورث) في مجال تعريفه للشعر، وهذا ما أكْسَبَ أعمال (حامد حسن) الشعرية مزيداً من الفتنة والتأثير.. والتناغم والجمال، وجعلها تَتَّسمُ بأبجدية شعرية متميزة.. لها الكثيرُ من تَفرُّدِها ونكهتها وخصوصيتها (شكلاً ومضموناً).. كما جعل (حامد حسن) يقف من خلالها كالمنارة وسط جداول الشعر الكلاسيكي المعاصر..!.. فهو شاعر اللوحة وشاعر التجربة كما قال الأستاذ "أحمد عودة" في دراسته التي نشرها في مجلة الثقافة الدمشقية.. والأستاذ "حبيب بهلول" في كتابه "حامد حسن والاتجاهات الأدبية الجديدة في شعره". يقول في قصيدة بعنوان: (ما رمَّدَ الجمرُ في قومي) التي رثى بها صديقه الشاعر الإنسان (وصفي قرنفلي) باكياً:
ـ 5 ـ ثمة كلمة أخيرة أحب أن أختتم بها هذه الرحلة الأدبية المكثفة.. لا لأجل أن أُقيِّمَ من خلالها هذا الشاعر.. ولا لأجل أن أضعَ رقماً رياضياً حذاء اسمه.. أُبَيِّنُ فيه وزنه وجوهره ومكان مقعده في الصف الشعري.. بل لأكونَ من المخلصين للأدب والشعر.. لأنهما عندي بمثابة قضية.. أقول: لقد أبحرتُ من خلال أعمال هذا الشاعر في محيطات شعرية وأدبية وفنية زاخرة.. قادَتْني في نهاية المطاف إلى عد صاحبها الشاعر الكبير (حامد حسن معروف) شاعراً طليعياً مُجدِّداً.. ورائداً شعرياً مُتميِّزاً يُمثِّل "الأصيل الجديد".. وواحداً من جيل الشعراء الأمراء الذين يزهو بهم (برناس العرب).. ليس في وقتنا الحاضر المعاصر فقط.. وإنما في كل مكان.. وعبر كل زمان.. فما أجْملَ أن يكون الشاعرُ (طليعياً).. وما أصعبَ أن يكون..!. هذا ما أردتُ قوله في نهاية هذه الرحلة العجلى مع (حامد حسن).. شاعر الطبيعة والجمال.. والوطن والإنسان. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||