|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الشتات في رواية ( غرباء منتصف الطريق) ـــ جميل سلوم شقير صار للأدب الفلسطيني ما يميزه، ومعاناة الهندي الأحمر الفلسطيني تصبغ هذا الأدب بالدم المقهور. وهاهو الأديب الفلسطيني عوض سعود عوض يسير بنا في طرقات النفي والشتات الوعرة، ينضح من معين فيه خمسون عاماً من الضياع والألم، طالت المعاناة وبدأت تأكل حلم العودة، مما فرض على كل لاجئ أن يبدأ بالتأقلم في الأرض التي استقر فيها. وإضافة إلى ما حملته الرواية من آلام ونزيز، فإنها واكبت الحداثة في الرواية العربية بشكل متقن وجميل، فقد تخلى الروائي عن السرد الكلاسيكي، مستخدماً نهجاً حداثياًَ ناجحاً، وذلك بتقطيع العمل وإتقان لعبة الخطف خلفاً، مما يجبر القارئ على التركيز أو التوقف عند بعض المقاطع والعودة لقراءة مقاطع سابقة، وبحذاقة المحترف، فقد بدأ العمل بمقاطع كان قد أنهى الرواية بها، مستخدماً السرد بضمير المخاطب الحاضر، الذي أعطاه حرية في مخاطبة شخوصه. يبدأ الكاتب روايته بمخاطبة (هلا أو هلالة) النازحة عن القنيطرة، المقيمة في دمشق بالخطاب التالي: (يهوي جسدك تحت ثقل الواقع، الوجه شاحب والعينان جامدتان، سرق الليل أنوارهما، المطر بلل رموشك،.. وأول حبيب لم يتوقع أن ماضيكِ على هذا القدر من الغرابة، سألك: لماذا لم تصارحيني؟) وهنا يقبض الكاتب على أنفاس المتلقي، إذ يرشح من هذا الخطاب أنّ في حياة هلالة مشكلة، ويتبين لنا أن فاسقاً يدعى الصلصال، سوري هرب من قريته كي يعمل لدى مسؤول فاسد، قد استجر هلا إلى شقته، ثم وضع لها المخدر في كوب الشاي، وتلذذ في اغتصابها، وكان هذا نتاج انفتاحها على الحياة، كونها مدرسة ومسؤولة عن تدريب عدة خلايا نسائية، وتلمس في نفسها القدرة على الإقناع، وتملك النفس الطويل في النقاش، وعلى الرغم من قناعتها من فساد الصلصال منذ تعرفت عليه، فقد قررت وبثقة العمل على إصلاحه وانتشاله من السخام الذي يسبح فيه، هلا تدفع ضريبة تلك الثقة، أفاقت محطمة الجناح واللب، تعيش في ظل رعب مطاردته لها طوال العمر، وتحت تأثير ذكرياتها المحزنة. هذا الرعب وانغلاق المستقبل أمامها، دفعاها لأن تبوح لصديقتها المعلمة الدمشقية (فرات) وصديق المعلمة النازح الفلسطيني (حامد) الذي يتطوع للدفاع عن هلا، باذلاً جهداً غير عادي للوصول إلى الصلصال ومعرفة نقاط الضعف لديه، يوفق بالتعاون مع الراقصة (شراب) بتسليمه للعدالة متلبساً بجريمة تهريب كبيرة من لبنان باسم معلمه المتنفذ، عند ذلك ترتاح هلا وتفرج عن نفسها، تعود للخروج ومزاولة عملها، حتى تلتقي بدمشقي من آل الحفا يدعى مصطفى، ويتزوجان، لكنها لم تستطع إخفاء ماضيها، لأن الصلصال خرج من السجن، ثم تدخل لإفساد حياتها من جديد. أما صديقتها الدمشقية فرات، فلم تكن بدون منغصات، فوفاة والدها أجبرت الأم على بيع البيت الدمشقي القديم والسكن في الغوطة، الأم دمشقية تقليدية متزمتة، وتحاول دائماً فرض آرائها على ابنتها فرات، لكن فرات المتعلمة تحاول تكوين قناعات جديدة عن الحياة، الأم تدخل ابنتها في تجربة خطيرة، تتواطأ مع شيخ الجامع الذي يعتبر فرات منذورة لشاب متشرد يقيم في الجامع، لا يملك شيئاً، فيما عدا سبحة طويلة وطاقية بيضاء وجلباباً، تقتاده الأم للسكن في بيتها، تدخل فرات إلى الغرفة التي يقيم فيها الخطيب، يحاول اغتصابها لأنه كان تحت تأثير استنشاق بودرة بيضاء، تدخل الأم في الوقت المناسب ويطرد الخطيب من البيت، وتترك الحادثة أثراً عميقاً في نفس فرات، وتسحب الحادثة على كل الرجال، وعلى الرغم من تعرفها إلى حامد الشهم الطيّب، فقد بقي الثلم الذي تركه الخطيب في باطن شعورها يقف حاجزاً بينها وبين الموافقة على الاقتران بحامد، بدليل أنها قررت السفر إلى ألمانية حيث وعدها أخيها المقيم هناك بإتمام دراستها، مجازفة بحبها وبالحبيب معاً. أما عن تقنيات الرواية، فإن أول ما يلفت هو تقنية السرد، (التقطيع، الخطف خلفاً، العودة لإتمام معلومة، التذكر) التي استطاع من خلالها أسر المتلقي بسردٍ جميل غير متكلف، مع التأكيد على منطقية الأحداث وإمكانية حدوثها، يخاطب المؤلف شخوص روايته وكأنهم يقفون أمامه، فيقول في ص 13 (ها أنت يا حامد لم تغيرك الأيام، لم تنس أنك أخرجت من بيروت بعيد الاجتياح الإسرائيلي في لبنان، سافرت مع من سافر إلى اليمن، في عدن أحسست بالرطوبة التي لا تطاق، بعيداً عن مسقط رأسك، لم تتوقع أنك ستسأل عن سفرتك القسرية، تظن أن تنقلك بين أقطار الوطن العربي مسألة عادية، لكن الكثير مما تعتقده صدمك، تعيش مأساة تشرد جديدة). هذا الخطاب ذكي ولماح، فخلال سطور بسيطة عرفنا الكاتب بقصة الترحيل المحزنة، قصة إخراج الفلسطينيين من بيروت إلى (لارنكا) ومن ثم تشتيتهم فوق أصقاع الأرض. ما من كاتب يضع حرفاً على الورق بدون هدف، وقد بدت أهداف الروائي واضحة من خلال الإمساك بشكل جيد بكل خيوط الرواية، فمعيار المواطنة الصالحة عنده هو العمل الجاد المثمر، بصرف النظر عن ممارسة طقوس التعبد أو التدين الأعمى، وهاهو مدير المدرسة التي يعمل بها حامد يقول له: (إن الفرق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة). لم يترك الروائي جانباً معتماً من جوانب الحياة في سورية إلا وسلط عليه بقعة من ضوء، يخاطب حامد في ص 19 بما يلي: (الغيوم تتوالد من جديد في صدرك،.. في داخل فرات طفلة مشاكسة، تحاول التخلص من القيود المفروضة، أن تطير كالعصافير، لكن كيف وهي غير قادرة على الحصول على ربطة خبز أو كيس خضار أو فواكه، أو قليل من اللحم، ليس لديها طاقة للانتظار أمام المؤسسات وصف النساء طويل) وفي نفس السياق، يشكو حامد الأزمات التموينية في نهاية القرن الماضي بوضعنا أمام مفارقة مفادها أنه وبعد أن وصل إلى كوة البيع بعد صعوبات أبسطها العراك، سدّ المتدافعون طريق خروج الشخص الذي أمامه، مما اضطره لحمل حامد فوق ظهره وإخراجه حتى آخر الصف. أما الفساد وتحت نور الشمس فقد أشار له في مقطع كامل يحمل الرقم 8 فوصف بشكل بارع فجيعة المودعين أمام هروب جامع الأموال (راني) فيقول: (ما بين الواقع والحلم خطوط منحنية تفضي إلى كوابيس بات المودعون يرونها في مناماتهم، يحسون بالنار تلتهم أشجارهم، أفئدتهم ونقودهم، تحولت الغوطة إلى جحيم، تمطر الدروب أحزانها). لقد تعمد الروائي أن يجعل من قضية النزوح تطريزاً على ثوب الرواية، فقد رفض والد حامد السكن في المخيمات الفلسطينية في دمشق، كي لا يلتقي بمن فرضوا عليه النزوح بفتوى كان قد سمعها منهم (من يبقى تحت حكم العصابات اليهودية خائن) لذا فقد فضل السكن في قرية نائية في الغوطة الشرقية، لأنه قد ندم على ترك أرضه، لأن النزوح لم يكن هو الأفضل مطلقاً. ولكي لا يقحم الكاتب نفسه في التعميم أو الإطلاق، فقد خصص المقطع الرابع عشر بكامله كي يسرد لنا كيف أجبر والد هلا على النزوح على الرغم من إصراره على التشبث ببيته وأرضه، وهاهم جنود الاحتلال يداهمون بيته يصادرون بندقيته، ثم يعودون مرة ثانية فيقتلون بناته الثلاث أمام بصره، ثم يطلقون النار على ساقيه، مما يضطر الأطباء لقطع إحداها، وبعد أن أجبر على النزوح نراه يتسلل عبر الحدود، وبرجل واحدة، كي ينتقم لبناته بقتل ضعفي عددهم. ثم يقول لابنته هلا في ص 176 (من يفقد بيته وأرضه يفقد كل شيء). أما لغة الرواية فقد تسامت إلى مرحلة الشاعرية، استفاد الروائي من كل تقنيات البديع والبيان، المجاز والصور، وقد كان حاذقاً بحيث لم يسمح للعمل على اللغة أن يكون على حساب جماليات السرد الروائي. ولأن المجال لا يتسع لعرض النماذج، أكتفي بقراءة مقطع من بداية الفصل الرابع عشر ص 63 حيث يخاطب حامد قائلاً: ـ (غبار وهدير وأصوات غريبة لم تألفها أذنك، رائحة البارود تنتشر، تحفر بيديك في التراب، هل أنت قادر على حفر قبر بقياسك؟ تلهث التلال، تدوسها الدبابات وناقلات الجند، يتحطم كبرياؤها، تطوي جسدها وتلملم عورتها، تلملم نباتاتها وتستعد لسبات لا تعرف مداه، تغلق أجفانها على آخر صورة، تحتفظ بماضيها، بذاتها، تحلم بيوم لا أحد يعرف اسمه، وسنته، يوم تفيق من النوم والمرض). بهذه المقدمة نقلنا الروائي إلى لحظات اجتياح الجولان باستخدام الصور الرائعة والمجازات، فقد أنسن تلال الجولان وأسمعنا أنينها ثم رأيناها وهي تلملم عورتها أمام استباحة المحتل لها، هذا إضافة إلى وجود نماذج من اللعب على اللغة وشّت الرواية بشذرات حلوة أسوق نتفاً منها: (غدوت فتاة تتسول ماضيها) (تتمزق الوجوه التي ترتدينها) ص 132. (أغصان الأشجار تدفن أوراقها) ص 196 (الآن أنت ظل امرأة). وكذلك فإن عنوان الرواية وأسماء شخوصها، قد عبرت عن دلالات لغوية واضحة، (غرباء منتصف الطريق) نازح ونازحة هلا وحامد يلتقيان حتى منتصف الطريق فقط. (الصلصال) الغارق في الطين، (حامد) وتعني المحمود، معطاء بدون حدود، متفان في خدمة الغير، (شراب) الراقصة وقد صارت شراباً لكل من يطلب. لكن أروع ما وسم الرواية هو قدرة كاتبها على الغوص في الأعماق الإنسانية لشخوصه، فلم يكن ليكتفي بالوصف الخارجي، بل غاص بنا إلى أعماق كل شخصية، أبو حامد اليائس وكيف يقيم نفسه بعد النزوح (أنا لا أنفع لشيء) ص 65 معدن الصلصال بماذا ينضج؟ وهو يقول في ص 69 (الجسد فاكهة ولكل فاكهة طعم ولون ورائحة، عليك أن تتذوق الجميع لتقرر أي الأجساد أشهى) حتى الراقصة شراب تقول لحامد عندما يرفض وصالها: (أنت تقتلني مرتين عندما ترفضني، تذكرني بما أنا فيه، وبإنسانيتي المفقودة) تطور شخصية هلا، من مدرسة منفتحة تنضح نشاطاً قبل التقائها بالصلصال، إلى محطمة تستنجد لإنقاذها مما هي فيه، ثم محاولتها التأقلم مع واقع زوجها الدمشقي، إلى انهيارها النفسي في قبو ينز رطوبة وهي على شفير الموت بعد طلاقها من مصطفى. أما وقد أتتها البشائر من هلا وحامد بنجاحها بالجامعة، وقبول عودتها إلى التدريس، واعتقال الصلصال، فإننا سنرى حالتها من خلال خطاب المؤلف لها ص 115 (الماضي الذي نهش صدرك وجعلك تحسين بالغربة والضياع، تحاولين إخراجه من جوفك، ها أنت تصارعين وتتخلصين من نيرانك، تعود ذاكرتك إلى صباها). وأخيراً الممنوعات الثلاث: الدين والسياسة والجنس، وأين الرواية منها؟ لقد سفهت الرواية التعصب الأعمى وأدانت ارتكاب الموبقات تحت عباءة الدين، من خلال سرد حكاية خطيب فرات. أما الجنس فقد خلت الرواية من أي توصيف لأية مشاهد جنسية، وكذلك بالنسبة للسياسة، فقد فتح المؤلف الباب عليها موارباً وحاول أن يدخل إليها حيياً، كان هذا حاله عندما حاول الإشارة إلى حصول طالب الثانوية على علامات تؤهله للهبوط بمضلته على فرع في الجامعة لا يستحقه، فقد جاء على لسان والد مصطفى عندما (هزه من كتفه وقال: أين تكافؤ الفرص؟) ثم ما يلي: (والد مصطفى متمسك بالديمقراطية، الانتخابات، التنافس الحر وتبادل السلطة، الحرية) ص 151 وعن رأيه بالسياسة قال في ص 150 (التجربة مغامرة، يخرج من السجن إذا كان طويل العمر بعد سنوات ذليلاً ومتهماً وممنوعاً من السفر وسجانه هو الوطني) ويختم أخيراً بقول مرمز (يرى الناس عري المدينة، لا تغريهم الحياة فيها، قاسيون بلغ الشيخوخة، هرم بسرعة رغم أنه ترك العمل السياسي، أين قوته التي استمدها من انتسابه إلى أجداده؟) وفي الختام، صدق من قال: إن الرواية حياة، لأن هذا القول ينطبق على رواية (غرباء منتصف الطريق) فقد استطاع الأديب عوض سعود عوض أن ينقلنا إلى عالم شخوصه بيسر، عبر سرد ممتع، ولغة جميلة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |