|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
حنة أرندت الناقدة اللاذعة للنظام التوتاليتاري ـــ توفيق المديني عاشت المفكرة الموهوبة حنة أرندت (1906 ـ 1975) عصر الثورات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وانطلاقة الحركات الفاشية في أوربا وتهافت النظام البرلماني، ثم كل أنواع الاستبداد الجديد، الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا، والستالينية في الاتحاد السوفياتي، وديكتاتوريات النظام الواحد والجيش، وآخر المطاف نشوء كيان صلب في الأنظمة التوتاليتارية. ومثال ذلك ما حصل في روسيا عام 1929، وعام "الثورة الثانية" كما اتفق على تسميته في الغالب، وفي ألمانيا، عام 1933 مع صعود هتلر إلى السلطة. يعد كتاب أسس التوتاليتارية لحنة أرندت أهم مرجع كلاسيكي في العلم السياسي الحديث، خاصة أن المفكرة تناولت فيه الشكلين الأبرز للهيمنة التوتاليتارية: النازية الألمانية والستالينية السوفياتية. حتى هذه اللحظة لم نتعرف إلا على شكلين أصيلين من التسلط التوتاليتاري، ديكتاتورية الحزب الوطني ـ الاشتراكي لما بعد العام 1938، وديكتاتورية البولشفية القائمة منذ العام 1930، على أنَّ شكلي التسلط هذين يختلفان بصورة أساسية عن كل أنواع الأنظمة الديكتاتورية الأخرى، أكانت استبدادية أو طغيانية. وأيّاً كان رابط البنُّوة الذي يشدها إلى ديكتوريات الحزب، فإنَّ سماتها، بما تنطوي عليه من أمور توتاليتارية في الجوهر، جديد ولا يسعها أن تُنسب إلى أنظمة الحزب الأوحد، ذلك أن هدف الأنظمة ذات الحزب الأوحد لا يقتصر على الاستيلاء على السلطة فحسب: بل يتعداه إلى استكمال التمثل التام ما بين الدولة والحزب، وذلك بتعيين أعضاء من الحزب في كل مراكز الدولة، بحيث يصير الحزب، بعد تولي السلطة، نوعاً من هيئة تهتم بإطلاق الدعاية لصالح الحكم... والحق أن كل أنواع الحكم الاستبدادية إنما تستند إلى أجهزة الاستخبارات السرية إذ تشعر بأنها عرضة للتهديد من قبل شعوبها بالذات، أكثر من أي شعب آخر... ومع ذلك فإن الشرطة السرية وتشكلات النخبة، إبان الحقبات الأولى من النظام التوتاليتاري، لبثت تؤدي دوراً شبيهاً بالذات كانت تؤديه في ظل أشكال أخرى من الديكتاتورية. أما القساوة الفظيعة التي تميزت بها أساليبها فلا يجد لها المرء نظيراً إلا في تاريخ دول الغرب العصرية... وحالما انتهت إبادة الأعداء الواقعيين (من قبل الحكم التوتاليتاري بالطبع) وشُرع بمطاردة "الأعداء الموضوعيين"، بات الإرهاب وحده جوهر الأنظمة التوتاليتارية الواقعي". ظهر مصطلح توتاليتارية Totalitarisme للوجود في مقال نشره الفيلسوف الإيطالي جيوفاني جنتيلي Giovanni Gentile (1875 ـ 1944) بالإنجليزية عام 1928 بعنوان "الأسس الفلسفية للفاشية" استعمل صفة Totalitarian بمعنى الإحاطة والشمول واحتواء كل شيء، في وصفه للنظام الفاشي. ومنذ نهاية الثلاثينيات شاع استخدام المصطلح وأصبح يطلق على الدولة الشمولية L,Etat Totalitaire التي تكون السلطة فيها جامعة، حيث يمتلك رئيس الدولة في يديه كل السلطات. والدولة الشمولية تعمل على إذابة جميع الأفراد والمؤسسات والجماعات في الكل الاجتماعي والمجتمع أو الشعب أو الأمة عن طريق العنف والإرهاب المنظم، وهي لا تقبل بمبدأ فصل السلطات أو بأشكال الديمقراطية الكلاسيكية الغربية، وهي مسيطرة سيطرة كاملة على جميع وسائل الإعلام مع وجود إيديولوجية معينة توجهها، والأمثلة كثيرة: إيطاليا في عهد موسوليني، وألمانيا في عهد هتلر، وإسبانيا في عهد فرانكو، والبرتغال في عهد سالازار الخ. ولقد عبر موسوليني (1883 ـ 1945) تعبيراً جيداً عن هذا المذهب في خطاب ألقاه في 28 أكتوبر عام 1925 بقوله "الكل في الدولة، ولا قيمة لشيء إنساني أو روحي خارج الدولة، فالفاشية Fascisme شمولية. والدولة الفاشية تشمل جميع القيم وتوحدها وهي التي تؤول هذه القيم وتفسرها، إنها تعيد صياغة حياة الشعب كلها". في العالم العربي والإسلامي سادت الدولة السلطانية مطلقة السلطات، التي تعد حقوق رعاياها هبات وأعطيات ومنحاً تتكرم بها السلطة على مرعييها. وكانت هذه الدولة التقليدية تمارس سلطتها الاستبدادية بدرجة عالية. أما الدولة البوليسية الحديثة، التي انبعثت مع إنجاز الثورة الديمقراطية البرجوازية في أوربا الغربية وأميركا الشمالية، فهي ظاهرة خاصة بالقرن العشرين. وشكلت الأزمة العامة للرأسمالية في أعوام 1929 ـ 1933، التي أسهمت في توسيع عملية تحول الاحتكارات الرأسمالية إلى دولة الاحتكارات الرأسمالية، وفي تدخل دولة الاحتكارات في تنظيم الاقتصاد، وفق مبادئ "الاقتصاد المبرمج" بهدف تحقيق الاستقرار في التوازن الاقتصادي، الميلاد الحقيقي للدولة التوتاليتارية المعاصرة. وهذه الأزمة جعلت الدولة القومية تدخل بقوة في عملية تجديد رأس المال، كما تميزت بتمركز شديد في الاقتصاد، وهذا شأن الدولة الفاشية في إيطاليا، والدولة النازية في ألمانيا، والدولة الستالينية في الاتحاد السوفياتي السابق، ومن ثم في إسبانيا والبرتغال قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من الفوارق الجوهرية بين الإيديولوجيات السائدة في هذه الدول التوتاليتارية، أي بين السلطة الشمولية الفاشية التي سادت في إيطاليا والتي لقبها غرامشي بـ "البرلمانية السوداء"، والسلطة الشمولية النازية في ألمانيا، والسلطة الشمولية الستالينية، التي لقبها غرامشي أيضاً بـ "القيصرية التقدمية"، إلا أن القاسم المشترك بين هذه الدول الشمولية التي تختلف اختلافاً جذرياً في تشكلها التاريخي، هو أن قوتها الاستبدادية مستمدة من تنسيق البنى التحتية للمجتمع التي تملكها الدولة البيروقراطية الحديثة، كما أنها قدمت أجوبة مختلفة في إطار شمولي لقضايا التنمية المتمحورة على الذات في البلدان التي نشأت فيها الرأسمالية بشكل متأخر تاريخياً، ولم تنجز فيها ثورة ديمقراطية برجوازية راديكالية، على الطريقة الفرنسية أولاً، وخضعت لديكتاتورية حزب واحد ذي طابع استبدادي، حيث شكل الحزب النازي، والحزب الفاشي أخطر مظاهرها المتطرفة ثانياً. إن الدول التوتاليتارية الحديثة في أشكالها المخلفة، الفاشية، والنازية، والستالينية، قد وصفت دائماً بأنها ديكتاتورية فاشية، في حين أن الفاشية ليست سوى شكل نوعي من أشكال الديكتاتورية الاستبدادية.والحال هذه فإن التسلطية تسبق الفاشية وتعقبها بأشكال قديمة أو حديثة. فالدولة التوتاليتارية هي الدولة التسلطية التي تمارس ديكتاتورية استبدادية محدثة. إذا كانت هذه هي الجذور التاريخية للدولة التوتاليتارية الحديثة التي ولدت مع أزمة النظام الرأسمالي العالمي، حيث الشمولية الستالينية التي تعد متفردة ومختلفة عن الشمولية الفاشية، لجهة كونها مثلت ثورة رأسمالية الطابع تحت راية الاشتراكية، حتى أن شارل بتلهايم يعد الثورة الروسية 1917 ثورة رأسمالية، وعلى أنها مجرد شكل للتطور الرأسمالي في المحيط، وبالتالي لا يعدها إلا مرحلة من مراحل التوسع الرأسمالي (وقد أنصفه التاريخ في تحليله هذا العميق)، فإن الدولة الشمولية في الرأسماليات التابعة، وأعني في العالم الثالث، قد ولدت بعد الحرب العالمية الثانية. لقد انقضت اليوم الأوقات التي كان يمكن للمرء فيها، الاقتناع بأن الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية عدوة الفاشية ظاهراً، هي عدوة للدولة التوتاليتارية، في حين أنها استخدمت مناهضة الشيوعية زمناً طويلاً وخاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، في عدد كبير من بلدان العالم الثالث لتبرير الديكتاتوريات العسكرية، في أميركا اللاتينية، وأفريقيا، وآسيا، وقمع الثوريين والمناضلين الديمقراطيين، وفرض حالة الطوارئ، والتدابير الاستثنائية، فبدلاً من الوقوف على خطوط ماجينو مناهضة الدولة التوتاليتارية القديمة في الغرب، حيث اكتسبت المجتمعات المدنية فيه مناعة ضدها، علينا التعرف على التهديد الاستبدادي الجديد في العالم الثالث، المتمثل في الدولة الشمولية الجديدة، وبنيتها، وكما قال جيانفرا نكوسانغينيتي، "أن نخاف ما لا نعرفه، وأن نعرف، بأسرع ما يمكن، من يجب أن نخاف منه اليوم". وفي الذكرى الثلاثين لوفاة هذه المفكرة العظيمة، أصدرت دار النشر لوسوي في باريس مؤخراً كتاب "يوميات التفكير الفلسفي"، وهو عبارة عن 28 دفتر: "أرشيف محمول" يضيء أسس أعمال حنة أرندت، خاصة التمفصل بين "جذور التوتاليتارية" و"شرط الإنسان الحديث". وهذه الدفاتر مكتوبة بالألمانية والإنكليزية مع استشهادات عديدة من اليونانية القديمة: هكذا تتقدم "يوميات فكرية" التي كتبتها حنة أرندت ما بين 1950 و 1973. وتشكل هذه اليوميات "أداة من الدرجة الأولى استخدمتها لتحديد أفكارها" وهي تتيح تتبع تكون نقدها للتوتاليتارية يومياً. وقد خصصت الفيلسوفة حيزاً واسعاً لأرسطو وكانط وماركس وكذلك "لمربيها" كارل ياسبرز، وكذلك مقاطع مهمة ومدهشة لأستاذها وعشيقها مارتن هايدغر، كما تتضمن هذه النصوص قصائد عديدة تكشف الجوانب الأكثر حميمية لشخصية الكاتبة. مقتطفات ياسبرز وهايدغر ياسبرز وهايدغر. يمكن ياسبرز أن يقول "كيف يستطيع فيلسوف أن يفتقد إلى هذه الدرجة الحكمة؟"، ويمكن هايدغر أن يقول "كيف يمكن أيضاً لفيلسوف أن يهتم بالحكمة، من أين يستمد شرعيته؟". كلاهما على صواب اليهودية ـ المسيحية. وحدها اليهودية ـ المسيحية رفعت القتل إلى مستوى الجريمة المطلقة. ولم تستطع فعل ذلك إلا لأن القتل هنا كان نوعاً من الانتحار، بقدر ما صُنع الإنسان على صورة الله. هذا التماثل غائب تماماً عن العالم القديم. لهذا فإن "لا تقتل" لا يشكل الركن الأساسي لقوانينه. (آب، 1953) أميركا “Make the World a better place to live in to” (أن تصنع العالم أفضل مكان نعيش فيه)، قد غيّر فعلاً العالم، لكن ترتبت عنه أيضاً نتائج أنه على امتداد هذا المشروع التحسيني للعالم، نسي العالم كله ماذا تعني عبارة “to live” . وهكذا فإن الأميركيين يعيشون في "أفضل العوالم الممكنة"، لكن في الوقت ذاته فقدوا الحياة نفسها. إنه الجحيم. (تموز 1951) توكفيل وماركس توكفيل عاش في فرنسا ولم يأخذ بالاعتبار سوى الإلزامات السياسية للحداثة.. ماركس عاش في ألمانيا، وإنكلترا، ولم يأخذ بالاعتبار سوى الإلزامات الاقتصادية. بالنسبة لتوكفيل، كانت الثورة الفرنسية حاسمة، بينما بالنسبة إلى ماركس كانت الثورة الصناعية. الثورتان تتوازيان كما كان يعرف توكفيل وماركس. لكن وحده توكفيل يرغب في علم سياسي جديد، وليس ماركس، الذي استخدم مفهوم التاريخ. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |