مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

من (الحلم الوردي) إلى (حتى هناك) قراءة في أدب يحيى سليمان قسام الروائي ـــ فريال سالم مكارم

عندما تذوي شعاعات المغيب، ترقص أشباح الظلام، وينشر الليل جناحه، يغرق الناس في حضن السكون، وتشقّ الأحلام طريقها في اللا وعي، وها الحلم الوردي يعلن قدومه في خيال عبد الله ويتحقّق مع أحمد سعيد في رواية يحيى قسّام "الحلم الوردي" التي بدا فيها الوعي الإنساني متآكلاً.‏

إنّها رواية ضياع الشاب في الرغبة ونسيانه للماضي بكلّ ما يحمله من مفاهيم حضارية أصيلة، ومجمل المشاكل التي يعانيها الطلاب في اغترابهم:‏

"هي عدم الفهم الصحيح للعلاقات الاجتماعية التي تحكم المجتمع العربي" ص 63‏

لهي الحلم للوصول إلى الأرقى، وقد اجتمع مجموعة شباب من قرى الوطن في طائرة واحدة منطلقة إلى موسكو، حيث كانت اللغة صلة الوصل بينهم وهدفهم من السّفر كان متابعة التحصيل العلمي في الدراسات العليا.‏

أحمد سعيد انتقل من قرية الثريا، أراد أن يصبح أستاذاً جامعياً في كلية الهندسة، وزاهد الهادي ترك الجندول قاصداً موسكو، ليصبح طبيباً، أمّا عبد الله جمّول، فقد حلم مع الشباب بأن تكون رحلتهم حلماً وردياً، ومن بلدة جنين انضمّ محمود زهدي إلى رفاق الطائرة.‏

غير أن الروائي قسّام، لم يكتفِ بوصف مخاطر استقرار هؤلاء الشباب في مجتمع غربي متحرر، إنما وصف بدقة وبلغة معبرة حياتهم وبيئتهم الفقيرة التي خرجوا منها، فكانت معاناتهم كامنة في الماضي الذي اعتبروه متقوقعاً على نفسه، أمّا سعادتهم فقد ظنوها في الحاضر حيث النساء والخمرة.‏

زاهد الهادي يطمع في تثبيت وجوده وتغيير عمل والده كراعي أغنام في البادية، أمّا أحمد الحمصي عد العاطفة إغناءً لحياته المليئة بالخمر وبالمغامرات مع الفتيات، غير أنّه عاش الضياع الكامل للفكر والمال والصحة، وسار في طريق الانحراف، وانتهى به المطاف إلى غرقه في النهر وسط ظروف غامضة.‏

شباب كان يشعر بفراغ عاطفي انتقل من بيئة محافظة تحكمها التقاليد والعادات الاجتماعية إلى بيئة تختلف كلياً عن بيئته، المرأة فيها تمارس حريتها المجردة من كلّ الأعراف الأخلاقية. تبنّى معظمهم هذه الحياة خارجين عن ماضيهم الجاثم بتقاليده في زوايا حاراتهم، زاهد مسّه الجنون وظلّ مشكلة صامتة وعبد الله جسده في أحضان زوجته وعقله في قريته.‏

هذه الرواية تمثل الصراع بين حضارتين، فيها يقارن الروائي قسّام وبأسلوب عميق، إيحائي ما بين المجتمع الغربي بحضارته وتفكيره، وبين المجتمع الشرقي بعاداته الموروثة، ليوصلنا ـ بعد عرض شيق للأحداث وعلى لسان أحد شخصيات روايته ـ إلى أنّ:‏

"البناء الفكري للمجتمع هو أساس القيم الحضاري المتمثلة في تغيير العلاقات الاجتماعية". وبأن الوطن لا يمكن أن يُبنى بحجارة منقولة، وبأفكار مستوردة ومخططات جاهزة.‏

وقد عرض قسّام في بعض فصول روايته "الحلم الوردي"، مشكلة الصراع العربي الفلسطيني مع المحتل الصهيوني، فكان يتعرض لوجهات النظر وللمشكلة كما تراها أولغا، الفتاة الروسية صديقة عبد الفتاح، فهي تفهم ذاك الصراع من وجهة نظر تختلف عن الحق العربي وتشرّد الناس، إنّها تفهمها على أنها تكريس للأمر الواقع، وهو الذي يحسم المشكلة وبحسب رأيها من حق اليهود الروس أن يسافروا إلى فلسطين، إلاَّ أنها تصمت حيال الحق الفلسطيني في استرجاع أرضه المغتصبة.‏

هنا يحذر الروائي من تمادي الإعلام الموَجّه لمصلحة اليهود، وقلب الموازين، والحقائق في أذهان العالمين الغربي والأوربي.‏

وقد جاءت لغة الكاتب دقيقة معبرة، عبرها شعرنا بأننا نلمس ماديات موسكو: "إنها كلوحة ثلجية وردية بيضاء موشاة بالظلال".‏

في ذاك العالم الغريب أمسك هؤلاء الشباب "بعض الجوانب التي تشبع الغرائز وتلفّ العقول وتخرب الأفكار وكل ذلك بملء إرادتهم".‏

فكانت "الحلم الوردي" حكاية الغربة المتكررة التي تتجدد كل حين، وتتراكض هاربة من الماضي إلى حاضر غامض تتنوع صفحاته، ولم ينجُ من متاهات الغربة غير أحمد سعيد وأمل الذين عادا بشوق إلى الوطن بعد حصولهما على الشهادة العليا.‏

نداء الصفصاف الرمادي‏

في هذه الرواية تعرفنا إلى غربة توازي هجرة العقول، غربة تمزق فؤاد الوطن، حيث يوقظ "نداء الصفصاف الرمادي" في داخلنا حنيناً إلى سماع قبرة أو تغريد بلبل قرب النهر.‏

إنها همسات الصفصاف قبيل المساء، عندما يصطبغ الأفق بلون الأرجوان المأخوذ من روح الشّمس المتهاوية في حضن المغيب، لكنه نداء حزين مؤلم، رمادي يقرب أن يكون صرخة استغاثة يبثّها حفيف أشجار صفصاف النهر.‏

في هذه الرواية يضجّ الغزو التجاري للأرض في القرى، "الثريا، الجندول، ثمّ تحويلها فيما بعد إلى علب من الإسمنت، فالفلاح حالماً بالأفضل كان يُقدم على بيع أرضه ناسياً ماضي أجداده والخير الذي حملته لـه الأرض.‏

هكذا بانت مشكلة بيع الأرض متشعبة لها جملة من الأسباب، ونتائجها مرتبطة كالجذور في الساق، ففي وقت قصير تحولت الثريا إلى محلات تجارية، مكاتب للسيارات، شوارع معبّدة، هذه المدَنيّة سحقت مباهج الحياة في عيني حسين رمز جيل الشباب التي ترعرعت طفولته بين سنابل القمح وأكوام الحصاد.‏

أبو غنام هنا كان قمّة الهرم التجاري في بيع الأراضي، به وبأمثاله تهدّمت العلاقة بين الفلاح وأرضه، فباتت جذوع أشجار الصفصاف جوفاء اللب، وامتزج دخان المدينة بهواء القرية النقي.‏

غير أنّ الروائي قسام أوجد شخصية المحامي هيثم الذي بنى جسراً تجارياً مع أبي غنام لخدمة مصالحه الشخصية، وجعله يشبه سمسار الأراضي، فهو يبتز أموال الذين يحتاجون إليه في معاملاتهم القانونية.‏

هنا ينتقد الكاتب بعض المحامين والتجار الذين يفضلون مصلحتهم الذاتية على المصالح العامة وكأن الروح الإنسانية قد فارقتهما.‏

كذلك وجدنا رموز جيل الشباب المتعلم، المثقف الذي أخذ يفتش عن وسيلة لوقف زحف بيع الأراضي، ممدوح، حسين، أحمد وسعيد، فبات الصراع قائماً بين هذه الشريحة الاجتماعية المتفاوتة ثقافياً، وفكرياً، وبين شريحة تجار العقارات وقد تمتعت هذه الرواية بصدقها الفني وبسعة فضائها المكاني، وبأسلوبها المنطقي النقدي الواقعي في تحدثها عن التحولات الاجتماعية في الريف، وفي قوة إبراز علاقات شخوصها بالآخرين وبالمجتمع.‏

"حتّى هناك"‏

غير أنّ روايته "حتى هناك" تميزت من غيرها من الروايات التي تحدثت عن موضوع الصراع العربي الصهيوني، إذ عالجت هذه الرواية ذاك الصراع بموضوعية وبأسلوب واقعي، شيّق، بعيد عن النمط السلفي، حيث نفذت إلى عمق الواقع المعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، وكشفت عن دور اليهود في السيطرة على الرأسمال العالمي واستثماره في مشاريع استيطانية في الشرق العربي.‏

هناك تدور أحداث الرواية على الشاطئ الشمالي لمدينة "لوس أنجلس"، وبالتحديد فندق الشرق الأوسط وصاحبه عيسى الشيخ الذي كان يملك كتلة نقدية كبيرة لم يستثمرها كما أراد اليهود، ولم يتعاون معهم كما يجب في تلك المدينة التي أدمن البشر فيها على رائحة الدّم الممتزجة بأصوات الضجيج المختلط بالموسيقا، بل فكّر في إخراج أمواله من البلاد، وبدأ تنفيذ ذلك بتوكيله من ينشئ له مصنعاً للمسننات والمدارج في وطنه سوريا، وبالذات في قريته الثريا، لكنه لم يعد باستطاعته النوم في جناحه إلى جانب زوجته "مادلين داون"، وإنما صار ينام كل ليلة في جناح من أجنحة فندقه الذي يملكه في "لوس أنجلس".‏

وبينما كانت عاملة التنظيفات في الطابق الخامس تقوم بعملها صرخت: دم.. دم، وقد شاهد بعض النزلاء الدم يسيل سنتيمترات من باب الجناح رقم 25، حيث وجدت جثة رجل مكوّم وقد تناثرت بقع الدم في الغرفة، وطبعت آثار لكف مضرّجة على شراشف السرير والجدران، حيث سقط القتيل عيسى الشيخ وكُمَّ فمه، وكانت رجله محنية بقوة إلى رأسه وثلاث ثقوب في صدره.‏

مثلما أشار الروائي يحيى قسام بمهارة إلى الفضاء المكاني وإلى مسرح الجريمة وعرضها بتفاصيلها ونتائجها العائدة على اليهود، كذلك أشار في عدّة أمكنة إلى الوثيقة التأريخية مدركاً أهميتها الكبرى وقيمتها الأدبية وانعكاسها في ذهن القارئ لذا وجدناه يذكر تواريخ معينة ترتبط بالواقع مثل: (1982، 1985، 23 أيلول 1993).‏

بتفاصيل المكان وبالعلاقات التي تحكمه استطاع الروائي هنا أن يمنحنا على لسان كاترين الباحثة الاجتماعية الأمريكية، صورة عن هذا المجتمع:‏

"في الولايات المتحدة الأمريكية تتداخل التجارة باللصوصيّة، الفقراء قطّاع طرق، المفكّرون أداة لتبرير الأفعال، المنظّرون يضعون الخطط للقوى العاتية لتسهيل سحق الإنسان" ص 66.‏

على إثر مقتل عيسى، انتدبت السفارة السورية في أمريكا، سرحان الرجل الدبلوماسي، لمتابعة التحقيق في هذه الجريمة، ومن قبيل التنبيه إلى الخطر المحيق بالإعلام، أبرز قسّام سيطرة اليهود على هذا القطاع الحساس، وقد كتبت الصحف في اليوم التالي للجريمة:‏

"عربي ينتحر في شقته مخلفاً طفلين وأمهما لعدم تلاؤمه مع الحياة في أمريكا".‏

وعندما اقترب سرحان من ملامسة الحقيقة، سار الصهاينة في طريقهم المعتاد في تضليل الحقيقة، فبعثوا له إلى المستشفى، الفتاة الجذابة كاترين التي ظهرت له على أنها موظفة في الاستعلامات، وبان الأمر له طبيعياً بعيداً عن الخدعة، ولتتقرب منه أكثر عرضت عليه خدماتها وأخبرته بأنها قادرة على الحصول على التقرير الطبي في حادثة مقتل عيسى بعد أن عجز هو عن ذلك بخطة مدبرة من قبل اليهود.‏

بالفعل، سلمته التقرير بعد حضوره إلى فندق الشرق، متظاهرة بحب المساعدة، وبأنها تستعد للقيام ببحث جامعي ميداني حول معرفة العلاقات بين العاملين في المباني الشاهقة، فطلبت منه مرافقتها إلى مبنى "روكفلر" أو ما يسمّى مؤسسة إنماء ما وراء البحار، وهنا بدأت بتنفيذ الخطة لإغراق سرحان في وحل الرذيلة وإبعاده عن الوصول إلى الحقيقة، فادعت في ذلك أنها تخشى دخول هكذا مبنى بمفردها لذا طلبت منه مرافقتها.‏

عبر توصيف الكاتب لما يجري داخل طوابق المبنى، يفضح مخططات اليهود في نشر الفوضى العارمة والانحلال والقتل في العالم، وذلك لخدمة مصالحهم.‏

وافق سرحان على مرافقة كاترين وقد أغراه جمالها وأثار فضوله التعرف إلى هذا المبنى الشهير. في الطوابق العليا كانت كاترين توزع استمارات على المسؤولين لمساعدتها في بحثها كمتخصصة في الشؤون الاجتماعية، هكذا بدا الأمر طبيعياً لدى سرحان، فانزلق إلى مهاوي الظلمة دون أن يدري.‏

كان كل طابق مكلفاً بمهمة خاصة له، كما كان مطلياً بلون خاص وعلى جدرانه شاشات تمتد في سكون قاتل وسط صالات فسيحة، فالطبقات العليا في الخامس والخمسين وما فوقها احتوت على شركة التأمين "فوكس"، وشركة تصنيع الأدوية، وشركة البذور الزراعية، وعلى الأعمال الحرفية الحرّة، كالخياطة، إضافة إلى مؤسسة توظيف الأموال لإقامة مستوطنات في الجليل والنقب والجولان...، أما الطابق الخامس والأربعين الذي زاره سرحان برفقة كاترين كان مكاناً للتجارة العالمية، وهنا قابلهما رجل وسألهما:‏

ـ ما نوع المادة التي ترغبان بها.‏

في هذا الطابق بالذات أمسك شاب نحيل الجسم كاترين من يدها وقادها بعصبية إلى غرفة فُتح بابها من باطن الجدار، بعدها سمع سرحان صرخة ألم من جانب ما..، كما تعرض للابتزاز، فحمل كيساً من المخدرات مكرهاً على فعل ذلك، بعد أن دفع ثمنه، وفي جوفه يربض سكين أبيض، وهنا أمر بزيارة الشركة المكمّلة لهذا المبنى والطوابق السفلى التي كانت مسرحاً لشتى أنواع الجريمة، والدّعارة في الدهاليز المظلمة ذات الأنوار الخافتة، وصالات القمار والمراهنات لمباريات الركبي.‏

بعد خروجهما تابعا إلى الشركة المكمّلة، حيث شركة البترول، ووسط صالون كبير وجد حوض ماء وسطه يقوم مجسّم لناقلة نفط عملاقة وعلى الجدران فوق الحوض رأى سرحان شاشتي، عرض، وبالمقابل مجسّم لمصفاة تكرير النفط، أجهزة تحكم وأزرار وشاشات كمبيوتر.‏

راحت المرشدة لهما تضغط على الأزرار وتشرح لهما كيفيّة استغلال النفط وضخّه، وعلى شاشة التلفاز ظهرت صورة لصحراء عربية مترامية الأبعاد والخط البترولي آتٍ منها، وفي الصحراء ظهر جمل وعليه إعرابيّ والأنبوب بين قوائمه، ضغطت المرشدة على زرٍ فتحركت الناقلة إلى أن وصلت في نهاية المطاف إلى الأنبوب الممتد من عمق الصحراء، هنا داهم سرحان سؤال فقال موجهاً حديثه إلى المرشدة:‏

ـ وإن قام الجمل بالضغط على الأنبوب!؟ مشيراً إلى قطع الضّخ.‏

أجابته حينها:‏

ـ سنقتل الجمل ونجرّه بعيداً عن الأنبوب أو أقول لك، سنجعلها عاصفة تطيح بالجمل والجمّال.‏

خرج سرحان من المبنى حاملاً مغلفاً يؤكد إدانته، وبداخله كانت توجد صور التقطت له وهو يستلم كيس المخدر ومن ثمّ وهو يتخلص منه في دورة المياه، فكل شيء كان مصوراً ما عدا السلاح الذي غرس في جوفه، ليقتله إن لم يمتثل.‏

حينها انهار سرحان وشعر بوخزات الألم تضغط على رأسه، أحس بدوار يؤرجحه وكاد يغمى عليه، فأسندته كاترين وكلّها ثقة بأن فرصتها قد حانت، لتعذيبه أكثر، اقتادته بسيارتها إلى منزلها، ولتمارس عليه ساديتها، مددته على سريرها وأخذت تتلاعب بعواطفه، وتسقيه كأساً من البراندي خلف كأس في جوّ من الموسيقا والأنوار الخافتة حتى أصبح مخدر الرأس، وفي هذا الجوّ نسي سرحان:‏

"جماعته ومهمته، وألم رأسه، وسيطرت عليه الموسيقى والبراندي ورائحة اللحم، وطعم الشفاه" ص 124.‏

حينها باتت كاترين مسيطرة على سرحان وقد أخذت تملي عليه أوامرها، وتتصرف به كما يحلو لها، وبعد أن افترست قوته وشهوته، قالت له بحدّة، وبلهجة تنمّ عن تهديد قاطع مؤكدة أن بين يديها أدلة تدينه كرجل دبلوماسي:‏

ـ الآن يجب أن تغادر الغرفة وفي الصباح الباكر قبل التاسعة، عليك أن تغادر المدينة.‏

بعد تلك الزيارة اكتشف سرحان، أمريكا، ومن يكتشفها لابدّ أن يضحي وكانت تضحيته كبيرة، فقد عاد إلى واشنطن وأعفي من وظيفته في السفارة، بعد أن خرق قواعد السلوك الدبلوماسي.‏

بمقابل هذه الشخصية العنيفة، أبرز الكاتب عدداً من الشخصيات التي اتصفت بالوفاء والحب والإنسانية، كأصدقاء المغدور عيسى، نبيل وزوجته، زهدي، ونجيب، والمحامي إدوار أبي اللمع الذي كان مكلفاً بمتابعة المصنع، والذي توصل إلى حقيقة مقتل صديقه، حيث تبين أن القاتل أطلق النار عليه من مسافة سنتمترات من مسدس كاتم للصوت.‏

كما أن الروائي نقلنا إلى مشاهد الألفة والمحبة في الثريا قرية عسى، وذلك عندما وصلت برقية إلى والده إبراهيم الشيخ بوجوب حضوره إلى فندق الشرق لاستلام جثمان ابنه. هنا شاهدنا أهل القرية قد اجتمعوا في بيته، ليخففوا عنه مصابه الأليم.‏

بعد سفر إبراهيم ووصوله إلى الفندق واجتماعه بأصدقاء ابنه في مطعم "وست رستران" جاء اتصال مجهول إلى زهدي يطلب منه بلغة التهديد أن يرجع إبراهيم الشيخ فوراً إلى الفندق، وبعد أن أغلق الخط راح زهدي يقول لنفسه: "هنا أمريكا الإنسان فيها دائماً في الظل، ودائماً تحت الأنوار، يلاحِق، ويلاحَق، يسير بين الحفر العميقة وفوق ناطحات السحاب.. أمريكا أم الجريمة وأم الحرية" ص 155.‏

كذلك رأينا سيطرة اليهود وخططهم الفاسدة عبر "مايكل داون" شقيق "مادلين" زوجة القتيل عيسى، إذ راح يضغط عليها بشتى الوسائل لتقوم بزيارة المحامي ديفيد في مكتبه في مبنى "روكفلر" وتوكيله بكل شؤونها الإرثية. كان يقنعها بأنها امرأة يهودية كونها من أم يهودية، وبالتالي أمتها ساعدتها. لم تستطع مادلين الرفض بعد أن لوّح لها "مايكل" مؤكداً بأنها قاتلة زوجها وهي المستفيدة الشرعية في ذلك، مع أنها اكتشفت عبر دفتر مذكرات زوجها الذي كان يخفيه بين أغراضه الخاصة، أن "مايك" قابله أكثر من مرّة وهدّده بالقتل، وطلب منه الرجوع عن بناء المصنع في بلاده، وتحويل أمواله في استثمار مشاريع في مؤسسة وراء البحار، لكن عيسى رفض أن تكون أمواله قنابل وصواريخ تسقط على أمته، وحينها تمّ التخلص منه.‏

ليأتي دورها إمّا السجن وإما الموافقة على ما طلب منها، وبالتالي وجدت نفسها مجبرة على القيام بما يريدون، وفي معبد قديم تمّ توقيعها على الأوراق وتوكيل المحامي "وليم جنيفر" الذي أثنى عليها كامرأة يهودية، ومنحها باسم دولته اليهودية حق العيش برخاء ونعيم لها ولولديها في مستوطنة "س" في أرض الميعاد، كما أن لها الحق في منزل مؤلف من خمسة غرف وحديقة، بالإضافة إلى الحق في جنسيتها، ومنحها راتباً تقاعدياً، ثم سكب كأسين من الخمر قائلاً لها:‏

ـ مباركة أنتِ.. اشربي الكأس وإليك هذا العصير المبارك؟ فطير مبارك ومجبول بدم الأعداء.. بدم الأعداء.. هكذا قال ربنا.. هكذا قال... وهي مشيئته.‏

هكذا يفضح الكاتب يحيى، عُري اليهود كاشفاً الضوء عن مذهبهم الديني الذي جعلوه لخدمة مصالحهم.‏

فالرب لم يفضل شعباً على آخر، ولا عرقاً على عرق في كل الديانات السماوية. عقب هذه الخطوة المتشابكة والمتشعبة الأبعاد التي قامت بها مادلين، وُجد إبراهيم الشيخ مقتولاً في غرفته بحقنة سمّ.‏

هكذا وصل جثمان عيسى وجثمان والده إبراهيم الشيخ إلى قرية الثريا، ليدفنا في أرض الوطن.‏

لكن الروائي يحيى قسام لم يترك النهاية على غاربها، وإنما أكد على لسان المحامي عبد الله الشيخ، انه سيعلّم أطفاله الثأر وأن القتلة سيطالهم الثأر، وستحز سيوف الحرية رؤوسهم، وإن طال الزمن، فلابد للحق أن يظهر، وأن تطهّر أرض الوطن من الدنس الصهيوني.‏

بالتالي يمكننا أن نعد هذه الرواية ـ الصادرة عن منشورات دار المنير بـ 208 ص من الحجم الكبير ـ جديدة في طريقة بنائها، مشوقة في أدائها بواقعية وبموضوعية، بالإضافة إلى أنها تمثل صوتاً صادقاً، وتخلق جوّاً آخر في إعادة النظر بما يحاك للأمة العربية من مؤامرات صهيونية، كما أنها تزرع أملاً متجدداً ينتزع شعاعات الكبرياء الصافية في نهر الذل الذي يغرقنا، وهنا أجدني أوافق رأي الأديب الروائي حسن حميد فيما قاله عن رواية "حتى هناك":‏

"هذه الرواية، رواية نفوذ إلى تفصيلات الواقع المعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، ودور اليهود المسيطر على الرأسمال، والإنسان في آن معاً؛ وهي أيضاً رواية أسرار تكشف الطرق الملتوية والأساليب الجهنمية التي يتبعها اليهود في الوصول إلى غايتهم المرغوبة".‏

هكذا استطاع يحيى قسّام في رواياته تلك، أن يتحدّث عن تزعزع القيم الاجتماعية في بعض المجتمعات ورسوخها في مجتمعات أخرى، هذا فضلاً عن قدرته الفائقة على كشف بؤر الفساد الصهيوني في العالم بموضوعية، بالإضافة إلى كونه قيمة إنسانية كبيرة، فإنه قيمة أدبية مبدعة وله العديد من المؤلفات: "الموسوعة السورية الحديثة "17" مجلداً، وهي مطبوعة، أمّا ما هو قيد الطبع له "مسارات العقل في القرآن الكريم، موسوعة سورية البُنية والبُناة" سبعة مجلدات، كما أصدر: "القيم الاجتماعية في الريف دراسة اجتماعية ميدانية".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244