مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

معرض الفنانة الانطباعية رحاب السمان مصوَّرة الطبيعة وصديقتها ـــ د.كمال فوزي الشرابي

حين تأملت لوحات الفنانة المبدعة الأستاذة رحاب السمان في معرضها الذي أقامته مؤخراً بالمركز الثقافي العربي تحت عنوان (الطبيعة) شعرت بموجة من الإعجاب تغمرني يصاحبها شيء يشبه الجمالية الصوفية...‏

تستأثر هذه الفنانة المبدعة المرهفة باهتمامنا ومشاعرنا ما إن نشاهد لوحاتها الهادئة والممتعة و النابضة بالحياة والصدق والشفافية، وذلك لأنها بكل بساطة تسكب فيها من أحاسيس نفسها الراقية الذواقة...‏

تعالج الأعمال التي شاهدناها عدة موضوعات مستمدة من الطبيعة وعناصرها، ولذلك اختارت الفنانة كلمة "الطبيعة" عنواناً لمعرضها، وتشمل هذه الكلمة الجامعة عدة موضوعات:‏

أولاً: "الطبيعة الصامتة" ـ ولقد أحسن الفنانون العرب الأوائل حين اختاروا هاتين الكلمتين بدلاً من "الطبيعة الميتة NATURE MORTE" اللتين يستعملهما الفرنسيون والأجانب ـ ...ثمار وأزهار منوعة بديعة، أُحسن انتقاؤها وتصويرها، ظهرت في عدة آنية ملونة مختارة، تدعونا إلى التمتع برؤية جمالها وألوانها الحية، وتنسُّم عطورها الناعمة المعطاءة وذلك بعد أن نضَّرتها الفنانة بأناملها ولمساتها الرقيقة حتى أنها لتكاد تنطق أو تغني...‏

ومما يدل على حب الفنانة لآنية زهورها أو "مزهرياتها" أو زهرياتها وما تحتويه أنها أطلقت على كل زهرية منها اسم تحبب وتدليل يميزها، فهناك زهرية اسمها "كرنفال"، وثمة أخرى اسمها "صباح الخير" الخ...‏

ثانياً: "المناظر الطبيعية" وهي مستوحات من طبيعة أريافنا الجميلة، وما إن تنتقل من منظر حتى يدهشك منظر آخر بما يحويه من جمال وحيوية وعذوبة. ومن الملفت حقاً أن الفنانة أبدعت في تصوير كل الفصول.‏

وتعال معي لنشاهد مثلاً هذه اللوحات الآسرة: في ريف دمشق، الشجرة الكثيفة الشامخة التي تأبى أن تحني هامتها للريح فتميل قليلاً لتدع هذه الريح تمر بسلام... طريق في الغوطة مع اكتئاب الخريف يحملك على التأمل في مآل الحياة... خريف أحمر يذكرك بالخريف الهندي الأحمر إذا كنت قد زرت أمريكا... العيون السبع في تدفق ينابيعها الغزيرة الخيرة ببيت جن...‏

ثم هناك لوحة تمثل ربيع حمص بنضارته الباسمة المتألقة.. ولوحة عن بحيرة "عين المريسّة" على طريق حمص أيضاً...‏

نصل إلى محافظة اللاذقية وما فيها من مفاتن لا تعد ولا تحصى. ها نحن في منتزه "الفرنلق" العجيب الأسطوري وقد أبرزته لنا الفنانة رحاب السمان بطبيعته الصامتة ـ الحية وأشجاره الملأى بالهيبة والعنفوان... ثم تنتقل بنا ريشتها السحرية إلى منتزه أم الطيور... ومن لم يرَ أم الطيور فاتته رؤية الطبيعة في عظمتها وبساطتها! ولشدة شغفها بها كرست لها فنانتنا أربع لوحات من أجمل لوحاتها وأغلاها ثمناً... وهي لوحات تقف أمامها نشوان مدهوشاً لما تحويه من طلاقة وصفاء وهدوء وسحر وشاعرية.‏

ثالثاً: في رحلاتها إلى بعض البلدان كانت رحاب السمان تنتهز الفرص لتصور ما يحلو لها من مناظر في هذه البلدان. وهكذا نجد لديها مثلاً لوحة كبيرة تمثل بيتاً ريفياً وسط مزرعة في تونس، أو نجد لوحة تظهر فيها عظمة قصر كبير عجيب من الطراز القديم في اليمن السعيد الخ...‏

وبمناسبة إقامة هذا المعرض الجميل الأنيق الذي ينم عن أصالة في الذوق والإبداع والإتقان كان لنا مع الفنانة المبدعة رحاب السمان اللقاء التالي:‏

? أستاذة رحاب، بعد أن سعدت بتأمل لوحاتك الجميلة عدة مرات، يسعدني أن أُجري معك هذا الحوار. اسمحي لي أن يكون سؤالي الأول شخصياً يتعلق بسيادتك: هل حضرتك من أسرة السمان الدمشقية العريقة، وهل ثمة رابطة قرابة بينك وبين الأديبة والروائية الكبيرة الصديقة غادة السمان؟‏

?? نعم، أنا من الأسرة ذاتها، وغادة السمان هي ابنة عمي.‏

? كيف بدأت ترسمين، وما هو الدافع الذي قادك إلى عالم التصوير والرسم، ومتى بدأت وفي أية سن؟‏

?? بدأت أولاً بتعلم صناعة الورود والأزهار في جمعية شارع بغداد الخيرية بعين الكرش، وهذا دفعني إلى المزيد من محبة الفن. وصدف أن شاهدت معرضاً لفنانين كوريين وموضوعه عن الطبيعة فسحرتني أعمالهم لما فيها من صدق وشفافية وألوان جميلة تمثل كلها الطبيعة الكورية. وكان من تأثير ذلك كله أن أقبلت على دراسة مبادئ فن الرسم في (معهد أدهم إسماعيل) لفترة قصيرة، ثم انتقلت إلى المركز الثقافي الروسي تحت إشراف أستاذ أكاديمي أنهى دراساته الفنية في روسيا. وتابعت دراستي فيه خلال سنتين أقمت فيها معرضين مشتركين مع طلاب المعهد. وحازت لوحاتي الإعجاب، الأمر الذي دفعني إلى الاستمرار، وكان عمري لا يتعدى أوائل الخمسينات.‏

? هل في أسرتكم مصور أو إنسان يهتم بفن من الفنون الجميلة أو يكتب شعراً؟‏

?? أعتقد أنني ورثت هذا الميل إلى التصوير، وإلى الفنون بعامة، عن والدتي التي كانت تعشق الطبيعة والأزهار، وعن والدي الذي كان يحب سماع الموسيقا الكلاسيكية الراقية.‏

? لماذا اخترت عالم الطبيعة لترسميه؟ وماذا تعني لك الطبيعة؟ وبم تشعرين تجاهها؟‏

?? أحببت الطبيعة من طفولتي، وكنت أتردد على البساتين والحدائق وما أزال مما يشعرني بالمتعة والانطلاق والحرية.‏

? هل أنت رومانسية الطباع والنظرة إلى الحياة؟‏

?? خلقت رومانسية الطباع، ونظرتي إلى الحياة مستقرة متفائلة.‏

? ذكرت أنك شاركت بمعرضين في المركز الثقافي الروسي عامي 2000 و2001 ـ حيث درست الرسم. هل حظي هذان المعرضان بإقبال جماهيري، وهل بعت من لوحاتك فيهما؟‏

?? كان الإقبال جيداً على رؤية معرضيَّ الاثنين، ولا أذكر أنني بعت أية لوحة فيهما.‏

? هل أنت راضية عن نفسك لأنك اخترت هذا النوع من الفنون؟‏

?? أنا راضية جداً عن نفسي، وأشعر بالفخر لأنني أمارس فناً من الفنون الراقية، وأدعو كل فتاة وامرأة في بلادي إلى تعلم أحد الفنون لأن ذلك يسمو بأرواحنا ويشغلنا عن متاعب الحياة أو ينسينا إياها.‏

? شاركت في مركز وليد عزت بمعرض الخط العربي والزخارف الإسلامية. هل أنت خطاطة وهل تُعنين بالزخارف؟‏

?? لا أمارس كتابة الخط العربي، ولكني أتقن فن الزخارف الإسلامية.‏

? تعلمت في جمعية شارع بغداد فن تنسيق الزهور وتشكيلها والرسم على الزجاج، وهذا كله يدخل في فن الديكور أو الزينة. هل تمارسين هذا الفن وهل يدر عليك مالاً؟‏

?? لا أمارس فن الديكور بمعنى أنني لا أمارسه كمهنة إلاَّ لنفسي وصديقاتي.‏

? بمن تأثرت من الفنانين العالميين؟ هل تأثرت بواحد منهم أو بأكثر من واحد؟ ولماذا؟ وكيف؟‏

?? تأثرت بالانطباعيين (مونيه، رونوار، الخ...)، ولقد أحسست منذ البدء بالإعجاب بلوحاتهم وبالائتلاف معها.‏

? بمن تعجبن من الفنانين السوريين، وهل تأثرت بواحد منهم أو بأكثر من واحد؟‏

?? أعجبت بناظم الجعفري ولوحاته التي لا تحصى عن دمشق و تألق فن البورتريه لديه، كما أعجبت بنصير شورى ولؤي كيالي وعمر حمدي باعتبارهم ينتمون إلى المدرسة الانطباعية التي أنتمي إليها، كما أعجبت بعز الدين شموط لأنه يعنى في لوحاته بالزخرفة، كذلك تعجبني عتاب حريب بلوحاتها المائية وألوانها الزاهية، ويعجبني أيضاً ماريو موصلي بواقعيته وانطباعياته، وناثر حسني بدمشقياته..‏

? في رأيك هل بلغ الفن السوري الحديث مرتبة تؤهله لأن يكون عالمياً؟‏

?? أعتقد أن الفن السوري قد بلغ مرتبة العالمية، وخير أمثلة لدينا كفنانين عالميين هم ناظم الجعفري وعمر حمدي وعز الدين شموط ونذير نبعة...‏

? ما رأيك في الفنان العالمي فان كوخ كإنسان أولاً ثم كفنان، لاسيما وإن إحدى لوحاته قد اشتراها مؤخراً هاوٍ ياباني بمبلغ 82 مليوناً و400 ألف دولار؟‏

?? فان كوخ عملاق من عمالقة الرسم والتصوير. إنسان رومانسي وحساس جداً. ظُلم في حياته وأصيب بصدمات كبيرة. أذكر إنني حضرت معرضاً له بمدينة هيوستن بأمريكا أعجب به الجمهور كثيراً، وكان هذا المعرض يضم أعمال بعض الفنانين الذين أحبهم وتأثرت بهم كمونيه ومانيه وسيزان وسواهم.‏

? ما رأيك في الفنان الإسباني بابلو بيكاسو؟ البعض يرفع من شأنه والبعض يحط منه ويقول إنه مشعوذ يتعامل مع فئة من المهووسين والجهلة؟‏

?? لا أريد أن أفتري عليه أو آخذ برأي أحد عنه... جملة ما أريد قوله هو إنني لم أتمكن حتى الآن من فهم فنه.‏

***‏

وأخيراً كان لي مع هذا المعرض الجميل الأنيق الباذخ ثلاث جولات خلال ثلاثة أيام، في كل جولة منها كنت أراني مشدوداً لرؤية ما يحويه من جديد حتى لقد خطر ببالي مراراً بيتٌ لابن الرومي في وصف (وحيد المغنية الرائعة):‏

أهيَ شيءٌ لا تشبعُ العينُ منه‏

أمْ لها كلَّ ساعةٍ تجديدُ‏

لكم ينطبق هذا البيت الجميل على اللوحات المتألقة التي أبدعتها لنا رحاب السمان بنظرتها القادرة وأناملها الساحرة وريشتها الماهرة. فالشكر كل الشكر لها ولإبداعها الفريد النابع من أعماق روحها الشفافة المرهفة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244