|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
نازك الملائكة نخلة الأمة السامقة ـــ أ.د.حسين جمعة نازك الملائكة شاعرة عراقية عربية عظيمة، رأى كثير من المحدثين أنها ظاهرة شعرية أكدت ذاتها حين غدت رائدة الشعر العربي الحر ذي التفعيلة، لأنها أول من أصدرت ديواناً غلب عليه هذا الفن بعنوان (شظايا ورماد) عام (1949م) وفيه تجاوزت نزعة التجريب ودعت الشعراء إلى تبني النظام الجديد الذي يتحرر من القافية المتواترة، وإن لم يخلُ من الشعر التقليدي. وقد ضَمَّ الديوان قصيدتها المشهورة (الكوليرا) المنظومة على بحر المتدارك (الخبب)، والتي صوّرت فيها مشاعرها نحو ما أصاب ريف مصر من وباء الكوليرا صيف عام (1947م)، الذي حصد عشرات الآلاف من الأرواح؛ وهي أول قصيدة بشَّرت بالشعر الحر إذ نظمتها في (27/10/1947م) قائلة: "كتبت تلك القصيدة أُصوِّر بها مشاعري نحو مصر الشقيقة خلال وباء الكوليرا الذي داهمها. وقد حاولت فيها التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجرُّ عربات الموتى من ضحايا الوباء في ريف مصر، وقد ساقتني ضرورة التعبير إلى اكتشاف الشعر الحر" (قضايا الشعر العربي المعاصر ـــ ص21). وقد تنازعت أسبقية ريادة الشعر الحر في العراق مع الشاعر العراقي المشهور بدر شاكر السيّاب المتوفى في ستينيات القرن العشرين في قصيدته (هل كان حباً) المنظومة في العام نفسه، واختلف في أيهما كان له فضل السبق، وحين تناولت ذلك في كتابها (قضايا الشعر المعاصر) الصادر سنة (1962م) أقرَّت بأن هناك قصائد في الوطن العربي منذ عام (1932) تنتمي إلى نمط الشعر الحر. فنازك الملائكة تربعت على عرش الشعر الحر دون منازع فزاحمت السياب والبياتي وبلند الحيدري وعاتكة الخزرجي، ولميعة عباس عمارة وحياة شرارة وغيرهم. وكانت عاتكة ولميعة وحياة من أديبات العراق اللواتي أسسن مع نازك للحركة الثقافية النسائية في العراق. وعلى الرغم من هذا فهي نموذج فريد للشاعرات الأديبات المثقفات في الساحة العربية وذات أثر بالغ في مسيرة الشعر والنقد؛ فمن هي نازك الملائكة؟ وما الأسباب وراء مسيرتها الأدبية الراقية والمتميزة؟ وما هي أهم نتاجاتها الأدبية والثقافية؟ هذا ما نركز فيه الحديث من دون تفصيل. 2 ـ ولادتها، نسبها؛ لقبها، وفاتها: ولدت نازك صادق الملائكة بمحلة (العاقولية في بغداد يوم (23/8/1923م)، واشتهرت عائلتها بالحياة المطمئنة الهادئة؛ وبالعلاقات الأسرية النموذجية التي تتسم بالوقار والاحترام، وبالدماثة الخلقية الرائعة ما جعل جيرانها يطلقون عليها لقب (الملائكة)، ومن ثم عُرِفت نازك منذ ولادتها بلقب (نازك الملائكة). وتوفيت بالقاهرة يوم الأربعاء (20/6/2007م) عن عمر يناهز رحلت كما رحل عدد من المبدعين بعد معاناة شديدة مع المرض والعزلة، ودفنت بعيداً عن العراق مثلها مثل الشاعر يوسف الصايغ الذي دفن في مقبرة بأحد أطراف دمشق... رحلت بعد أن عاشت في القاهرة وحيدة مع ابنها الوحيد (البراق) منذ عام (1990م) وماتت وحيدة مريضة فقيرة كحال كثير من الأدباء المبدعين، وكأن ما ذكرته في قصيدتها (في وادي العبيد) من ديوان (عاشقة الليل) قد انطبق على أخرياتها، ومنها:
3 ـ البيئة الاجتماعية والثقافية: تركت بيئتها الاجتماعية والثقافية أثرها الكبير في بروز موهبتها؛ واتّقاد عقلها، وثراء إنتاجها الأدبي والثقافي وتنوعه. فقد هيّأت أُسرتها لها كل أسباب الإبداع والابتكار والقراءة والتعليم؛ فضلاً عن الرعاية الراقية التي أحاطتها بها، لما تمتاز به هذه العائلة من كريم الصفات ورقي الثقافة. فأبوها (صادق الملائكة) باحث وأستاذ للعربية ونحوها، وله عدد من المؤلفات؛ أشهرها موسوعة (دائرة معارف الناس) في عشرين مجلداً. وتحدثت عن أبيها قائلة:"في عامي (1939 – 1940م) اتجهت اتجاهاً شديداً مبالغاً فيه إلى دراسة الأدب القديم وخاصة النحو، فأعطاني أبي كتباً مثل: شرح شواهد ابن عقيل للجرجاوي، وفقه اللغة للثعالبي، وخزانة الأدب للبغدادي، وعشرات من الكتب مثلها" (انظر مجلة الرأي الثالث ــ العدد الأول ــ آب 2007م ــ ص50). وأمها (سلمى عبد الرزاق الملائكة) الكاتبة والأديبة والعارفة بأصول الشعر والناظمة له. وقد عرفتها المجلات والصحف العراقية في كتابتها العديد تحت اسم (أم نزار). وكانت مؤدبة نازك في الشعر والحياة؛ في الوقت الذي كان لمرضها المفاجئ ومرافقة نازك لها إلى لندن ـــ وقد وافتها المنية هناك نتيجة عملية استئصال ورم دماغي ـــ أعظم الأثر في شاعرية نازك وحزنها العميق، الذي ترك بصماته فيها حساسية مفرطة وقلقاً وتوتراً حتى عولجت عند طبيب للأعصاب. ولا يقل تأثير أخيها (نزار الملائكة) عن أمها فهو حقوقي أديب ناقد يميل إلى الأدب الحديث العربي والغربي وما كتب فيه. ولهذا عرفت طه حسين وأحمد شوقي وأحمد فارس الشدياق والآلوسي كما عرفت من الأدب القديم الأصمعي وابن رشيق والجاحظ و... والنابغة الذبياني والمرقش الأكبر والبحتري وأبا العلاء وابن زيدون وابن خفاجه و... أما زوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة، فقد تعرفت إليه في قسم اللغة العربية بجامعة بغداد يوم صارت أستاذة فيه؛ وتزوجت به وأنجبا ولدهما الوحيد (البُراق) الذي رافقها في وحدتها وعزلتها في القاهرة وكان ابنها باراً بها، يعالج مرضها حتى فارقت الحياة. ومن يتعقّب حياتها الأدبية والثقافية والاجتماعية يجد أنها بدأت في السابعة من عمرها بنظم الشعر المحكي، ثم انتقلت إلى نظم الشعر الفصيح في سنّ العاشرة ما جعل والدها يخصّها بالعناية الأدبية والثقافية، بعد أن أعفاها من مهمّات العمل المنزلي أو أي عمل يعيق موهبتها، فضلاً عن رعاية أمّها لها، ومن بعدُ زوجها. وكانت قد أنهت الدراسة الثانوية في سنة (1942م) ثم دخلت (دار المعلمين العالية) ببغداد وتخرجت فيها عام (1944م) بدرجة امتياز، في الوقت الذي التحقت بحلقة دراسية في (المعهد الثقافي البريطاني) أجادت فيه اللغة الإنكليزية، ودرست الأدب اللاتيني والإنكليزي، وقرأت شعر (بايرون وشيللي) وغيرهما. ثم دخلت (معهد الفنون الجميلة) لدراسة الموسيقا، فرع (العود) في الوقت الذي درست فن (التمثيل) حتى تخرجت عام (1949م)، وما لبثت أن حصلت على الماجستير في الأدب المقارن من جامعة (وُسكونسن) بأمريكا، وعادت عام (1954م) لتصبح أستاذة بكلية التربية في بغداد، ثم كلية التربية في البصرة، والكويت... وكانت منذ عام (1951م) قد اتجهت إلى كتابة النقد وإلقاء المحاضرات... ولعل قدرة هذه الشابة لم تتوقف عند حدّ فقد دخلت (المعهد العالي للغات) سنة (1953) وأجادت اللغة الفرنسية واللاتينية والألمانية. وقرأت الشعر الفرنسي، وتأثرت بالشعراء الفرنسيين ولاسيما (موليير ودي موباسان وألفونس دودييه). وقد غادرت بغداد إلى بيروت إثر ثورة الرابع عشر من تموز وقد مثلت العراق في مؤتمر الأدباء المنعقد في بغداد عام ومن يدقق في مسيرة حياتها الاجتماعية والثقافية؛ وفي طبيعة الأحداث التي عاشها العراق على مدى تاريخه الطويل يدرك أن نازك الملائكة تأثرت تأثراً شديداً للأحداث التي وقعت إبان (1990م) فلم تطق رؤية ما يجري من حولها والعراق يتعرّض للدمار والفوضى والعبث؛ إذ صدمتها المأساة الجديدة لبلاد الرافدين، فيممت وجهها سنة (1990م) إلى القاهرة. وهناك فرضت العزلة الطوعية على نفسها، ثم ساعدها على اتخاذ هذا القرار ما ابتليت به من أمراض جسدية، ونفسية كالقلق والتوتر والخوف و... وكانت قد تعرضت لمثل هذا المرض من قبل إبّان ما كان يحدث للفقراء العراقيين الذين يموتون جوعاً، ويقتلهم التشرّد، كما حدثتنا عنه في قصيدتها (النائمة في الشارع) ومنها: في (الكرَّادة) في ليلةِ أمطارٍ ورياحْ والظلمة سقفٌ مُدَّ وسِتْرٌ ليس يُزاحْ انتصف الليل، وملء الظلمة أمطار وسكون رطبٌ يصرخ فيه الإعصار الشارع مهجور تُعْوِل فيه الريحْ تتوجّع أعمدة؛ وتنوح مصابيح في منعطف الشاعر، في رُكنٍ مَقرور حرست ظلمتُه شُرْفَةَ بيت مهجور كان البرق يمرُّ ويكشف جسم صبيَّهْ رقدت يلسعها سوط الريح الشتويةْ وتستمر هذه القصيدة في التعبير عن حالات الموت والآلام والأوجاع التي شكلت ندوباً عميقة في نفسها منذ ريعان صباها، وهي تركز عليها بمشهد شعري دقيق ومركز، وبعين ثاقبة تستنير الرؤى الكامنة وراءها، مما عايشته وعانت منه هي وغيرها من بنات جيلها... وأكتفي بهذا لأنتقل إلى حديث موجز ومركّز عن إنتاجها الأدبي والثقافي. بدا لنا مما تقدّم أن نازك الملائكة تمتلك قدرات عالية، ومواهب عدّة في التدريس والتأليف والإبداع والنقد، بيد أن شهرتها جاءت ـ غالباً ـ من شاعريتها التي جعلتها ترود آفاقاً فنية رفيعة في الشكل والمضمون؛ حتى جعلها كثير من النقاد رائدة الشعر الحر في العراق دون منازع؛ ومن ثم رائدة الشعر العربي الحر والداعية إلى تبنيه منذ عام (1949م) إذ بدأت تتشكل لديها هذه التجربة المتميزة نتيجة الثقافة القديمة والحديثة التي تزودت بها؛ وهي المرحلة التي أخذت ملامحها الفكرية والفنية تتجدد بعد بداية الستينيّات من القرن العشرين حين تعمقت تجربتها الفنية، وتزوّدت من الأدب العالمي بكثير من التقنيات والموضوعات. وقد برزت واحدة من أعمدة الشعر الرومانسي الذي ازدهر وقد تصدّى عدد من الدارسين لهذه المسألة، ولاسيما حين واجهت الفوضى الشعرية في الشعر الحر، فعادت إلى تصحيح رؤيتها في قالب واضح ومتوازن، فقامت بمراجعة عدد غير قليل من الآراء التي طرحتها من قبلُ. فلما خشيت على التراث العربي الشعري الأصيل من الفوضى التي أخذت تشيع في الشعر الحر، ومن الحيف الذي وقع على الشعر ذي الشطرين؛ آثرت الانحياز مرة أخرى إلى الإبداع المتميز والمتجدد، إذ قالت في حوار لها مع مجلة (دنيا المرأة) الصادرة ببيروت (كانون الثاني ـ 1960م): "في الواقع إنني حين دعوت إلى الشعر الحر في مقدمة ديواني (شظايا ورماد) لم أقصد قط إلى أن هذا الأسلوب في الوزن ينبغي أن يزيح أسلوب الشطرين ويتربّع مكانه؛ وإنما قالت حرفياً: إنه لون من الحرية يحسن أن نمنحه للشاعر العربي المعاصر. والواقع أن الشعر العربي يخسر خسارة فادحة لا تعوّض إن هو تخلَّى عن أسلوب الشطرين، بل إنه لا يستطيع على الإطلاق أن يتخلّص من هذا الأسلوب. كانت سنوات الشعر العشر الماضية سنوات تجربة مريرة في تاريخ الشعر العربي حتى تكاد هذه الحرية ـ إن أردناها حرية ومسؤولية ـ تتحول إلى عبث وفوضى. إنني لأعجب من أن يخطر لأي إنسان أن الشعر الحر ينبغي أن يمحق أسلوب الشطرين، ويقضي عليه، ذلك أن هناك موضوعات لا يصلح لها الشعر الحر". ولا شيء أدل على رؤيتها هذه مما نقرؤه في تجربتها الشعرية التي ضمّت عدداً من الدواوين وهي: 1 ــ عاشقة الليل ــ صدر ببغداد، عام (1947م) وضمّ كثيراً من القصائد التقليدية ذات الحقول الدلالية الجديدة، والصور المستحدثة؛ وسيطرت عليه نزعة الحزن والقلق والأنماط الإيقاعية القديمة. 2 ـ شظايا ورماد ـ وصدر عام (1949م) وفيه عدد من القصائد التقليدية لكنه اشتهر بأمرين: الأول: أنه ضمَّ مقدمة دعت إلى تبني نظام الشعر الحر. الثاني: أنه ضمَّ قصيدة (الكوليرا) التي عُدَّت أول قصيدة في العراق تتبنى هذا النظام. وقد ترك هذا الديوان أثره العظيم في أجيال الشعراء الشابة حين وفَّر للشعر الحر الأرض الخصبة، دعوة وتطبيقاً، من دون أن نهمل الأثر الكبير للشعراء الآخرين أمثال بدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري؛ ويوسف الصايغ، فضلاً عن الشعراء الآخرين في ديار العرب مثل (نزار قباني، وأدونيس، وفدوى طوقان، وصلاح عبد الصبور، وخليل حاوي، ومحمد الفيتوري). 3 ـ قرارة الموجة ـ وصدر عام (1957م). وفيه استمرت تجربتها الشعرية، وظهر الشعر عندها مادة تعالج موضوعات مهمة ذات بُعْد اجتماعي واقتصادي وسياسي، في نزعة رومانسية طاغية. وهو ما نجده في باقي إنتاجها الشعري. 4 ـ شجرة القمر ـ وصدر سنة (1965م). وقد أثارت مقدمتها لـه ـ أيضاً ـ النقاد والدارسين، حين أطلقت رأيها النقدي المثير بأن الشعر العربي سيعود عاجلاً أم آجلا لأوزان الخليل. 5 ـ يُغيّر ألوانه البحر ـ وصدر سنة (1970م) ثم طبع طبعات عدّة. 6 ـــ مأساة الحياة وأغنية للإنسان ـ صدر عام (1977م) وهو ثلاث مطولات، قدمت لها بمقدمة تحدثت فيها عن تأثرها بمطولات الشعر الإنكليزي كما كشفت عن بيان فلسفتها التشاؤمية والمصدر الذي نهلت منه، كما في قولها: "وكنت أُكثر من قراءة الشعر الإنكليزي، فأعجبت بالمطولات الشعرية التي نظمها الشعراء، وأحببت أن يكون لنا في الوطن العربي مطولات مثلهم، وسرعان ما بدأت قصيدتي وسميتها (مأساة الحياة). وهو عنوان يدل على تشاؤمي المطلق وشعوري بأن الحياة كلها ألم وإيهام وتعقيد. وقد اتخذت للقصيدة شعاراً يكشف عن فلسفتي فيها هو هذه الكلمات للفيلسوف الألماني المتشائم شوبنهور: (لست أدري لماذا نرفع الستار عن حياة جديدة كلما أسدل على هزيمة وموت؟ لست أدري لماذا نخدع أنفسنا بهذه الزوبعة التي تثور حول لا شيء؟ حتامَ نصبر على هذا الألم الذي لا ينتهي؟ متى نتدرع بالشجاعة الكافية فنتعرف بأن حب الحياة أكذوبة، وأن أعظم نعيم للناس جميعاً هو الموت...؟). والواقع أن تشاؤمي قد فاق تشاؤم شوبنهور نفسه"، (انظر الأعمال الكاملة ــ مجلد1 ــ مقدمة 6 ـــ 7). وتعدُّ مطولة ( مأساة الحياة) أول قصيدة لها بدأتها عام (1945م) ـ وعمرها لا يزيد على اثنين وعشرين ربيعاً ـ وانتهت منها بعد ستة أشهر في عام (1946م). ثم أتبعتها بمطولة ثانية ( أغنية للإنسان) بعد خمسة عشر عاماً، وكلتاهما تدور حول موضوع الموت والمآسي، وكانتا تشهدان التثقيف والتنقيح حتى صدرتا في الديوان المشار إليه. 7 ـ للصلاة والثورة ـ وصدر سنة (1978م). وفي ضوء ما سبق كلّه يثبت لنا أن دعوتها إلى التجديد كانت في صميم الإبداع الأصيل الذي يمزج بين الأصالة والمعاصرة، في اتجاه رومانسي واضح المعالم. فنازك الملائكة جعلت الشعر فِعْل حياة وحرية، وطريقاً يخلصها من الخيبات والآلام التي تلاحق مجتمعها، وينقذها من المعاناة النفسية الشديدة الوطء عليها منذ صباها حين فقدت أمّها بمرض السرطان، ثم حين رأت الأوبئة تجتاح الأرض العربية فتدمرها موتاً، لا يتفوق عليها في التدمير والقتل إلا ما رأته من الأحداث التي جرت في العراق إبان حرب الخليج.. كانت منذ ريعان شبابها تبحث عن سر الوجود وفهم حقيقته فتتساءل في قصيدة لها بعنوان (أنا) ومنها: الليل يسأل: من أنا؟ أنا سرّه القلق العميق الأسود أنا صمته المتمرد قنّعت كنهي بالسكون ولففت قلبي بالظنون وبقيت ساهمة هنا أرنو، وتسألني القرون: أنا من أكون؟!!. لقد ظل شعرها في تحوّل فكري دائم، يتطوّر في البحث عن الأسئلة التي تعنى بالمجتمع العربي، وبكل ما عاشته من صراعات فكرية كبرى شملت ساحة الوطن العربي فضلاً عن الصراعات المسلحة. لهذا انتصرت لكل مظلوم، ومقهور وجائع أنّى كان موقعه... كان شعرها صورة فنية وجمالية موازية للواقع العربي، وهو يتحول من شكل إلى آخر كتحول هذا الواقع، وكانت تتساءل عن علاج شاف ولكنها لم تصل إلى جواب؛ سوى أن الموت يحيط بكل شيء، فراحت تطوف على مذهب الرومانسيين المتأثرة بهم في أبعاده الفلسفية حتى مماتها، إذ كانت مشاعر القلق والتوتر والإحباط والاضطراب وموضوعات التصوف والتشاؤم والموت ملازمة لها، كما عبّرت عنه في قصيدة (الكوليرا) وغيرها... وكما اعترفت به في أقوالها. وقد عبَّرت عن ذلك بطرائق فنية تستدعي الدراسة المتأنية كالمشهدية، والحوارية، والتصوير الحي المليء بالرومانسية العاطفية العالية، وبالرؤى الفكرية المتواشجة مع كل مشهد يعرض أمامنا، وكأنها تنهض بعمل مسرحي متكامل، وبحكاية اجتماعية شديدة التأثير، وكلّها تستجيب لمنطق الشعر الجميل والشفاف الذي كانت تبحث عنه وهي تنتقل بقدرة فائقة من ضمير الغائب إلى المخاطب والمتكلم، ومن القرار إلى الجواب في تشكيل فني بين الخبر والإنشاء وفق أسلوب الالتفات، ومن ذلك قولها من قصيدة لها، وكان عمرها آنذاك (23) سنة: (الخفيف)
ولست في معرض تفصيل ذلك فيكفي ما أشرت إليه، ولعلّي أعود له في دراسة وافية، لأشير ـ هنا ـ إلى أن نازك الملائكة كانت ذات مواهب متنوعة لا تقل قيمتها وتأثيرها عمّا وجدناه في شعرها. فقد اتجهت إلى كتابة النقد الأدبي والاجتماعي منذ عام (1952م)، وكانت محاضرتها في (نادي الاتحاد النسائي) قد أثارت ضجة كبرى في بغداد لا تقل عن الضجة التي أثارتها قصائدها. وفيها انتقدت أوضاع المرأة العربية، ودعت إلى تحررها من التخلّف والجمود، و... ويُعدُّ كتابها النقدي (قضايا الشعر المعاصر) الصادر سنة (1962م) من أهم الكتب النقدية الرائدة في العصر الحديث في مجال التطبيق والتنظير للشعر الحر... وما يزال مرجعاً متميزاً في هذا المجال لا يستغني عنه باحث في الأدب الحديث ونقده... ولا يقل كتابها (سايكولوجية الشعر) الصادر (1992م) قيمة عنه... ولولا الإطالة لبيّنا قيمة ما عرضت لـه في التنظير للسطر الشعري (الجملة الشعرية) والمقطع الشعري، والقصيدة المدورة، والوحدة العضوية، والبند الشعري، والبحور الصافية، والممزوجة و... أما كتابها (الصومعة والشرفة الحمراء) فقد جمع محاضراتها الأدبية والنقدية كمحاضرتها النقدية المهمة عن شعر الشاعر الملاح التائه علي محمود طه وحياته، كما أشرنا إليه من قبل. أما كتابها (التجزيئية في المجتمع العربي) والصادر سنة (1972م) فهو كتاب قيّم في علم الاجتماع؛إذ ألقت فيه الضوء على المظاهر السلبية المختلفة في هذا المجتمع. وأسهمت نازك الملائكة في كتابة القصة والسيرة، ولكنها لم تشتهر بهما، لقلّة ما أنتجته فيهما، على اعتبار إجادتها في الشعر والنقد، ما أبعد النقاد والدارسين عن تناولها في هذين الفنين. وقد صدرت لها مجموعة قصصية بالقاهرة سنة (1997م) بعنوان (الشمس التي وراء القمة)، وبرزت فيها متمكنة من القصة القصيرة ولاسيما في قصصها الثلاث (ياسمين) (وصخور التل) و(قناديل لمندلي المقتولة)؛ علماً بأن عدداً غير قليل من قصائدها تستند إلى القصة الشعرية كما نراه في ديوانها (شجرة القمر). أما فن السيرة فقد كان لها (مختارات من سيرة حياتي وثقافتي) وتقصد سيرتها الشخصية، فضلاً عن جملة من الحواريات المتنوعة الموضوعات، كما أشرنا إليه قبل قليل من مجلة (دنيا المرأة) البيروتية. ولا يمكننا أن نهمل الإشارة إلى عناية نازك الملائكة بأدب الأطفال إذ ضربت فيه بسهم دقيق أفاد من الحكايات الشعبية العراقية والعربية كقصيدتها ( أغنية إلى طفلي). هكذا فارقت نازك الملائكة الدنيا التي تجهمت لها، كما تجهمت لوطنها العراق، ولأمتها كلّها وبخاصة في فلسطين... فارقتها وقد أحاطت بها وبهما أزمات شتى اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً و... فارقتها بعد أن مشت على خطى الحزن والدموع؛ وعلى حبال القلق والتوتر والاضطراب والمرض.. ولكنها تركت وراءها إنتاجاً عظيماً أكّد أنها سيدة عربية عظيمة فَذَّة في إبداعها ونقدها ومواقفها.. فصارت الأمَّ الحنون التي ترتاح رؤوسنا عند اسمها وأفكارها وطموحاتها إلى التجديد والابتكار... إنها أسّست لنا أصول التعامل مع الأصالة والمعاصرة من خلال إقامة التوازن بينهما دون أن يطغى أحدهما على الآخر... كانت تستنهض الأجيال على الدوام إلى كل إبداع متألّق، وتقدّم راقٍ للأمة أدباً ونقداً وثقافة وحياة... فإذا كانت حياتها الجسدية قد أقفلت أبوابها الأخيرة على الدنيا فإنها قد فتحت أبواب عقولنا لاستدعاء تجربتها الأدبية والنقدية والنضالية، لتعمل بها استلهاماً ودراسة. وإذا كانت قد لقيت احتفاءً طيباً في دار الأوبرا بالقاهرة، وقامت حولها الدراسات العلمية والثقافية؛ فإن ما نقوم به اليوم جزء صغير من الوفاء لها... كانت ـ رحمها الله ـ نخلة العراق الباسقة، بل نخلة الأمة السامقة برمتها. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||