مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

صفحات من حياة نازك الملائكة بقلمها الطفولة الأولى : 1923 – 1930

بغداد في منتصف ليلة من ليالي 1923 … وتحت الليل تمتد المدينة المظلمة العتيقة مغرقة في وسن عميق ، لا يقطعه إلا صوت الحرس المتعبين وهم يسيرون ببطء وضجر في أزقة المدينة المتلوية الضيقة ، التي تكاد تكون مظلمة لولا أضواء الفوانيس القليلة التي كانت مبعثرة في الطرق على غير نظام.‏

وكانت الليلة حارة خانقة ، فلاذ الأهلون منها بالنوم ، وأووا إلى سطوح البيوت لائذين بالنسيان والتشاغل ، وقد زاد الظلام عمقاً ورهبة أن القمر كان في المحاق فقد كانت الليلة آخر ساعات شهر ذي الحجة من السنة الهجرية.‏

ولكن بيتاً واحداً من بيوت محلة العاقولية ببغداد كان مستيقظاً ، تتعالى فيه الهمسات والتأوهات ، وتسمع في أبهائه أصوات أقدام السائرين ، وتخفق في ظلماته أضواء الفوانيس اليدوية .. وفي إحدى الغرف الواسعة تعالى صراخ طفلة سمراء ليس في وجهها أية علامة من علامات الجمال أو الذكاء ، شهدت الوجود أول مرة هذه الساعة.‏

بكت الطفلة وهي تمس أرض الوجود أول مرة ، وبقيت تبكي بكاء صارخاً طويلاً بلغ سمع أبيها الذي كان ينتظر نبأ قدومها بلهفة في غرفة مجاورة..ودخلت فتاة يبدو عليها التعب وقالت وهي تلتقط أنفاسها "فتاة ..طفلة..لا تبتئس على كل حال ..المهم صحة والدتها.."‏

خرجت ناقلة الخبر: وساد الغرفة سكون عميق انقطع بعد لحظات وتعالى صوت دقات ساعة بعيدة، طالما دوت فسمعتها المدينة كلها..دقات ساعة "الفشلة" في بغداد . وأصغى الشاب الجالس في الغرفة وأحصى الدقات ثم همس في نفسه: الساعة الثانية عشرة تماماً .. .. منتصف الليل.! والآن تبتدئ الحياة فصلاً جديداً وعاماً جديداً.. الآن يولد عام 1342 الهجري وبمولده ولدت هذه الطفلة .. ابنتي الأولى" . وفي صباح اليوم التالي كتب في مفكرته :‏

الأب رجل عملي واقعي مغرم باللغة العربية ودراسة الفقه والمنطق والشعر والأم فتاة يافعة لم تبلغ بعد السن الصالحة للأمومة، مغرمة بقراءة القصص وسير الأبطال والشعر العذري . الأب في الثامنة والعشرين من عمره ، والأم في الرابعة عشرة!‏

وقد كان لهبوط بطلة هذه القصة الحياة هزة فرح عميق في أنفس الوالدين وأسرتيهما، وإن كان فرحهم قد قوطع مراراً بالدموع والصرخات البغدادية التي تتعالى عادة في شهر محّرم، فقد شاء القدر أن تولد فتاتنا ليلة محرّم، وكانت الأسرة تحتفل كل عام بهذه الذكرى بإقامة مأتم نسوي فلا عجب أن تستقبل الطفلة بالدموع، فكان صباحها الأول في الوجود مقترناً بأصوات النساء الباكيات.‏

ولكن هذه المظاهر من الحزن التقليدي لم تمنع من الفرح بلقاء الطفلة، بل كان السرور شاملاً عاماً ، فوزعت الحلوى وعقر خروف وزع لحمه على الفقراء وتعالت الزغاريد والأغاني، وكتب الأب قصيدة يحيي بها طفلته ويؤرخ مولدها بهذا الشطر : "نازك جاءت في زمان السرور".‏

وكانت قصة اختيار هذا الاسم التركي لتسمية الطفلة أنها ولدت عقب الثورة التي قادتها الثائرة السورية "نازك العابد" على السلطات الفرنسية. وكانت الصحف إذ ذاك تطفح بأنبائها، فرأى جد الطفلة أن تسمى نازك إكراماً للثائرة وتيمناً بها وقال : "ستكون ابنتنا نازك مشهورة كنازك العابد إن شاء الله."‏

بلغت نازك أوائل الخامسة من عمرها ، وحان أوان دراستها ، واستقرت نية أبويها على أن يدخلاها إحدى رياض الأطفال، واختارا الروضة التابعة للابتدائية المركزية في العاقولية.‏

وفي ذات صباح اقتيدت الطفلة إلى المدرسة ، ودخلت بها أمها وخالتها البناية الكبيرة وقالت لها أمها : "نازك ! هذه مدرستك..اذهبي والعبي مع الأطفال ولا تنفردي ." وسرعان ما تركتها وانصرفت ووقفت بطلتنا الصغيرة تحدق في الأوجه الضاحكة المحيطة بها وتحس بغربة مؤلمة. أين تذهب؟ ماذا تفعل؟‏

وتلفتت حولها محزونة. آه لو لم تذهب أمها وتتركها إذن لتوسلت إليها أن تأخذها معها إلى البيت ! ولكن ألا يجوز أن تتبعها الآن؟ تجري وراءها صائحة : "ماما .. لا أريد البقاء هنا!!"‏

وركضت فجأة بقوتها كلها، وسقطت في الطريق عاثرة بصخرة كبيرة على الأرض، ولكنها تحاملت على نفسها ونهضت تجري نحو باب المدرسة وما كادت تخطو الخطوة الأولى حتى برز لها رجل خشن طويل وصاح : "إلى أين؟ الخروج محظور .. ارجعي حالاً."‏

ولم تفهم نازك معنى هذا .. وما دخله هو؟ وماذا يريد منها؟ "دعني اذهب . لقد ذهبت أمي وتركتني. أريد أن أذهب." فصرخ بها: "أنك هنا حتى يأتي الخادم لاستلامك. اذهبي والعبي."‏

وقفت الطفلة الآن مصدومة وفي نفسها إحساس طائر يحبس في قفص أول مرة . وانفجرت فجأة في بكاء صارخ دام طويلا ً.. ولم تنتبه إلا على صوت لطيف يقول: "لماذا تبكين ياصغيرتي؟" وتكلم الرجل الخشن الطويل الآن قائلاً : "ست الينور .. هذه الطفلة قد جاءت بها أمها منذ قليل وهي تريد الخروج." وفي اللحظة التالية كانت نازك محمولة، وبعد دقائق كانت في الصف بين عشرات من الأطفال…‏

وانطوى يوم وثان وثالث.. ..ومرت الأيام فاعتادت بطلتنا سجن المدرسة ولم تعد تبكي.‏

لم تجد طفلتنا في المدرسة صديقاً غير نفسها، فقد كانت خجولاً هادئة تنفر من الأطفال. وقد زادها هرباً منهم وانطواءً على نفسها أنهم كانوا يعتدون عليها بالدفع والضرب وغصب الحقوق، وكان بعضهم لا يقصد إلى إيذائها ، وإنما يودون أن يستثيرونها إلى الاختلاط بهم واللعب معهم فتحسب هي ذلك عدواناً وتهرب بعيداً عنهم ، وقد مضت أشهر طويلة على هذا حتى اكتشفته المدرسّة يوماً فحاولت أولاً استعمال طرقها الخاصة..‏

حملت الطفلة في إحدى الفرص إلى غرفتها وأجلستها وقدمت لها علبة الشكولاتة فأبت أن تأكل وأصرت .. وحاولت معلمتها أن تجعلها تتكلم فلم تنجح ، وبقيت الطفلة مغلقة فمها بصرامة .. فأعادتها إلى الصف واستدعت خالتها وحدثتها بملاحظاتها..‏

وفي ذلك المساء عادت نازك إلى البيت فوجدت الأنباء قد سبقتها ، فالأم ثائرة والأب يلوم المدرسة . ونوديت الصغيرة وقالت لها أمها : أيتها الحمقاء. لماذا لا تلعبين مع الأطفال؟ أأنت حجر!!" ولامتها لوماً عنيفاً وسمتها "مسخوطة" أي "متوحشة"!! أما بطلتنا فقد أحست أنها مظلومة متألمة حائرة! وفي اليوم التالي زادت انطواء على نفسها في المدرسة.‏

ومن الذكريات التي تركت أثراً في نفس نازك أنها كانت ذات يوم تسير شاردة في الساحة الخلفية للمدرسة ، تحدق أمامها دون إدراك فمرت بها طفلة ضخمة – أو هكذا خيل إليها – ووقفت أمامها لحظة ثم أسلمتها أقلاماً كثيرة ومنديلاً وكتباً وقالت باختصار : "احفظيها حتى أعود!" وذهبت .. أما نازك فقد وقفت حائرة تحدق في ذلك الحمل الثقيل ولا تفهم . واختل توازنها فجأة وتبعثرت الأشياء على الأرض.. وفي تلك اللحظة عادت الطفلة فلما رأت ما حدث صرخت بنازك ولكمتها وصفعتها وجمعت أشياءها بسرعة واختفت في زحام الأطفال قبل أن تفيق طفلتنا من ذهول المفاجأة.‏

وأصرت نازك بأسنانها على شفتها السفلى وأبت أن تبكي. إلا أن عينيها دمعتا. وكان المراقب الوحيد لهذا الحادث طفل يقف بالقرب من نازك فاقترب منها وقال لها : "لماذا لم تضربيها؟ لماذا تركتها تلكمك وأنت ساكتة؟ لو كنت أنا محلك لأشبعتها ضرباً!" ولكن نازك لم تجب ولم تفكر فيما قال ..بل سارت إلى الأمام .. وكانت في تلك اللحظة تعتقد أن الأطفال جميعاً شياطين. وقالت لنفسها: لو كنت أنا محلها أكنتُ أضربها؟!" ووجدت نفسها تصرخ" لا! لا!" وقالت فجأة لنفسها : "إنني خير منها.. آه لو عرفت أمي هذا الحادث.." وأدركت حالاً أن أمها لا يجب أن تعرفه..وقررت الكتمان! ونشأت على ممر الأيام في نفسها عقدة متعبة سببها هذا الحادث (السري الخطير!!).‏

وفي ذلك اليوم نفسه تعرفت نازك أول مرة إلى تلٍ من الرمال الرطبة في الساحة، فقد فكرت إدارة المدرسة في استعمال الرمل للعب الأطفال وتسليتهم . وسرعان ما جلست فوقها وراحت تبني منه قصور الخيال ومدن الأحلام التي وصفتها فيما بعد في ملحمتها "مأساة الحياة" يوم قالت:‏

لم يزل مجلسي على تلي الرملي يصغي إلى أناشيد أمي‏

لم أزل طفلةً سوى أنني قد زدت جهلاً بكنه عمري ونفسي‏

ليتني لم أزل كما كنت قلباً ليس فيه إلا السنا والنقاء‏

كل يوم أبني حياتي أحلاماً وأنسى إذا أتاني المساء‏

إيه تل الرمال ماذا ترى أبقيت لي من مدرسة الأحلام‏

انظر الآن هل ترى في حياتي لمحة غير نشوة الأوهام؟‏

آه يا تلُّ ها أنا مثلما كنت فأرجع فردوسي المفقودا‏

أي كف أثيمة سلبت رملك هذا جماله المعبودا‏

كنت عرشي بالأمس يا تلي الرملي والآن لم تعد غير تلّ‏

كان شدو الطيور رجع أناشيدي وكان النعيم يتبع ظلي‏

وقد كان ذلك التل عرشاً لنازك حقاً، عرش الشعر والخيال، فقد بدأت منذ عرفته تستغرق في الأحلام الجميلة. ولذلك ترك في نفسها أعمق الأثر وكان المظهر الأول من مظاهر شاعريتها.‏

وجدت الشاعرة الصغيرة في الرمل صديقاً يغني عن صداقة الأطفال المؤذية التي تُضرب من أجلها، وكان هذا الصديق يمتعها كل الإمتاع ويوسع أمامها آفاق الأحلام. إلا أنها ذات يوم كرهته وتركته متضجرة. فقد حدث في ذلك اليوم أن جمعت "الفراشة"[1] الأطفال عند التل وراحت تقص عليهم قصة قبيحة نفرت منها مشاعر بطلتنا الطفلية البريئة. وكانت تتكلم بلغة أبناء الطرق فيضحك الأطفال ويصفقون دون أن يفقهوا أما نازك فقد أحست بضجر خانق لم تعرف سببه. نهضت وتركت عرشها الصغير مكرهة وانطبعت صورة تلك الفراشة في ذهنها انطباعاً كلياً، وهي ما زالت تتذكر شكلها حتى اليوم فهي " امرأة طويلة سمراء ضئيلة الوجه صغيرة العينين ترتدي السواد أبداً ولها سن من ذهب في الناحية اليمنى من فمها.. .." وعلى مرور الزمن أصبحت نازك تكره كل إنسان في فمه أسنان من ذهب، لأن فكرة الشر والجهل التي تجسمت في تلك المرأة، قد اقترنت بالسن الذهبي!‏

وكان لبطلتنا في المدرسة صديق آخر غير تل الرمال، وهو اللقلق الذي يتخذ عشه على المنارة القريبة.وكان هذا اللقلق يثير في نفسها مشاعر كثيرة وهو يصّوت بمنقاره ذلك التصويت الغامض وهي ما زالت تتذكر حتى الآن نوع إحساسها تجاهه، بل ما زال صوته يستحيي في نفسها انطباعات مجهولة لعهد باهت من حياتها الأولى فكلما سمعت صوته انبثقت في ذهنها صورة مطموسة المعالم ليوم بعيد جداً كسفت فيه الشمس كسوفاً كلياً بعد الظهر فانقلبت المدرسة إلى عويل صارخ من عشرات الأطفال، ووقفت هي تبكي مع الباكين وتصغي إلى صوت اللقلق الذي لم تعد تراه تحت الضباب والظلام .‏

وكانت تقضي فترات الظهر شاردة في الساحة الخلفية هاربة من أعين المعلمة المراقبة، فقد كان النظام في المدرسة أن ينام الأطفال ساعةً ظهر كل يوم ، ثم تتابع الدروس فيما بعد ، وكانت هناك قاعات كبيرة مجهزة بكراس مستطيلة من الكتان السميك معدة لنوم هذه المئات من الصغار ، وكانت بطلتنا تكره النوم نهاراً .. فتمضي تهيم في الساحة بذلك الشرود الغريب الذي كان يلازمها في طفولتها . وكانت في الغالب تصاد وتقاد إلى القاعة الهادئة وتؤخذ إلى سريرها الذي يحمل رقمها وهناك كانت المراقبة تطلب إليها أن تخلع حذاءها وتستلقي وتغمض عينيها حالاً : ولكن بطلتنا كانت تلتذ بمراقبة الأطفال الهاجعين ، فتتظاهر بالنوم حتى تبتعد المراقبة وإذ ذاك تفتح عينيها وتروح ترقب ما حولها وتصغي إلى صوت المراوح الكهربائية في المكان الهاجع ، وكثيراً ما كانت تقارن في ذهنها الصغير بين هذه المراوح ، والمروحة العملاقة المعلقة في سقف السرداب الكبير في البيت.‏

أما التمرد فقد كان طبيعة فيها منذ طفولتها.. كانت عنيدة متمسكة بآرائها إلى حد يضايق معلماتها وأبويها، وكانت في نفسها مقدرة على الكتمان والصمت تندر في الأطفال، وكان من مظاهر تمردها في المدرسة أنها لا تكلم أحداً ، ولا ترضى أن تنام ، وأنها أبت إباء تاماً أن تمر بالصف الثاني "الأخضر" في الروضة . أما تفصيل هذا الحادث الأخير فهو أن سنوات المدرسة في الروضة كانت ثلاثاً، الأولى منها يقضيها الطفل في الصف "الأحمر"، والثانية في "الأخضر" والثالثة في "الأزرق". وقد انتهت بطلتنا من الأحمر وفي السنة التالية اجتمع أطفال الصف الأخضر ومعهم هي، ولكنها غافلت المعلمة وخرجت ببرود وبساطة إلى الصف الأزرق! وحين جاءت المعلمة وجدت طفلة تحمل شارة خضراء في الصف الأزرق فأعادتها بلطف إلى صفها، ولكن الطفلة المتمردة أبت الرضوخ وعادت في اليوم التالي إلى الصف الأزرق، وتكرر الحادث، ولم ينته الأمر إلا حين عثرت نازك على شارة زرقاء في الساحة فوضعتها على صدرها وألقت بالخضراء في الرمل ، وبقيت في الصف الأزرق!‏

ولم تفهم نازك هذا الحادث الغريب مطلقاً .. لم تفهم كيف تخرجت في سنتين بدلاً من ثلاث دون أن تعترض إدارة الروضة.‏

الفترة الثانية: 20 أيلول 1930 - 1934‏

انتهت الدراسة في الروضة، وانتقلت نازك إلى الصف الأول من الابتدائية المركزية للبنات وهنا نقف لحظة لنتحدث عن حياتها الجديدة.‏

نازك الملائكة في الصف الأول على عتبة الدراسة الحقيقية، وهي إذ ذاك طفلة في السادسة من عمرها سمراء نحيلة الجسم، سوداء الشعر والعينين لا تعنى بهندامها وعبثاً تحاول والدتها أن ترغمها على المحافظة على ترتيب شعرها وملابسها. وفي اليوم الأول من السنة اصطفت التلميذات في صف طويل كانت هي في رأسه وسرن إلى الصف، وهنا جاءت المعلمة الرقيقة "الآنسة مديحة كامل" وأجلست تلميذاتها الصغيرات فكان مكان نازك في أول الصف عند الباب على رحلة واحدة مع طفلتين سمراوين صغيرتين.‏

نازك . كاملة. ماجدة.. هذه الأسماء الثلاثة قد كتب لها أن ترتبط سنة كاملة في صداقة طفولية جميلة كانت هي أول صداقة عرفتها خارج البيت. كانت ماجدة تجلس في الوسط بينها وكاملة وكانت بدينة شديدة السمرة ، لم تكن طباعها تنسجم كثيراً مع الآخرين فهي اجتماعية وقد تعتدي بالضرب على الطفلة التي لا تروقها ، أما كاملة فقد كانت أقرب إلى نفسية نازك لأنها صغيرة، منزوية، تعيش في نفسها أكثر مما تعيش مع الأخريات، ومع ذلك فقد انتظمت الزميلات في عقد واحد وأصبح ما للواحدة منهن للآخرين كذلك.‏

وقد حدث ذات يوم أن غضبت المعلمة على تلميذاتها فطلبت إليهن أن يجلسن خاشعات لا يتحركن . وقد حدث إذ ذاك أن مدت ماجدة يدها في جيبها فأخرجت مشطاً صغيراً وراحت تعدل به شعرها فصرخت بها المعلمة: "لماذا تحركت؟" سيكون عقابك أن تستمري في التمشيط إلى آخر الدرس." وضحكت طفلة فوضعت رأسها على الرحلة فكان عقابها أن يبقى رأسها على الرحلة .‏

وكان من سوء حظ نازك إذ ذاك أنها كانت ذاهلة مغرقة في النظر إلى صورة معلقة على الجدار فلم تفطن إلى العقوبات الغريبة التي نزلت بزميلاتها ، وقد حذث إذ ذاك أن سقط قلمها على الارض فدخلت بجسمها الصغير تحت الرحلة لتخرجه وإذ ذاك ارتفع صوت المعلمة وقالت بحدة: "نازك! ابقي كما أنت تحت الرحلة!"‏

وكانت ضربة مؤلمة..انفجرت لها الطفلة في بكاء صارخ ، لم يكن سبب بكائها أنها لم تجن ذنباً فحسب وإنما آلمها أن تأتيها العقوبة من هذه المعلمة الرقيقة التي طالما عاملتها بلطف ومدحتها أمام أهلها وزميلاتها ! وكيف يجوز أن ترضى هذه المعلمة اللطيفة بمعاقبة نازك؟ كيف تسمح لنفسها أن تبقيها تحت الرحلة إلى نهاية الدرس؟‏

ارتفع بكاء الطفلة حتى امتلأ به جو الفصل ، وإذ ذاك انحنت المعلمة ورفعتها فأجلستها على الرحلة ، ولكنها كانت قد انتقلت إلى مرحلة العصبية والثورة والعناد ، وكانت يداها ملتصقتين على القلم في قوة عنيفة وإباء شديد وعبثاً حاولت المعلمة أن تجعلها تهدأ . فقد بقيت تبكي وإن كانت بقية التلميذات المعاقبات يضحكن للعقوبة.‏

وهكذا كانت نازك جدية منذ طفولتها تكره المزاح ويؤذيها أن تعاقب مهما كان العقاب شاملاً لسواها ..ولذلك رجعت إلى البيت في ذلك اليوم محمومة متعبة . ولم تعلم أمها السر ، فإن الطفلة قد صمتت صمتاً تاماً ، وقد بقي النبأ مكتوماً في نفسها حتى بلغت الرابعة والعشرين من عمرها.‏

وما مضت أشهر من أيام الدراسة حتى عقد في البيت اجتماع صغير تحدثت فيه أمها إلى أبيها وخالتها شاكية: "أن نازك لا تدرس مطلقاً ولا تعنى بغير دروس الاستظهار والنشيد، ولا اذكر أنني رأيتها تقرأ يوماً وأخوف ما أخافه أن ترسب هذا العام."‏

وفي الصباح التالي كانت البطلة تسير في ساحة المدرسة مع كاملة فجاءتها الفراشة ودعتها إلى مقابلة المدرسة "م. ك" وفي باب الصف جمدت الطفلة ! فقد رأت معلمتها تقف وجهاً لوجه إزاء خالتها نظيمة التي كانت إذ ذاك تلميذة في المدرسة ، وسرعان ما وجدت نفسها محمولة بين ذراعي المعلمة التي سارت بها إلى الصف وأوقفتها على المنضدة وأعطتها كتاب القراءة وقالت : "اقرأي هنا ياحبيبتي..هيا. لا تخافي." وراحت الطفلة تقرأ بصوتها الخجول المرتبك ولكن بلهجة فصيحة. وتبادلت الخالة والمعلمة مجموعة من النظرات، وأنزلت الطفلة إلى الأرض . ثم قالت المعلمة: "ماذا تريدون أن افعل لابنتكم إن كانت لا تدرس؟ إنها تقرأ جيداً كما ترين، وتستطيع القراءة حقاً بينما سواها من الصغيرات يحفظن الكلمات غيباً. ولماذا تريدون منها أن تدرس في البيت؟ ألا يكفي أنها في الصف تفهم وتقرأ جيداً؟!" وعادت نازك إلى البيت منتصرة في ذلك اليوم، وقد تلقاها أبوها بقبلة وهدية صغيرة: كتاب مصور بالألوان ابتاعه لها خصيصاً.‏

وأقبلت نهاية السنة وتلقت نازك درجاتها ، وحملتها فرحة خافقة القلب وركضت إلى البيت . ومرة ثانية لقيتها القبلات ..‏

وكان ذلك اليوم آخر عهد بطلتنا بصديقتها الرقيقة كاملة ، فقد جرفها تيار الزمن إلى حيث لا يعلم أحد ، والذي بقي بعض في نفس نازك أنها لا تعرف اسمها الكامل ، ولا تذكر منها إلا شكلها واسمها الأول، وكم من مرة في حياتها ودت لو قابلتها أو عرفت مصيرها ، كم من مرة سألت عمن يستطيع أن يتذكر اسم أبيها ولكن عبثاً . وقد تجمعت هذه العواطف كلها فكونت قصيدتها "ذكرى مولدي" التي أهدتها إلى كاملة: "صديقة طفولتي البعيدة التي لا أعرف منها الآن إلا اسمها وحده." وقد تساءلت في القصيدة عن مصير صديقتها وخاطبتها في أبيات حزينة صورت لها فيها مصيرها وهي:‏

أين أصبحت يارفيقة أمسي ما الذي قد شهدت فوق الوجود؟‏

أترى تذكرين مثلي أيام صبانا وحلمنا المفقود؟‏

أم ترى قد نسيتني ونسيت الأمس في فرحة الشباب الرغيد؟‏

أبداً لست لست أنسى وإن كنتِ قد تهاويت في الزمان البعيدِ.‏

الكرادة الشرقية الابتدائية للبنات.‏

نازك في الصف الثالث .. .. وقد كتب لحياتها الآن أن تتعرف إلى شخصية هامة ستؤثر على نفسها ، وتقعدها في النهاية إلى الانكماش والخجل وكراهية الوجود كله .. .. شخصية مديرة المدرسة السيدة "ق.." التي كانت تدرس الصف الثالث علم الحساب.‏

وكانت نازك تكره الأرقام كراهية هائلة لازمتها طيلة حياتها .. وكانت تؤثر أن تشرد بفكرها في درس الحساب .. وفجأة تلتفت المعلمة فتسألها سؤالاً فلا تجيب..أو تجيب أجابة مغلوطة.. فتغضب المدرسة وتعنفها .. .. وتكرر هذا .. وأصبحت الطفلة تحس بأنها تكره المدرسة من أجل الحساب . إنها تستطيع جيداً أن تفهم اللغة العربية والتاريخ والدين والجغرافية .. .. ولكنها لا تستطيع أن تصطلح مع الحساب ، وقد أصبحت كراهية معلمتها لها تزيدها بغضاً للمدرسة ولم تعد تستطيع احتمال تذكر الحساب!‏

وجاء الامتحان السنوي ، وظهرت نتيجة الحساب وإذا الطفلة قد أجابت على سؤال واحد من ستة أسئلة! وجاء دور أمها وأبيها في البيت .. لماذا رسبتِ؟! .. لماذا لا تدرسين؟ وفهم أبوها منها بعد استجواب دقيق أنها تكره المدرّسة نفسياً ، وأن المدّرسة لا تعاملها معاملة صحيحة!. وثار أبوها وشكا المدّرسة إلى المسؤولين في الوزارة ، وترامى النبأ إلى المدرّسة نفسها فازدادت كراهية للطفلة البريئة.‏

وبدأت نازك تتفلسف: فكانت تقضي أيام العطلة بعد حل تمارين الحساب في التفكير بتلك المدرّسة .. وما ذنبها هي إن كانت لا تملك موهبة في الحساب؟! إن بعض الناس يولدون موهوبين في الحساب وهي ليست منهم .. بل هي تشعر بأنها بليدة ، غبية وكراهية معلمتها لها أول دليل على ذلك .. والدليل الثاني أنها في المدرسة منفردة ليست لها صديقة ، وقلما تتكلم مع أحد.‏

كانت الطفلة في الواقع تجتاز محنة في ذلك الصيف من سنة 1931 ولكنها اجتازتها وحدها، دون معونة.. ، اجتازتها بعد أن طبعت حياتها بطابع من الكآبة والقلق وعدم الثقة بالنفس.‏

وجاءت السنة الجديدة بتعديلات كثيرة .. فنقلت المديرة البغيضة إلى مدرسة أخرى وجيء بمديرة جديدة كانت بالنسبة لنازك على عكس الأولى .. .. كانت تفهمها وتقدر شرودها وأحاسيسها وجيء للحساب بمدرسة جديدة بدينة مشرقة الوجه تفيض حناناً وما علمت بأن نازك مكملة في الحساب حتى نادتها وأجلستها في غرفة المعلمات وأملت عليها سؤالاً واحداً بسيطاً جميلاً : "اشترى تاجر عشرين ذراعاً من المخمل بمائة دينار فما سعر الذراع الواحد؟" .. .. لكم كانت نازك سعيدة.. .. لكم أحبت هذه المدرسة المحبوبة "ص…" .. .. سؤال واحد لا غير .. سؤال بسيط .. لا كسور عشرية.. ولا كسور اعتيادية.. أعداد صحيحة .. صحيحة والجواب واضح وضوح الشمس!. وخرجت الطفلة تركض فرحة .. تركض إلى البيت فتدور بينها وبين أمها محاورة..‏

- نازك .. امتُحنتِ ؟‏

- نعم .. ناجحة ..ناجحة!‏

- من قال؟! كيف عرفتِ..؟‏

وتقفز الطفلة متحمسة‏

- عرفت! .. إني متأكدة .. سألتني سؤالاً واحداً.‏

وقد كانت الطفلة في الواقع ناجحة.‏

سنة جديدة .. ونازك في الصف الرابع وقد بدأت مظاهر الرومانسية والخيال والشعر تبدو عليها بوضوح .. .. فهي منعزلة خجول تحب المطالعة ، وتحلم كثيراً ، ثم إن صحتها ضعيفة ، وهي دائماً مزكومة ..‏

وكانت قصة اختيار هذا الاسم التركي لتسمية الطفلة أنها ولدت عقب الثورة التي قادتها الثائرة السورية "نازك العابد" على السلطات الفرنسية. وكانت الصحف إذ ذاك تطفح بأنبائها، فرأى جد الطفلة أن تسمى نازك إكراماً للثائرة وتيمناً بها وقال : "ستكون ابنتنا نازك مشهورة كنازك العابد إن شاء الله."‏

بدأت بوادر التفوق في درس الإنشاء والمحادثة تبهر مدرستها .‏

وقد أهداها أبوها بمناسبة نجاحها إلى الصف الرابع مجلداً من مجلة كل شيء والدنيا ، وانكبت عليه في شغف غريب. فقرأت وهي في طفولتها القصص التي تكتبها هذه المجلة بعنوان "تاريخ ما أهمله التاريخ" وتأثرت تأثيراً عميقاً بقصة "لويس فيليب" ملك فرنسا النبيل .. وقصة ذلك الأمير الذي احترقت عروسه الأميرة ليلة زفافهما لأنها حاولت التدخين سراً ..! قصة سميراميس ملكة بابل ، وكيف التقطها الراعي ورباها .. قصة كليوبترا وقيصر .. ..! قرأت قصة هيرا ولياندر" ووقفت ببصرها طويلاً عند صورة هيرا المنتظرة .. وقرأت إلى جانب ذلك شعر الفضولي وكانت في الغالب لا تفهمه إلا أنها تضحك منه على كل حال.‏

وما مضى شهران حتى كانت الصغيرة قد عصرت المجلّد عصراً ولم تبق فيه شيئاً لم تقرأه مرات .. .. ما عدا المقالات التي لا تفهمها طبعاً .. وهنا بزغ في حياتها شيء جديد.‏

ذهبت ذات مساء إلى دار جدها المجاور ، حيث أعمامها وعماتها وهناك وجدت عمتها الكبيرة عائشة منهمكة في تحضير دروسها ، فكانت مكبة على كتاب صغير الحجم تقرأ فيه مغنية رافعة صوتها :‏

ياليلَ قبرُكِ ربوة الخلد نفخ النعيمُ بها ثرى نجدِ‏

ولم تدر نازك لماذا تأثرت بهذا البيت وما بعده .. ولكنها بقيت تنظر وتصغي وتحلم .. .. ليلى.. قبر .. نجد .. ثم عمتها وهي ترنم الأبيات بحرارة .. ومضت ساعة ونازك صامتة ، ونهضت العمة وتركت كتبها مفتوحة ، فمدت نازك يدها بحرص وأخذت الكتاب ، ونظرت إلى غلافه في افتتان وانبهار: مجنون ليلى، أحمد شوقي…‏

وفي هذه اللحظة عادت العمة ، فلما شاهدت ابنة أخيها ممسكة بالكتاب قالت لها في برود: "أعجبتك الصورة؟ هذه صورة ليلى الجالسة في ضوء القمر.... والأعرابي الجاثي هو قيس!" وكان في ذهن نازك صورة باهتة لا حدود لها حول شيء يقال له "ليلى وقيس" ، فتمنت أن تقرأ الكتاب ، وفتحته فعلاً فلما وقع بصرها على أبيات غرامية .. خجلت ، فتسللت خارجة من بيت جدها وركضت إلى بيتها!‏

أصبح الاختلاء بهذا الكتاب شغلها الشاغل الآن .. فهي لا تستطيع إبعاد صورة ليلى وهي متربعة على عرش القمر، وقيس تحتها في الصحراء، يتضرع إليها.. ولكنها كانت لا تجد الكتاب إلا قرب عمتها.. ومضى أسبوع كامل وهي معذبة هكذا.. إنها قد قرأت قصص الغرام مراراً، ولكنها كانت دائماً تقرأها وحدها ولا أحد ينظر إليها، لأنها تبكي أحياناً، وتضحك أحياناً وتتأثر إلى حد الانبهار أحياناً، ومن ثم فليس من المناسب أن يراها احد.. ..‏

وفي ذات مساء مشرق .. وجدت نازك الكتاب ملقى في إهمال على كرسي في الشمس ، فتنفست الصعداء .. وكانت عمتها في المدرسة والبيت خال تقريباً إلا من جدتها المريضة في غرفتها ..فانكبت تقرأ القصة الشعرية بنهم هائل لا حدود له .. وبكت بكاء شديدً طويلاً لموت ليلى .. بكت حتى احمرت عيناها ، وعادت إلى البيت مساءً وركضت إلى سريرها ، ونامت لتكمل بكاءها الطفولي تحت اللحاف!.‏

كانت هذه الطفلة في الواقع رومانتيكية جداً .. .. حتى إنها بقيت بعد قراءة الكتاب بأسبوعين تبكي كل ليلة .. في الظلام .. تحت اللحاف من أجل ليلى ..! كيف ماتت ؟! كيف مات قيس ؟ كيف هبط الملائكة .. وكان البيت الأخير من الكتاب يرتسم أمامها بأحرف من نار دائماً :‏

نحن في الدنيا وإن لم ترنا لم تمت ليلى ولا المجنون مات‏

وفي ذات ليلة اكتشفت عمتها أنها تبكي، فألحت عليها في السؤال عن السبب.. هل آذاك احد ؟! أمتألمة أنت؟! مريضة؟ لماذا إذن تبكين؟!.. ولكن الطفلة لم تتكلم فموضوع "ليلى" عندها أكثر قداسة من أن تحدث عنه عمتها! ولكنها انقطعت عن البكاء وألفت الموضوع أخيراً!‏

وبدأت آثار هذه المطالعات الغزيرة تظهر على أسلوبها الكتابي في المدرسة فتفوقت في درس الإنشاء بسرعة، وأصبحت في المقدمة دائماً وانتهت السنة الرابعة.. ..‏

وجاءت السنة الخامسة . وظهرت بطلتنا فجأة في الصف ، والمدرسة. وبدأت لفظة غربية تشيع عنها على ألسنة الصغيرات، هي أنها "شاعرة". هذه الطفلة البليدة المظهر، الجامدة، التي لا تكلم أحداً، المزكومة دائماً.. شاعرة..! أي نبأ غريب..!‏

وكانت هي تسمع أحياناً ألفاظاً ساخرة من شعريتها فتتألم وتقول لنفسها : "هل قلت أنا إنني شاعرة؟! وها أنا احتمل السخرية وحدي وكيف أردها؟ أين شاعريتي المزعومة؟"‏

وفي ذات يوم دخلت بطلتي الصف فوجدته خالياً .. وكان هناك على اللوحة هذه الكلمات: "نزهة في زورق". ولم تدر هي لماذا أمسكت "بالتباشير" وراحت تكتب .. ولم تدر إلا أنها كتبت بيتين وفجأة دخلت طفلة متحمسة ، هي "ف. ك" ، وما كادت تقرأ حتى صرخت فرحاً: "نازك! أنت تكتبين قصيدة! ياللعظمة! ما أجملها…" وركضت إلى الصف وجاءت بورقة وراحت تسجل فيها القصيدة. وتتذكر بطلتي أنها كتبت ما يقرب من عشرة أبيات مدفوعة بتشجيع زميلتها المتحمسة هذه.‏

ولكن الذي ضايقها أن "ف. ك" أخذت القصيدة وركضت فجمعت حولها كثيراً من التلميذات وراحت تقرأها ملقية على نازك مديحاً هائلاً كبيراً. أما بطلتنا فأختبأت في آخر الصف محمرة ، ناقمة على زميلتها الثرثارة.‏

وحدثت في المدرسة ضجة ، وصفقت التلميذات ، فخرجت المديرة ، متسائلة ، وفي اللحظة التالية كانت القصيدة في يديها ، وقد أخذتها ودخلت غرفتها ….‏

ومضت أسابيع صامتة .. .. ..‏

ثم أقيمت في المدرسة حفلة كبيرة ، اشتركت فيها كثيرات من التلميذات ، وقد طلبت المديرة من نازك توزيع الحلوى على المدعوين . وقد كرهت هي هذه المهمة ، ولكنها لم تجرؤ على رفض طلب مديرتها الكريمة التي غمرتها بلطفها .‏

وجاءت اللحظة الحاسمة . وحملت بطلتي علبة الحلوى ، وسارت قاصدة ضيفة الشرف . وكان الخجل قد بلغ بها مبلغه ، وانقلب ارتباكاً حاداً ، فسارت شاحبة ، مطرقة ، تكاد تتعثر بأرجل المدعوات ، ولم تكن تعلم من هي ضيفة الشرف ، ولا كان يعنيها أن تعلم ، فالذي يهمها أنها تسير أمام الناس ، وكلهم سواء ، كلهم يثيرون خجلها .. وكانت تدرك دون أن تحتاج إلى النظر أين تجلس ضيفة الشرف ، فسارت قدماً ، وانحنت أمامها وفي يدها العلبة.‏

وما كادت الضيفة تمد كفها حتى هتفت المديرة باسمة : "هذه نازك .. تلميذة في الصف الخامس.. وهي شاعرة المدرسة.." وكادت بطلتي تذوب خجلاً .. ودت إذ ذاك لو ابتلعتها الأرض . وفجأة رن في أذنها صوت : "ضيفة الشرف " خشناً ، حاداً ، وهي تهتف : "نازك، أعرفها..!" واصفرت الصغيرة ورفعت وجهها مرتاعة . لقد كان هذا الصوت معروفاً لديها ، هذا الصوت الذي عكر أحلامها سنة كاملة . صوت مدرّسة الحساب الممقوتة : "ق..". وحدقت فيها فرأتها هي هي تماماً.‏

وذهلت بطلتي ، ووقفت حائرة! أكان ضرورياً أن تأتي هي نفسها لتقدم الحلوى ؟! ورأت المدرسة ارتباك نازك وجمودها فقالت لها باسمة بلطف : "تحركي أيتها الشاعرة الصغيرة الآن ، وسأستدعيك بعد دقائق لتقرأي علينا قصيدتك الجميلة." وكان هذا كافياً لأن يرسل نازك متعثرة إلى آخر صف من صفوف المدعوات ، وفي عينيها بداية دموع ..! أنها لا تستطيع أن تقرأ قصيدة أمام هذا الجمهور الكبير . وأمام هذه السيدة خاصة فهي تمقتها ولا تحتمل رؤيتها.‏

ولكن المديرة لا تفهم هذا ، وهي تريد دائماً أن تخرج بالشاعرة الصغيرة عن جمودها وخجلها ، ولذلك ألحت عليها بقراءة القصيدة ووقفت نازك جامدة لا تتكلم ولا تتحرك ، وطال جمودها وصمتها وكانت "ف.." صدفة قربها فانحنت عليها هامسة : "نازك ! عزيزتي.. باسم الصف كله أرجوا أن تلقي القصيدة! تصوري المجد الذي ينال الصف .! والفخر الذي ينالك أنت !. لو كنت مكانك لطرت فرحاً بهذا الطلب الكريم من المديرة .. هذا التقدير لك .. .. وللصف… تلقين قصيدة في حفلة كبيرة كهذه…!"‏

ولكن نازك همست قائلة: "لن اقرأها..لا أريد..آه..أريد أن أذهب..اقرأيها أنتِ..افعلوا ما شئتم وإنما اتركوني اذهب بسلام…."‏

وانتهت المشكلة بأن قرأت "ف.." القصيدة بحماستها المألوفة وهربت نازك وهي تكاد لا تصدق بنجاتها.‏

وفي تلك السنة تقدمت نازك في دروسها تقدماً واضحاً لمسته مدرساتها وفي نهاية السنة كانت درجتها الثانية في صفها .‏

الفترة الثالثة: 1935 – 1939‏

"سأكتب منذ اليوم بضمير المتكلم"‏

وماذا كنت أقرأ في عامي 1939 – 1940 ؟ .. في الواقع إنني اتجهت اتجاهاً شديداً مبالغاً فيه إلى دراسة الأدب القديم ، وخاصة النحو ، فأعطاني أبي كتباً مثل شرح شواهد ابن عقيل للجرجاوي ، وفقه اللغة للثعالبي وخزانة الأدب للبغداداي ، وعشرات من الكتب مثلها . وقد كتبت في يومياتي يوم 26 شباط 1940 أشكو من فداحة المجادلات بين الكوفيين والبصريين وأقول : "على أيهم أعقد؟ أعلى سيبويه أم الكسائي. ثم هنالك ابن هشام وأبو حيان والسيوطي والسهيلي وابن خروف والرجاج والأصمعي." ثم كتبت صفحات طويلة حول نقاط تفصيلية في معركة نحوية لم أعد الآن أطيق قراءتها وكنت في تلك الأيام ألتهمها التهاماً . وقد قرأت من كتب النحو إذ ذاك "شذور الذهب" لابن هشام" و "حاشية الشيخ عبادة على شذور الذهب" قراءة ودراسة ، كما استظهرت جانباً كبيراً من شواهد ابن عقيل مع شروحها وأعرابها اعتماداً على ابن عقيل والشيخ قطة العدوي ، وقد قفزت بي هذه الدراسة إلى مستوى عالٍ جداً في النحو حتى برزت بروزاً مرموقاً في المدرسة.‏

وفي حقل الأدب واللغة قرأت عمدة ابن رشيق ، والمثل السائر وأدب الكاتب ، وخزانة الأدب للبغدادي . ومما أذكر أنني قرأت البيان والتبيين في ثمانية أيام ، كدت خلالها أوذي عيني إيذاءً شديداً. ولا أذكر الآن أي جنون هو الذي دفعني إلى هذا ، إلا أنني أرجح أنها بداية عادتي المتأصلة في القراءة الكثيرة وقياس الحياة بها ، فمنذ تلك الفترة بدأت أشعر بالرعب كلما مر بي يوم لم أقرأ فيه ثماني ساعات . لم تكن قراءة البيان والتبيين في ثمانية أيام هينة ، بل كانت تلك الأيام أيام محنة فظيعة انتهت بمرضٍ كان لابد منه اضطررت معه إلى ترك المطالعة لالتهاب عيني.‏

ومما قرأت "رسالة الغفران" والضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر" للآلوسي وقد أحببته حباً كبيراً ، و"شعراء النصرانية" للويس شيخو . وقد حفظت منه مئات من الأبيات الجاهلية وحفظت أخبار حرب البسوس غيباً ، وكان أشد ما يمتعني أن أحفظ الأبيات التي من أجلها سمي النابغة وفنون التغلبي والمرقش وغيرهم بأسمائهم ، والواقع أني بتّ بواسطة هذا الكتاب واسعة الاطلاع على الشعر الجاهليّ وكانت ثقافتي تعادل ثقافة المتخرجات من الكليات .. ومن بين ما قرأت كتاب " الساق على الساق في ما هو الفارياق" وكنت أستمتع استمتاعاً كبيراً بلغته . وفي الشعر قرأت ديوان البحتري وابن زيدون والبهاء زهير وابن خفاجة وابن سهل مفصلاً وحفظت لهم كثيراً ، كما قرأت كتباً حديثة كثيرة بينها "عبقرية الشريف الرضي" لزكي مبارك و"تاريخ حياة معدة " لتوفيق الحكيم ، و"مع أبي العلاء في سجنه" لطه حسين ، و "أميرة الأندلس" و "عنترة" لشوقي .. و"بلوغ الأرب" للآلوسي .. ومن الدواوين الحديثة بعض الدواوين العراقية ، وديوان "ليالي الملاح التائه" لعلي محمود طه.‏

ويبدو من هذا أن ثقافتي في العام الدراسي الذي كنت خلاله استعد للبكالوريا الكبرى كانت واسعة إلى درجة لم يسبق لها مثيل في حياتي ، ثم إنها كانت كلها متجهة إلى الآداب القديمة والنحو واللغة والبلاغة ، وكنت أجد لذة هائلة في الدراسة وحفظ الشواهد ومناقشة أبي ، ولابد لي ، وأنا أذكر مصادر ثقافتي في هذه السنة أن أشير إلى حبي الشديد للقاموس في تلك الأيام وكنت أعتمد اعتماداً كلياً على قاموس "أقرب الموارد" للويس شيخ اليسوعي ، وهو قاموس مقبول لم أزل أحبه.‏

ولنفحص الآن مكان حياتي المدرسية من هذه الدراسات كلها. وإني لأعجب اليوم كيف كنت أوفق بين الدراستين الخارجية والمدرسية. كنت تلميذة في "فرع البنات" وهو فرع كان إذ ذاك يعني شيئاً بين العلمي والأدبي وقد درسنا فيه الفيزياء والرياضيات العامة، بالإضافة إلى العربية والانجليزية والتاريخ وتربية الطفل والتدبير المنزلي والخياطة والتمريض والحق أن المنهج كان شاقاً ، عسيراً ، وكنت أبغض الرياضيات والفيزياء وعلم النبات ، ولا أفتأ أحلم بيوم الخلاص من الثانوية لأدخل بعدها في الفرع الأدبي في دار المعلمين العالية وأنسى كل ما تعلمته في العلوم والرياضيات.‏

ولكن دروس اللغة العربية كانت شديدة الإمتاع لي، وقد لقيتُ هذا العام أول مدرسة أدركت مواهبي، وشدهت بثقافتي الواسعة التي لم يكن من الممكن مقارنتها بثقافة طالب الثانوية الذكي على الإطلاق. كانت المدرسة لبنانية، عجوزاً غريبة الطباع، واسعة الاطلاع، اسمها "ماري عجمي"، وقد سبقتنا إليها شهرتها بأنها أعظم مدرسة للغة العربية في الشرق كله. وأنها مثقفة حقاً، لا كسائر معلماتنا السابقات. إلا أنها حين قدمت إلى المدرسة أحدثت في أنفس التلميذات رد فعل قبيح أكره أن أتذكره.‏

ترامت إلينا الأنباء من الصفوف المجاورة أولاً ، بأنها إنسانة فظيعة ، جافة ، خشنة الصوت ، قصيرة القامة ، تتكلم بالفصحى وتلتزمها التزاماً مضحكاً يجعل التلميذات يواجهنها بالسخرية واستعدت تلميذات الصف الأول لاستقبالها استقبالاً يناسب هذه الأشياء .. ولكن شيئاً واحداً بقي يصحب أخبار السخرية، وهو أن ماري عجمي عميقة، عظيمة، فاهمة. وكان هذا يهمني لأنني لم أكن أصدق أن هناك معلمة تفهم اللغة العربية كما يجب. فأنا أعلم ماذا يعاني المرء ليصل إلى مثل هذه الثقافة وأدرك أن المرأة العربية ما زالت في المرحلة الأولى من ثقافتها ولذلك لا يمكن..‏

وقد ملأني هذا كله تحدياً وكنت أشعر بثقافتي شعوراً لا مفر منه. فأنا على مقعدي في الصف الخامس، أحمل في رأسي الجرجاوي وابن هشام والبغداديّ وابن قتيبة والجاحظ وابن رشيق، وعلماً زاخراً بالأدباء والشعراء من الجاهلية حتى هذا اليوم وأحفظ آلافاً من أبيات الشعر. وقد دارت هذه الثقافة برأسي دوراناً خطراً وأنا استقبل مدرستنا ماري عجمي أول مرة.‏

وقد دخلت ملتفة بشال غليظ النسج وبادرتنا بصوت هادئ فيه خشونة: "طاب صباحكن." ثم بدأت تتحدث عن ابن هانئ الأندلسي ، وتسألنا بين الحين والحين. وأذكر أنها راحت تشرح إحدى قصائده، فمرت بلفظٍ وشرحتهُ فنهضت وسألتها في لهجةٍ لم تخل من وقاحة ظاهرة، إلا أن قصدي كان بريئاً: "عفواً، أذكر أن القاموس شرح معناها بكذا.." فقالت لي حالاً: "كلا .. إن معناها ما قلتُ كما يدل السياق ". فاعترضتُ وكنتُ مخطئة، إلا أن القاموس كان يسندني حقاً. ولم تكن ماري عجمي تعرف أي شيء عني طبعاً إذ ذاك ولذلك انهالت علي بكلام جارح معناه. "لقد غرك أن عندك قاموساً ياصغيرتي! وأنا أنصحك بألا تغتّري. فالمستوى في مدرستكم واطئ إلى درجة لا يمكن أن تعرفيها، فلا داعي للغرور".. وقد كاد هذا الكلام يبكيني. أنا مغرورة ؟ مستواي واطئ؟ آه لو عرفت! أتدري أنني أحفظ الجرجاوي كله؟..‏

وجلست واجمة.. وقررت أن أتحداها.. وقد جاءت الفرصة في درس الأدب وكانت المدّرسة تتحدث عن أحمد أمين وتثني عليه وكنت في تلك الأيام أقرأ في الرسالة مقالات زكي مبارك المشهورة "جناية أحمد أمين على الأدب العربي".. فلاح على وجهي تحمس مكتوم، وانفعال ورغبة في الكلام.. ولاحظتني هي وأدركت أنني أريد أن أتكلم فقالت بخشونتها الطبيعية التي لا تقصدها كما عرفنا فيما بعد: "أنت.. يا من تناقشت حول كلمة جَيِد.. أتريدين أن تقولي شيئاً؟" وقد أثارتني بإشارتها إلى حادثة ابن هاني فنهضت وقلت لها: "أنا لا أعد أحمد أمين عربياً ، ولا أديباً، ولا لغوياً." وقد شدهها جوابي واتسعت عيناها وقالت: "أنت جريئة جداً في أحكامكِ! كيف توصلت إلى هذا الحكم؟" وبعد أن سألتني بضعة أسئلة، أخبرتها أنني أفضل "زكي مبارك" على "أحمد أمين" وفي هذه اللحظة رن صوت الجرس وخرجت المدرسة مغضبة مني ثانية.. والحقّ أنني كنتُ ألوح "وقحة" رغم براءة قصدي. وأظن أحد العوامل المساعدة ضخامة أحكامي ، فأنا كلما تحدثت ذكرت كتاباً أو نحوياً، أو حكمت على أديب كبير لا يمكن أن أطاوله من فوق رحلتي الصغيرة، وكان هذا يضفي على كلامي مسحة التطاول خاصة والمدرّسة لا تدري أن ثقافتي حقيقية لا محض ادعاءات أرتبها بعناية لأضايقها وأحرجها أمام التلميذات.‏

وانفجرت المدرسة في الصباح التالي فما كادت تدخل وتبدأ الدرس حتى نظرت إليّ فجأة دونما داع وقالت: "نازك!.. أليس هذا هو اسمكِ" انهضي..انهضي وقفي أمام الصف كله …" ونهضت متثاقلة ، مستغربة ، فلما واجهت الصف قالت: "لقد قلت أمس إن أحمد أمين ليس عربياً ولا أديباً ولا لغوياً.. فهل لك أن تشرحي لنا سر هذا الحكم العبقري لنحكم عليك؟" وكانت المدرّسة العزيزة حانقة لأنها تحسبني قصدتُ مجادلتها والتظاهر بثقافة لا أملكها.. ولذلك انفجرت تعنفني أمام الصف كله، وتتحدث عن الغرور والتظاهر ، وتطلب إليّ ألا أعارضها حين تتكلم، وهكذا. وكان الموقف مؤلماً، وقد راحت الزميلات يتململن فهن يعرفنني منذ سنين.‏

ولم أفه بحرف، وإنما سكت سكوتاً تاماً، وعزمت على أن أحاول تسوية الموقف مع المدرّسة خارج الصف. فلابد من التفاهم، وليس لطيفاً أن تمضي في فكرتها المغلوطة عني، فهي باختصار تراني تلميذة مشاغبة.‏

ومرت أيام هادئة لم تعد ماري عجمي خلالها توجه إلي كلاماً. وسكت أنا سكوتاً تاماً، حتى حان موعد امتحان مفاجئ ذات يوم فقد دخلت المدرسة وقالت: "أوراق وأقلام. أريد أن أقيس ثقافتكن الذاتية … اكتبن عن محمد عبده.." وكان محمد عبده مقرراً للمنهج هذا العام، إلا أننا لم نكن بعد قد استعددنا لامتحان فيه… وكنت أنا أقرأ إذ ذاك مجلة "السياسة الأسبوعية" وأملك أعداداً منها جمعها أبي وقد مررت فيها بعدد خاص عن محمد عبده وقرأته حديثاً ، فكتبت مقالاً مدهشاً في نصف ساعة بلغ طوله ست صفحات كان خطي فيها رديئاً لاستعجالي. فقد كانت المعلومات غزيرة في ذهني ، إلى حد ضاق به الوقت. وكانت ماري عجمي تقف في أول الصف ترقب التلميذات وهن يائسات عن التذكر وقد أسلمن أوراقهن نصف فارغة بينما أبقيت أنا ورقتي إلى اللحظة الأخيرة.. وحملت المدرسة أوراقنا وخرجت وعندما دخلت في الصباح التالي حدث شيء مدهش.‏

دخلت وكانت منفعلة جداً فما كادت تحيينا حتى قالت : "نازك . أريد أن أعتذر إليك.. لقد ظلمتك حتى الآن ولم أكن أعلم أنني أمام تلميذة موهوبة حقاً." ثم التفتت إلى الصف وقالت:‏

" إن مستواها يدهشني. وقد ظننتها مدّعية في الأسبوع الماضي لضخامة أحكامها، وصعوبة المادة التي تستشهد بها … وهذه أول مرة آسف فيها على موقف أقفه من تلميذه متطاولة …" . وكان الصف كله مندهشاً، صامتاً.‏

وقد أصيبت ماري عجمي بمرض عصبي فظيع قبيل امتحان نصف السنة، ولزمت فراشها وأصابها نوع من الهذيان المضطرب. وآلمني هذا إيلاماً شديداً فقد كنت أحب هذه السيدة الكريمة النبيلة وأحترمها احتراماً لا حد له ، وأشعر تجاهها بالصغر والضآلة وأود بأي أسلوب لو محوت ذكرى أسبوعي الأول معها يوم تحديتها وآذيتها. قررت أن أزورها في منزلها بصحبة خمس صديقات لي، وقد فعلنا جميعاً فاتجهنا إلى مسكنها.‏

وما كدنا ندخل ، حتى تلقتني بحرارة وراحت تسألني عن سير قراءتي إلا أن حديثها لم يخلُ من اضطراب ، فقد قالت لي إنها تتنبأ لي بمستقبل أدبي رائع تثق فيه وتراني أحمل بوادر عبقرية وإن كنت لم أصنع بعد أي شيء. دعوت السماء أن تشفيها. وكأن دعواتي المختلفة قد استجيبت فبعد أسابيع حضرت ماري إلى المدرسة لتودعنا ، والتقطت لنا صورة معها … كنا أربعاً وقد سألتها إحدانا أن تتفضل بأخذ صورة تذكارية معنا فقالت : "أوافق." وما زلت أحتفظ بهذه الصورة العزيزة حتى الآن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244