مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 437 أيلول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

شجرة القمر

1‏

على قمّةٍ من جبال الشمال كَسَاها الصَّنَوْبَرْ‏

وغلّفها أفُقٌ مُخْمليٌّ وجوٌّ مُعَنْبَر ْ‏

وترسو الفراشاتُ عند ذُرَاها لتقضي المَسَاءْ‏

وعند ينابيعها تستحمّ نجومُ السَّمَاءْ‏

هنالكَ كان يعيشُ غلامٌ بعيدُ الخيالْ‏

إذا جاعَ يأكلُ ضوءَ النجومِ ولونَ الجبالْ‏

ويشربُ عطْرَ الصنوبرِ والياسمين الخَضِلْ‏

ويملأ أفكارَهُ من شَذَى الزنبقِ المُنْفعلْ‏

وكان غلامًا غريبَ الرؤى غامض الذكرياتْ‏

وكان يطارد عطر الرُّبَى وصَدَى الأغنياتْ‏

وكانت خلاصةُ أحلامِهِ أن يصيدَ القَمَرْ‏

ويودعَهُ قفصًا من ندًى وشذًى وزَهَرْ‏

وكان يقضِّي المساءَ يحوك الشباكَ ويَحْلُمْ‏

يوسّدُهُ عُشُبٌ باردٌ عند نبع مغمغِمْ‏

ويسْهَرُ يرمُقُ وادي المساء ووجْهَ القَمَرْ‏

وقد عكستْهُ مياهُ غديرٍ بَرُودٍ عَطِرْ‏

وما كان يغفو إذا لم يَمُرّ الضياءُ اللذيذ‏

على شَفَتيهِ ويسقيهِ إغماءَ كأسِ نبيذْ‏

وما كان يشربُ من منبع الماء إلاّ إذا‏

أراق الهلالُ عليه غلائلَ سكرى الشَّذَى‏

2‏

وفي ذات صيفٍ تسلّل هذا الغلامُ مساءْ‏

خفيفَ الخُطَى, عاريَ القدمين, مَشُوقَ الدماءْ‏

وسار وئيدًا وئيدًا إلى قمَّةٍ شاهقهْ‏

وخبّأ هيكلَهُ في حِمَى دَوْحةٍ باسقهْ‏

وراح يعُدّ الثواني بقلبٍ يدُقّ يدُقّ‏

وينتظرُ القَمَرَ العذْبَ والليلُ نشوانُ طَلْقُ‏

وفي لحظةٍ رَفَعَ الشَّرْقُ أستارَهُ المُعْتمهْ‏

ولاحَ الجبينُ اللجينيّ والفتنةُ المُلْهِمهْ‏

وكان قريبًا ولم يَرَ صيّادَنا الباسما‏

على التلِّ فانسابَ يذرَعُ أفْقَ الدُّجَى حالما‏

... وطوّقَهُ العاشقُ الجبليّ ومسّ جبينَهْ‏

وقبّلَ أهْدابَهُ الذائباتِ شذًى وليونهْ‏

وعاد به: ببحارِ الضِّياءِ, بكأس النعومهْ‏

بتلك الشفاهِ التي شَغَلتْ كل رؤيا قديمهْ‏

وأخفاه في كُوخه لا يَمَلّ إليه النَّظَرْ‏

أذلكَ حُلْمٌ? وكيف وقد صاد.. صادَ القَمرْ?‏

وأرقَدَه في مهادٍ عبيريّةِ الرّوْنقِ‏

وكلّلَهُ بالأغاني, بعيْنيهِ, بالزّنْبقِ‏

3‏

وفي القريةِ الجبليّةِ, في حَلَقات السّمَرْ‏

وفي كلّ حقلٍ تَنَادَى المنادون: "أين القمر?!"‏

"وأين أشعّتُهُ المُخْمليّةُ في مَرْجنا?"‏

"وأين غلائلُهُ السُّحُبيّة في حقلنا?"‏

ونادت صبايا الجبالِ جميعًا "نُريدُ القَمَرْ!"‏

فردّدتِ القُنَنُ السامقاتُ: "نُريدُ القَمَرْ"‏

"مُسامِرُنا الذهبيّ وساقي صدى زَهْرنا"‏

"وساكبُ عطر السنابِل والورد في شَعْرنا"‏

"مُقَبّلُ كلّ الجِراح وساقي شفاه الورودْ"‏

"وناقلُ شوقِ الفَرَاشِ لينبوعِ ماءٍ بَرودْ"‏

"يضيءُ الطريقَ إلى كلّ حُلْمٍ بعيدِ القَرَارْ"‏

"ويُنْمي جدائلَنا ويُريقُ عليها النُّضَارْ"‏

"ومن أينَ تبرُدُ أهدابُنا إن فَقَدْنا القَمَر?"‏

"ومَنْ ذا يرقّقُ ألحاننا? مَن يغذّي السّمَرْ?"‏

ولحنُ الرعاةِ تردّدَ في وحشةٍ مضنيهْ‏

فضجّتْ برَجْعِ النشيدِ العرائشُ والأوديهْ‏

وثاروا وساروا إلى حيثُ يسكُنُ ذاكَ الغُلامْ‏

ودقّوا على البابِ في ثورةٍ ولَظًى واضطرامْ‏

وجُنّوا جُنُونًا ولم يَبْقَ فوق المَرَاقي حَجَرْ‏

ولا صخرةٌ لم يُعيدا الصُّرَاخَ: "نُريدُ القَمَرْ"‏

وطاف الصّدَى بجناحَيْهِ حول الجبالِ وطارْ‏

إلى عَرَباتِ النجومِ وحيثُ ينامُ النّهَارْ‏

وأشرَبَ من نارِهِ كلّ كأسٍ لزهرةِ فُلِّ‏

وأيقَظَ كلّ عبيرٍ غريبٍ وقَطْرةِ طلِّ‏

وجَمّعَ مِن سَكَراتِ الطبيعةِ صوتَ احتجاجْ‏

ترددَ عند عريش الغلامِ وراء السياجْ‏

وهزَّ السكونَ وصاحَ: "لماذا سَرَقْت القَمَرْ?"‏

فجُنّ المَسَاءُ ونادى: "وأينَ خَبَأْتَ القَمَرْ?"‏

4‏

وفي الكوخِ كان الغلامُ يضُمّ الأسيرَ الضحوكْ‏

ويُمْطرُهُ بالدموع ويَصْرُخُ: "لن يأخذوك?"‏

وكان هُتَافُ الرّعاةِ يشُقّ إليهِ السكونْ‏

فيسقُطُ من روحه في هُوًى من أسًى وجنونْ‏

وراح يغنّي لملهِمه في جَوًى وانْفعالْ‏

ويخلطُ بالدَّمْع والملح ترنيمَهُ للجمالْ‏

ولكنّ صوتَ الجماهيرِ زادَ جُنونًا وثورهْ‏

وعاد يقلِّبُ حُلْمَ الغلامِ على حدِّ شفرهْ‏

ويهبطُ في سَمْعه كالرّصاص ثقيلَ المرورْ‏

ويهدمُ ما شيّدتْهُ خيالاتُهُ من قصور‏

وأين سيهرُبُ? أين يخبّئ هذا الجبينْ?‏

ويحميهِ من سَوْرة الشَّوْقِ في أعين الصائدين?‏

وفي أيّ شيء يلفّ أشعَّتَهُ يا سَمَاءْ‏

وأضواؤه تتحدّى المخابئَ في كبرياءْ?‏

ومرّتْ دقائقُ منفعِلاتٌ وقلبُ الغُلامْ‏

تمزِّقُهُ مُدْيةُ الشكِّ في حَيْرةٍ وظلامْ‏

وجاء بفأسٍ وراح يشقّ الثَّرَى في ضَجَرْ‏

ليدفِنَ هذا الأسيرَ الجميلَ, وأينَ المفرْ?‏

وراحَ يودِّعُهُ في اختناقٍ ويغسِلُ لونهْ‏

بأدمعِه ويصُبّ على حظِّهِ ألفَ لعنَهْ‏

5‏

وحينَ استطاعَ الرّعاةُ المُلحّون هدْمَ الجدارْ‏

وتحطيمَ بوّابةِ الكوخ في تَعَبٍ وانبهارْ‏

تدفّقَ تيّارهم في هياجٍ عنيفٍ ونقمهْ‏

فماذا رأوا? أيّ يأسٍ عميق وأيّة صَدْمَهْ!‏

فلا شيءَ في الكوخ غيرَ السكون وغيرَ الظُّلَمْ‏

وأمّا الغُلامُ فقد نام مستَغْرَقًا في حُلُمْ‏

جدائلُهُ الشُّقْرُ مُنْسدلاتٌ على كَتِفَيهِ‏

وطيفُ ابتسامٍ تلكّأ يَحلُمُ في شفتيهِ‏

ووجهٌ كأنَّ أبولونَ شرّبَهُ بالوضاءهْ‏

وإغفاءةٌ هي سرّ الصَّفاءِ ومعنى البراءهْ‏

وحار الرُّعاةُ أيسرقُ هذا البريءُ القَمَرْ?‏

ألم يُخطِئوا الاتّهام ترى? ثمّ... أينَ القَمَرْ?‏

وعادوا حَيارى لأكواخهم يسألونَ الظلامْ‏

عن القَمَر العبقريّ أتاهَ وراءَ الغمامْ?‏

أم اختطفتْهُ السَّعالي وأخفتْهُ خلفَ الغيومْ‏

وراحتْ تكسّرُهُ لتغذّي ضياءَ النجومْ?‏

أمِ ابتلعَ البحرُ جبهتَهُ البضّةَ الزنبقيّهْ?‏

وأخفاهُ في قلعةٍ من لآلئ بيضٍ نقيّهْ?‏

أم الريحُ لم يُبْقِ طولُ التنقّلِ من خُفِّها‏

سوى مِزَقٍ خَلِقاتٍ فأخفتْهُ في كهفها‏

لتَصْنَعَ خُفّينِ من جِلْدِهِ اللّين اللَّبَنيّ‏

وأشرطةً من سَناهُ لهيكلها الزنبقي‏

6‏

وجاء الصباحُ بَليلَ الخُطَى قمريّ البرُودْ‏

يتوّجُ جَبْهَتَهُ الغَسَقيَّةَ عِقْدُ ورُودْ‏

يجوبُ الفضاءَ وفي كفّه دورقٌ من جَمالْ‏

يرُشّ الندى والبُرودةَ والضوءَ فوق الجبالْ‏

ومرَّ على طَرَفَيْ قدمَيْه بكوخ الغُلامْ‏

ورشَّ عليه الضياءَ وقَطْرَ النَّدى والسَّلامْ‏

وراح يسيرُ لينجز أعمالَهُ في السُُّفُوحْ‏

يوزِّعُ ألوانَهُ ويُشِيعُ الرِّضا والوضوحْ‏

وهبَّ الغلامُ مِنَ النوم منتعشًا في انتشاءْ‏

فماذا رأى? يا نَدَى! يا شَذَى! يا رؤى! يا سماءْ!‏

هنالكَ في الساحةِ الطُّحْلُبيَّةِ, حيثُ الصباحْ‏

تعوَّدَ ألاَّ يَرَى غيرَ عُشْبٍ رَعَتْهُ الرياحْ‏

هنالكَ كانت تقومُ وتمتدّ في الجوِّ سِدْرَهْ‏

جدائلُها كُسِيَتْ خُضْرةً خِصْبةَ اللون ِثَرَّهْ‏

رعاها المساءُ وغذَّت شذاها شِفاه القَمَرْ‏

وأرضَعَها ضوءُه المختفي في الترابِ العَطِرْ‏

وأشربَ أغصانَها الناعماتِ رحيقَ شَذَاهُ‏

وصبَّ على لونها فضَّةً عُصِرَتْ من سَناهُ‏

وأثمارها? أيّ لونٍ غريبٍ وأيّ ابتكارْ‏

لقد حار فيها ضياءُ النجومِ وغارَ النّهارْ‏

وجُنّتْ بها الشَّجَراتُ المقلِّدَةُ الجامِدَهْ‏

فمنذ عصورٍ وأثمارُها لم تَزَلْ واحدهْ‏

فمن أيِّ أرضٍ خياليَّةٍ رَضَعَتْ? أيّ تُرْبهْ‏

سقتْها الجمالَ المفضَّضَ? أي ينابيعَ عذْبَهْ?‏

وأيةُ معجزةٍ لم يصِلْها خَيالُ الشَّجَرْ‏

جميعًا? فمن كلّ غُصْنٍ طريٍّ تَدَلَّى قَمَرْ‏

7‏

ومرَّتْ عصورٌ وما عاد أهلُ القُرى يذكرون‏

حياةَ الغُلامِ الغريبِ الرُّؤى العبقريِّ الجُنون‏

وحتى الجبالُ طوتْ سرّه وتناستْ خطاهُ‏

وأقمارَهُ وأناشيدَهُ واندفاعَ مُناهُ‏

وكيف أعادَ لأهلِ القُرى الوالهين القَمَرْ‏

وأطلَقَهُ في السَّماءِ كما كانَ دونَ مقرْ‏

يجوبُ الفضاءَ ويَنْثرُ فيه النَّدَى والبُرودهْ‏

وشِبْهَ ضَبابٍ تحدّر من أمسياتٍ بعيدهْ‏

وهَمْسًا كأصداء نبعٍ تحدّر في عمْق كهفِ‏

يؤكّدُ أنَّ الغلامَ وقصّتَهُ حُلْمُ صيفِ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244