|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
السردية وآلية تحليل النص الروائي ـــ كواري مبروك/ الجزائر السردية مصطلح نقدي معاصر تبلور في ظل التراكم المعرفي النقدي، وأنتج تقنيات تمكن الدارس من الوقوف على مكونات النص الأدبي، والكشف عن بناه، وظلاله الانفعالية ومدى تأثير هذا في المتلقي. غير أن النص الأدبي مورست عليه جملة من التقنيات الإجرائية لحل شفراته وأبنيته، ولعل المناهج النقدية التي شهدها النقد الحديث في هذا القرن أظهرت تبايناً في الممارسة التطبيقية التي يعالج بها النص. فظهرت مقاربات نقدية تدرس النص الأدبي بأدوات ومنطق بعيد عن حقيقة النص ــ المناهج السياقية ــ الأمر الذي تولد عنه الاهتمام بالمبدع، فانحرف النقد الأدبي إلى البحث في قضايا بعيدة عن النص، فكانت سيادة نزعة سلطة المبدع في النقد. ثم جاء المد البنيوي كأداة ورواق ــ ابستملوجي ــ معرفي غمر النقد في البحث عن مكونات النص بداية ونهاية. فتمخضت عن هذا التوجه نزعة سيادة سلطة النص؛ باعتبار النص الأدبي بنية مستقلة عن السياق والمؤلف والتاريخ؛ التي تدرس النص (المادة اللغوية) للكشف عن بناه الداخلية. غير أن هذا المسعى "لم يملك القدرة على الإنتاج التام أو الثابت أمام اشتراك عناصر أخرى خارجة عن النص في عملية تكوينه."(1) لأن النص عملية صيرورة يتقاطع مع عدد لا يحصى من النصوص السابقة عليه، والتي يستوعبها إرادياً أو لا إراديّاً. ثم جاء المد السميولوجي التفكيكي الذي أغنى المقاربات النقدية، وفتح مجالاً واسعاً لتأويل القارئ، وكان التركيز على المتلقي. هذه النقلة في الدراسات الأدبية جعلت البحث في البنية السردية أكثر موضوعية، وكان هذا المنحى حداً فاصلاً بين المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة. فتحرر النقد المعاصر من سلطة المبدع، وسلطة النص، وأصبح رهينة القارئ ــ الناقد ــ. فالنقد الأدبي يدرس البنية السردية للنص في علاقة حوارية لا تفصل النص عن سياقه الذي انبثق منه، ولا عن النصوص السابقة عليه. فهو نشاط فكري يتناول الخطاب الأدبي الذي هو عبارة عن محصلة معينة تقع بين فعل التفكير وفعل الكلام فهو "فكر يتلبس بعلامات لكي يصبح مرئياً عن طريق الكلمات أو على العكس عبارة عن بنى لغوية ذاتها تتركب بشكل تنتج فيه أثراً من المعنى".(2). فالدراسة ترتكز أساساً على عناصر العمل الأدبي في جميع مستوياته (اللفظية، التركيبية، الدلالية) ضمن البنية السوسيونصية، لاكتشاف نظامه الخاص في نسقه الكلي، وفك شفراته والوقوف على أدبيته "التي تتحدد بمقدار الخروج عن القالب المرسوم".(3) إنّ السردية كمنهج تحلل النص الأدبي بمفاهيم وتقنيات مكنت الناقد من الوقوف على بنية النص الأسلوبية، والبنائية، و الدلالة. والسردية ــ Narrtologe فرع من أصل كبير هو الشعرية Poetique التي تستنبط القواعد الخاصة للأجناس الأدبية، وتستخرج النظم التي تحكمها والقوانين التي توجه أبنيتها، وتحدد خصائصها وسماتها، باعتماد الاستقراء الفني الذي استمد وجوده من التجريب المستمر دراسة وتحليلاً كوسيلة مستقاة من العلوم التجريبية، و"الشعرية" نظام نظري اتخذ تقنيات البحث التجريبي للوصول إلى حقائق علمية مطردة في الإبداع الأدبي بين مختلف أنماط التعبير، فأصبحت قوانينها أكثر موضوعية. والسردية Narratloge تبحث في مكونات البنية السردية للخطاب الروائي ومجال اهتمامها النص الأدبي ومكوناته "فهي العلم الذي يعنى بالخطاب السردي أسلوباً وبناءّ ودلالة".(4). والسرد Narration له مفاهيم متعددة لغة واصطلاحاً، فهو مصطلح نقدي حديث يعني بعملية نقل الحادثة من صورتها الواقعية إلى صورة لغوية، وهو الفعل الذي تنطوي عليه السمة الشاملة لعملية القص. أي ما يقوم به السارد Narrateur حين يروي الحكاية، ويشمل جميع أنواع الخطابات التي يبدعها الإنسان الأدبية وغير الأدبية. فهو (السرد)" حاضر في الأسطورة والخرافة والأمثولة والحكاية والقصة، والمأساة والدراما والملهاة، والإيماء واللوحة المرسومة وفي الزجاج المزوق، والسينما والانشوطات والمنوعات والمحادثات..."(5). فالبنية السردية للخطاب تتشكل من ثلاثة مكونات: 1 ــ الراوي (المرسل) 2 ــ المروي (الحكاية) 3 ــ المروي له (المرسل إليه) والرواية بنية سردية في المقام الأول تعرض فكرة، فهي تحتاج بطبيعة تركيبة نسجها إلى هذه المكونات، يبدعها مؤلف حقيقي، ويتلقاها قارئ حقيقي
فالراوي شخص يروي الحكاية، أو يخبر عنها، ولا يشترط أن يكون اسماً معيناً، فهو الذي يُنتج المروي وما يشمله من وقائع وأحداث. وهو شخصية وهمية يستخدمها الروائي قناعاً يُظهر من خلاله عالم الرواية وهو يختلف عن الروائي الحقيقي الذي لا يظهر في الرواية، ويجب ألا يظهر، وإنما يتسرب خلف الراوي معبراً من خلاله عن مواقفه ورؤاه. والمروي هو كل ما يصدر عن الراوي من أحداث مقترنة بأشخاص يؤطرها فضاء من المكان والزمان، والحكاية جوهر المروي. والرواية بالضرورة تحتاج إلى مُرسِل ومُرسَل إليه. ويتركب المروي من مستويين: 1 ــ المبنى، والمتن لدى الشكلانيين الروس والخطاب (السرد) والحكاية عند السردانيين. فالمروي يتركب من متوالية من الأحداث والاحتمال المنطقي لنظامها. والمروي إليه هو الذي يتلقى رسالة الراوي سواء كان اسماً معيناً ضمن البنية أم كائناً مجهولاً، وقد يكون المجتمع أو قضية أو فكرة يخاطبها الراوي. وللسرد تقنيات يتجلى فيها ضمن بنية النص الروائي هي: السرد التابع: يتضمن سرد أحداث وقعت قبل زمن السرد. السرد المتقدم: سرد استطلاعي استشرافي مستقبلي. السر الآني: يأتي في صيغة الحاضر، سرد حوادث أو مونولوج. السرد المدرج: يتمظهر من خلال تقنية إدراج الرسائل ضمن بنية النص الروائي حيث يتوقف الحكي ويدرج النص. والبنية السردية للنص الروائي قد تشمل هذه الأنواع وقد تقتصر على بعضها انطلاقاً من منظور الروائي، الذي يتجلى في العلاقة الكامنة بين مكونات النص. وإذا حاولنا الكشف عن هذه العلاقة (النص ومكوناته السردية). من خلال بعض النصوص الروائية، لنقف على بعض مظاهر السرد الفكرية والجمالية منطلقين من مفاهيم على النفس المعرفي، والذكاء الاصطناعي، التي أثبتت أن المبدع والقارئ خاضعان لنفس العمليات الذهنية في إبداع النص وتلقيه، والتي تبلورت في نظريات الأطر والمدونات، الخطاطات، السيناريوهات والنماذج الذهنية(6) التي تتواجد بالدرجة نفسها عند الباحث والمتلقي، والتي تمكنهما من إدراك المحيط، وفهم مجريات الواقع عن طريق اللغة وأساليبها، وما يلاحقها من إشارات وإيماءات في عمليات الاتصال، وخاصة في الأجناس الأدبية. فرواية "اللاز" مقدمة للقارئ في أسلوب تيار الوعي، حيث عرض الروائي أحداث النص في فترة وجيزة ــ فجاء زمن القص أقل من زمن الحكاية فهو لا يتعدى بضع لحظات. ــ على لسان "الشيخ الربيعي" الراوي الذي أثارته عبارة "اللاز" ما يبقى في الواد غير حجاره"(7). فراح يتذكر أحداث الماضي حيث "استند إلى الجدار وأطلق العنان لمخيلته تتحسس الجرح.. شيء عشناه وشيء سمعناه، وشيء نتخيله".(8). ويستمر التدفق الروائي على امتداد صفحات الرواية ابتداء من الصفحة 10 وينتهي عند الصفحة 275 عندما أيقظته عبارة موظف مكتب المنح: "هات بطاقتك يا عمي الربيعي"(9). الراوي هو "الشيخ الربيعي"، والمروي له "اللاز" بطل القصة ومحور ارتكاز الحكي، والمروي حكاية بعض أحداث الثورة، وكان التركيز؛ من خلال إظهار معاناة الشعب الجزائري؛ على شريحة من المجتمع مثلها البطل "زيدان" الذي التهمته الثورة رغم مساهمته في تفجير أحداثها. والقارئ عند تناوله النص الروائي يدخل في علاقة حوارية معه، ودرجة الاتصال خاضعة لموقف القارئ الثقافي، وتجربة النص الروائية. والقراءة أكانت شرحاً أم تفسيراً أم تأويلاً، فإن القارئ "يعيد إنتاج المقروء بمعنى من المعاني، وعلى صورة من الصور... فالقراءة ليست مجرد صدى للنص"(10). الذي هو إوالية بطيئة تعيش على فائض قيمة المعنى، الذي يدخله القارئ عبر التأويل. "فاللاز" المروي له، وبطل أحداث الحكاية يحيل القارئ في دلالته السيميائية إلى أفق أرحب من خلال تدفق الروائي، فهو المفجر للأحداث، والشاهد على مجرياتها، هو أساس التجربة الروائية منه انطلق الراوي وبه ختم. فالحكي سار في خط تصاعدي تبلورت من خلاله شخصية "اللاز" إلى أن يصل الصفر في الحكي عند مشهد موت أبيه، حينها يتدخل الراوي قائلاً: "ظل اللاز لحظات يقف مشدوهاً لا يصدق عينيه وعندما انفجرت الدماء من قفا أبيه صاح في رعب: ــ ما يبقى في الواد غير حجاره"(11). من هذه النقطة وقع تحول في مجريات الأحداث، إذ أوقف الراوي الحكي عند هذه المأساة. وهذه ثغرة في السرد حيث اتخذ الروائي أسلوب الإيهام لشد القارئ لتتبع أحداث النص. "فاللاز" شخصية غريبة الأطوار لا تؤمن بأي قيمة اجتماعية... ولما آمنت بالثورة لم تهضم مجرياتها. وهنا يظهر للقارئ ضعف بناء هذه الشخصية في تطورها وفق منطق السرد أساساً على السببية. فالراوي كبل هذه الشخصية عندما حصر فعلها في نهاية النص في دور "الشاهد". وهكذا يعكس منظور الروائي من فيض أحداث الحكي عبر المقابلة والتعريض، إذ لا مبرر فني يفسر للقارئ ذبح "زيدان" أمام عيني ابنه "اللاز" ولا يثور بل أغمى عليه ووجد ملاذه في الاستنجاد بمثل شعبي "ما يبقى في الواد غير حجاره"(12). ولعل الروائي تفطن إلى هذا القصور الفني الذي انتاب بناء هذه الشخصية وحاول تداركه في "اللاز الثانية". والظاهرة نفسها تتكرر في رواية الزلزال بشكل مخالف، فالراوي (البطل) بولرواح وضعه الروائي في ظروف قاسية، وأغلق عليه أبواب المساعدة إلى أن أوصله إلى الانتحار في نهاية الحكاية، والسبب أن هذا البطل أو الشريحة التي ينتمي إليها يخالف الروائي في موقفه من الحياة، فقدمه للقارئ في تقنية الرؤية من الخلف. وللكشف عن البنية العميقة ــ الباطنية ــ للمروي نحاول الوقوف على وظائف القص "باعتبارها العنصر الثابت الذي يستخرج من أحداث مماثلة ومن القائمين بهذه الأحداث الذين هم أشخاص القصة"(13). وبتطبيق نموذج كلود بريمون الذي جعل منطق تتابع الوظائف في الحكاية (المروي) في ثلاث محطات: 1 ــ تحديد الهدف 2 ــ عملية تحقيق الهدف 3 ــ النجاح أو الإخفاق في رواية الزلزال يبدأ الحكي من نقطة النهاية، أي من لحظة سماع بولرواح بمشروع التأميم الذي بدأ تطبيقه في غفلة منه. فالبنية السردية للحكاية يتجاذبها فعلان: 1 ــ إرادة البطل. 2 ــ التغييرات الواقعة في المجتمع. الفعل الأول يجسده منظور الراوي ــ رؤية البطل ــ والفعل الثاني يُظهر منظور الكاتب ــ رؤية المؤلف ــ فالزلزال شيء رهيب، دمار، خراب... وتحيل دلالته السميائية القارئ إلى القوة المغيرة للواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي، وإذا كان ما يشغل البطل هو حدوث الزلزال الحقيقي انتقاماً من مشروع الحكومة، ومن قسنطينة للحيلولة دون تأميم أراضيه، فإنه قد حدث على مستوى البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية: "قسنطينة الحقيقة... أقول زلزل زلزالها"(14). فالبطل لم يتفطن لهذا وسار ضد التيار الذي جرفه في نهاية الحكاية فالزلزال. "يحدث مرة واحدة يا سي بولرواح لكن هناك من يحس به قبل حدوثه وهناك من يحس به في أثناء حدوثه، وهناك من يحس به بعد حدوثه"(15) والروائي تمكن من مزج العناصر المتباينة في الفعل الروائي. فقد سلك في نسج هذا النص طريقة الرواية المونولوجية التي يهيمن فيها صوت الراوي ــ هيمنة أسلوب على باقي الأساليب ــ وطعمها بأساليب الرواية الديالوجية، حيث عرض البطل على مجموعة من الأشخاص لمساعدته ولكن دون جدوى. هذه التقنية طبعت النص بالطابع الدرامي. ففكرة الزلزال المدمرة للبنية الفكرية للبطل والواقع المتخيل، هي الهاجس الذي يهيمن على سلوك البطل، وملاذه الوحيد الذي يساعده على إحلال التوازن النفسي بين رغباته، والتغييرات الحاصلة في الواقع، فهو المنظار الذي يرى به الواقع. ولتحقيق الخط المأساوي لهذه الشخصية، سار الفعل الروائي وفق التقنية التالية: 1 ــ موقف الراوي الذي حدد هدفه المتمثل في الوقوف أمام القوة التي تسعى إلى تأميم أملاكه. 2 ــ السعي إلى تحقيق الهدف، والبحث عن مساعدين يمكنونه من تحقيق هدفه. 3 ــ الفشل ومحاولة السعي ثم الفشل. ولتحقيق الفعل الروائي من منظور المؤلف وضع البطل في خط درامي صعد من درجة حدة التوتر النفسي لدى البطل إلى حد الانهيار. هذه التقنية مكنت الروائي من عرض الحكاية في أسلوب يأسر القارئ لمتابعة أحداث الرواية فالراوي البطل، منذ أن باشر الفعل الروائي وهو مأزوم فلم يصادفه مساعد رغم حرصه وحيله. فالمروي تتحكم من أنساقه بنيتان: 1 ــ موقف الراوي 2 ــ موقف المجتمع (الروائي) من هذا التضاد والتباين في الرؤية بين مكونات السرد يظهر النص الروائي خالياً من هيمنة أسلوب واحد، فهناك صوت الراوي، وصوت الواقع وصوت المساعدين. فالبطل متأزم وأزمته حدث النص، الباعث لحركيته. ومن خلال مزج الأصوات كان الراوي أسير تقنية تتمثل في: ــ الأزمة (تأميم الأرض) ــ البحث عن الحل للحيلولة دون تأميم الأرض ــ خيبة الأمل (الفشل ثم محاولة الانتحار) والتي تبلورت في الصراع الروائي من خلال تعارض صوتين رئيسين:
فالبطل عبر تقنيات المماثلة والتعريض والسخرية عرضه الروائي في صورة تنفر القارئ من التعاطف معه، ومن نمط تفكيره، ونوع الحياة التي ينشدها. وهو بهذا العرض يخاتل القارئ ليتقبل منطق الحكي الروائي بزخمه الفكري والجمالي. والزلزال الذي جاء بفعل التأميم للملكية، جعل محور التدفق الروائي مبنياً على الفكرة ونقيضها. فالتأميم أثار حفيظة المالك "بولرواح" الذي راح يبحث عن أساليب تمكنه من الحفاظ على أملاكه. من خلال هذا التضاد سار الحدث الروائي إلى أن وصل إلى نهايته ــ الاستسلام للقدر المحتوم ــ. الهوامش 1 ــ محمد جبير: مقتربات النص: 5. 2 ــ ميشال فوكو: نظام الخطاب: 28. 3 ــ المسدي: النقد والحداثة: 41. 4 ــ عبد الله إبراهيم: السردية العربية. 9. 5 ــ سعيد يقطين: الكلام والخبر. 19. 6 ــ مقلة محمد مفتاح: دور المعرفة الخلفية في الإبداع والتحليل: مجلة دراسات سميائية: 86. 7 ــ رواية اللاز: 10. 8 ــ م. ن: 10. 9 ــ م. ن: 275. 10 ــ عثمان الميلود: شعرية تودروف: 38. 11 ــ رواية اللاز: 273. 12 ــ رواية اللاز: 273. 13 ــ السيد إبراهيم: نظرية الرواية. 17. 14 ــ رواية الزلزال: 28. 15 ــ م. ن. 29. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |