|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ما وراء السرد/ ما وراء الرواية رواية "موت الأب" أنموذجاً ـــ عبد العزيز إبراهيم/ العراق الرواية المعاصرة بمواصفاتها الفنية، رواية أوربية في أصولها، أمريكية في صرخاتها التجديدية في عصر الحداثة، لكن ذلك لا يعني تجاوزنا لما أسماه (آلان روب جرييه) بالرواية الجديدة التي دعا إليها الفرنسيون حيث يعلق د. لويس عوض قائلاً: (1) "هي ثورة على المدرسة التقليدية التي تعتبر الإنسان وحياته (الأحداث ـ الزمان) مقياس الكون. هذه الثورة تدعو إلى أن مادة الفن ليست في الذات وإنما الموضوع.. والمقياس هنا في الرواية الجديدة ليس فعل الإنسان في الشيء وإنما انفعاله به. وهذا الدور الخطير الذي يلعبه العالم الخارجي كمادة أساسية لفن الرواية هو الذي جعل روب جرييه وأتباعه يحطمون الزمان أيضاً كمقياس لمغزى الحياة ويحلون المكان محل الزمان لأن وجود الأشياء في المكان أوضح وأرسخ من وجودها في الزمان" وقد أطلق عليها النقاد اسم (اللا رواية) أو (ضد الرواية) لأنهم "دمروا العناصر الفنية المتعارف عليها حين كتبوا روايات من دون شخصيات ومن دون أحداث وأحلّوا الأشياء محل الشخصيات" وكان إلى جانب (جرييه) ميشيل بوتور، وناتالي ساروت لكن الحداثة الغربية لم يرضها ذلك. ولذلك دعت الحداثة الروائية للبنيويين إلى "نبذ جماليات الرواية أو تقنياتها الفنية، واستعاضت عنها بالمكونات السردية التي تتمثل في (الوظائف والفواعل ووجهة النظر أو التبئير، وبنية الزمان وفضاء المكان" (2) لعلها تصل بالمتلقي إلى فهم السردية. فإذا دخلنا إلى مكونات السرد، فإن الوظائف هي أولها حيث قصد فلاديمير بروب. وهو من الشكلانيين الروس ـ بالوظيفة: "الحدث الذي تقوم به شخصية ما من حيث دلالته في التطور العام للحكاية" (3) وقد لاحظ أنها مترابطة في ما بينها بضرورات منطقية وجمالية. وهي محدودة العدد في الحكايات الشعبية التي درسها. أما الأشخاص أو العوام فإن (غريماس) (حدّد الأشخاص لا ككائنات نفسية وإنما كمشاركين. ذلك أن الشخص من وجهة نظر الألسنية لا يُحدّد بميوله النفسية وخصاله الخُلقية، وإنما بموقفه داخل القصة أو بعمله أو دوره فيها، وبهذا يتمّ النظر إليه كوظيفة نحوية).(4) وبناء على هذه القاعدة ليس هناك من فعل من دون فاعل أو فاعل من دون فعل وينطبق ذلك على القصة باعتبارها مجموعة أفعال. ويقصد بوجهة النظر علاقة الراوي بالقصة المحكية أو موقف الكاتب تجاه عمله، وقد يوزعه بعضهم على ثلاثة مستويات: تعبيري، نفسي، أيديولوجي. ولا يبقى أمام المحلل البنيوي إلا الزمان والمكان حيث يرى في الأول محوراً "وعليه تترتب عناصر التشويق والاستمرار، وأنه يحدد طبيعة الرواية ويُشكلّها وأنه يتخلل الرواية كلها، فهو الهيكل الذي تُشاد فوقه الرواية". (5) ويرى في الثاني أن "زمن الرواية ليس زمن الساعة، وكذلك مكان الرواية ليس المكان الطبيعي، إذ إنّ النصّ الروائي يخلق عن طريق الكلمات، مكاناً خيالياً له مقوماته الخاصة وأبعاده المميزة، وأن إضفاء صفات مكانية على الأفكار المجردة يساعد على تجسيدها". (6) ولا يتحقق ذلك كله إلا عن طريق الوصف القصصي ولهذا قيل "إذا كان السرد يركّز على إبراز الأحداث والأعمال في بعديها الزمني والمأساوي فإن الوصف لا يأخذ بعين الاعتبار الأحداث والأعمال التي تتضمنها القصة وإنما يسعى إلى الكشف عن الأشياء ومكوّناتها والأشخاص وطباعهم الخُلُقية، وبالتالي فإنه يوقف سريان الزمن ليطلق سريان الأشياء في المكان" (7) وفي هذا يقول جيرار جينيت: "ليست هناك حكاية بلا وصف" (8). هذه المكونات السردية لم تقف على مُنّظر واحد في صياغتها بل تجاوزته إلى الكثيرين أمثال: رولان بارت، وتودوروف، وليفي شتراوس، وجيرار جينيت، وغريماس، وسوسير، وأمبرتو إيكو، فضلاً عن الشكليين ومنهم بروب. وهي بذلك جمعت الألسينة إلى جانب البنيوية. وبدلاً من توضيح الرؤية النقدية، عشنا تشتتاً عند تحليل العمل الروائي، ناهيك عن إنشائية المقول.!! في الفصل الذي كتبه (جيريمي هوثورن) بعنوان "تحليل الأدب الروائي" يعرض لقضية السرد من خلال قراءته لروايات غريبة تمكّنه من أن يقف على تقنية هذا السرد حيث نبّه في بداية حديثه على أن المقروء لم يأتِ إلا عن إخبار ويتم إخبارنا بما يحدث في الرواية. لكنه يلفت نظرنا بقوله: "ومهما بلغ الروائي من نجاح في جعل مشهد ما درامياً، إلا أن ذلك المشهد لا يمكن أن يحقق الدرامية التي تحققها المسرحية أو الفيلم السينمائي" (9) وهو بهذا يريد أن يفرق بين تأثير الرواية عن العمل المسرحي، من خلال المتلقي. فالرواية عمل مقروء خلافاً للعمل الدرامي المنظور، وبين القراءة والرؤية مسافة في ذهن المتلقي لأنه يرى الأشياء كما هي عليه واقعاً. قد يقال إن الروائي قد يُوظف راوياً "يعرفه القارئ كشخص مميز ذي صفات فردية إنسانية محددة، أو كبديل لذلك فإن مصدر السرد قد يبدو على درجة من اللا تحديد بحيث يثير فينا الشك في ما إذا كنا نتعامل مع مصدر فردي إنساني" (10) ولم يكن ذلك الراوي المشخص إلا القاص نفسه. وقد يكون هذا الراوي مقدماً سرده تحت الضمير "أنا" دون أن يخبرنا عن نفسه بأكثر من ذلك. وفي هذا يقول "هوثورن": "لدينا بنية سردية معقدة، وراوٍ خارجي بلا اسم ينقل لنا مشهداً يبدو فيه شخص آخر له اسم". (11) دون أن ننسى "أنَّ منح الاسم من المحتمل أن يقوي درجة التشخيص" (12). وربما يقحم القاص نفسه في عملية السرد، وهذا ما صنعه فيودور دوستويفسكي في روايته "رسائل من القبو" فقد نقل هوثورن ما نصه "نجد التعليق الآتي المقحم في النص على الصفحة الأولى: نكتة تافهة، ولكنني لا أريد أن أشطبها. عندما كتبت ذلك، اعتقدت أنها ستكون قوية، والآن عندما أدرك أنني ببساطة كنت أحاول أن أكون شاطراً ومتهكماً، فإنني سأتركها تبقى كما هي عن قصد" (13) وبالطبع فإن القاص قد يقحم نفسه في وسط الرواية أو بين صفحاتها الأخيرة فبماذا يفسر ذلك؟ ويرى جيريمي هوثورن "أنَّ الرواية قد لا تتطلب وسطاً متضمناً على الإطلاق، كما أن نصّ الرواية قد لا يحتاج أن يمثل اللغة ـ أداة القاص لنقل الرواية إلى القارئ ـ فقد يمثل حالة من الوعي أو سلسلة من الأحداث والخبرات لا تتطلب الضرورة أن يتمَّ التعبير عنها شفوياً بواسطة فرد ما، إلا أنه يجب ترجمتها إلى كلمات للقارئ بواسطة الروائي" (14) والأمر هنا يتعلق بمصدر أو مرجعية السرد فإن "الرواة المختلفين ووسائل السرد المختلفة تغيّر القصة وتؤثر كذلك ليس فقط في الكيفية التي نُخبر فيها بأمر ما ولكن كذلك في الأمر الذي نخبر به والموقف الذي نتخذه تجاه ما نخبر به". وقد يتطلب اختيار راوٍ وسط سردي ضمني فحين نقرأ رواية "الغريب" لـ (البير كامو): "ماتت أمي اليوم. أو ربما الأمس، لا أستطيع تأكيد ذلك. إنّ البرقية من الوطن تقول: لقد توفيت أمك. قداس الدفن سيكون غداً، تعازينا البالغة. وهذا ما يجعل الأمر مشكوكاً به. قد يكون الحدث وقع الأمس". يعلق هوثورن قائلاً: "يبدو واضحاً أنَّ هذا النص يمكن أن يخاطب امرأً ما، (هل هناك معنى في مخاطبة الذات؟) إلا إنّ السرد ربما يمثل ذهنية وسلسلة من الأحداث التي لا يقصد أن يفكر فيها القارئ بأنها تستهدف أي متلق على وجه الخصوص" (15). ومن محاولات التجريب السردي الذي ظهر في روايات أو قصص القرن العشرين التي تأثرت بالنظريات النفسية، تيار الوعي، والمونولوج الداخلي: وحاول فيهما كتّاب القصة نهج سردية تطابق ما دعت إليه هذه النظريات. ولهذا يفرق هوثورن بينهما بقوله: "إن المونولوج الداخلي يتضمن بشكل أساس استخدام اللغة، وإذا ما تحدث فرد إلى ذاته فإن ذلك في المقابل يفترض على نحو مسبق وعياً معيناً لما يدور في ذهن ذلك الشخص". بخلاف تيار الوعي الذي نجد "في التمييز بين ما يقوله الراوي وما تفكر به الشخصية أو تنطق به قد تصبح حادة باستخدام تقنية تعرف بالكلام الحرّ غير المباشر" (16). هذه التقنية "مهمة ـ إلى حد بعيد ـ في الرواية الحديثة أو القصة القصيرة وهي تزود كاتب الرواية بوسيلة عالية المرونة لغرض خلط أو تغيير منظور الراوي وتيار وعي الشخصية من غير إقحام" وبالتالي فإن هذه التقنية (تجعل من المحال أن ننسب جملة ما إلى راوٍ أو شخصية). (17) وإذا قلنا إنَّ الرواية المعاصرة تعيش تحت رحمة التجريب، فإن هناك إضاءتين قد يحتاج إليهما الناقد عند تحليل السرد الروائي. وهما: (18) الأولى: ـ الزمن: أي صيغة الفعل الدالة على زمنه. ونقصد به العلاقة بين الزمن المحكي وزمن الحكاية. فالروائي يستطيع إنشاء خمسين صفحة ليخبرنا عن يوم واحد من حياة شخصية ما، وبعد ذلك يعطينا عشر صفحات أخرى لتغطية خمسين سنة. وليس لزمن الحكي وزمن الحكاية حدود مشتركة قد يستطيع الراوي أن يقفز عبر ثغرات من الزمن. ويكون ذلك موقفاً للراوي عبر ما أسماه هوثورن بنبرة الصوت أو النغمة بتضمين المؤلف تجاه ما يُحكى. ومثال لذلك رواية "القلعة" لفرانز كافكا حيث يفترض أن الحياة عديمة المعنى، وأن الاتصال بين البشر محال، فإن هذا المظهر من العمل يجب أن يُنظر إليه بما يتفق مع نبرة الأسى العميق والتعاطف مع الإنسانية التي تسود الرواية. ولا يتم ذلك إلا من خلال الجو العام، وهو نوع الخطاب الذي يستخدمه الراوي. وقد يُقصد به الطريقة بقولنا إنهما يشيران إلى العلاقة بين الحكاية وما يُحكى بمعنى أوسع على حد سواء مع ما يتعلق بما يُدرك ويقرر، وكيف يتم التعامل مع ما يُدرك ويقرر. الثانية: ـ عند تحليل تقنية السرد هناك مصطلحان. الأول: الصوت والآخر: المنظور. حيث يكون الصوت أساساً لراوٍ من الشخص الثالث ذي معرفة شبه كلية من خارج القصة، ويكون المنظور حثّ القارئ على رؤية كل شيء. ونلخص ذلك بسؤالين هما: مَنْ يتكلم؟ ومَنْ يرى؟. 2 إن التبدل الحادث في السرد الروائي أو القصصي لن يكون رغبة في ذات الروائي أو القاص بقدر ما هو خضوع الروائي أو القاص نفسه إلى ما يحدث في محيطه الخارجي سواء ما تمثل بوسائل الاتصال بين الناس وما يُطرح من رؤى فكرية أو فلسفية تؤثر في أنماط القراءة نتيجة لتغير الوعي الحضاري حيث يكون القاص فرداً من المجموع. لما كان مؤلف الرواية أو القصة كاتباً لها من خلال اللغة، فإن السرد يمثل مدخلاً يُوظف فيه هذا المؤلف راوياً ينقل ما يفكر فيه أو يخطط له فقد يجري السرد على لسان هذا الراوي متحدثاً حديثاً مباشراً، وقد يعتمد ضمير الـ "أنا" أو الـ "هو" من دون أن يتدخل المؤلف بالسرد وكأنَّ الأمر بعيد عنه، وما يجري لا دخل له فيه. وفي كلا الوضعين لا يجد القارئ للروائي أو القاص مكاناً أو يشعر أن له تأثيراً يحرك الأحداث. وإنما تجري الأحداث على أرض الواقع فيكون الحدث قد حفر له موقعاً في ذات المتلقي. وهذا ما يحدث في الروايات الكلاسيكية أو الرومانتيكية، ولكن بعد الحداثة الأوربية وظهور الرواية الجديدة التي تجاوزت شخصيات الرواية ونأت عن الزمان، وجدت في المكان عزاءها حيث استقرت فيه. هذا اللعب بالرواية دفع بأهل الحداثة إلى إظهار الاحترام للمتلقي على حساب المؤلف (الروائي/القاص)، وتمادت الحداثة بأهلها فأعلنت عن موت المؤلف باعتبار أن النص ـ أي نصّ ـ لم يبدعه كاتبه، وبالتالي فهو ناتج عن خزين من نصوص الآخرين. فصار الأمر تناصاً، فإن كتب الروائي أو القاص النص، فإن دوره قد انتهى وهذا إعلان بموته من هنا حاول الروائي أن يُعلن تمرده على هذا الصنيع (الحداثوي) بأن تدخل علناً مشعراً المتلقي بأنه حيٌّ يرزق والدليل على وجوده أنه سيقطع السرد مهمشاً المتعة التي صنعها خياله وما رمز إليه من شخصيات تُصور الحدث، ويعلن أنه يروي رواية أخرى غير التي يرويها السارد، أو ما هو مُقْدِم عليه يكون في وجوده سرداً خلف السرد. وهذا الأمر لن يكون سيراً إلاَّ إذا امتلك المؤلف خيالاً يساعده على شطر استجابة المتلقي أولاً ومن ثم إلغاء واقعية النص وفيها تذوب متعة ما يقرأ وإنْ كان المقروء من صنع الخيال. وفي هذه الحال كأن المؤلف يؤكد مقولة (كولردج/ 1772 ـ 1834م): "إنَّ العمل الفني رمز يتوسط بين عالم الطبيعة وعالم الفكر. ففعل التقدير الجمالي، كفعل الخلق الفني، إن هو إلا إظهار الخبرة عن طريق قوة الخيال". (19) ومن هنا ظهر مصطلح "ما وراء الرواية" أو "ما وراء السرد" في النقد الأدبي عند أهل الحداثة عذرهم في ذلك أنّها تقنية سردية جاءت نتيجة للتجريب، هذه التقنية لم يأتِ بها الروائيون العرب بل كانت استيراداً ـ كأي بضاعة حداثوية ـ من النقد الغربي قال عنها (جيريمي هوثورن) في كتابه "مدخل لدراسة الرواية": "تعني (ما وراء الرواية) حرفياً "رواية حول الرواية" أو "الرواية الشارحة لفن الرواية". وهي عادة تشير إلى نوع من الرواية أو القصة القصيرة التي تعمل على نحو مقصود على هدم الخيال السردي لتعلق بشكل مباشر على طبيعتها الخيالية الخاصة أو على عملية الإنشاء الروائي". (20). ولا يتفق الغربيون على أصولها فمنهم من يرى أنها رواية انعكاسية ويعين هذا "أن مصطلح انعكاسي أو ذاتي المرجعية أو ذاتي الوعي، يشير إلى روايات يسترعي فيها المؤلف الانتباه على حقيقة أنه يكتب رواية" (21) ويرى غيره وهو (لاري ماك كافيري) أن كُتّاب هذا النوع من الروايات "كانوا مولعين بتطوير أساليب أدبية غير تقليدية عن طريق توظيف الرموز الطباعية والوسائل الشكلية لإعادة بنية العلاقة بين القارئ والمؤلف والنص. وكان هؤلاء الكتاب غالباً ما يخلقون روايات تحلل بصورة انعكاسية أو ارتدادية عملياتهم الإبداعية. كما يمكن أن تقرأ هذه الأعمال بوصفها مرموزات أو اليغورات (Allegories) عن عملية الكتابة بصورة عامة" (22) وهذا النوع ارتبط ظهوره بما بعد الحداثة. ويرى (مسعود جعفر زادة) أنَّ "ما وراء الرواية هو بشكل كلي ما وراء النظرية السردية وموضوعها هو الأنساق الروائية التخييلية ذاتها والتشكيلات التي تمّ من خلالها نمذجة الواقع وفقاً للأعراف السردية" (23). ويرجع (أنغركرستفسن) مصطلح "ما وراء الرواية" إلى شيوع الـ "ما وراء" في الفن عامة. (ويرى أن مثل هذه الأعمال التي تلفت الانتباه إلى العمل الفني نفسه قد أصبحت منتشرة في جميع وسائل الإعلام وأشكال الفن) وان المصطلح (قد تمَّ اشتقاقه حديثاً، بينما تمتلك هذه الظاهرة ذاتها موروثاً أقدم" (24) وربما يكون ما ذهب إليه (ستانلي فوجل) أكثر شمولاً حيث يقول: "تستلزم ما وراء الرواية استقصاءات في نظرية التخييل الروائي من خلال التخييل الروائي ذاته. فكتّاب ما وراء الرواية يتفحصون جميع أوجه الهياكل الأدبية: اللغة والأعراف الخاصة بالحبكة والشخصية وعلاقة الفنان بفنه وبقارئه" (25) وقد أُخذ عليه أنه أهمل مسألة الثقافة ويقصد بها رسالة الروائي في ما وراء الرواية. هذه الآراء لم تجد في رواية "تريسترام شاندي" /Tristram Shandy جذراً لهذا النوع كما يرى جيرمي هوثورن الذي يقول(26): "ويعد لورنس ستيرن /1713 ـ 1767م أباً لهذا النوع من الروايات في إنكلترا حيث نجد أن الراوي يمزح مع القارئ ويسخر منه بوسائل مختلفة حيث ينصحه بتقليب عدة صفحات ليقرأ فقرة ما كرّة أخرى) وكان صنيعه هذا أن عُدَّ "خروجاً على قواعد اللعبة السردية بكسر إطار الرواية بقصدية، فأدخل انحرافاً غير معقول في السياق يمنع تطور الرواية على شكل فقرة طويلة باللاتينية، تواجهها على الصفحة المقابلة ترجمتها إلى الإنكليزية، وبعد ذلك يترك لنا صفحة فارغة بيضاء تتلوها صفحة مليئة بتعاريف، ثم مجموعة من النجوم المستخدمة بوصفها فاصلاً بين الفقرات.. ويتمثل دخول الروائي في هذه الرواية بـ (مونولوج داخلي) يقوم به راوٍ واحد هو تريسترام شاندي) إذ يتقصى فيه بأسلوب استبطاني تطور شخصية المؤلف نفسه (لورنس ستيرن) بأطواره المختلفة" (27). ويرفض (أنغركرستفسن) أن تكون هذه الرواية أصلاً أو (تؤشر بداية هذا النوع من الأدب، والذي كان بارزاً في القرن السابع عشر لدى كتاب أمثال (لوب دي فيغا) و(سرفانتس). ويعتبر هذه الرواية رواية مضادة لأنها تمثل احتجاجاً ضد أعراف الرواية وأشكالها" (28) لكن هذا الرأي لا يأخذ به (جون بيك ومارتن كويل) مؤلفاً (معجم المصطلحات الأدبية والنقدية) ويعتبراها رواية انعكاسية لأن المؤلف (أو الراوي الضمني يحاول أن يكتب سيرة ذاتية لكنه يخفق في تحقيق أي تقدم) وقصده (بسيط: إذ يلفت ستيرن الانتباه إلى الفجوة بين الحياة ومحاولة تقديم الحياة في عمل فني. وكان يمكن للرواية أن تكون مملة لو أنها اقتصرت على مناقشة قضايا الخطاب الروائي (التخييلي) لكنها كانت موفقة لأن ستيرن كان يمتلك رؤيا معقدة للحياة) (29) وإذا كانت رواية (ترسترام شاندي) صادرة عام 1760م فإن هناك روايات صدرت قبلها ولا تختلف عنها. (فروايتا "جوزيف أندروز" الصادرة عام 1742م و"توم جونز" الصادرة عام 1749م روايتان انعكاسيتان) كما يرى صاحبا المعجم (30). وربما كان رأي (جون فلجر) و(مالكم برادبري) حين فرقا بين هذا النوع الذي أسمياه بالرواية الارتدادية أو المرتدة على ذاتها وهذا التجريب الروائي صائباً فقد ميّزا بين "الارتداد الذاتي السردي الذي يميز روايات القرن العشرين ونمط السرد الذاتي الذي يميز روايات القرن السابع عشر والثامن عشر" (31). 3 هذا الكم من الآراء التي قال بها الغربيون تتباين في النشأة أو الأصول لهذا النوع الروائي حسب حداثتهم وفيه تتسم تجربتهم بسردية مزدوجة، يدفع بنا إلى البحث في تجربتنا الروائية عن الأصل. ويكون السؤال الموجه: هل هذا النوع من التجريب السردي في رواياتنا العربية عامة، والعراقية خاصة، كان نوعاً أخذناه من الغرب أو كان إبداعاً خالصاً نهضنا به بعيداً عنهم وعن رؤيتهم؟ وجواباً: من الصعب أن نبعد أي مؤثر أجنبي كي نخلق هذه السردية في التجربة الروائية سواءً كانت على مستوى المحيط العربي أو العراقي لاسيما أننا نعيش حداثتهم ونقرأ في مترجماتهم الروائية أو نطلع عليها مباشرة بلغتها الأصلية ـ في الشائع الإنكليزية والفرنسية ـ وبعدها نزعم أن هذه التجربة أو تلك عربية أو عراقية، ولكن بالإمكان أن نقول بنكهتها العربية أو العراقية، فظهرت تجارب روائية كان لنا فيها صوت إبداع. فهل يعني ذلك إبعاد التأثير الغربي عن هذه التجربة وإقناع الذات؟ كما يقول الناقد فاضل ثامر (32): "ولو عدنا لتفحص المشهد الروائي العربي الحديث لوجدنا الكثير من المحاولات التجريبية التي يمكن أن تصب في مجرى هذا الصنف الروائي الجديد. إلا أننا يجب أن نُميّز بين غياب القصد في توظيف هذا المنحى الروائي التجريبي بين القصدية الواضحة في ذلك". ولكنه لا يرى أي أثر غربي في هذا التجريب أو كونه تقليداً له. فيقول: "إن بعض المظاهر الجينية المبكرة لهذا النمط من الكتابة السردية يمكن ملاحظتها في عدد غير قليل من التجارب الروائية المبكرة. وهذه المظاهر في اعتقادنا نمت بعيداً عن المحاكاة المباشرة لتلك التجارب التي تنتمي لما وراء الرواية. وبشكل خاص في الآداب الأوربية والأمريكية الحديثة". وهو هنا يُبقي الباب مفتوحاً عند استعماله (بعض) وبذلك لا ينزه هذه التجريب (المتبقي منه) كونه خاضعاً لهذا التأثير أو تحت رحمته، لأن القطع بذلك صعب. قد تكون رواية تعدد الأصوات دعوة لكتابة هذا النوع بعد أن زجَّ المؤلف نفسه طرفاً في سرد الحكاية وإن لم تكن حكاية الرواية بالرغم من تحفظ (باختين) على ما أراه. حيث يرى: "أن البطل لم يعد بوقاً لصوت المؤلف، وإنما يعرض بوصفه شخصية غيريّة تتمتع باستقلاليتها داخل بنية الرواية دون أن يمزج المؤلف صوته معها". (33) وتدخل المؤلف في سرد قد يفككه وهذا ما لاحظه أحد الباحثين على الذين كتبوا هذا النوع الروائي فقال (34): "إنَّ اعتماد مؤلف هذه الرواية (غسق الكراكي) على أسلوب السرد المباشر في حكاية الحدث، كتوظيف الرسائل، المذكرات، الخواطر وغيرها كان من الأمور التي عملت على تفكيك حبكة هذه الرواية" ويسند رأيه بما جاء من تعليق المؤلف في روايته بقوله: "على الرغم من أنني لا أستطيع في هذه الحال تفادي التشتت الذي ستبدو عليه الرواية من خلال بث ما ترك في أوراقه، وهي كثيرة، ناهيك عما أمارسه أنا من انتفاء وتقديم وتأخير في هذا الغرض.." هذا التجديد في التجريب الروائي ربما نُظر إليه على أنه نزعة فنية وليس اتجاهاً أو ظاهرة خاصة عند جيل الستينيات من القرن الماضي. وفي هذا قيل إنَّ "القاص العراقي بنزوعه هذا إنما يحاول الانعتاق من أسر القوالب الفنية الجامدة والخروج بالمحتوى القصصي نحو آفاق فنية أخرى تحتمل الكثير من الدلالات التعبيرية واختلافات في مستوى النص" (35). ولا يختلف الروائي العربي عن العراقي في هذا التجريب. وربما كان الروائيون العرب أكثر سبقاً في هذا الاتجاه. فقد ظهرت روايات منها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ "صراخ في ليل طويل لجبرا إبراهيم جبرا"، و"لعبة النسيان" لمحمد برادة، و"اعترافات كاتم صوت لمؤنس الرزاز" (36). و"شكاوى المصري الفصيح ليوسف القعيد" و"الهؤلاء" لمجيد طوبيا (37). أما على المستوى العراقي فقد ظهرت روايات منها: "سابع أيام الخلق/لعبد الخالق الركابي، (كراسة كانون/لمحمد خضير"، "تيمور الحزين/لأحمد خلف"و"عالم النساء الوحيدات/للطيفة الدليمي" و"أوتار القصب/لمحسن الموسوي" (38) و"غسق الكراكي/لسعد محمد رحيم"(39) وغيرها. هذا التجريب القصصي خالف بل تمرد على توجيهات النقاد الغربيين ومنهم (واين بوث) الذي دعا "المبدع القصصي والروائي إلى عدم استخدام الشرح والتحليل والتفسير.. في عمليات السرد، وإلى تجنب التوجيهات المباشرة للقارئ أو التعليقات وإصدار الأحكام حول الشخصيات، يعني إلغاء كل ما يجعل القارئ يعرف أنه يقرأ رواية". (40) وهذا يعني ألا يكون الروائي سارداً وناقداً في الوقت نفسه. لأن هذه المهمة للقارئ وليست له. 4 من بين القصاصين العراقيين يقف أحمد خلف واعياً لعملية التجريب القصصي موضحاً في أكثر من لقاءٍ أو كتابة ماذا يعني بالتجريب القصصي الذي يريده؟ فتراه يقول: "كنت منذ بدايات الوعي وبواكير الإدراك، تواقاً للتخلص من هيمنة البناء التقليدي في القصة والرواية الذي كان سائداً في نصوص عراقية وعربية بل عالمية، وكان الهاجس الشخصي يعمل ضد السرد الذي لا يريد اجتراح الواقع أو المساس بما يمكن تسميته لدى بعضهم ـ بقدسية الأصول الفنية ـ أي السرد المحافظ على وحدة الزمان ووحدة المكان، أعني السرد الذي يهيئ نوعاً من الاسترخاء للقارئ". (41) ولم يكن هذا الهاجس عنده دون غيره من أبناء جيله بعد دعوة الكاتب المسرحي الألماني (برت برتولت برخت/ 1898م ـ 1956م) إلى مشاركة المشاهد في العرض المسرحي وأن لا يقف عند المتعة. هذه الدعوة أخذت مكانها في الحداثة الأوربية في ضوء نظرية التغريب التي ُعرِف بها من جانب، وما دعت إليه الحداثة من شعرية النص، وهذا ما يتضح من قول القاص أحمد خلف الذي يرى أنَّ "القول بالتجريب القصصي الجديد لابد له أن يشمل محاولات الاستفادة الذكية والواعية للأسطورة والخرافة وأحداث التأريخ والتراث العربي والإسلامي، وذلك بما امتازت به الحكاية من قدرة على استيعاب الظواهر الفنية.. التي غالباً، ما تتسم بالشكلية كالتداعي الحرّ والكولاج والتقطيع والاستفادة من الشعر والصورة" (42) من جانب آخر. إن التجريب الذي يدعو إليه القاص لا حدود له لقوله ((فالقول بإعادة صياغة الحكاية برؤية جديدة ليست هي العبارة الحاسمة في مساجلاتنا، كذلك الدعوة إلى توفير الحافز الفني أو ما يُسمى بعنصر التشويق ليس بالأمر الجديد كما نراه، بل إن وصفة جاهزة إنما هي عملية إجهاز على التجريب في صميمه. فالتجريب الجديد ليس تجريباً في الأساليب وحدها بل في اللغة وبنية الحكاية وزاوية النظر. أي في رؤيتنا الكلية للأشياء، ومن ثم للحكاية وهيكلها ومفرداتها ووظيفتها. ثم الاستفادة من المنجز القصصي والروائي الحديثين، واستخدام الخيال الرحب وولوج عوالم غريبة وغير متوقعة". (43) ولما كانت الحداثة قد أعطت للقارئ موقعاً متميزاً، فإنَّ القاص أحمد خلف لا يبعد هذا القارئ من عوالمه الواسعة مؤكداً مقولة (أمبرتو إيكو) الذي اقترح على القصاصين القول بما لا يقال في تعرضه إلى مهمة القارئ التعاضدية في الحكاية. حيث يقول: "ما لا يقال يعني الذي ليس ظاهراً في السطح على صعيد التعبير على أن ما لا يقال هذا هو ما ينبغي أن يفعل على مستوى تفعيل المضمون، وهكذا يكتسب نصّ ما بطريقة أظهر من أية رسالة أخرى حركات تعاضدية فاعلة وواعية من جانب القارئ" (44). من هذا المنطلق التجريبي كتب القاص أحمد خلف "الخراب الجميل" (45) 1981م و"تيمور الحزين" (46) 2000م، و"موت الأب" 2002 ولكنه في روايته الأخيرة أوقفنا عند سردية يستفز بها القارئ ويترجم حلمه الذي يدخلنا فيه ليقول لنا "أليس التجريب هو ابتداء من جديد؟" فكيف كان هذا الابتداء؟ لعل أول ما يلفت انتباهنا هو توليف الحكاية في هذه الرواية حيث يروي السارد بلسان يوسف ـ الابن الأصغر ـ الحكاية متداخلة بحكايات أُخر يقطعها توليفاً لغرض أراده القاص وهو أن أسطرة قصته تجربة أسلوبية يمكن أن تحدث بالرغم من عدم موت الأب!! وقد حاول القاص أن يقنع القارئ بأن الموت الحقيقي هو موت الفعل ولا عجب فيقول: "كانت له سطوة معلومة للجميع منذ فتوته وبدء شبابه كما عرفت ذلك. تتمثل سطوته كلها في جسارته التي قالت أمي عنها ذات يوم: جسارة نادرة وهي نفسها ما كانت عليه في مطلع شبابه لم تتغير، كانت به خصلة لا توجد لدى رجل آخر غيره؛ هي عدم التفكير في ما سيحصل بعد ارتكابه لأية حماقة تخطر في رأسه، فإنه ينفذها في الحال". (47) لكنه بعدما هدته السنون مات فعله ولم تمت حياته: فيقول يوسف بعد طلاق أبيه لأمه: "نعم فعلها عندما ألحت عليه ساهرة (زوجته الثانية). ـ نعم أذعن في الأخير، ولا تنس أن السنين أكلت جانباً من قوته. ـ ضعف أمام الزوجة الشابة! بصورة لم أعقلها قط. فقد أصبح سريع التنفيذ لكل إشارة منها". (48) هذا الأب هو أبو يوسف الذي لحق منه أذى كثير من ذلك علاقته غير الشرعية بزوجة أحد مؤجري غرفة في داره وطرده لابنه الأكبر إسماعيل الذي اكتشف علاقته بالمرأة نفسها وزواجه من أخرى وطلاقه لأمه ـ أم يوسف ـ وقتله أخيه نوح ـ عم يوسف ـ وختامها أن تسبب بقلب باص كان هو سائقه وموت الكثير من الركاب دون أن يكترث لشيء أو يحزن على شيء!! بنى القاص روايته على سردية تداخل رويها، قسّمها إلى ثلاثة كتب ـ كما أسماها ـ جمع في الكتاب الأول بين يوسف سارد الحكاية والصحفي الذي يتمتع بزيارته في داره التي اتسمت بكل مظاهر الترف، تحوط به حديقة لا يشعر زائرها بأي كظم قد يتصور أن يلحق بأهله. وكأن القاص يفارق بين الداخل والخارج في الإنسان (اكتشاف الضد) حيث تكون الإشارة الدالة، أن المظهر لا يمثل أو يرتبط بالجوهر وأن المأساة تكمن في الداخل وإن بدا الخارج بهذه الروعة. وهو يعود القهقرى ليبدأ السرد مع يفاعة يوسف ويتصاعد مع شبابه ثم كهولته من بعد، ولا خلاص له مما يحدث. ولم تكن له القدرة على إيقافه، وهذا يعني أن سارد الحكاية ـ وهو طرف فيها ـ لم يكن مُسَّلَماً بهذا الواقع بل رافض له، بالرغم من عدم امتلاكه قوة الرَّد، لأن الأب كان المحيط الذي يغرق فيه أو الأفعى التي تلتف حول رقبته! هذا الموقف المزدوج ينمو مع الحدث الروائي من بدايته حتى نهايته: حيث يكون السرد في الكتاب الأول حكاية عما حدث في الماضي. وكأن القاص في تداخله السردي يولج زمناً طاغياً يعجز فيه شخوصه عن ردعه، ولذا ترى القاص قد خفف علينا وطأة ما يحدث بحكايات هو مُصِرٌّ على سردها لأنها جزء من تجريبه القصصي فيفاجئنا في كتابه الثاني بأن أدخلنا بحكاية لا علاقة لها بيوسف ولكنها محاولة لإظهار رغبة في نفس الصحفي كي يصل إلى مرفأ الأغنياء ويتجاوز فقره في بيع مخطوطة نادرة هي الأخرى لها حكاية الكنز وبذلك قلل من تعاطفنا مع يوسف وكأنه يتعمد صنع هذا الموقف، محولاً هذا التدفق العاطفي إلى الآخر (الصحفي) الذي يدخلنا هو الآخر في حكاية هاجر التي وقعت في ورطة تقصها عليه. وبذلك نجح القاص في لعبة التوليف وهو يشدنا إلى أكثر من مدار دون أن ينسى حكايته الأم فعاد إليها في كتابه الثالث وفيه.. يختلق القاص حواراً مع آخر حول ما كتبه من قصة ناقصة، ثم يواصل سرد الرواية على لسان يوسف ليكمل نهاية الأحداث بعد أن هَشّم القاص شخصية متحدث عنها دون أن يكون لها وجود حقيقي في الرواية. أقصد إسماعيل الذي خرج ولم يعد، وعشيقة الأب سابقاً سارة. ويكون المعول عليه في هذا الكتاب ـ الجزء من الرواية ـ هو الجزاء أو العقاب بعد أن تسبب بموت أخيه بأن أسقط حجارة على صدره انتقاماً منه بعد أن تزوج من أم يوسف، مطلقته، كل ذلك يحدث دون موت الأب، ولم يكن عقابه إلا سنوات قلائل يخرج بعدها من السجن (49)!! 5 علق أحد النقاد على البناء الروائي لموت الأب قائلاً: "لقد عذبتني طويلاً وأن أرصد تحولات الأبطال وحركة القطع والالتفاف من ذروة إلى أخرى.. متاهات متعددة وضعتها لتجعل القارئ يتأكد أنه لا يقرأ عملاً للتسلية بل لإثارة الفكر، وأنه يسعد بالتحولات داخل الرواية قدر تمنياته ألا ينتهي من قراءة هذا العمل." (50) هناك متعة القراءة خلقتها سردية القاص، فأبعدت الملل عن القارئ وأبقت لهفة في نفس القارئ لما سيحدث بعد ذلك، بالرغم من المكان المغلق (بيت يوسف) الذي يبدأ السرد القصصي منه لينتهي في المكان ذاته، من خلال الفعل الدرامي الذي أظهر الصراع بين شخصيات الرواية مما ساعد على خلق هذا التطلع لمعرفة ما يحل بالأب الذي اتسمت تصرفاته بالحماقات التي تنتهي بموت الآخرين من دون أن يعرف إليه الموت طريقاً. وهذا ما نلاحظه من خلال المفارقة في العنوان حيث يموت أب أمجد ويبقى هو حياً، وكأن القاص بهذا الصنيع يقابل بين الموت الحقيقي الذي لا مَفَّر منه والموت الذي يتمناه إنسان لآخر ولن يتحقق. وإذا تجاوز القاص المكان حين تكون جدرانه كاتمة للصوت مما يَبعث الملل في القارئ، فإن تعدد الشخصيات في الرواية تمكن منه القاص وهو يسرد حكايات متعددة في زمن واحد من دون أن يهمل نهاية إحدى هذه الحكايات معتمداً على ما يمكن أن نسميه بالتقطيع أثناء السرد الذي يرى فيه (جان ريكاردو) فاعلية وصفية "بوصفها تؤمن دورين متناقضين في الوقت نفسه: باعتبار أن الوصف يمارس كموحد على صعيد البعد المرجعي للموضوع الموصوف (وصف دلالي). أما دوره الجزئي فإن الوصف يلعبه على صعيد البعد الحروفي للموضوع الموصوف". (51) وهو ما يشكل خطورة عند السرد في ذهن القارئ أو متلقي الرواية. فكانت تلك الحكاية عبارة عن خيوط تمكن القاص من حركتها، وأقنع المتلقي بالسير معه دون أن يترك له خياراً لعدم الفهم عند القراءة. وكأنه يذكرنا برواية (نور في آب) لوليم فوكنر الذي لم يكتفِ بتلك الطريقة السردية لروايته بل تجاوزها بلغته، حتى قالوا عنها: "عمل أطلق فيه فوكنر لا طاقاته التخيلية فقط، بل طاقاته اللفظية بكل ما كان يتصف به من اندفاع الواثق بموهبته، اللا مبالي بما يراه الآخرون" (52) ولم يكن تجريب أحمد خلف ببعيد عن التجارب العالمية وهو يكتب (موت الأب). 5 ــ 1 لم يكن تدخل المؤلف في السرد يسير على نهج واحد بل وجد نفسه بين ثلاثة مفترقات يمثل في كل واحد منها تدخلاً قد يكون مباشراً أو جزئياً أو بوساطة هذه التدخلات تخضع لسرد الحكاية الأم، فضلاً عن محاولة إقناع القارئ بان المؤلف لن يكون في سرده للرواية الثانية أو المزدوجة ثقيلاً على فهم المتلقي. آ ـ التدخل المباشر: ونقصد أن المؤلف يكون وجهاً لوجه أمام القارئ، فتراه يتحدث دون ستار يفصله أثناء عملية السرد وكأنه لا يقصد متلقي الحكاية قدر ما يقصد نفسه، فيقول: "وكلما أمعنت النظر في ما يقوله لي ويرويه أجد من المناسب، البدء بروايتي التي أزمع كتابتها عن بلادي وهي تمرّ في أحلك سنواتها، وتساءلت مع نفسي: أيصح ويكون هذا مدخلاً مناسباً لرواية تجري أحداثها في الزمن الحاضر، على أن ما يحصل له مبعثه الماضي.. ترى من هو الجدير بروايته الآن؟ الماضي الثقيل الظل أم الحاضر الحالك شديد القتامة؟" (53) ولا تقف مواجهة المؤلف للقارئ عند هذه الأسئلة، بل يتجاوزها إذا طالت إلى مونولوج داخلي يحاور فيه نفسه تعويضاً عن غياب القارئ. فترى القاص أحمد خلف قد دخل في هذا المجاز الطويل والضيق في الوقت نفسه. فيقول: "قلت: سيان، فالأمر قد يخرج من يدي وأتركه يروي نفسه طواعية، لست أدري من قال: إنَّ الحكايات تولد من حكايات أخرى وتروي بعضها بعضاً" ويقطع هذا النشيد بمواجهة صريحة مع الآخر حين يقول: "وقلت مع نفسي، ماذا لو أخبرت صاحبي بما أفكر فيه الآن" (54) وبالطبع لن يخبر صاحبه بما يفكر فيه، وما يريده هو أن يقلق القارئ ليس غير. وشاهدي على ذلك قوله قبل نهاية الرواية: "قلت لنفسي: إذا شاء أن أكتب كل ما رواه نيابة عني، وإذا ما أصر على صياغته، فإنني سأشترط عليه أن أكون حراً في اختيار ما أراه مناسباً، إنني في الحقيقة سأكون مضطراً لكتابة روايتين في نص واحد". (55) ب ـ التدخل الجزئي: ـ ويكون بأن يجري حوراً من خلال السرد بين المؤلف وإحدى شخصيات روايته. وشاهدنا هذا الحوار الذي جرى في بداية الكتاب الثالث بين السارد (المؤلف) والشخصية الرئيسة في (موت الأب) (56) " ـ أنا لا أمدحك، بل أشير إلى ما أعرفه عن الرواية، ألا تكتبها ثانية؟ (يوسف) ـ لقد وضعت لها النهاية. ألم يتجه أمجد نحو المكتبة الوطنية لكي يسلم المخطوط هناك؟ ـ ليس شرطاً أن تقبله المكتبة، لعل لها وسائل كشفه ومعرفته". ج ـ التدخل بوساطة: ـ وغالباً ما تكون هذه الوساطة قائمة على الغائب أو المروي عنه، فترى المؤلف قد اعتمد (يوسف) سارد حكاية موت الأب يروي عن عمه قصة الكنز الذي تكون له حكاية شعبية من جهة، وما تركه النعمان بن المنذر في قصره كتاباً يتحدث عن أشعار العرب وأيامهم من جهة أخرى. "فأنا سأروي لكم إحداها، وما أكثرها من حكايات، ولكن الناس لا تروي الحكايات عبثاً، لابد من عبرة أو قصد حين يحكونها لبعضهم، سأروي لكم حكاية الكنز المفقود، وعليكم أن تربطوا بين الحكاية والكنز، أو اربطوا الكنز بحكايات تخصكم، كل واحد منا سوف يَمدّ حبلاً من الأفكار ما بين حكايته وكنزه المفقود. اسمعوا ما تقوله الحكاية:" (57) وأمام هذه المنعطفات الثلاثة، يتضح لنا أن القاص عندما يتدخل وهو يكتب روايته، تعليقاً أو توجيهاً، لا يقصد القارئ أو نفسه بل عمله الفني من خلال تجريبه القصصي القائم على تقنية جديدة لم يعرفها الآخرون من كتاب القصة ويعدُّ من ورائها مبدعاً، فالهاجس في هذا التجريب هو الإبداع. 5 ـ 2 لما كان السرد قائماً على نثرية النص، فإن مُوصِلات هذا السرد في حالة تدخل القاص في روايته خارج حكايتها سيكون مرتكزاً على إحدى هذه الموصلات وهي ثلاث: "التعليق/الخبر/الحوار" ولن يغيب عن ذهن المؤلف أن الوصف أساس السرد، ولا سرد دون وصف. آ ـ التعليق: ـ وهو إبداء وجهة نظر المتحدث على أمر ما. ويلاحظ أنَّ القاص أحمد خلف كثيراً ما يلج هذا الباب بعد حوار قد يكون بين شخصيات قصته، وغالباً ما يكون التعليق عن طريق طرح الأسئلة ولا يقصد القارئ أو يطلب الإجابة عنها منه. والشاهد قوله: "هل الكتاب والعمل في الجريدة، وبيع الكتب، علامات دالة في الرواية التي أكتبها عن حقبة أو مرحلة تخص البلد؟ هل البلد يعني بلداً محدداً في الرواية أم يخص كل البلدان؟ أيجوز أن نضع وعينا في الرواية؟ هل الأبطال ينبغي لهم أن يكونوا واعين أفعالهم ويعرفون ماذا سيحل بمصائرهم؟ هل الروائيون نفرّ ضال؟ يقولون ما لا يفعلون؟ ألا يبدو الكتاب المفقود لعبة كبيرة أضع عليها ثقل الرواية؟ (58) ب ـ الخبر: ـ وهو الكلام المنقول عن الآخر، ينقله المؤلف حتى يقنع القارئ أنه صادر عن الآخر ولا دخل له في المروي: يغطيه في بعض الأحيان بالحوار السابق له. ومثاله: "لا أحد يعرف أين هو، وماذا حلّ به؟ سألته: هارب أم مفقود؟ ـ سجين أم أسير؟ ـ لست أدري!" بعد انتهاء الحوار يحل الصمت، يبدأ حديثه الداخلي وكأنه يروي عن الغائب: "كان عليَّ تهيئة عقلي ونفسي لكي أستقبل حكايات من هذا النوع. كيف لا يمكن الجزم بمصير أخيه؟ لقد سمعت عن مفقودين وضائعين حكايات أغرب من الخيال، ووضعت يدي على نواح أمهات فقدن أبناءهن وآباء بكوا ضياع أولادهم، ولكن بدافع من سبب ملموس لهم. كانت الحرب أحد أسباب الضياع وفقدان الأثر، ولكن في حالته، لم يبدُ سبباً من الأسباب المعقولة" (59). جـ ـ الحوار: لا تخلو الرواية الحديثة من الحوار في أثناء السرد، سواءً أكان هذا الحوار مباشراً أم غير مباشر، فهو الكلام الذي يتم بين شخصيات الرواية، يستغل المؤلف أحمد خلف هذا الحوار، وقد دخل فيه من باب الكلام غير المباشر: "بالرغم من أنه فاجأني في القول: ـ في حالة البطل، ينبغي أن يبيع المخطوط. /ـ ليس مخطوطاً، أو بالأحرى لا أستطيع الجزم أنه مخطوط. /ـ كعادته هزّ رأسه وحركه نحو الجهتين: ـ مهما يكن/ ـ في حالة الرواية يختلف الأمر عن الواقع كثيراً" (60). 5 ـ 3 لم يكن الروائي العربي نجيب محفوظ محايداً عندما كتب روايته (بنسيون ميرامار) التي حاكم فيها ثورة 23 يوليو (تموز) من خلال "الوجوه القديمة التي كان قسم منها قد ارتبط بثورة سنة 1919م. هذه الوجوه التي تداعت بعد ثورة 1952م وأنهت الإقطاعية بباشواتها، وإن لم تقضِ عليهم". (61) وكان عذره أنّ روايته قدمت شكلاً جديداً بمضمون يعبر عن المَرحلة فيقول: "إنّ الشكل الجديد لا يأتي اعتباطاً وإنما هو ملتحم بالموضوع والمضمون التحاماً حتمياً ونحن بدأنا الرواية وهي تكاد تكون في رأي بعضهم على الأقل تستهلك أغراضها في أوربا وتنتهي.. بل توجد أشكال للرواية الحديثة في أوربا تعبر عن رؤية حضارية جديدة لم نصل إليها.. وأصالة الفنان العربي تتضح في اختياره الشكل المناسب لا الشكل المثير وتحويره بما يتفق مع موضوعه المحلي". (62) ولا يبتعد القاص أحمد خلف عن نجيب محفوظ في تجريبه الروائي، أو لحمة هذا التجريب مع المضمون. فأنت ترى أن نجيب محفوظ يصرخ بلسان طلبة مرزوق أن "الثورة سلبت البعض أموالهم وسلبت الجميع حرمتهم" (63) ويرى هذا الإقطاعي (طلبة): "أن أكبر خطأ في حق البشرية قد وضع لدى تردد أمريكا في الاستيلاء على سلطان العالم عندما كانت تملك وحدها القنبلة الذرية!!" وبالمقابل يقف السارد في قصة (تيمور الحزين) ليتحدث عن أوضاع بلاده بعد حربين أشعلهما النظام السياسي (1980 ـ 1988م) و(1990 ـ 1999م) فيقول: "هذا ما آلت إليه البلاد التي سميت أرض السواد، وهي أرض مرت عليها خيول الفاتحين والطامعين من أقوام وملوك مختلفة، من عجم وأتراك ومغول وتتر، والبلاد يشق أراضيها نهران كبيران من أولها إلى آخرها" ولكي يقنع القارئ بهذه الحكاية الأسطورية يقف معترضاً ليقول: "هناك كلام ممسوح لا يمكن قراءته بسبب ما خلفته الأيام من آثار على الصفحات فلم أستطع إلى ذلك سبيلاً" والإشارة الدالة لا تحتاج منا إلى جهد أو تعب في القراءة ليسرد موضحاً الحال قائلاً: "عبثوا بالبلاد شر عبث، قتلوا الأولاد والصبيان وأباحوا افتراس النساء.. حتى أن الناس باعت أجزاء من أجسادها لكي تستطيع مقاومة الجوع والمرض والفقر.." (64) ولم يكن تيمور الحزين إلا رأس ذلك النظام الذي يصفه بقوله: "تيمور قاهر الدنيا وسابي العذارى، الذي أكتب الآن قصته من قصص حياته وأسرد للملأ وللأجيال جانباً مما عاشه في أيامه الأخيرة في صولاته وجولاته في حروبه التي لا تعد ولا تحصى تيمور ذلك الأسد الهصور الذي لا يعرف قلبه الرحمة بالأعداء ولا الرأفة بمن تُسوِّل له نفسه اللعب بالمياه العكرة"(65) فإنْ سألت القاص عن حزن تيمور. فإنه سيرسم صورة من معاركه الخاسرة التي خاضها دون أن يكترث لأرواح الناس وأن يحسب قيمة لموتهم، فيقول: "هاهو تيمور حزين، لكنه يدفع بآلاف الجنود للموت، جنود السرايا والأفواج، سرايا تتبعها سرايا ـ يا حبيبتي. لو كنتِ معي لشاهدتِ كيف يتجمد الدم في العروق وكيف يموت الجنود من برد ورعب وجوع غاصت كل السرايا في الوحل والطين واختفى الجنود عن بكرة أبيهم، والطيور الجارحة تأكل اللحم وتعاف العظم.. آه يا حبيبتي، لو رأيت أفواجاً من الجنود يلوحون بأسمالهم في الفضاء كالفزاعات حيارى يدورون على غير هدى هي ذي السرايا والأفواج تصيح في الريح: ألا تنتهي وليمة الجثث؟" (66) ولم يكن وصفه لحال المعارك تأريخياً بل هو معاصر عشناه في حروبنا الحديثة والطائرات التي تجول في الفضاء حيث يستنجد بها هؤلاء الجنود لعلها ترحمهم. الهاجس الذي يدفع بالقاص إلى كتابة هذه القصة يوضحه لصاحبه في هذا الحوار حيث يقول: "نظر إليّ طويلاً وقد توردت وجنتاه بفعل الخمرة التي عَبّ منها عدداً من الكؤوس. قال لي ساخراً: ـ أنت تريد إدخال أوراق الجويني في روايتك الجديدة" يرد عليه ـ ما يشغلني تيمور وليس الجويني) (67) ولسان حاله يردد: "تيمور هذا التيس العنيد سيضيع ويضيعنا معه" (68) ولم يكن هذا التيس العنيد إلا الأب في رواية أحمد خلف اللاحقة "موت الأب" ذلك الأحمق الذي لا يفكر في نتيجة أي عمل يقوم به والهروب خير وسيلة "فقد تعرضت سيارته التي لم تكن ملكاً له إلى حادث مروع جعله يلوذ بالفرار بعد الحادث ويترك ركابها مجرد حطام.. هرب لينقذ جلده من الحساب والعقاب". (69) يغطي هروبه بأن يبدل من هيأته!! (70) ولا يكتفي القاص أحمد خلف باللعب مع القارئ، لعبة الوهم بل يشده منبهاً إياه إلى ظواهر، كانت نتيجة منطقية لتلك الحروب التي أشعلها تيمور وأخذت من رواية (موت الأب) مساحة ناء بحملها المواطن، فتراه يعرض في سرده القصصي إلى تردي المستوى المعيشي للناس فيقول: "كان ولعي في العمل في الجريدة مثار دهشة الجميع، أما الآن، فالعمل هنا وحده لا يكفي لشراء طبقة بيض أو سروال" (71) أو تخلف الثقافة نتيجة هذه التصرفات الهوجاء فيقول: "رأيت هيبة الكتب تترنح في الغبار الذي ولدته حوافر الخيل الجامحة". (72) وما يرافق ذلك من نشر الخوف حتى لا ينطق أحدٌ أو يجاهر بقول لا، فتراه يقول: "ومرت في رأسي كل الوجوه التي اغتالها المسدس في ظلام ليل العالم وهو يردد صدى إطلاقات متلاحقة في العتمة.." (73) فإن تجرأ أقرب الناس إلى تيمور بالجهر، فإن القتل لن يكون بعيداً منه مثلما صنع بأخيه نوح فيقول: "كان أبي مكفهراً وعاجزاً لشدة غضبه عن الرّد. أردف عمي نوح يقول: ـ كيف تسمح لنفسك أن تعيث في البيت فساداً؟" (74) وإذا كان القريب هذا مصيره فإن قتل الغريب يصبح مادة للبحث عن المفقود ولم يكن (إسماعيل) إلا صورة لهذا "ويشي بجهاد استمر طويلاً في البحث ليس عن أخيه وحده، إنما في بحثه الدؤوب عن كل المفقودين." (75) ولا يبقى أمام هذا الوضع إلا الصراخ بصوتٍ عالٍ: "إنَّ حكاية أبيك لم تعدّ تخصك وحدك" (76) فكان ذلك كله دافعاً للقاص أحمد خلف ليقول على لسان السارد: ـ "وكلما أمعنت النظر في ما يقوله لي ويرويه، أجد من المناسب؛ البدء بروايتي التي أزمع كتابتها عن بلادي وهي تمرّ في أحلك سنواتها" (77) فهل يكون القاص محايداً عندما كتب (موت الأب)؟! 6 إذا قالوا بما وراء السرد، ما وراء الرواية، فإن هذا يعني أن هناك ازدواجية في السرد الروائي المعاصر، وهذا يوقفنا عند ظواهر تلفت نظر القارئ إليها وبالتالي تتسم بها ويمكن أن نحددها بـ: ـ أولاً: ـ الكاتب يتدخل ليقطع لذة القارئ المتمتع بخيال السرد القصصي حيث يقترب من قناعة الاعتقاد بواقعية ما يحدث، فيكون ذلك المقطع هو "قطع الوهم". ثانياً: ـ هناك واقع حياتي يتصوره القارئ عندما يقرأ ربما يكون القاص قد عاشه أو فكر به ومن ثمّ صوّر ما يحدث على أنه واقعية الحدث ولكن تدخل القارئ يحول دون ذلك للمسافة البعيدة بين ما يريده القاص ضمناً وما يفكر به القارئ، يكون تدخل القاص قاطعاً الحدث الروائي، يدفع بالمتلقي إلى فهم أن ما يحدث لعبة لا ينبغي أن يتفاعل وإياها أو يتعاطف معها. ثالثاً: ـ القاص هو كاتب حقيقي وفي الوقت نفسه هو كاتب ضمني له أفكار آمن بها يحاول جَرّ القارئ إليه من خلال السرد من دون أن يُقرّب طوق السلطة من رقبته حيث يلجأ إلى السخرية من خلال هذا التدخل وكأن ما يحدث هو حكايات سطّرها خياله الهدف منها أن يلعب بالمتلقي. رابعاً: ـ مع التقدم الحضاري، يتقدم التجريب الروائي بتنوع السرد حيث تتباين مستويات رواية الحدث فيكون القاص بطلاً أو شخصية يبحث عنها المؤلف، فيجدها تتحمل جزءاً من الحدث نفسه. خامساً: ـ اتجاهات الرواية الحديثة بحكم بعدها عن الواقع الذي استهلكته تجارب القصّ الماضية وقيدت بها المؤلف في نهايتها فرحاً أو حزناً، دفعت بالمؤلف ذاته إلى أن يجعل من القارئ طرفاً في الحدث مشاركاً من خلال النهايات المفتوحة، حيث يقدم القاص اختيارات عدة لا تلزم المؤلف بترسيم الحدود النهائية لروايته أو قصته وإنْ تجاوز في أسلوبه الاستعارة أو التورية، وكأنه يحول ما يكتبه إلى سيناريو روائي. العراق/الديوانية في 1/آب 2006 هوامش الدراسة ومصادرها 1 ـ نحو رواية جديدة /آلان روب جرييه/ ت. مصطفى إبراهيم مصطفى/تقديم د. لويس عوض/دار المعارف ـ القاهرة (د. ت)/ ص 11. 2 ـ تحليل الخطاب الأدبي على ضوء المناهج النقدية الحديثة /مُحّمد عَزّام/ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 2003 م/ ص 88. 3 ـ نظرية البنائية في النقد الأدبي/ د. صلاح فضل/ دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد 1987م/ص 91. 4 ـ تحليل الخطاب الأدبي (م. س)/ ص 91. 5 ـ المصدر نفسه/ 94 6 ـ نفسه/96. 7 ـ نفسه/ 92. 8 ـ القضايا الجديدة للرواية /جان ريكاردو/ ت. كامل عويد العامري/دار الشؤون العامة/ بغداد ـ 2004م/ ص 40. 9 ـ مدخل لدراسة الرواية /جيرمي هوثورن/ ت. غازي درويش عطية /مراجعة د. سلمان داو الواسطي/ دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد ـ 1996م/ ص 47. 10 ـ المصدر نفسه/ 48. 11 ـ المصدر نفسه/ 49. 12 ـ المصدر نفسه/ 50. 13 ـ المصدر نفسه/ 52. 14 ـ المصدر نفسه/ 54. 15 ـ المصدر نفسه/ 58. 16 ـ المصدر نفسه/ 66. 17 ـ المصدر نفسه/ 67. 18 ـ المصدر نفسه/ تنظر الصفحات 68 ـ 70 (بتصرف). 19 ـ التصور والخيال /ر. ل. بريت/ ت. د. عبد الواحد لؤلؤة/ موسوعة المصطلح النقدي/ دار الرشيد بغداد ـ 1979/ص 63. 20 ـ مدخل لدراسة الرواية (م. س) /34. 21 ـ ما وراء الرواية ونرجسية الكتابة السردية /فاضل تامر/ مجلة الأديب العراقي / ع2 كانون أول 2005/ ص 10 نقلاً عن معجم المصطلحات الأدبية والنقدية /جون بيك ـ مارتن كويل/ لندن 1986م. 22 ـ المصدر نفسه/ 11. 23 ـ المصدر نفسه/ 13. 24 ـ المصدر نفسه/13. 25 ـ المصدر نفسه/ 14. 26 ـ مدخل لدراسة الرواية (م. س)/ 34. ـ أما مؤلف الرواية، (لورنس ستيرن/ 1713 ـ 1768م) فهو "إنكليزي من رجال الكنيسة. له عدة مواعظ دينية، غير أنه اشتهر بكتابة القصة الطويلة التي يعتبر من روادها، قصة (تريسترام شاندي) 1760م المليئة بالملح والطرائف التي تقع في تسعة أجزاء يعتبرها النقاد من الأعمال الهامة في الأدب الإنكليزي". ـ تنظر الموسوعة العربية الميسرة /بإشراف غربال/دار لبنان 1980م مج 1/968. 27 ـ ما وراء السرد، ما وراء الرواية /عباس عبد جاسم/ دار الشؤون الثقافية العامة بغداد /32005/ ص 47 نقلاً عن ميلان كونديرا /قصة تغيير/ ت. إلياس فركوح /مجلة (أوراق) الأردنية ع (6) ت 1/1995م ص 107 28 ـ ما وراء الرواية ونرجسية الكتابة (م. س)/ ص 15. 29 ـ المصدر نفسه 10 ـ 11. 30 ـ المصدر نفسه /11. 31 ـ المصدر نفسه/ 14. 32 ـ المصدر نفسه/ 15. 33 ـ سيميائية السرد في روايات غسان كنفاني/ رجال تحت الشمس مصداقاً/ عبد الهادي أحمد الفرطوسي (رسالة دكتوراه) جامعة القادسية 1426 هـ ـ 2005م/ ص 32 نقلاً عن/قضايا الإبداع عند دوستويفسكي/ م. ب ـ باختين / ت. د. جميل نصيف التكريتي. بغداد/دار الشؤون الثقافية/ص 11. 34 ـ تنظر دراسة د. غانم جواد الموسومة بـ "رواية غسق الكراكي/ في نقد النص" مجلة الأقلام ع 6/كانون أول 2004/ ص 61 والرواية لسعد محمد رحيم. وقد صدرت من دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد/2005م 35 ـ النزعة القصصية الجديدة وإشكالية التجريب القصصي في المرحلة الأخيرة. /أحمد خلف/ مجلة الأقلام/ ع 7 تموز 1989/ ص 150. 36 ـ ما وراء الرواية ونرجسية الكتابة (م. س)/ ص 7. 37 ـ ما وراء السرد، ما وراء الرواية (م. س)/ ص 48. 39 ـ رواية غسق الكراكي في نقد النص الروائي (م. س)/ ص 57. 40 ـ في التجريب القصصي الجديد/ أحمد خلف/ مجلة الموقف الثقافي/ ع 21 حزيران 1999م/ ص 106. 41 ـ المصدر نفسه/ 107. 42 ـ المصدر نفسه/ 108. 43 ـ المصدر نفسه/ 109. 44 ـ المصدر نفسه/ 110 نقلاً عن (القارئ في الحكاية)/ لأمبرتو إيكو/ ت. إنطوان أبو زيد المركز الثقافي العربي/ ص 62. 45 ـ الرواية طبعتها دار الطليعة ببيروت/ وهي من منشورات وزارة الثقافة والإعلام/ دار الرشيد ببغداد 1981م حيث "وجدنا فيها البطل وهو يجمع المادة الأولية لكتابة نصّ مسرحي". ـ تنظر مجلة الأقلام ع2/ كانون أول 2005/ ص 6. 46 ـ الرواية صدرت من دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد/ 2000م مجموعة قصص تحمل عنوان "تيمور الحزين" كتبت عنها مقالة "الغزال الشارد/ قراءة تفسيرية في قصص تيمور الحزين" نشرت في جريدة الثورة/ ع 10391 في 18/ تشرين 1/2001. 47 ـ موت الأب /أحمد خلف/ دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد 2002م/ ص 214. 48 ـ المصدر نفسه/ 218. 49 ـ تنظر مقالتنا "توليف الحكاية في رواية موت الأب" جريدة المشرق/ ع 150 في 26/ حزيران 2004م. 50 ـ الناقد هو باسم عبد الحميد حمودي ينظر ما كتبه على غلاف الرواية. 51 ـ القضايا الجديدة للرواية (م. س)/ ص 38. 52 ـ تنظر رواية "نور في آب" لوليم فوكنر/ ت. عطا عبد الوهاب/مراجعة جبرا إبراهيم جبرا/ دار المأمون ببغداد/ 1990م مقدمة جبرا/ ص 8. 53 ـ موت الأب (م. س)/ 31 ـ 32. 54 ـ المصدر نفسه/ 32. 55 ـ المصدر نفسه/ 279. 56 ـ المصدر نفسه/ 200 ـ 201. 57 ـ المصدر نفسه/ 40. 58 ـ المصدر نفسه/ 172 ـ 173. 59 ـ المصدر نفسه/ 51. 60 ـ المصدر نفسه/ 200. 61 ـ تنظر دراستنا "الصخب والعنف في بنسيون ميرامار" مجلة الطليعة الأدبية/ ع7 تموز/ 1985 وزارة الثقافة والإعلام بغداد/ص 100. 62 ـ المصدر نفسه/105. 63 ـ المصدر نفسه/ 102. 64 ـ تيمور الحزين (م. س)/ 131. 65 ـ المصدر نفسه/ 132. 66 ـ المصدر نفسه/ 135. 67 ـ المصدر نفسه/ 142. 68 ـ المصدر نفسه/ 146. 69 ـ موت الأب (م. س)/ 273. 70 ـ المصدر نفسه/ 274. 71 ـ المصدر نفسه/ 100. 72 ـ المصدر نفسه/ 127. 73 ـ المصدر نفسه/ 270. 74 ـ المصدر نفسه/ 210. 75 ـ المصدر نفسه/ 86. 76 ـ المصدر نفسه/ 284. 77 ـ المصدر نفسه/ 31 ـ 32. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |