|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
عالم الصحراء وسكانها من إنس وجن وحيوان في روايات إبراهيم الكوني ـــ د.نزيه كسيبي(*) (*) أستاذ مبرّز؟! في المعهد المتوسط التجاري ومحاضر في قسم إعداد المدرسين لتعليم الفرنسية كلغة أجنبية في جامعة مارك بلوك ـ ستراسبورغ لئن كانت الرواية العربية تتسم بالحداثة بالمقارنة مع الرواية الغربية، فإن الرواية الليبية تعد في أول "شبابها"، وتعتبر أعمال الروائي الليبي إبراهيم الكوني المولود في سنة 1948 قفزة نوعية في عالم السرد الروائي حيث تتسم بالصبغة الفنية التخييلية دون أن ننسى صنيع معاصره أحمد إبراهيم الفقيه الذي دعته مؤخراً إحدى القنوات العربية المشهورة ليتحدث عن تجربته القصصية. وإبراهيم الكوني من أسرة طوارقية كانت تجوب صحراء فزّان، جنوبي غرب ليبيا. ولم يعرف الحياة البدوية. بدأ أعماله في العمل الصحافي سنة 1970 في جرائد مثل فزان والثورة، مع نشر بعض القصص. وكان لدراساته الصحفية في موسكو كبير الأثر فيه، حيث التقى في معهد غوركي بالكاتب المصري صنع الله إبراهيم "صاحب رواية ذات" ورافض جائزة ملتقى القاهرة الثاني للإبداع الروائي، كما تأثر بكتابات دوستويفسكي. كان يعيش في بولونيا في سنة 1980 وعمل رئيساً لتحرير مجلة "صداقة" الثقافية. وهناك توضّحت معالم فضائه المكاني الذي لن يتخلى عنه وهو عالم الصحراء مع الطابع السحري الأسطوري. ويعمل منذ فترة في الملحقية الثقافية بالسفارة الليبية في سويسرة. ونشر أعماله في دور نشر معروفة في بيروت ولندن وقبرص، وترجمت بعض أعماله إلى الألمانية والفرنسية كما دُرِّست أعماله في الجامعات الفرنسية في إطار تحضير مسابقة التبريز وهي أعلى شهادة في فرنسا... ويخيل إلى أن الكاتب غير معروف كثيراً في العالم العربي وخاصة في المشرق العربي... وهذا للأسف شأن كثير من الكتاب المغاربيين بالمقارنة مع الكتاب المصريين والسوريين واللبنانيين، مع مكانته العالية في الميدان الروائي ولا سيما رسم عالم الصحراء والخرافة والخيال وحياة الطوارق البداوة الرحل في الصحراء الليبية. ويبدو لي أنه كاتب واعد سيأخذ بعداً في المستقبل وسيذيع صيته كما كان الأمر مع كاتب موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح مع فارق كبير هو أن شخوصه ليس لها علاقة بالمتخيل العربي حول المرأة في إنكلترا والوضع الاجتماعي السوداني ولكنها لاصقة بفضاء الصحراء عالم المتخيل الجميل بالنسبة للغربيين! وقد أتيح له التشرب بالثقافة العربية الإسلامية والثقافية الغربية لتجواله في العالم الغربي وعمله الدبلوماسي فيه. ونلاحظ من خلال أعماله أنه يكتب عن الصحراء في المدن التي يقطن بها، كما يشير في أواخر كل عمل يقوم به، مثل موسكو وجنيف أو ليماصول في قبرص... فيخلق عالمه الروائي خلقاً يبرز فيه تلاحمه بالصحراء وبين عالمي الماضي والحاضر. وكأنه في سفره الجوّي عبر مطارات العواصم العالمية يركب راحلته في الصحراء العربية متخيلاً عالمها وشخوصها. وقد كتب الكوني عدة روايات من نحو الخسوف 1989 في أربعة أجزاء (البئر، الواحة، خبر الطوفان الثاني، نداء الوقواق)، بيروت ــ ليماصول (قبرص) نشر دار التنوير للطباعة والنشر ــ تاسيلي للنشر والإعلام؛ نزيف الحجر، لندن ــ بيروت، نشر رياض الريس 1990؛ ديوان النثر البري، ليماصول (قبر ص) نشر دار التنوير للطباعة والنشر ــ تاسيلي للنشر والإعلام، الطبعة الأولى في سنة 1991؛ المجوس في جزأين، بيروت ــ ليماصول (قبرص) نشر دار التنوير للطباعة والنشر ــ تاسيلي للنشر والإعلام، 1991، الطبعة الثانية 1992، وقصص من نحو الوقائع المفقودة من سيرة المجوس ونصوص أخرى ــ الربة الحجرية، ليماصول (قبرص) نشر دار التنوير للطباعة والنشر ــ تاسيلي للنشر والإعلام، 1992، والطبعة الثانية، بنغازي، نشر الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، 1996. التناص في أعمال الكوني: ويلاحظ لدى تفحص أعماله أن التناص سمة من سماتها بل إن أول قصة من قصص الوقائع المفقودة من سيرة المجوس يبدؤها بـ "صفحة من كتاب الصحراء" التي تعكس جل أعماله إن لم نقل كلها... ويلاحظ التداخل والترابط بين الأسماء في القصص مثل الربة الحجرية والشبح والعبور والتناص مع بقية الروايات نحو "أكا ــ آده أمغار ــ ودان ــ تامغارت ــ الزعيم..." كما يتبين للقارئ لدى تصفح أعماله تكرار ذكر بعض الأماكن والحوادث التي يتعرض إليها في عمله القصصي مذكورة في أعماله الروائية نحو سيرة المجوس والبحث عن "تانيس ــ اطلانتس ــ جزيرة واو..." حتى يخيل للمرء أن ما يكتبه في الوقائع المفقودة ليس إلا نفايات لم يرد أن يذكرها في سيرة المجوس. والاقتباس الديني يغمر أعماله غمرا: [ص 65 من العهن المسموم في الوقائع المفقودة] "وجد نفسه يخرّ راكعاً على ركبتيه"؛ [ص 58] تذكر أن الآيات هي السلام الوحيد القادر على قهر الجان... مثل الله... [ص 107 سر التبر] السحر رجس من عمل المجوس والشياطين، وقراءة الغيب تدخل في شؤون الخالق الذي لا يعلم الغيب سواه... ينير البصيرة لمن يشاء ويرفع الحجاب في وجه من أراد... ينسون آيات الحياة (الماء، الهواء، الصحراء) ويقايضونها مقابل حفنة واحة الغبار السري وهو التبر. [ص 128 الشبح]: ألم نقل إنها إبليس الرجيم؟ إبليس. طهّروا الواحة! اقتلوا إبليس! ــ ولا تنابزوا بالألقاب! الشبح برأي الفقيه هو الوسواس... الذي يوسوس في صدور الناس. إبليس الرجيم... الخلاص من الشيطان الرجيم بثمن بخس... ليس بالنسيم وحده يحيا الودّان..." الذي يذكرنا هنا بقول المسيح عليه السلام: (بالخبز وحده يحيا الإنسان) إن الأمثلة كثيرة هنا ولا يسعنا في هذه العجالة ذكرها هنا والتي تدل دون أدنى شك على ثقافته الدينية. إن جزءاً من الحادثة أو بعضاً من الأسماء نجدها في أماكن مختلفة من كتاباته. عالم المدينة وعالم الصحراء وإشكالية البحث عن الذات: ويتبين للباحث أن العالم السكاني في أعمال إبراهيم الكوني ليس بعالم المدن العربية والريف القروي كالقاهرة في أعمال نجيب محفوظ أو البحر في أعمال حنا مينه أو مدن الملح للكاتب الراحل عبد الرحمن منيف وكتاباته التي خلد فيها مدينة عمان. إنه عالم آخر لم تغرُ فيه الأعمال الروائية العربية، وقد تشير إليه أو تمسّه ولكنها لا تسبح فيه كما يظهر الاقتراب من الصحراء في أعمال غسان كنفاني. وهو عالم لا يحبه كثيراً سكان المدن العربية أو لا يعرفونه ولم يعايشوه... ونصب الخيم في العراء بين الفترة والأخرى من قبل بعض الأمراء أو الرؤساء وترك القصور لا يشكل قاعدة بل استثناء ملتصقاً بمكان ما دون الانسياح في غياهب الصحراء... فكأن الصحراء في متخيلهم الحالي تجسيد للعواصف الرملية والحرارة المميتة والظمأ القاتل... أو لم يعكس ملتقى القاهرة الثاني للإبداع الروائي العربي تحت عنوان الرواية والمدينة هذا الاهتمام العربي بالمدينة والذي انعقد بين الثامن عشر والثاني والعشرين الأول (أكتوبر) من سنة 2003؟ وكأن إبراهيم الكوني اختص في أعماله "الواقعية التخييلية والرمزية" بفضاء الصحراء وخلص لها كما نرى ذلك في الشعر العربي القديم، وكأني به يبحث عن ذاته دون أن يعني ذلك حنيناً إلى الصحراء وأطلالها، إنه بحث دائب عن الذات، شأنه في ذلك شأن الروائي الفرنسي المعاصر كريستيان سينيول “Christian Signol” الذي يبحث أيضاً عن الذات في قصصه التي تتناول عالم الريف الفرنسي. فالصحراء عند الكوني مركز الكون والعالم بل هي الحياة في مؤلفات الكوني والبدوي ــ الطوارقي الذي يسكن الصحراء ويسيح فيها بحثاً عن الكلأ والماء يبحث أيضاً عن فضاء مجهول افتقده وعن مكان سحري رمزي يرنو إليه. فهو لا يتحدث عنها في عمل واحد بل في أعماله الروائية المختلفة. البعد الطوباوي في "يبابه" الفاضل ومدينة واو الفاضلة: ونجد مثل هذا النوع من البحث عن الذات في العمل الفلسفي للكاتب الأندلسي ابن طفيل وعنوانه حي بن يقظان حيث يروي قصة امرئ يبحث عن نفسه أيضاً في جزيرة لا يعرف مكانها سكنها حي ابن يقظان الذي كان يعيش حياة نعيم مع الحيوانات والذي يكتشف بعد موت من أرضعته من الحيوانات أنه إنسان، فيغادر الجزيرة بحثاً عن أبناء جلدته وعندما يتعرف على البشر تصيبه صدمة كبيرة بسبب معاملتهم الشيطانية فيتركهم عائداً إلى جزيرته. ولا شك أن البحث عن مكان غمرته المياه أو الصحراء، بعيد في الزمان ومنعزل في المكان، ليس جديداً كل الجدة؛ ففي ألف ليلة وليلة حكايات عن سكان جزر نائية تسكن فيها الحيوانات وأعداد قليلة من البشر أو يضع الرحال فيها مغامر يسعى من أجل البقاء... وكذا الأمر بالنسبة لأرم في شبه الجزيرة العربية التي اختفت مع ملكها شداد وسكانها {وحقّ عليها العذاب}... يذكر الكوني في رواياته جزيرة اطلانتس "أتلانتيد" المعروفة في الأسطورة الإغريقية والتي غاصت بفعل طوفان الماء. وهي قارة خرافية وُجدت في العصور الغابرة، في المحيط الأطلسي، ليس بعيداً عن مضيق جبل طارق؛ ثم اختفت من الوجود بعد مضي فترة من الزمن على حياتها، بسبب عنجهية سكانها. ويبدو أن موقف القارة العدائي كان بداية انهيارها كما يقول بعضهم. ونتيجة هذا الدمار الذي حصل للقارة، بدأت بالغرق في المحيط الأطلسي واختفت تماماً من الوجود بما حملته من شجر وحجر وبشر، فضاعت هذه القارة التي تسمى "أتلانتيد" في غياهب المحيط ولم تقم لها قائمة بعد ذلك!! هل يشير الكوني في حديثه عن أتلانتيد" إلى طغيان قارة على قارات أخرى، قارة تقع في المحيط الأطلسي وتسيطر على مقدرات العالم؟ وماذا تعني بالنسبة له واحة "واو" الصحراوية التي يبحث سكان الصحراء والتي غرقت بفعل طوفان الرمال؟ إن الكوني في أعماله الروائية والقصصية دائب البحث عنها، فهي رمز الجنة الأرضية في الصحراء والخلاص "وهل تطاق الصحراء بدون أحلام الصحراء؟" كما تقول بعض شخوصه. لنستمع إلى هذا الحوار الذي يدور بين الأب وابنه في البحث عن واو وفضائها الصحراوي، الذي يذكرنا عنوانه برواية في البحث عن الزمن الضائع لبروست. إذ يؤكد الأب في الحوار الذي ننقله بشيء من التصرف من روايته ديوان النثر البري (ص 20 وما يليها) رغبته في الوصول إلى هذه الواحة الجنة. ويفرق الأب بين نمط حياة الفلاح في الريف ونمط حياة الصحراء في عالم الرمال وفضائه: ((في اليوم العاشر تعب الطفل وسأل الأب: ــ أما زال الطريق طويلاً؟ ــ إذا تعبتَ هربتْ منك واو وإذا صبرتَ وصلتَ. ــ جدتي تقول إن أهل الصحراء أشقياء وواو لا وجود لها. ــ تقول ذلك لأنها لا تريدك أن ترافقني إلى واو. جدّتك تريد أن تشدك إلى الأرض لتصبح عبداً لها. ــ لا أفهم. ــ الإنسان في الصحراء لابد أن يكون إما نخلة مشدودة إلى الأرض بالجذور، وإما ريح القبلي التي تهاجر دائماً. الفلاح هو النخلة، والصحراوي هو القبلي. فأيهما تختار؟ ــ القبلي! ــ أحسنت. ليس الفلاح عبداً لأنه عشق الأرض؛ ولكن لأنه يقبع في الكوخ منتظراً منها الإحسان! ــ والصحراوي؟ ألا ينتظر الصحراوي عطيّة الأرض؟ ــ أبداً. الصحراوي يتغطى بالسماء المرشوشة بالنجوم، ويتوسّد العراء المفتوح. ينتقل كالغزال ولا يركع لمكان. إنه طليق مثل الطير وليس رهينة تنتظر حلول موسم الحصاد في الكوخ)). والمريد التيجاني أحد شخوص روايته (الربة الحجرية، ص وما يليها 184)، والذي كان بلا زاد ولا ماء لفترة طويلة يرفض أكل الكسكسي عندما يرى أن الصبيان ليس لديهم ما يأكلون قائلاً: ((قطعت على نفسي عهداً ألا أذوق طعماً لطعام ما لم أعثر على واو، أنا زائر من زويلة. أبحث عن واو، أبحث عن واو" ولاحظ الجميع أنه كرر: أبحث عن واو مرتين. ولم يدر أحد يومها أن يوماً سيأتي وستَبعث واو من الزوال والخرافة وتنهض مدينة من الأساطير تروي العطشان وتكسو العريان وتطعم الجائع وتنقذ التائه من الضياع. يومها أضاف عبارة لا تقل غموضاً عن بحثه وراء واو المجهولة. قال: "الوجد والشبع لا يلتقيان. وأنا اخترت الوجد" وبرغم ذلك لم يجد (واو). ربما لأنه أخطأ التوقيت وسبق الزمن الذي حدده القدر لبعث واو من المجهول في صحراء آزجر. ويذكر المريد حمكة الجوع قبل موته، فيقول إن الذئب إذا شبع بكى بكاء مرّاً واستولى عليه الشقاء، لأنه يعلم أن العاقبة هي الجوع. أما إذا جاع فيضحك ويملأ الوديان والسهول بالقهقهة، لأنه يعلم أن الجوع سيليه شبعٌ يوماً! وعلق المريد على نص الأسطورة فقال: "كلما توغلت في الجوع أحسست بأنني أقترب من يوم الميعاد)). وكأن البحث عن الماء في واو؛ والتيقن من وجوده هو الذي قاد إلى جر المياه من الصحراء عبر ما سمي مؤخراً في ليبيا بالنهر العظيم! هل هناك نوع من التحدي الضمني بين قارة "مائية" متقدمة وقارة صحراوية "متأخرة"؟ وتريد الثانية اللحاق بالأخرى وتحديها؟!.. وماذا نجد غير الماء والتبر في واو؟!.. لنقرأ هذا الحوار عن النثر البري (ص 231): ((يقول الشيخ لأحد المعمّرين: ــ ما يدهشني ليس لهاث الحكماء أمثالك وراء شبح مجهول الهوية والأصل، ولكن ماذا يمكن أن يجنيه شيخ وقور مثلك في واحة بعيدة، موعودة، مستحيلة، مثل واو؟ احتجّ المعمّر: ــ وماذا يمكن أن يجنيه أمثالي غير السكينة والحكمة؟ ضحك أحدهم. وقال بلهجة مازحة: ــ السكينة والحكمة؟ فيما يتعلق بالسكينة أظن أنك لن تجدها في واو، ولا في مكان إذا لم تجدها في الصحراء الخالدة. أما الحكمة فاللهم أجرنا... يقتل الصحراوي نفسه في شبابه جرياً وراء العشق والنساء، ويقتل نفسه في شيخوخته جرياً وراء الحكمة)). محاولة تفسير ألوان لباس سكان الصحراء: الطوارق في أعمال الكوني يجوبون الصحراء، كما ذكرنا، بحثاً عن مدينة فاضلة طوباوية، إنها قرب الجبال والوديان وليست بعيدة عن السهول، كانوا في الماضي فيها ولكنهم أضاعوها بسبب أكلهم من فاكهتها، ولذلك يخبّئون أفواههم باللثام. وفي أماكن أخرى من أعماله يفسر الدرويش اللثام على نحو آخر [المجوس، ص 163]: "هرع إلى اللثام كي يخفي ارتباكه. أدرك الآن لماذا يستعمل النبلاء قناعاً. إنهم يرتدون العمامات كي يخفوا فيها ارتباكهم. اللؤماء! "كما أن للبياض فيها جلالاً خاصاً... فهو عند الصحراويين رمز للموت والحياة... [ص 84 من قصة الجمجمة ــ الوقائع المفقودة من سيرة المجوس ونصوص أخرى ــ الربة الحجرية]: ((ولا يُعرف لماذا يتخذه أهل الصحراء شعاراً مقدساً. فما أن يولد الوليد حتى يحشر داخل قماط ناصع، وعندما يموت يُحشر داخل قماط ناصع أيضاً. والحلة الممتدة بين قماط الميلاد وقماط الموت يقضيها الصحراوي محشوراً في قطعة فضفاضة من القماش الأبيض الحزين التي تذكره دائماً بالكفن. وربما رجعت عبادة الصحراء للبياض لهذا السبب. البياض هو لون الحداد في الصحراء... ويفضل سكان الصحراء ارتداء اللباس الأبيض، في حين أجمع الفريق الذي تعامل مع الجن أن اللون الأسود هو ثوبهم المفضل)). كذلك يتحدث عن عالم الذئاب والموت في هذه القصة: ((الجمجمة التي ترمز ببياضها إلى الموت))، ومن هنا كان لون لباس الحزن عند الطوارق هو الأبيض، أما الجن فيفضلون اللون الأسود كما نقلنا آنفاً من القصة. ولكن من ذا الذي يسكن هذه الصحراء الحياة؟ هل البشر وحدهم؟. إن ساكن الصحراء في الماضي والحاضر يبحث عن مدينة سحرية طوباوية ــ خيالية ويبحث بدقيق العبارة عن عالم آخر لا يجده أمام عينيه، وإن وجده مصادفة فسرعان ما يضيعه بسبب جشعه، كما كان الأمر لدى أحد شخصيات الكوني عندما وجد "واو" وسرق بعض الأواني الذهبية منها وأراد أن يعود إليها مرة أخرى، فلا يجدها وتتحول الأواني إلى نحاس! 1 ــ الشيخ والعرافة: إن سكان الصحراء، كما ذكرنا من قبل، هم من الإنس والجن والحيوان وآخرين بين بين. والسارد إبراهيم الكوني في حكاياته عن شخوص الصحراء وسكانها لا يهتم كثيراً بالأبطال بل يهتم بفعلها أو حديثها، دون أن يعني ذلك غياب الشخصيات في أعماله. ففي حوار في قصة "سر التبر" بين الشيخ والعرافة، وهما من سكان الصحراء، تقول العرافة في الوقائع المفقودة من سيرة المجوس [ص 110 ــ 111] "إذا كان الله قد خلق الإنسان في المعتقل، فإنه تركه طليقاً في كوكب اسمه الصحراء. فيجيبها الشيخ: ما فائدة أن يتسكع الصحراوي إذا كان محشوراً في قفص. ــ أنت تعرف أن المخلوق لن يكون مخلوقاً ما لم يحشر في كوز الطين وتتحرر شعلة النور من ظلمات البدن... ــ الحبس قدر الإنسان. فتجيبه: ــ ألن توافقني بأن الصحراء هي بديل هذا الحبس؟ ــ أبداً. لن يبدّل حبس البدن إلا الفناء... [ولا يخفى على القارئ أن مفهوم الفناء من المفاهيم التي تقوم عليها العقيدة الصوفية]. ــ الصحراء، الصحراء. إنها كالحياة: وهْم سراب يعد بالماء، ولكنه لا يقود إلا إلى الفناء. والعابر وحده عرف السر... ثم إنها لم تؤت من العلم بالنفوس إلا قليلاً. إنها جرّبت مفعول التبر فبلبلها بالنصر... وبذلك خانت حكمتها... ووجدت، ذات ليلة مشؤومة، مدية الإمام في نحرها". وهذا البحث في الصحراء عن الواحة الفاضلة يقود آخموك أحد شخوصها إلى بنائها بالحجارة التي يتكلم معها بدعوة من السلطان "آناي" الذي يحب الذهب ((ولكنها تضيع مع قتل الودان...)) وتضيع كما ضاعت في روايات أخرى كتبها الكوني مدينة واو بسبب الاهتمام بالذهب والطمع فيه. 2 ـ آخموك والسلطان والجن والودان: إن آخموك في الوقائع المفقودة من سيرة المجوس ــ الربة الحجرية قزم يهزأ منه رفاقه وكان يهتم بالحجارة يلعب بها ويداعبها ويكلمها حتى اكتشف أن بعضاً منها يجيبه على كلامه، إنها ربات حجرية أو حجرات ربانية تذكرنا بحجرات الكاتب التونسي "محمود السعيد" في رواية السد (المنظر الثالث). ويشرح آخموك لأمه قدرة الحجر هذه، ثم يعرض رؤياه وحواره معها على الفقيه الذي يؤيده ويصدقه كأنه أبو بكر الصديق ولكنه يضطر إلى الهجرة من المكان الذي يقطنه لأنه اتهم بالمجوسية... وكأن هذه الرؤيا تذكر بقصة يوسف عليه السلام، الآية الخامسة {قال يا بُنيّ لا تقْصُصْ رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيْداً، إنّ الشيطان للإنسانِ عدوُّ مبين}. ويحاول الجن إبعاد آخموك عن كشوفه ويصيبونه بالمس ويمسكونه ويداعبون جسمه ليضحك تعذيباً له... ويغادر المكان إلى مدينة تنبكتو ويتعلم القرآن ثم يكتشف السلطان "أناي" قدرته على بناء بيوت حجرية فيحاول استغلال مقدرته الهندسية لبناء مدينة أو إعادة بنائها بالحجر لا بالطين لأنها ستذهب مع الأيام هباء. يقول في قصة إله الحجر ص 151 وما بعدها: ((يعيرونه بالقزم ويرجمونه بالحجر. فكان يجمع الحجارة في ثوبه الفضفاض ليبني بها مدناً. تصيبه بعض الحجارة، فتنبت في وجهه الكدمات، وتنزف أطرافه بالجراح والدم. ولكنه لم يبال يوماً... لا يبدأ في العمل إلا بعد أن يضع الخطة.. فالمدينة لابد أن تقوم في عراء فسيح... رأيت الجن تهرب من الحجر المبارك وتختفي في الخفاء... رأى السلطان أن يتم البناء بالطين الأحمر فقال آخموك إنه لا يحسن التعامل إلا بالحجر)). فالطين يتحول إلى هباء... ويتم بناء "واو" غير أن السكان يرون أنه بحاجة إلى شيء وهو القربان أو الحيوان المقدس الإله الجبلي القديم كما ينقص "السد" الحجر الأسود عند الكاتب التونسي "محمود المسعدي"... فالإنس يتكلم مع الأحجار الإلهية، ثم يدخلنا الكاتب إلى عالم أكثر خيالية حيث يلاحق السكان الودان، وهو حيوان اسمه آمغار العجوز، زعيم القبيلة، وآمغار إله في روايات الكوني الأخرى، وهو يتصل بالألوهية في الوقائع المفقودة، وملاحقة الودان في القصة تذكرنا بملاحقة الثور الوحشي والحديث عن هواجسه في الشعر الجاهلي... وهنا يبرز وبعد آخر غير البعد الديني من الاقتباس في أعمال الكوني، كما أشرنا إلى ذلك في مواضع أخرى. 3 ــ بوخا وتامدّورت وأكّا: في قصة أخرى يدخلنا السارد الكوني إلى عالم تضيع فيه خارطة الأشياء ويذكر لنا أسماء شخصيات وأسماء أماكن في الصحراء الليبية لا نعرفها في المشرق العربي. من ذلك مثلاً ما رواه في أول بناء على إلحاح من أمه التي تريده أن يزرع الخصب، من تامدّورت (الحياة) بلغة تماهق التي تسكن في تاسيلي وتنافس في جمالها تانس (آلهة الخصب والجمال عند قدماء الليبيين). وفي أثناء العرس يطلع عليه ساكن آخر من سكان الصحراء وهو رجل خلاسي يقال عنه إنه من "الجن والإنس" يشك الناس فيه بيد أن هذا الرجل الخس واسمه "أكا" يذكر أن كثيراً من سكان الصحراء ذوو أصول جنية! وهذه المرأة التي تخطف في رواية المجوس يحولها الجني إلى صنم أبدي في إحدى المغارات، كما يتحول بعض البشر من المحبين إلى حجر في بعض قصص ألف ليلة وليلة، ويذكر جمالها بالشاهد الشعري المنسوب إلى عمر بن أبي ربيعة والذي يكتبه الكوني في صدر مجموعته القصصية "الربة الحجرية" وتحتل بوجهها محل البدر عندما يتغيب عن الصحراء [من البحر الطويل]: أنيري مكانَ البدرِ إنْ أفلَ البدرُ * * * وقومي مقامَ الشمس ما استأخر الفجرُ ففيكِ من الشمس المنيرةِ نورُها * * * وليس لها منكِ المحاجرُ والثغرُ وتامدّورت في هذه المجموعة تتسم بالحياء والحياء هو الحياة كما يذكر الدرويش. ويهرب بوخا بحثاً عن الإله أكا ولكنه عوضا عن ذلك يلتقي بخاله آده... ويصف السارد الكوني ا لمهاري متحدثاً عن مخالفته لطبيعة القوانين عندما يضطر إلى أخذ زوجته والسفر بها قبل انقضاء سنة على الزواج... فالسرد هنا يتصلّ بالواقع وينسحب منه إلى عالم الواقع السحري... وينقلنا الكاتب في وصفه عالمه وشخوصه على نحو غامض إذ لا يذكر الأسماء إلا بعد حين من السرد ويجعلنا نضيع وكأنه يريد أن "يضيّعنا" وترى السرد ناقصاً ولكنه مفسَّر نوعاً ما في عمل آخر من أعماله. أليس عالم الشخوص إن صحّ التعبير عالم واحد في مؤلفات الكوني؟ ثم لا ننسى أن السرد القصصي في أعماله يبدأ غالباً من نهاية القصة ثم يرجعنا رويداً رويداً إلى أول القصة ويأخذ بيدنا لمحاولة فهم عالمه الروائي الغامض. 4 ــ الدرويش والزعيم والبدع: والدرويش، وهو الرجل الآخر من سكان الصحراء، يمثّل إحدى الشخصيات الرئيسة في عمله الروائي، يتسم بالحكمة ويعرَف بموسى. وهو لا يكتفي بالإشارة إليه في قصصه ورواياته بل يفرد له قصه في روايته المجوس كما أنه يعنون إحدى أعماله بـ "خريف الدرويش: رواية ــ قصص ــ أساطير، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994، قصص: وينتسب الدراويش كما يرى أهل الصحراء ((إلى المرابطين أو الصحابة أو الأسرة النبوية نفسها فلم يجسر أحد أن يشك في الرواية أو يعرض الشائعة للطعن برغم ما في الانتساب إلى تلك الأصول من وجاهة وامتياز، ففاز الدراويش بالحنان والرعاية ونما بين القبائل تقليد يغفر لهم الخطايا والزلات والبطالة. ويعيشون على العطايا مقابل أن يحصل منهم الناس في الدنيا على البركات ويوم القيامة على الرضى والشفاعة بجاه النبي والصحابة والمرابطين)) [عن المجوس ــ قصة الدرويش ص 147 ــ 150 وتقع القصة في خمسين صفحة]. والدرويش يتيم الأبوين، ورث عن أجداده العداوة للمنجمين وتسلّى برجم العرّافة بالحجارة، وسخّرت العرافة له أناساً يطاردونه وقامت بـ ((اضطهاد للمرابط المسكين واستفزاز لناموس الصحراء" نتفوا الشعر من رأسه، غرغروا له سائل الفلفل في أنفه، قيدوه في وتد وتركوه في جهنم الرمضاء عارياً. وتسلوا أكثر من مرة فدلدلوه في البئر مقلوباً)). والكوني في هذا النوع من السرد هذا ديدنه في وصف شخوصه، إنها كما يقول الأستاذ دوهيفل أستاذ الأدب العربي في السوربون ومدرسة اللغات الشرقية بباريس: "تتسم شخصياته بالضعف. إن شيخ الطريقة الذي سيطر عليه هباء أصفر ضعيف يكمن في الكبرياء. فلا وجود لمعنى البطل في عالم الكوني فهو يهدم شخصيات ولا يبنيها. إن بطله ضديّ هدفه تعزيز الفصل بين عالم الخالق وعالم المخلوق". ولم يكن الدرويش الوحيد الذي لم يتلق الصدقات فقط من الناس بل كان يعيش من عرق جبينه ويتصدق على الآخرين! إنه يصطاد الأرانب في الوديان ويجيء إلى النجع بالحطب. دموع الدرويش في معجم أهل الصحراء أسوأ من عدوان القبائل الغادرة. دموع الدرويش تحرق القلب والبدن وتجرّ البلاوي والويلات كما يرى السارد إبراهيم الكوني: ففي قصة "العبور" يجيء دراويش الطريقة القادرية إلى الصحراء ليروّجوا للضياع. شيدوا الزوايا في الواحات وكتبوا على جدرانها بالخط الكوفي ورأوا الحقيقة بالفقد والفقد سرّ الوجود: "من لم يَفْقِد لم يجد، ولا يجد إلا منْ فقد"... ولم يفت أهل الصحراء أن يستنطقوا شيوخ الطريقة القادرية. تحدث شيخ الزاوية إلى الزعيم فقال: "ليس وجدنا جذباً أو عشقاً للحال. ولكنه فرح بالعثور على الكنز الفقيد. الإنسان ينفق العمر طلباً لنفسه الضائعة فإذا وجدها رقص فرحاً... كيف لا تفرح إذا وجدت نفسك؟ كيف لا ترقص إذا وجدت الله؟ ويسأل الزعيم العابرين ويستنطق الجن. حاور فقيهاً جوالاً وحمل على الدراويش، يعتبرهم زنادقة لأنهم يمزقون صدورهم بالسكاكين ويدعون أنهم رأوا الله، وهم أهل بدع. والأصل هو التراب، منه جئنا وإليه نعود.. فكفوا يا أهل الصحراء عن البكاء، وتوقفوا عن طلب الأصل. الاجتهاد إذا زاد عن حده انقلب إلى زندقة... ولكن الزعيم لا يميل إلى الفقهاء ويتعاطف مع الدراويش... الذي يعلن له من تينبكتو أنه يهتدي إلى واو دون أن يستعيد الذاكرة تماماً بالعثور على شجرة اختفت منذ آلاف السنين وعندما أكلها القطيع تحول إلى مخلوقات وانتقلت إلى الخفاء، والزعيم يريد الحقيقة لا الخفاء فيجيبه العراف بأن الحقيقة هناك في الخفاء، والجن يقيمون في الخفاء لأنهم عرفوا الحقيقة... والصحراوي، برأي أكبر الشيوخ سناً وأشدهم وقاراً، وُلِد درويشاً من بطن أمه". وفي قصة "الشبح" يروي لنا فعل الإنس والجان (ص 119) فيتصور شخصاً ثالثاً يلمسه دون أن يراه الآخرون يوجهه إلى الحقيقة، وكأنه شيطان الشاعر في العصور القديمة يلهمه الشعر ويوجهه: ((تبدَّى للزعيم في الجسد أول مرة عندما وقف يخاطب رجلاً بارّاً اشتهر بالفضيلة، قيل: إنه ينتمي بأصله إلى سلالة الأشراف. جاء مارّاً بالنجْع في طريقه إلى الحجّ، فخرج ليشيّعه ويهوّن عليه وحشة الصحراء... كان يظهر فوق رأس الرجل الوقور، مثل ساهور القمر، عقب كل جملة يتلفظ بها الضيف ليردد وراءه عبارته القاطعة: "لا تصدقه!". في المرة الأولى خيّل للزعيم أنه يتوهم. وفي المرة الثانية ظن أنه شبح من صنع الأرق وطول السهر. وفي المرة الثالثة أيقن أنه نفر من قبائل الجن. بسمل وقرأ آية الكرسي سراً. ودع الضيف وعاد إلى النجع... عن مصير الفتاة المرجومة بلا حق يختفي شيطانه واسمه موسى الزرقان... ليقول له من بعد ذلك: لقد أردتك أن لا تصدّق أحداً. احتج الزعيم: ــ كيف تريدني ألا أصدق أحداً؟ وأنا أعيش بين الناس ولا أصدّق الناس؟... ــ لا يستطيع أن يعيش بين البشر من فقد الثقة بالبشر. هذه حكمة تعلمتها من الأسلاف. ــ وهل تطيق الحياة في النزيف؟ ــ هل تريدني أن أعتزل؟ ــ أردتك أن تحتكم إلى قاض أقوى من العقل الذي تتباهى به. حسابات العقل تخطئ، ولكن قلبك هو دليلك لكشف الزيف. وعندما يطلب الزعيم من الفقيه أن يفسر له ما جرى مع الشبح يجيبه الفقيه: ــ صاحبك هو الوسواس)). ويذكرنا ذلك بشيطان الشعر في الشعر العربي، كما ألمحنا إلى ذلك من قبل، وخلقه لشخصية غائبة يكلمها، كما يذكرنا بأعمال الكاتب المغربي محمد الزفزاف ــ الذي نأمل تناوله في عمل آخر ويعد رائداً آخر من روّاد القصة المغربية ــ وروايته: الثعلب الذي يظهر ويختفي، دار الكتاب، منشورات أوراق، الدار البيضاء، 1995: الذي يتكلم بطل روايته مع قوّة خفية في داخله تكلمه ويكلمها توجهه وتعينه في الأزمات... وهي ليست ذئباً أو شبحاً بل ثعلباً. هل هي نفس الوسواس الذي يشير إليه إبراهيم الكوني؟: ــ الموت، إنه الحكمة الصادقة. الدرس الأزلي، الذي لا زال يلقن للنعاج لكن دون جدوى... فقد أصررت على أن أبقى ثعلباً هذا المساء...، لكن لا أحد منهم انتبه إلى خطمي أو إلى ذيلي... (ص 32). ــ قال المسيح: "خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني" وفكرت: إن خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها، لكنها لا تتبعني، بل تتحول إلى ذئاب شرسة أحياناً. وهكذا يصبح من الضروري قتل المسيح في داخلي والتحوّل إلى نعجة أو ذئب أو ثعلب [ص 57 من رواية الثعلب الذي يظهر ويخفي]. ــ إنه الليل ولا أحد يراني سوى ا لله.؟ ولا أحد يعرفني أو يعرف أن في داخلي ثعلباً سوى الله. والذين يعرفون أو يدعون أنهم يعرفونك جيّداً من الأصدقاء أو الأقارب هم الذين يوقظون فيك الثعلب مهما حاولت أن تغيّره... (ص 81 ــ 82). وعلي، الشخصية الأولى في رواية الزفزاف المذكورة آنفاً، لا يخاف اللصوص الذين يمكن أن يعترضوا طريقه في الليل لأنه (سيكون معي ثعلبي). (ص 84). وفي موضع آخر يعاني من الآخرين فيقول [ص 86]: ــ بحثت عن خطمي وذيلي بدون جدوى. هكذا يمكن للثعلب أن يتخلى عنك في اللحظة غير المناسبة. مَشَيْنا حتى بلغنا ضريح سيدي مجدول. ــ كذابون هم الذين يقولون بأن عالم الداخل يتحكم في عالم الخارج، يشكله، يؤطره، يغيّره... كما يقول العرب وكذلك كما يقول الفرنسيون، نوع من الحيرة أصابتني [ص 90]. 5 ــ البعد الصوفي وعالم الحيوان والكاهنات: ولا يقتصر السارد في الحديث عن الجن وعالمهم، إنه يورد لنا عالماً صوفياً رمزياً متأثراً فيه بما يطلق عليه المربوط والكلمة متحولة لغوياً ومعنوياً من كلمة المرابط. وكان للمتصوفة دور كبير في شمالي المغرب العربي عن طريق الزوايا للحفاظ على نسيج المجتمع وتعليمه دينياً والدفاع عنه في الملمات ضد الغزوات البرتغالية والإسبانية والفرنسية... فيحدثنا الكاتب دائماً عن العالم السردي وعن أهل الخفاء والسر حيث يروي لنا في قصة "الشبح" الذي يرمز إلى الوسواس وإبليس الرجيم برأي الفقيه؛ يروي قصة فتاة اغتصبها أبوها فحُكِمَ عليها بالرجم: أسرّت بذلك للقاضي ثم تراجعت لإنقاذ أبيها فاستغل الأخير ذلك واتهمها بالتزييف وكأنها ترمي المحصنين! وقد فعل ذلك أبوها مع أنه حجّ مرات عديدة (21 مرة) وعندما يحاول سارد القصة إنقاذها لا يستمع إليه أحد؛ فإذا بالشخص الذي روى له الحكاية واسمه موسى الزرقان الذي ذكرناه من قبل ليس إلا جنياً يتراءى له... في صحراء يبحث سكانها إما عن الكنز والله أو عن "واو"، ويجيئها "مدّعو الزهد والعفة وشيوخ الطرق المزيفون"... في صحراء يبطل فيها حجاب الفقيه بالزمن... بالتقادم... فالقلب دليل لكشف الزيف... ويرى الكاهن أن العقل هدام إذا لم يستنر بمشعل القلب... ولا يعرف المرء "متى تم الخروج من "واو" ومتى انفصل الصحراوي عن المنبت، عن الأصل؟ أين بدأت مسيرة الشقاء؟ أين تبدأ القارة الخرافية المسماة صحراء؟ أين تنتهي حدود الصحراء؟" ويزيد الكوني الغموض في سرده من خلال الانتقال من عالم الإنس إلى عالم الجن عبر الحديث عن الكتاب المفقود والكتابة بلغة الهوسا وبلغة التماشق أو التيفاسنغ. فلا تكتفي الكاهنات المرتبطة بالجن بكتابة آية الكرسي مقلوبة وبكتابة تعاويذ غامضة بلغة لا يفهمها القارئ وبأحرف يكتبها الكوني في متن النص لا يعرفها القارئ فيترجمها أحياناً إلى العربية ويتركها أحياناً من دون ترجمة. ولا يكتفي الكوني برصد هذه العوالم وبجعلها منغلقة علينا سواء في أسلوب سرده وصنعته الفنية في القصة ذاتها أو عبر تناثر معالم من السرد أو بعض الأحداث في روايات مختلفة، ولا يكتفي بالحديث عن الآلهة وعالم الجن التي تسكن في الصحراء والتلاحم بينهما بل يعمد أيضاً إلى أنسنة الحيوانات أو حيونة الإنسان إن صح التعبير. يسمى الناس على سبيل المثال آخموك، بفضل عمله البنائي، بـ"سينغ ــ إيمستغ" أي السنونو لصغر حجمه وعظيم فعله. ولا يقنع بجعل أمغار كالودان ذي لحية سوداء تصل إلى الأرض، ولكنه يتحدث عن عالم الذئاب والموت في قصة "الجمجمة" (الربة الحجرية)، وإذا به يسرد لنا عالم السباع والخوف منها لأنهم يتصفون كما يرى أهل الخفاء بالغدر وهذا ما أبقاهم على قيد الحياة في تخوم الصحراء منذ آلاف السنين، كما يصف عالم الذئاب ونذيرها بالخطر على نحو يذكرنا بعويل الذئاب عند المسعدي في رواية السد التي أشرنا إليها سابقاً. إن وجود الصحراوي في الحماد وجود ضائع والصحراء نفسها وجود ضائع، قارة معزولة، ضائعة عن الكون... إنه يبحث عن الحقيقة وهي في الخفاء، والجن يقيمون في الخفاء لأنهم عرفوا الحقيقة... إذن عالم الكوني هو عالم الصحراء يرتبط بها وكأنها مركز الكون وبمن يبحثون عن شيء ضائع... وهم سكانها المختلفون في اتجاهاتهم وطبائعهم وطبيعتهم ولكنهم في اتصال دائب وتواصل مستمر لا انفصال تام بين الإنس والجن والحيوان... إنه عالم الواقع السحري والرمزي... وعالم سكان الطوارق الذين ينتجعون الصحراء بحثاً عن مستقر لهم يلتصقون به... ونحن معه في فضاء خيالي شعبي له جذوره التاريخية... وهو في الوقت ذاته هروب من الواقع الصعب واقع الصحراء القاحلة... فبحثهم بحث عن سراب عن واحة فاضلة.. يفتش عنها سكان الصحراء شأنهم في ذلك شأن الكوني في كثير من أعماله الذي استطاع أن يظهر قدرته على ربطنا بعالم الإنسان أياً كان مع أنه يبحث في بيئة محدودة... وتلك سمة من سمات الكاتب الحقيقي إن لم نقل العظيم كما يقول ت. س. إليوت في تعريفه للكاتب... ولكن ألا يمكن أن تدرس شخصيات الكوني بأبعادها المختلفة دراسة تبين سمات أخرى فيها؟ ما هي سمات مدينته الفاضلة واو وما علاقتها بالأساطير الإغريقية والعربية؟ ذلكم ما نتمنى التفصيل فيه في مناسبة أخرى. مراجع البحث: للقيام بهذا العمل اعتمدنا على أعمال الكوني نفسها؛ وعلى كتابات ومحاضرات الدكتور لوك دوفلز Luc- Willy DEHEUVELS الأستاذ في معهد اللغات الشرقية في باريس؛ والدكتور إيفغ جونزالس كيجانو Yves Gonzales- Quijano الأستاذ في جامعة ليون. ــ محمد الزفزاف، الثعلب الذي يظهر ويختفي، دار الكتاب، منشورات أوراق، الدار البيضاء، 1995. ــ محمود المسعدي، السُدّ، دار الجنوب للنشر، تونس، 1992. ــ الطيب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال، ط 14، دار العودة بيروت، 1987. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |