|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
بنية الخطاب السردي في "سورة يوسف" "دراسة سيميائية" ـــ د.بلقاسم دفة مدخل: يعد النص السردي (Texte Narratif) من بين النصوص التي اهتم بها الباحثون في مجال السيميائيات "sémiologie" (1). ويحاول علم السرد "narratologie" من حيث هو فرع من علم النص "textologie" إلى ضبط منهجه، وجعل الظاهرة الأدبية تتسم بالعلمية، وذلك بإبعادها عن التأويل غير المعلل (2). ولعل أبرز تحديد لعلم السرد ـ فيما أرى ـ هو مفهوم "ميك بال, Miek Bal"، حيث عد علم السرد علم السردية "narrativité" أو العلم الذي يقبل صياغة النصوص السردية في بنيتها السردية (3). وذهب "ميك بال" إلى أن النص القصصي يمكن أن يلحظ من خلاله ثلاثة أنواع: 1 ـ النص السردي 2 ـ الحكاية 3 ـ القصة والسردية بعدّها نصاً بحسب مفهوم "ميك بال" هي الأسلوب أو الطريقة التي بها تفك شفرات النص، وينتهي إلى أن السردية محددة بعلاقات تربط بين النص السردي "text narratif" والحكاية "Récit" والقصة "Histoire" (4). وقد أدى الاهتمام بهذه الموضوعات والسيميائيات بخاصة إلى استبدال فكرة الوظيفة "la fonction" بالملفوظ السردي "I'énoncé" والاعتراف بوجود وحدات سردية تتصل أحياناً بالجدول الإدراجي. وتتصل أحياناً أخرى بالجدول التعاقبي، فتنشأ العلاقات التي تربط بين الملفوظات السردية في علاقاتها المختلفة (5). وكان من مبادئ السيميائيات بحسب الوجهة الدياكرونية أن جنحت إلى تحليل القصة، "أي شبكة من العلاقات الدلالية "les rapports sémantiques" الموسعية وهي التي تشكل تمظهر النص القصصي. ويقوم المنهج الذي يقترحه التحليل السيميائي للخطاب السردي على اعتماد نماذج لغوية تحكم البنية السطحية "la structure de surface" والبنية العميقة "la structure profonde" للمسار السردي. إن النماذج التي سأتناولها بالدراسة تعد خطابات مشعة، أي: تستفز المتلقي. وسأتناول "قصة يوسف" في القرآن الكريم معتمداً على ما تقدمه علوم اللسان كعلم السيميائيات والسرديات وعلم الأصوات التمفصلي "La Phonétique" لأندري مارتيني "André Martinet". والنظرية التمفصلية تنظر إلى أي خطاب مهما كان جنسه أو نوعه على أنه نص يقبل التشكل في تمفصلين كبيرين، اصطلح على الأول منها بالتمفصل الأول "Premiére articulation" واصطلح على الثاني بالتمفصل الثاني "la deuxiéme articulation" (6). يدرك بالتحديد اللساني في التشكل الأول الوحدات المدلالة "les mon?mes significatives" وهي وحدات صوتية تقبل التجزؤ إلى أقل منها، ويدرك في التشكل الثاني الوحدات الصوتية المميزة، وائتلافها ينتج التمفصل الثاني "la double articulation". نعتمد على هذه الأفكار كلها، حيث نسعى إلى استثمار المفيد منها في تحليل هذا النص السردي بالتركيز على تمفصلاته النصية، وأوجهها السيميائية ذات الطابع الإيحائي، وذلك بالوقوف على الوحدات السيميائية، أي: العلامات أو الإشارات الدالة التي استثمرت في بناء النظام السردي، وكانت مشحونة بشحنات دلالية. وفي هذا السياق تشير إلى أن الإجراءات السردية للخطاب السردي تنسجم مع المنطق السردي وروائع الإبداع، وعن طريقها يصل الدارس إلى رصد ملامح الخطاب السردي، غير أن السرد في الخطاب القرآني يختلف عن السرد في الخطاب الأدبي؛ فمصدرية السرد في الخطاب القرآني تحيل على الله ـ جلت قدرته ـ وتهدف إلى الكشف عن عقيدة التوحيد للمتلقي، بينما مصدرية السرد في الخطاب السردي الأدبي تنبثق من الذات الإنسانية وأحاسيسها ومشاعرها من خلال صور الإبداع(7). فالقرآن ليس بكتاب قصص، بل كتاب دعوة وتشريع، وإن وردت فيه بعض قصص الأمم السابقة، في سياق الدعوة إلى الإيمان والتوحيد. ومن هنا ينبغي أن يكون النظر إلى القصة القرآنية مختلفاً عن القصة الأدبية، إذ القصة القرآنية ليست للتذوق الأدبي أو للمتعة، بل هي فريدة في طابعها وغايتها وتكوينها (8). إذ الله سبحانه وتعالى ـ وهو السارد ـ يتحرك بالمسرود ضمن وعي مسبق، لا شأن فيه لمنطق المفاجأة، وما يسرده يشير ويوحي إلى وقائع تجسد بسرديتها الموضوع والفكرة المنسجمة مع روح العقيدة الإسلامية. ويمكن أن ينظر إلى الإشارة أو العلامة "signe" في الخطاب القرآني على أنها هيئة أو نصبة بتعبير "الجاحظ" (9)، إذ هي هيئة ناطقة من دون لغة، ومشيرة من غير حركة جسدية، بل هي علامات دالة على قدرة السارد ـ الله سبحانه وتعالى ـ. ولهذا من الممكن التعامل مع الإشارات "signes" والرموز "symboles" في هذا النص السردي "سورة يوسف بتقسيمه إلى عدة تمفصلات، وتعد هذه بمنزلة حقول دلالية، ولكل تمفصل وحدات سيميائية "unites sémiotiques"، نجسدها في الوحدات الآتية: 1 ـ التمفصل الأول: الوحدات السيميائية الدالة على بشائر النبوة. 2 ـ التمفصل الثاني: الوحدات السيميائية الدالة على الكيد وتدبير المؤامرة. 3 ـ التمفصل الثالث: الوحدات السيميائية الدالة على العلم وتأويل الرؤى. 4 ـ التمفصل الرابع: الوحدات السيميائية الدالة على التحقيق في المؤامرة والبراءة. 5 ـ التمفصل الخامس: الوحدات السيميائية الدالة على إنعام الملك على يوسف بخزائن مصر. 6 ـ التمفصل السادس: الوحدات السيميائية الدالة على انفراج الأزمة واللقاء المثير بين يوسف وأبويه وأخوته. يتضح من خلال هذه الوحدات السيميائية أن النظام السردي في قصة "يوسف" ـ ( ـ هو تفاعل منطقي لسير الأحداث، حيث تتحرك شخصيات القصة على مسرح الأحداث بإرادة فاعل هو الله ـ سبحانه ـ الذي يجسد الحضور الغيبي، فيعلم مرسله العلم والحكمة، ويقحمه في المجتمع، فيندمج ويقوم برسالته في ظروف صعبة، حتى إذا استنفد القدرة على الفعل تداركته إرادة الله تعالى بنصرته. ومادامت القصة تحيل على وقائع لها حضورها التاريخي، نحاول في دراستها أن نفيد من النظرية السيميائية التواصلية لرومان جاكوبسون "Roman Jackobson"، إذ هي طرح لساني يقوم على عناصر ستة أساسية للتواصل الكلامي، وأهمها: الرسالة أو الخطاب الذي يشترط فيه أن يكون مستنداً إلى سياق "contexte" وسنن "code" وصلة "contact"، والأهم الوظيفة المرجعية "la fonction référentielle" (10). فهي أساس كل تواصل، وهي تحدد العلاقات بين الرسالة "الخطاب" والشيء، أو الغرض الذي ترجع إليه، وهي أكثر الوظائف اللسانية أهمية في عملية التواصل، في حين لا تقوم الوظائف الأخرى إلا على دور ثانوي (11). الوظيفة المرجعية "la fonction référentille" للقصة: تذكر بعض المراجع أن أحداث القصة ترجع إلى عهد الهكسوس: "Hyksos" أو الرعاة، وهم قوم غزاة استولوا على مصر حوالي سنة 1700 ق.م، ويطلق عليهم اسم الملوك الرعاة. ويبدو أنهم بدو قدموا من سوريا، وكان غزوهم لمصر مشجعاً للوافدين، ومنها وفادة إبراهيم (، وفي هذا السياق فسر نشاط القوافل التجارية التي كانت منها القافلة التي حملت يوسف ( بعد انتشاله من غيابة الجب. وقد أشارت دائرة المعارف الإسلامية إلى أن يوسف وفد إلى مصر في عهد "الهكسوس". وما يؤكد هذا أن القرآن الكريم لم يستخدم كلمة "فرعون" في عهد يوسف، بل ذكر كلمة "ملك"، وهو لقب عرف به كل ملك مصري، إضافة إلى هذا أن المؤرخين يرون أن "الهكسوس" حكموا مصر في أسرتين، هما: الخامسة عشرة، والسادسة عشرة، ثم قضي عليهم بقيام الدولة الحديثة التي خلصت مصر من قبضتهم، والتي منها الأسرة الثامنة عشرة التي يرى جل الدارسين أن موسى ( ظهر في عهدها (12). ولعل من الأدلة التاريخية على أن يوسف كان في عهد "الهكسوس" بلوغه مرتبة التمكين في مصر والسيطرة على خزانتها، لأن ذلك لا يصل إليه أجنبي في عهد الفراعنة أهل مصر، أما الهكسوس الأجانب فليس بغريب أن يختاروا مشرقياً من بينهم لهذا المنصب، وبخاصة عندما يكون صاحب رسالة ودعوة إلى العقيدة وتوحيد الله، من دون الاعتراف بتعدد الآلهة: (يا صاحبي السجن لأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار. ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بما من سلطان إن الحكمُ إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه وذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون(. يوسف 38 ـ 40. ولو أعلن يوسف رسالته هذه في عهد الفراعنة لعذب وقتل، ولما نصب أميناً على خزائن الأرض: (قال الملك ايتوني به اسْتخْلِصْه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين. قال اجعلني على خزائنِ الأرضِ إني حفيظ عليم. وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء(. يوسف 54 ـ 56. أما المكان الذي حدثت فيه وقائع القصة، فالظاهر أنها تنطلق من عاصمة "الهكسوس"، وتقع في إقليم الشرقية، أقرب أقاليم مصر إلى صحراء سيناء، ومكانها الآن بلدة "صا الحجر"، وهو مكان حيوي مهم للتبادل التجاري، إذ هو الذي سهل للقافلة التي عثرت على يوسف من بيعه إلى وزير الملك المسمى "فوطيفار"، وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر في عهد أحد ملوك "الهكسوس" (13). ولعل اعتماد النظرية التواصلية السيميائية والوظيفة المرجعية والانتباهية والإفهامية التي حددها جاكوبسون (14)، وكذا المعجمية من شأنه أن يبرز الكوامن المتوارية خلف العلامات، إذ القصة صدرت من قبل سارد عليم خبير، يتحرك بالشخصيات على مسرح الحياة ضمن نهج مسطر منذ الأزل، لا شأن فيه لمنطق المصادفة في البناء السردي. الآليات الدينامية للقصة: يتركز بناء الحبكة السردية في سورة يوسف ـ ( ـ على نظرة عميقة، تعتمد التسلسل المنطقي للأحداث عبر الزمن، وعلى طبيعة منطق الروابط بين شخصيات القصة، إذ تتعاقب الأحداث على مسرح الحياة، وتتطور المواقف وتنمو شيئاً فشيئاً حتى يبلغ به السارد درجة عالية من الصراع والتوتر، ثم يعود بها في حركة إياب إلى الأخذ بموقف سابق لبنائه، والسير به قدماً في معترك الأحداث السردية من النص، أو الشروع في بلورة موقف سردي آخر، له علاقة محكمة بالموقف العام للوقائع والأحداث المسرودة. والقصة في عمومها تتأسس على شخصية محورية، وهي شخصية "يوسف ("، فهو المبشر بالنبوة في منامه، والذي دبرت له مؤامرة وألقي في الجب، وأنقذ، وبيع إلى وزير الملك، وراودته امرأة العزيز عن نفسه، وألصقت به التهمة فسجن، وهو الذي فسر رؤيا صاحبيه في السجن، ورؤيا الملك، وتولى الإشراف على وزارة المال، وكيدَ لأخوته بحجز أخيه الصغير "بنيامين"، ثم كشفه السر لهم، وتعرف الأخوة عليه، وتلقي يعقوب خبر سلامة يوسف، ولقائه بأبويه، وأخوته وتحقق الرؤيا. فكان بحق الشخصية المحورية في البنية السردية للقصة، أما الشخصيات الأخرى: يعقوب (، أخوة يوسف الكبار، أخ يوسف الصغير، أفراد القافلة، العزيز، امرأة العزيز، النسوة في المدينة، الشاهد، الفتيان "صاحب السجن"، الملك، فقد قامت بوظائف ثانوية، وأسهمت بدورها في دعم الشخصية المحورية "يوسف" من تنامي الأحداث وتأزمها حتى أصبحت القصة مترابطة، متماسكة، فكانت البداية خطيئة ومعصية، والنهاية اعتراف بالخطيئة، وتوبة ومغفرة، وما بين البداية والنهاية صراع شديد برز في شكل ثنائيات متضادة: الحب والكره، والخير والشر، والشهوة والعفة، واليأس والفرح، والمرض والشفاء. وهي ثنائيات قامت على نظام التضاد، فأعطت للبنية السردية شحنات عاطفية، وثراء لغوياً وعمقاً دلالياً. ويتدرج مسار الحبكة السردية من حيث الترتيب الزمني من طفولة يوسف ـ ( ـ إلى بلوغه أشده حتى رجولته تدرجاً زمنياً طبيعياً، لا تسبق مرحلة متأخرة منه مرحلة متقدمة في الترتيب الزمني (15)، كما جاءت الأحداث الثانوية نفسها تتدرج منطقياً مع نمو يوسف، فمن الحلم بالنبوة إلى تدبير المؤامرة ضده، إلى إنقاذه وبيعه إلى وزير الملك، إلى غواية امرأة العزيز، إلى إلصاق التهمة به وسجنه، وإنعام الملك عليه بوزارة المال، إلى اللقاء المثير وتحقق الرؤيا. وقد تتابعت الأحداث في سورة يوسف وفق نظام محكم دقيق، ليس لمجرد القصص، بل جاءت متعاقبة يتلو بعضها بعضاً في حلقات محكمة، تتسم بالوحدة العضوية، حيث تدور حول أبناء الضرائر (16)، وحول المحبة، والكره، والحقد، والشهوة، والعفة، وتفسير الرؤيا، والعقوبة والبراءة (17). والقصة مع أن بدايتها كانت تتصف بالحوار، يقول الله تعالى: (إذ قال يوسفُ لأبيه يا أبت إني رأيت أحدَ عشَر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم ليس ساجدين، قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطانَ للإنسان عدوٌ مبينٌ(. يوسف 4 ـ 5، غير أنها تميل إلى السردية الاستعراضية، وتزاوج بينها وبين الحوار في نسج البنى السردية وتشكيلها. فالسارد ـ الله تعالى ـ يستهل القصة بعنصر التشويق: (نحن نقصُّ عليكَ أحسنَ القَصَصِ بما أوحينا إليك( يوسف 3، ويصور مبادئه السردية وقد أمسك مباشرة بحبل القصة وبمركزها: (لقد كان ليوسفَ وإخوته آياتٌ للسائلين. إذ قالوا ليوسف وأخوه أحبُّ إلى أبينا منا ونحن عصبةٌ إن أبان لفي ضلالٍ مبين(. يوسف 7 ـ 8، إذ السارد يروي الحدث، ويخبر عن مضمون؛ فالحوار في سياق الخطاب "أنبأ عنه القرآن على نحو من الموضوعية التامة التي تتوافق مع معطيات التاريخ والكتب السماوية (18). ففي قصة يوسف ـ كما عبر القرآن ـ (آيات للسائلين(، فهي علامات دالة بذاته، فيها عبر ومواعظ للمتلقي. تمفصلات بنية القصة وحقولها الدلالية: في سورة يوسف إشارات ورموز دالة بسياقها وأحوالها المختلفة على خصائص النص القرآني الخالد، ومعبرة عن عظيم قدرة الخالق السارد للقصة المتكاملة التي اشتملت على كل عناصر القصة الفنية، من بداية ونهاية وشخصيات ومكان وزمان وعقدة وحل. فالقصة فيها بيان لحياة يوسف ومحنته مع أخوته، ومحنته مع امرأة العزيز، ودخوله السجن، ودعوته إلى الله، ثم خروجه من السجن، وتفسيره لرؤيا الملك، واستلامه وزارة المال، ثم مجيء أخوته إلى مصر بسبب القحط، ثم التعرف على أخوته، ثم اللقاء المثير وتحقق الرؤيا. إن هذه الأحداث بما تتضمنه من علامات سيميائية تتمحور في تمفصلات وحقول دلالية، لكل تمفصل وحداته السيميائية التي هي بمنزلة نواة أو مركز ينطلق منها نسيج السرد، وقد قسم البحث حسب التمفصلات والحقول الدلالية التي تبينت لنا في ستة تمفصلات أو حقول دلالية، هي كالآتي: 1: الوحدات السيميائية الدالة على بشائر النبوة: تعد العلامة السيميائية وحدة رئيسة في نمو الحدث السردي، وفي ربط المتلقي بغايات الخطاب، حيث تتسم القصة بالحيوية والدينامية والإيماء، وأكثر حقل الوحدات السيميائية الدالة في هذا التمفصل: أحد عشر، كوكباً، الشمس، القمر، ساجدين، الشيطان، الإنسان. يقص السارد "الله سبحانه وتعالى"، فيقول: (إذ قال يوسفُ لأبيه يا أبت إني رأيتُ أحدَ عشرَ كوكباً والشمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين( يوسف 4. فالألفاظ: أحد عشر، كوكباً، والشمس، والقمر، وساجدين، كلها وحدات سيميائية متعلقة بالبنية السردية للقصة؛ فـ "أحد عشر": إشارة إلى أخوة يوسف، وهم أحد عشر أخاً، و"الشمس": إشارة إلى أمه أو خالته، لأن بعض الباحثين يقولون: إن "والدته توفيت وما دخلت عليه حال ما كان بمصر" (19). و"القمر": إشارة إلى أبيه يعقوب بن إسحاق عليهما السلام، و"السجود": فعل يشير إلى تواضعهم ودخولهم تحت أمره، وإلى ما سيكون عليه حاله في المستقبل، إذ سيؤتى العلم والحكمة والنبوة والملك، ولذلك نهاه أبوه يعقوب من أن يقص رؤياه على إخوته، لأن الشيطان قد يغريهم فيكيدوا له كيدا: (قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطانَ للإنسان عدو مبين( يوسف 5، وإنما قال يعقوب ذلك، لأنه قد تبين ليوسف من أخوته قبل ذلك حسدا، فقد كان شديد الحب ليوسف وأخيه، فحسده أخوته لهذا السبب، وظهر ذلك ليعقوب بالإمارات الكثيرة، فلما ذكر يوسف ( هذه الرؤيا وكان تأويلها أن أخوته يخضعون له، فقال: لا تخبرهم برؤياك، فإنهم يعرفون تأويلها فيكيدون لك كيدا (20). ويبدو من النص أن الاتهام موجه إلى الشيطان وليس إلى الأخوة، وهي أداة سيميائية، فالشيطان هو عدو الإنسان، وهو صانع العلامة، لأن الإنسان والمراد به: إخوة يوسف، وهم أبناء نبي، فما كان لهم أن يقوموا بعمل إجرامي، إلا أن يغريهم الشيطان بمكره بواسطة النفس الأمارة بالسوء. وتعد هذه العلامات السيميائية عناصر لسانية، قد أدركت دلالتها من خلال السياق وعلاقاتها مع الكلمات والتراكيب الأخرى في النص. 2 ـ الوحدات السيميائية الدالة على الكيد وتدبير المؤامرة: تتابع الأحداث وتتطور، وتتجدد المواقف، فتتوتر العلاقات بين الشخصيات، ويتعمق الحوار، وتصطدم المصالح والقيم والأفكار، فتتعدد الأدوات السيميائية، والوسائل الإخبارية المشحونة بالدلالة، فيثرى حقل الوحدات الدالة على الكيد والحقد وتدبير المؤامرة ضد يوسف، ومنها: فيكيدوا، اقتلوه، اطرحوه، الجب، السيارةْ، الذئب، القميص، الدلو، الدم، بضاعة، ثمن بخس، مكرهن. وإذا أمعنا النظر في هذه العلامات الدالة من خلال البنى السردية ندرك أن السارد يحرك شخصيات القصة، ويدفعهم إلى القيام بوظائف سردية، فقد عمل الأخوة برأي أخيهم الأكبر "رأوبين" ـ كما يظهر من السياق ـ فاختاروا إلقاء يوسف في "الجب" بدل قتله أو طرحه أرضاً: (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحبُّ إلى أبينا منا ونحن عصبةٌ إنَّ أبانا لفي ضلالٍ مبين. اقتلوا يوسفَ أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجهُ أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين. قال قائلٌ منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعضُ السيارة إن كنتم فاعلين(. يوسف 8 ـ 10. فقد أمرهم على ذلك، يقول السارد الله سبحانه: (فلما ذهبُوا بِه واجمعُوا أنْ يجعَلوه في غيابتِ الجبِّ( يوسف 15. وكلمة "أرضاً": جاءت نكرة تشير إلى أرض مجهولة بعيدة عن العمران، أو قصية، وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الناس (21)، ولذلك قالوا: اطرحوه أرضاً، أي: أبعدوه. وكلمة "الجب" ـ التي وردت في موضعين ـ وهي البئر التي حفرت وتركت من دون بناء، هي نواة السرد القصصي، ومركز النسيج السردي السيميائي؛ فحضورها في بناء القصة ومحورها الإدراجي يؤهلها لأن تكون من الوحدات السيميائية المهمة، فدلالتها تتصل بالارتواء والحياة، فقد احتضن "الجب" يوسف ـ بقدرة الله تعالى ـ فكان أمناً وسلاماً عليه. وتتصل العلامات السيميائية الأخرى، نحو: اقتلوا، اطرحوه، ألقوه، يلتقطه، بالنواة السيميائية "الجب"، فتسهم في إثراء الحقل الدلالي. أما لفظة "عصبة": فهي تشير إلى المكيدة المدبرة من قبل الأخوة، وهم جماعة، وذلك ما يظهر ـ كذلك ـ من إسناد الأفعال إلى ضمير الجمع في: قالوا، اقتلوا، اطرحوه، تكونوا، لا تقتلوا، ألقوه، كنتم، فاعلين. وكلمة "الذئب": ـ هي الأخرى ـ قد احتلت موقعاً حيوياً، وتكررت في ثلاثة مواضيع: (قال إني ليحزُنني أن تذهبوا به وأخافُ أن يأكله الذئبُ وأنتمْ عنه غافلون، قالوا لئنْ أكله الذئبُ ونحن عصبةٌ إنا إذاً لخاسرون(. يوسف 13 ـ 14، و(قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبقُ وتركنا يوسفَ عند متاعنا فأكله الذئب( يوسف 17. وهذه العلامة "الذئب" ترمز إلى المكر والخداع والخيانة والخبث والكيد والافتراس... وكلها صفات قبيحة تشير إلى الدلالات التي تشتمل عليها كلمة "الذئب". وتتطور الأحداث وتنمو حتى يبلغ الخطاب السردي حالة تتعقد فيها المواقف، وتتداخل فيها ملابسات الحبكة السردية، فتصير إشارة تحيل إلى إشارة، ورمزاً يومئ إلى رمز، فيفاجأ المتلقي بكلمة "قميص" في قول السارد ـ الله تبارك وتعالى ـ: (وجاءوا على قميصِه بدمٍ كذبٍ. قال بل سوَّلت لكم أنفسُكم أمراً. فصبرٌ جميل( يوسف 18. وفي كلمة "قميصهْ" ضمير عائد على يوسف في الآية، وعليه دم، ووصف الدم بـ "كذب" أي: بدم ذي كذب أو مكذوب (22). والدم إشارة إلى الجريمة المقترفة، وفي القميص ثلاث آيات: حين جاءوا عليه بدم كذب، وحين قد قميصه من دبر، وحين ألقى على وجه أبيه فارتد بصيراً. والعلامة "قميص" من حيث هي وحدة سيميائية نواة في العمل السردي وردت مرتبطة بالدم، والكذب والفعل الشنيع في البنية السطحية، ودالة على القتل والإجرام في البنية العميقة. ودلالةُ تَسَرِعِ الأخوة في حبك الجريمة أن جاءوا على قميص يوسف بدم كذب لطخوه به في غير إتقان، فكان ظاهر الكذب حتى ليوصف بأنه كذب. فيقول السارد: (وجاءوا أباهم عشاءً يبكونَ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسفَ عند متاعنا فأكله الذئبُ( يوسف 17. ويحسبون أنها مكشوفة، ويكاد المريب أن ينطق بالحق، فقالوا: (وما أنتَ بمؤمن لنا ولو كنا صادقين( يوسف 17. وتتفاعل العلاقات السيميائية الأخرى المدرجة في حقل الوحدات الدالة على كيد الأخوة، نحو: يبكون، سيارة، دلوه، غلام، أسروه بضاعة، ثمن، فتصهر جميعها في الأحداث السردية، وتعمل على تأجيج عاطفة المتلقي واستجابته، وفي تشويقه إلى متابعة أحداث القصة، لأن الأمر يتعلق بكيد الأخوة، وذلك ظلم له وقع أكثر في النفس البشرية. وتتابع الأحداث، وتتواصل النكبات فما إن تنتهي نكبة حتى تحل أخرى بيوسف، إذ بعد كيد الأخوة يأتي كيد امرأة العزيز "زليخا"، والنسوة في المدينة. فقد باع أصحاب القافلة يوسف في مصر بدراهم قليلة للتخلص منه خشية أن يدركهم أهله فينتزعونه منهم (23)، وكان الذي اشتراه العزيز "فوطيفار" وزير الملك، الذي كان على خزائن مصر فأرسله إلى بيته وأوصى امرأته "زليخا" به خيراً، فقال لها: (أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذَه ولداً( يوسف 21. وكانت هذه المرأة ترعاه وتحنو عليه وتحبه، ولما بلغ أشده أحست في نفسها ميلاً إليه، فقد رأت بعين الأنثى جمال يوسف، فخفق قلبها، ولما كان هو فتاها ورهين إشارتها هان عليها ما ينتابها من الشوق والهيام، وقد كانت غادة في مقتبل العمر. وقد ترددت وقتاً في إظهار شعورها نحو يوسف إلى أن استحوذ الضعف الطبيعي على مشاعرها، فانتهزت فرصة وجوده في بيتها يوماً، وأخذت تغريه بمفاتنها ومحاسنها، بعد أن غلَّقت الأبواب، يقول السارد "الله تعالى": (ورادته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبوابَ، وقالتْ هَيْتَ لك( يوسف 23. فأعرض يوسف ونفر منها نفرة الغضوب رافضاً الخيانة والرذيلة: (قال معاذ الله إنهُ ربيَ أحسنَ مثوايَ إنه لا يفلِحُ الظالمون( يوسف 23. غير أن غريزة السوء التي حركات مشاعر المرأة لم تتركه وحاله، فقد أثرت فيه وجعلته بين فتنة عنيفة تدفع وفضيلة تصد، حتى كاد يستجيب لها، لولا أن رأى برهان ربه: (ولقد همّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهانَ ربهِ كذلكَ لنصرفَ عنه السوءَ والفحشاءَ إنه من عبادنا المُخلصين( يوسف 24. فقد رأى يوسف آيات ربه، ونور الله الحق فاستضاء به، فلم يطاوع ميل النفس، وامتنع عن المعصية، وانطلق يجري نحو الباب يريد الخروج فلحقت به المرأة وأمسكت بقميصه حتى مزقته، وحين فُتح الباب أدركا سيدها "زوجها" لدى الباب، ومن هنا توترت العلاقات بين الشخصيات في البيت، وتحول من حيث هو علامة محورية في السرد إلى هم وغم، بعد أن كان سكينة وحناناً. وينسج السارد "الله تعالى" بأسلوب شيق انطلاقاً من العلامة السيميائية "قصص" نسيج القصة التي بلغ فيها توتر العلاقات بين الشخصيات قمته: (واستبقا البابَ وقدّتْ قميصَهُ من دُبُرٍ والفيا سيدّها لدى البابِ( يوسف 25. ومن هنا تبدو قيمة العلامة السيميائية "قميص" من حيث إنها كونت حضوراً واضحاً في هذه السورة، فقد وردت ثلاث مرات، حيث جاءت نواة محورية في حقل الوحدات السيميائية الدالة على كيد الأخوة، فقد اهتدى يعقوب ( إلى فك شفرتها فتنبه إلى كيد أبنائه، وادعاءاتهم الكاذبة: (وجاءوا على قميصِهِ بدَمٍ كذبٍ( يوسف 18. وأرى أن كلمة "قميص" في هذا الموقف ـ أن تكون من حيث هي وحدة سيميائية ـ حجة ليوسف لا عليه. فالسارد (الله تعالى) يخبر أن هذه المرأة حاولت بمكرها قلب دلالة الحدث، فبادرت زوجها باتهام يوسف بمحاولة اغتصابها وحرضته على سجنه: (قالتْ ما جزاءُ من أرادَ بأهلكِ سوءاً إلا أن يُسجنَ أو عذاب أليمٌ( يوسف 25. ولكن يوسف دفع التهمة عن نفسه، وحضر الجدال شاهداً من أهلها، فحكم قائلاً: إن كان قميصه شق من أمام فقد صدقت في إدعائها، لأن هذا يعني أنه كان مندفعاً نحوها وهي تدافع عن نفسها، وإن كان قميصه شق من خلف، فهذا يعني أنه يحاول الفرار، فقد كذبت في قولها، وهو من الصادقين، فلما رأى العزيز أن قميص يوسف شق من دبر فدلت العلامة على الملاحقة، وقد بانت الحجة للزوج "العزيز" من حيث أن القميص قد من دبر يقول السارد الحكيم: (قال هي راودتني عن نفسي، وشهِدَ شاهدٌ من أهلها إنْ كان قميصُه قدَّ من قُبْلِ فَصَدقتْ وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قدَّ من دُبُرٍ فَكَذبتْ وهو من الصادقين، فلما رأى قميصَهُ قدَّ من دُبُرٍ قال إنه من كيدِكُنَّ إن كيدّكن عظيم يوسفُ أعرِضْ عن هذا واستغفري لذنبِكِ إنك كنتِ من الظالمين( يوسف 26 ـ 29. يبدو من النص ميل "العزيز" إلى ستر الفضيحة والعفو، فقال ليوسف: تناس ما حدث لك واكتمه، وقال لامرأته: استغفري الله لذنبك وتوبي إليه عن الإثم الذي اقترفته، إنك من الآثمين، غير أن نبأ حادثة الإغراء سرى إلى جماعة من النسوة في المدينة وتناقلته في مجتمعاتهن، وقد أخبر السارد "الله تبارك وتعالى" عن ذلك قائلاً: (وقالتْ نسوةٌ في المدينةِ امرأة العزيزِ تراوِدُ فتاها عن نفسِهِ قد شَغَفَها حبّاً إنا لنراهَا في ضلالٍ مبينٍ( يوسف 30. وصل إلى امرأة العزيز اغتياب هؤلاء النسوة، وهنا يقع ما لا يمكن وقوعه إلاَّ في مثل الطبقة الأرستقراطية. ويكشف سياق الخطاب عن مشهد من صنع تلك المرأة "زليخا" الجريئة التي تعرف كيف تواجه نساء طبقتها بمكر كمكرهن وكيد ككيدهن. (فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن، وأعْتَدَتْ لهن متكأ وأتتْ كل واحدةٍ منهنَّ سِكْيناً وقالت اخرج عليهن(. يوسف 31. قامت بذلك لتريهن جمالَهُ، وكان بحق آية من آيات الخالق في الحسن والجمال. وفي هذا الموقف تُبرز العلامة السيميائية "سكين" عن وظيفتها في الخطاب السردي، حيث هي من العلامات المركزية. وهذه العلامة "سكين" تتصل بدلالات، منها: التقطيع والذبح والقتل. وكل هذه الدلالات لها وقع في نفس المتلقي، إذ تحرك عواطفه ومشاعره وأحاسيسه، فيضحي متقبلاً للخطاب والتفاعل معه. أما البنية الهامشية للعلامة "سكين" فتومئ إلى دلالات، منها: الكره، وحب الانتقام، والقسوة، وكلها ـ كما يظهر من السياق ـ صفات كامنة في نفس امرأة العزيز، ولذلك كان أن أقامت للنسوة مأدبة في قصرها ـ كما يبدو من سياق الخطاب ـ وندرك من أنهن كن من الطبقة الراقية، فهن اللواتي يدعين إلى المآدب في القصور، وهن اللواتي يؤخذن بهذه الأدوات الدالة على محاضر التحضر، ويبدو أنهن كن يأكلن، وهن متكئات على الوسائد والحشايا على عادة الشرق في ذلك الزمان، فأعدت لهن هذا المتكأ، وآتت كل واحدة منهن سكيناً تستعمله في الطعام. والظاهر أن استعمال السكاكين في الطعام في ذلك العهد له قيمته في تصوير الترف المادي، وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة، فاجأتهن بيوسف: (فلما رأينَه قلن حاشا لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملكٌ كريم( يوسف 31. والتعبير بـ (حاشا لله(، و(إن هذا إلا ملك كريم( فيه دلالات على تسرب شيء من ديانات التوحيد إلى ذلك الزمان. ويظهر السياق أن المرأة انتصرت على نساء طبقتها، وأنهن لقين من حسن يوسف الإعجاب والدهشة والذهول، فقالت قولة المرأة المنتصرة التي لا تستحي أمام النساء من طبقتها، والتي لا تملك عليهن في هذا الموقف إلا أن تفخر عليهن بأن يوسف في متناول يدها، وهو الخادم في بيتها، وإن خاب تقديرها مرة فلن يخيب مرة أخرى: (قالت فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فيه( يوسف 32. وقد دفعها رأي النسوة في يوسف لما خرج عليهن على ملاحقته وإجباره على فعل المعصية، (ولئِنْ لم يفعلْ ما أمرهُ ليسجنَنَّ ليكوناً من الصاغرين( يوسف 32. فهو إصرار المرأة وإغراؤها الجديد في ظل التهديد، ويسمع يوسف هذا القول في مجتمع النساء المبهورات المبديات لمفاتنهن في مثل هذه المناسبات. ويفهم من سياق الخطاب أنهن كن مفتونات فاتنات في مواجهته، فإذا هو يتضرع إلى ربه مناجياً (قال ربّ السجنُ أحبُ إليَّ مما يدعونني إليه( يوسف 33. ولم يقل: "مما تدعوني إليه"، ليكون الخطاب موجهاً للمرأة، فهن جميعاً كن مشتركات في دعوته وإغرائه، سواء بالقول أم باللفتات والإيماءات، وإذا هو يستنجد ربه لأن يصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن مخافة أن يضعف في لحظة من اللحظات أمام إغرائهن الدائم، فيقع في مستنقع الرذيلة، وذلك ما يخشاه عن نفسه، فدعا الله مخلصاً أن ينقذه منه (24): (وإلا تصرف عني كيدَهن أصبُ إليهنَّ وأكنْ من الجاهلين فاستجاب له ربُّه فصرفَ عنُه كيدَهُنَّ إنه هو السميعُ العليم( يوسف 34. وفي قول "الله تعالى": (ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآياتِ ليسجنُنَّهُ حتى حين( يوسف 35. دلالة على براءة يوسف من التهمة، فقد رأى العزيز والنسوة والعلامات الناطقة براءته. ولعل المرأة كانت قد يئست من محاولاتها بعد التهديد، ولعل الأمر ـ أيضاً ـ قد زاد شيوعاً في الطبقات الاجتماعية الأخرى، وهنا لابد أن تحفظ سمعة الأكابر، فهم ليسوا بعاجزين عن سجن فتى بريء، كل ما في الأمر أنه لم يستجب للمعصية، وأن امرأة من الوسط الاجتماعي الأرستقراطي قد فتنت به واشتهرت بحبه، ولاكت الألسن أخبارها في أوساط المدينة, ولذلك رأى العزيز أن يدخله السجن، ليمحو العار، ويوهم الناس أن يوسف معتدٍ خائن، وزوجته بريئة. وتتنامى الأحداث السردية، وتتطور المواقف، وتتعقد العلاقات بين الشخصيات، فتتوتر وتتأزم، فيدخل يوسف السجن، وينتقل بذلك من حياة اللين إلى حياة القسوة، ويقص السارد الأحداث بدقة: (ودخل معه السجنَ فتيان( يوسف 36. ويختصر السياق ما كان من أمر يوسف في السجن، وما ظهر من إحسانه وإصلاحه، فوجه إليه الأنظار، وجعله موضع ثقة المساجين، وفيهم الكثيرون ممن ساقهم القدر مثله للعمل في القصر والحاشية، فغضب عليهم في نزوة من النزوات العارضة، فزج بهم في السجن. ويختصر سياق الخطاب كل هذا، ليعرض مشهد يوسف في السجن وإلى جواره فتيان أنسا إليه، فهما يقصان عليه رؤيا رأياها، ويطلبان إليه تفسيرها، لما يتوسمانه فيه من الصلاح والإحسان والعلم (25): (قال أحدهما: إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحملُ فوق رأسي خبزاً تأكلُ الطيرُ منهُ نبئْنا بتأويله إنا نراكَ من المحسنين( يوسف 36. يبرز النص كلمة "سجن" وهي علامة سيميائية محورية في عمليات السرد، إذ تومئ دلالاتها إلى فقدان الحرية، والطعن في الشرف والقيام بالخطأ، وما إلى ذلك من هذه المعاني التي كان سببها السجن. أما دلالتها الهامشية فترتبط بالأمل والدعوة إلى عبادة الله، ومن هنا فعلامة "السجن" من حيث هي كيان سيميائي قد شحنت بكل الإيحاءات والإيماءات، وكانت أمناً على يوسف، حيث أنعم الله تعالى عليه بنعمة العلم والتأويل. 3 ـ الوحدات السيميائية الدالة على العلم وتأويل الرؤى: ينتقل السرد إلى وصف أحداث جديدة، ومواقف معقدة، فقد دخل يوسف السجن، وكان فاتحة خير له، لأنه ابتعد عن المكر والفتنة، وقد صادف أن دخل معه السجن فتيان من خدم الملك، وهما رئيس السقاة "نبو"، ورئيس الخبازين "ملحب" بتهمة المؤامرة على الملك، وبعد زمن رأى كل منهما رؤيا قصها على يوسف، (فقال أحدُهما إني أراني أعصرُ خمراً، وقال الآخر إني أراني أحملُ فوق رأسي خبزاً تأكلُ الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين( يوسف 36. وطلب هذان الفتيان من يوسف تأويل الحلمين، وذلك بعد أن لمسا فيه العلم بتفسير الأحلام، وما اتصف به من الصلاح والتقى، فقال لهما يوسف مؤكداً نعمة تفسير الرؤى، ومعترفاً بنعمة أخرى هي علم الغيبيات بما يوحي الله إليه، (قال لا يأتيكُما طعامٌ تُرْزَقَانِهِ إلاَّ نبأتُكما بتأويله قبلَ أن يأتيَكما ذلكما مما علمني ربي إني تركتُ ملةَ قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرةِ هم كافرون( يوسف 37. وقد اغتنم يوسف فرصة احترام السجناء له، وإعجابهم به لما ينبئهم من تأويل الأحلام، وما يعلمهم به من أنباء الغيب، فأخذ يكشف لهم عن نفسه، ويدعوهم إلى عبادة الله وتوحيده. وقد أخبر السارد الحكيم عن ذلك، فقال: (واتبعتُ ملةَ آبائي إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ما كان لنا أن نُشْرِكَ بالله من شيءٍ ذلك من فضلِ اللهِ علينا وعلى الناسِ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يشكرون. يا صاحبَيِ السجنِ أأربابُ متفرقون خيرٌ أمِ اللهُ الواحدُ القهارُ. ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطانٍ إنِ الحكمُ إلا للهِ أمرَ ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدينُ القيِّمُ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون( يوسف 38 ـ 40. لما أتم يوسف عظته لرفيقيه، أخذ يجيبهما عما سألاه من تفسير رؤيتيهما. وهنا تنكشف دلالة الوحدات السيميائية، وتظهر قيمتها في البناء السردي، ذلك أن "الخمر" و"الرأس" و"الخبز" كلها علامات، فقال: (يا صاحِبَيِ السّجنِ أما أحدُكُما فيسقي رَّبُه خمراً، وأما الآخرُ فيُصْلبُ فتأكلُ الطيرُ من رأسِهِ( يوسف 41. فقد فك يوسف شفرة العلامات السيميائية: الخمر، الرأس، الطير، فأحد السجينين، وهو رئيس السقاة سيفرج عنه، ويظل خادماً للملك كما كان، وأما الثاني، وهو رئيس الخبازين فسيصلب، وتأكل الطير من رأسه، لأنه سيتبين اشتراكه في المؤامرة على حياة الملك. وهكذا كانت العلامة "الخمر" إشارة إلى استمرار العطاء والسقي في قصر الملك، وكانت العلامة "الطير" مؤشراً للهلاك والفناء. وفي ظل هذه الأحداث والصراع بين الموت والحياة والعدل والظلم، شعر يوسف بمرارة السجن وقساوته، من حيث اتهم وسجن ظلماً، وبدا له أن رئيس السقاة على وشك الخروج من السجن والمثول بين يدي الملك أدلى يوسف برجائه إليه أن يذكر قصته لدى الملك، وما وقع له من ظلم عساه أن يعيد التحقق في أمره، لتظهر له براءته فيرفع عنه ما لحق به من ظلم: (وقال للذي ظنَّ أنّهُ ناجٍ منهما اذكرني عند ربّك( يوسف 42. ولكن فرح رئيس السقاة ومشاغله أنسته أن يذكر يوسف عند الملك، وكان من جراء هذا النسيان أن مكث يوسف في السجن سنين، لا تقل عن ثلاث، يقول السارد "الله تعالى": (فأنساه الشيطانُ ذكرَ ربِّه فلبثَ في السجن بضعً سنينْ( يوسف 42. وتشاء الأقدار أن رأى الملك في منامه رؤيا أثارت اضطرابه وأوجس منها خيفة، فجمع الحكماء والكهنة، وقال لهم: (إني أرى سبعَ بقراتٍ سمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عجافٌ، وسبعَ سنبُلاتٍ خُضْرٍ وأخرَ يابساتٍ يا أيها الملأُ أفْتوني في رؤيايَ إنْ كنتم للرؤيا تَعْبُرُونَ( يوسف 43. وعجز الملأ عن تأويلها، وفي تلك الأثناء تذكر السجين الناجي ـ وكان ساقياً للملك ـ أن يوسف يحسن التأويل، فطلب أن يؤذن له في عرض رؤيا الملك عليه: (وقال الذي نجا منهما وادّكرَ بعد أمةٍ إنا أنَبِّئُكم بتأويلهِ فأرسلونِ، يوسفُ أيها الصديقُ أفتِنا في سبعِ بقراتٍ سمانٍ يأكلْهن سبع عجاف وسبعِ سنبلاتٍ خُضْرٍ وأخَرَ يابساتٍ لَعَلِّي أرجِعُ إلى الناسِ لعلهم يعلمونْ( يوسف 45 ـ 46. يلحظ أن الوحدات السيميائية في هذا الخطاب هي الرمز سبعة للبقرات السمان، والسبع العجاف، والسبع سنبلات الخضر، والأخر اليابسات. أخذ يوسف في تفسير رؤيا الملك، وكانت تحمل في مضمونها حلول أزمات وكوارث، فلم يكتف بما تدل عليه الرؤيا من نوائب ستحل بمصر، بل وصف الحلول الناجعة للخروج من الأزمة الخانقة التي ستمر بها البلاد، فها هو يقول لرئيس السقاة: (تَزرعونَ سبعَ سنينَ دأباً فما حصدتُم فذروهُ في سنْبُلهِ إلا قليلاً مما تأكلون. ثم يأتي من بعد ذلك سبعٌ شدادٌ يأكلن ما قدمتم لهنَّ إلا قليلاً مما تحصنون. ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاثُ الناسُ وفيه يعصرون(. يوسف 47 ـ 49. نقل رئيس السقاة تفسير الرؤيا إلى الملك، فابتهج بها وعلم أن تأويلها وفك رموزها ينسجم مع رؤياه، مما يدل على عبقرية عقل مفسرها، فأمر باستدعائه ليستوضحه بعض التفاصيل: (وقال الملكُ ائْتوني بِه( يوسف 50. فذهب الرسول إلى يوسف يبلغه رغبة الملك، فلم يتلهف للخروج من السجن، بل أصر على البقاء حتى ترفع عنه التهمة التي ألصقت به ظلماً، وطلب من الرسول أن يرجع إلى الملك ويطلب منه التحقيق في المؤامرة التي حيكت ضده، ويستجوب النسوة اللائي حضرن مأدبة امرأة العزيز وقطعن أيديهن في تلك المأدبة عن أسباب سجنه، ليكن شاهدات في قضيته. 4 ـ الوحدات السيميائية الدالة على التحقيق في المؤامرة والبراءة: لقد دخل يوسف السجن بسبب تهمة تخل بالشرف، ولبث في السجن مدة سنوات، فلو خرج بأمر الملك معفواً عنه، لظلت التهمة لاصقة به، لا يستطيع دفعها، لذلك طالب بإعادة التحقيق في التهمة التي وجهت إليه، وأن يخاطر برفض المثول بين يدي الملك حتى ينتهي التحقيق إلى براءته التي يعلمها العزيز، إذ شهد ببراءته من قبل (26): (فلما جاءه الرسولُ قال ارجِعْ إلى ربِّك فسألهُ ما بالُ النسوةِ اللاتي قَطَّعنَ أَيْدِيهُنَّ إنَّ ربي بكيدهِنَّ عليم(. يوسف 50. يعد هذا الخطاب التفاتاً من يوسف إلى الماضي، والعودة إلى الماضي هي سمة فنية مهمة في الطرح السيميائي، حيث يوصف هذا بالارتداد في العمل السردي، وهو العودة إلى فكرة وردت في سياق ما، فأرجئ تقديمها لهدف فني، كالربط بين الزمن الماضي والحاضر، وربط أحدهما بالآخر بطريقة فنية لاشك أنه يعطي الخطاب ديناميكية وحركية وتجدداً. والظاهر أن القارئ "المتلقي" قد شعر بهذه اللفتة الفنية في هذا الخطاب السردي، حيث أعادته إلى حادثة كان فيها يوسف ـ ( ـ متهماً بالاعتداء على شرف امرأة العزيز "زليخا"، ولم ينصفه سيده "العزيز" ولا النسوة المعجبات بجماله، واللائي التزمن الصمت في البداية، وهنا تبرز كلمة "النسوة" في الخطاب باعتبارها وحدة سيميائية، إذ يعتمد يوسف عليهن، فطلب سؤال النسوة، ولم يطلب سؤال امرأة العزيز، لأنه تصور أن هؤلاء النسوة أدنى على قول الحق منها، وأرسل الملك إلى امرأة العزيز وإليهن، ولما مثلن بين يديه: (قال ما خَطْبُكنَّ إذ راودتُن يوسفَ عن نفسِه قلن حاشَ للهِ ما علمنا عليه من سوءٍ( يوسف 51. والواضح أن ضمير امرأة العزيز استيقظ في هذا الوقت، وما كان منها إلا أن تعترف كما يعترف كل من تحركت فيه دواعي الحق، يقول السارد "الله تعالى" عن لسانها: (قالتِ امرأةُ العزيزِ الآن حَصْحَصَ الحقُّ أنا راودتُهُ عن نفسِه وإنَّه لَمِنَ الصادقين. ذلك ليعلمَ أني لم أخُنْهُ بالغيبِ وأنَّ اللهَ لا يهدي كيدَ الخائنين( يوسف 51 ـ 52، ولكنها حتى مع اعترافها بالخطأ والكيد، لا ترد أن تجعل نفسها بدعاً بين الناس، وإنما راحت تلتمس سبب الخطيئة لدى النفس البشرية، وليس في ضعفها، فيعبر القرآن الكريم عن نفسيتها في ذلك الموقف الرهيب: (وما أَبرَّئُ نفسِي إنَّ النفسَ لأَمَارةٌ بالسوءِ إلا ما رحمَ ربِّي (غفورٌ رحيم( يوسف 53. أي: أن من طبائع النفس الإنسانية أن تأمر بالسوء. وهكذا نجد امرأة العزيز تثور على نفسها الأمارة بالسوء، فتحطم أوامرها. ومن حيث هي وحدة سيميائية في البناء السردي نجدها تتحرك على مساحة الخطاب السردي، حيث برزت على سطحه ودلت على معاني الشجاعة والحق والصراحة. وقد برأ الله يوسف مما كادت له امرأة العزيز، وعلم الناس أنه سجن ظلما، وخروجه من السجن في هذه الحال فإنه خروج البريء المخلص لربه الذي استحق حتى في السجن أن يوصف بلقب الصديق (يوسف أيها الصديق( يوسف 46. ولما علم الملك ببراءة يوسف، وأعجب بتفسيره للرؤيا، رأى أنه ينبغي الحرص عليه والانتفاع به: (وقال الملكُ ائتُوني به استخلصْهُ لنفسِي فلما كلَّمهُ قال إنك اليومَ لدينا مكينٌ أمينٌ( يوسف 54. ويفتح الله على يوسف فتحاً مبيناً من خلال حلقات السرد المثيرة، حيث ينقله من الرق إلى السيادة، ومن الحزن إلى الفرح؛ فيعجب به الملك، ويستخلصه لنفسه، ويوليه وزارة المال وأمر الخزائن في مصر. 5 ـ الوحدات السيميائية الدالة على إنعام الملك على يوسف بخزائن مصر: وقف الملك على صحة براءة يوسف وعفته مما اتهم به، فازداد ثقة به خصوصاً وقد آنس منه ذكاء وعلماً حين أول رؤياه، والتدبير الذي اقترحه للخروج من الأزمة الاقتصادية التي ستعيشها البلاد "مصر"، ورأى الملك وهو الشامي الأصل أنه يوجد بينه وبين يوسف صلة قربى من حيث الجنس، فهما ليسا مصريين في الأصل. كل ذلك كان له وقع قوي في نفس الملك، فأحبه وقربه إليه، وأرسل إليه رسولاً يبلغه نتيجة التحقيق واعتراف امرأة العزيز ببراءته ورغبة الملك في المثول بين يديه للإنعام عليه فلم يتردد يوسف من تلبية الدعوة، وكلمه بما جعله يزداد به إعجاباً وتعلقاً، حينئذ طمأنه الملك على أنه ذو مكانة وفي أمان، فليس بالفتى الموسوم بالعبودية، إنما هو مكين، وليس هو المتهم بالتهديد بالسجن، إنما هو أمين... (فلما كلمهُ قال إنك اليومَ لدينا مكينٌ أمينٌ( يوسف 54. وتلك المكانة وهذا الأمان لدى الملك وفي حماه، فماذا قال يوسف؟ لقد طلب ما يرى أنه قادر على تحمله من الأعباء في الأزمة القادمة، التي أول بها رؤيا الملك، وكان قوياً في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وأمانته، محتفظاً بكرامته وعزته: (قالَ اجعلني على خزائنِ الأرضِ إنِّي حفيظٌ عليمٌ( يوسف 55. ولم يكن يوسف يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه، فيطلب أن يجعله على خزائن الأرض، وإنما كان فطناً ذكياً في اختيار الوقت الملائم الذي يستجاب له فيه الطلب، ليقوم بالواجب في أشد أوقات النكبة، وليكون مسؤولاً على إطعام شعب هو منه وشعوب تجاوره طوال سبع سنوات عجاف. ويلحظ انتقال السرد في هذا الحقل من الضيق إلى الفرج، ويقف السياق لينبه إلى أن هذا التدبير من الله تعالى، وبمثله قدر ليوسف التمكين في الأرض، ويشير إلى أنه ماض في الطريق، ليعلمه الله من تأويل الأحاديث. ويعقب السياق على هذا الابتداء في تمكين يوسف بما يدل عليه من أن قدرة الله غالبة، وبأنه مالك أمره (وكذلك مكَّنا ليوسفَ في الأرض يتبوأ منها حيثُ يشاءُ( يوسف 56. وتبرز في هذا التمفصل عدة وحدات سيميائية لتدل على الملك ومنها: خزائن، بضاعة، الكيل، المتاع، جهاز، السقاية، وعاء، العير، العرش. وتبرز الوحدة السيميائية "خزائن الأرض" فتسمو على كل الوحدات، فالأرض هيئة ناطقة، تعني أحد كواكب المجموعة الشمسية، أو المعمورة التي يسكنها البشر. والأرض من حيث هي وحدة سيميائية تومئ بمعاني النماء والعطاء، والتناقص كالحياة والموت والحب والكره، والخطيئة والمغفرة، والتمكين وعدم التمكين، وقد مكن الله ليوسف في الأرض فتولى الإشراف على تخزين الغلال وتوفيرها لسنين القحط والجفاف. وكانت السنون السبع عجافاً ـ كما ذكر القرآن ـ فأصابت مصر ومن حولها، فكانت القوافل التجارية تأتي إلى مصر طلباً للتبادل التجاري، وكان يوسف يشرف بنفسه على تزويد القوافل، ويعقد مع تجارها صفقات، يأخذ منهم ما يعرضون، ويمدهم بما اختزنه من غلال الأرض، وكانت من بين القوافل الوافدة إلى مصر قافلة أخوته: (وجاءَ إخوةُ يوسفَ فدَخَلوا عليه فَعرفَهُمْ وهم له مِنكِرون( يوسف 58. وصل أخوة يوسف إلى مصر، فرأتهم العيون المرصدة قادمين بعدد يلفت الانتباه، فأخذوهم إلى يوسف وأدخلوه عليه في قصره، فعرفهم بملامحهم وكلامهم وأزيائهم الكنعانية، أما هم فلم يعرفوه، لطول مدة الفرقة، وتغير شكله، يضاف على هذا وجوده على رأس وزارة المال، وتكلمه باللغة المصرية، وتغير اسمه لأن ملك مصر أطلق على يوسف اسم "صفنات فعينع" بمعنى مخلّص العالم. وهكذا يدفع السارد "الله تعالى" بشخصيات القصة دفعاً لا مجال فيه للمفاجأة، فجاءت الأحداث مثيرة، وتحمل بين طياتها أسراراً ربانية، فقد أنزل يوسف أخوته ضيوفاً عليه، وكال لهم القمح والشعير كيلاً زائداً عن حقهم، وأعطاهم زاداً للطريق، ولم يكشف لهم أمره، حتى يبلغ هدفه، ولما تأهبوا للرحيل قال لهم: (ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم ألا ترونَ أني أوفِ الكيلَ وأنا خيرُ المُنزِلينَ. فإن لم تأتوني بهِ فلا كيلَ لكم عندي ولا تقربونِ( يوسف 59 ـ 60. تحتل الوحدة السيميائية "أخ" في هذا الخطاب موقعاً حيوياً، إذ معناها المركزي يوحي إلى أخ يوسف الصغير "بنيامين" وهو شقيقه، وعندما طلب يوسف من أخوته إحضار أخيهم من أبيه، تشاوروا واستقر رأيهم على الاستجابة، وخاطبوه قائلين: (سنُراوِدُ عنهُ أباهُ وإن لفاعِلونَ( يوسف 61. لأن هذه الرسالة مشفرة، متى نقلت إلى أبيهم أوقعته في استغراب وجعلته يظن أن لهذا الرجل المصري المشرف على خزائن مصر مغزى في الطلب، وإلا فمن أعلمه أن لهم أخاً من أبيهم؟ وما هي علاقته به؟ فكأن هذه الطلب من يوسف ما هو إلا رسالة مشفرة من يوسف لأبيه، يضاف إلى ذلك تجهيز يوسف أخوته بما يلزمهم في سفرهم وزيادة الكيل. فيعقوب أدرك من هذه الرموز أن ابنه يوسف بمصر دليل أنه قال لأبنائه عند رجوعهم لمصر للمرة الثالثة: (يا بنيَّ اذهبوا فتحسَّسُوُا من يوسفَ وأخيهِ ولا تيأسوُا من رَوُحِ اللهِ( يوسف 87. أما الدلالة الهامشية للفظة "أخ" فتومئ ليوسف ـ وكذا المتلقي ـ بالكيد والمكر والمؤامرة. ولما هم الأخوة بالرحيل أمر يوسف خدمه بأن يدسوا البضاعة التي أحضروها بقصد الاستبدال في أمتعتهم دون أن يشعروا، أراد يوسف بهذا العمل أن يحمِّل أخوته متى عادوا إلى الشام وعرفوا حسن صنيعه أن يحسنوا الظن به ويطمئنوا إليه، ويشجعهم ذلك على الإتيان بالأخ الأصغر: (فلمّا رَجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا مُنِعَ منا الكيلُ فأرسلِ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنا لهُ لحافِظون، قال هل أَمَنُكُمْ عليه إلا كما أَمْنُتكُم على أخيه من قَبْلُ فاللهُ خيرُ حافْظاً وهو أرحمُ الراحمينَ( يوسف 63 ـ 64. وافق يعقوب على طلب أبنائه مضطراً، داعياً الله أن يحفظ ابنه. وكان أخوة يوسف يجهلون ما فعل وزير المال من رد بضاعتهم: (ولمّا فتَحوا متاعَهم وجدوا بضاعَتهم ردّتِ إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا رُدّت إلينا ونَمِيرُ أهلنا ونحفَظُ أخانا ونزداد كيلَ بعيرٍ ذلكَ كيلُ يسيرُ( يوسف 65. نجد لفظة "متاع" من حيث هي وحدة سيميائية تمثل مركز الثقل الدلالي، ومحور العملية السردية، لأنها تحمل رسالة يوسف الرمزية لأبيه، وقد تذرع الأبناء بالبضاعة التي وجدوها في أمتعتهم لاستمالة أبيهم للموافقة على إرسال أخيهم "بنيامين" معهم لجلب المؤن من مصر، وطمأنوه بأنهم سيحرصون على العناية به، وفوق ذلك يزداد قوتهم حمل بعير، فاستجاب لهم غير أنه اشترط عليهم الأخذ منهم عهداً بأن يحافظوا عليه: (قالَ لنْ أرسِلهُ معكمُ حتى تُؤتونِ موثِقَّاً من الله لتأتُنّنِي بهِ إلا أن يُحاطَ بكمُ فلما آتُوهُ موِثِقَهُم قالَ اللهُ على ما نقُولُ وكيلُ( يوسف 66. وكان يعقوب ( بدافع الشفقة والعطف يوصي أبناءه عند دخولهم مصر بأن يدخلوا من أبواب متفرقة، لئلا يلفتوا الأنظار، وقد يكون في ذلك ما يسوؤهم: (ولمّا دخلوا على يوسفَ آوى إليهِ أخاهُ قالَ إني أنا أخوكَ فلا تَبْتَئِسْ بما كانوا يعملونَ( يوسف 69. ثم أظهر يوسف رغبته لأخيه في استبقائه عنده، كتمهيد لإحضار والديه إلى مصر، وأن الطريقة التي ارتآها هي نسبة السرقة إليه، وحجزه ليكون بجانبه وآنساً لوحدته، فقبل بهذه التهمة إرضاء لأخيه، فحفظ السر ولم يبحه لأخوته: (فلمّا جهزهم بِجَهَازِهم جَعَل السِقَايةَ في رَحْلِ أخَيه، ثم أذَّنَ مؤذِّنٌ أَيُّتها العيرُ إنَكُم لسَارقُونَ. قالوا واقَبلوا عليهم ماذا تَفقِدون قالوا نَفقِد صُوَاعَ المِلكِ ولِمن جاء بهِ حِمْلُ بعيرٍ وأنا بهِ زعيمُ( يوسف 70 ـ 72. يبرز النص السردي ـ هنا ـ عن الموقف الجديد الذي صارت إليه القصة حيث تعقدت أحداثها وتشابكت مواقفها، وتأزمت العلاقات بين الشخصيات وتوترت؛ فيوسف يكيد لأخوته، حيث جهزهم بمثل ما جهزهم به في المرة الأولى وزادهم حملاً لأخيه بنيامين، وأخذ بنفسه المكيال الرسمي الذي كانوا يكيلون به، ووضعه بين بضاعة أخيه بنيامين، ولما تفقد أعوان يوسف المكيال فلم يجدوه، فهم لم يكيلوا عندئذ إلا لهؤلاء الأخوة، فلم يترددوا في اتهامهم بسرقة المكيال، فنادى أحد الأعوان: أيها الركب قفوا إنكم سارقون. وكلمة "السقاية" من حيث هي علامة سيميائية تصبح لغزاً من ألغاز القصة، لا يعلم مفاتيحها إلا السارد (الله تعالى)، ويوسف وأخوه. وهكذا يتحقق كيد يوسف لأخوته وفق إرادة الله تعالى فالشخصيات تقوم بأعمال رتبها الله تعالى منذ الأزل؛ فقد كاد الأخوة ليوسف، وهنا تتدخل إرادة الله ليكيد لأخوته فاتهموا بالسرقة، فأنكروا، واقسموا على براءتهم من السرقة والفساد: (قالوا تاللهِ لقد علمتم ما جئنا لنفسدَ في الأرضِ وما كنّا سارقينَ( يوسف 73. وبفضل تقنية الكيد نمت أحداث القصة وتقدمت نحو تحدٍ يكشف عن اتهام مباشر، فقد سأل أعوان يوسف الأخوة عن عقوبة من اقترف جريمة السرقة، ولوثوق أبناء يعقوب من براءتهم: (قالوا جزاؤه من وَجِدَ في رِحلِهِ فهو جزاؤه كذلكَ نِجزِي الظالمينْ( يوسف 75. وصار أمر التفتيش إلى يوسف: (فَبَدَأ بأوعيتِهِم قَبلَ وِعاءِ أخيِهِ، ثم استخرجَها مِن وِعاءِ أخيهِ( يوسف 76. بدأ يوسف بتفتيش أمتعة أخوته قبل أمتعة أخيه "بنيامين" حتى لا يظهر أن أمر السرقة مدبر وقد بدا للمتلقي أن أخ يوسف سارق بحق، يقول السارد الحكيم: (كذلك كِدَنا ليوسفَ ما كانَ ليأخُذَ أخاهُ في دينِ المَلكِ إلا أن يشاءَ اللهُ( يوسف 76. وهكذا دبر الله الأمر ليوسف لأنه ما كان في مقدوره أخذ أخيه بموجب شريعة مصر التي تعاقب السارق بعقوبة أخرى، ولكن الله وفقه إلى ترتيب الأسباب ليحفظ أخاه عنده، فيصير رقيقاً لدى صاحب المتاع مدة معينة. وهكذا فإن الله يرفع من يشاء في العلم والحكمة والتدبير كما رفع يوسف: (وفَوقَ كلِّ ذِي علمٍ عليم( يوسف 76. وقد أراد الله تعالى بهذا الموقف أن يظهر صفة من صفاتهم القبيحة المترسبة في نفوسهم وهي الكذب (27)؛ فقد كذبوا على أبيهم من قبل وزعموا أن يوسف أكله الذئب. وهنا تنصلوا باعتذار يبرئ جماعتهم دون بنيامين، ويطعنه هو ويوسف فقالوا: (إنْ يَسْرقِ فقْد سَرَقَ أَخٌ لهُ مِنْ قبلُ فَأسَرِّها يوسفَ في نفسِهِ ولم يبديها لهم قالَ أنتمْ شرَّ مكاناً والله أعلم بما تصِفُونَ( يوسف 77. وتستخدم علامة "أخ" مرة أخرى في هذا الخطاب فتعيد إلى ذهن يوسف الأحداث الماضية، فتوحي إليه بدلالات الكذب والخيانة والكيد الصادرة عن الأخوة، إذ الأمر مرتبط بفتى له أب طاعن في السن وهو متعلق به، فلم ينفعهم ذلك هذه المرة، فراحوا يسترحمون قلب يوسف قائلين: (يا أيُّها العزيزُ إن له أبّاً شيخاً كبيراً فخُذ أحدنا مكَانَهُ إنا نَراكَ مِنَ المُحِسنينَ. قالَ معاذَ اللهِ أن نأخُذ إلا من وجدْنا متاعَنا عِندهُ إنّا إذّاً لظالِمونَ( يوسف 78، 79. فلما يئس الإخوة من إقناع العزيز "يوسف" اختلوا بأنفسهم وأخذوا يتشاورون في موقفهم مع أبيهم، فانتهى الرأي إلى أخيهم الأكبر "رأوبين" الذي قال: (ألم تعلمُوا أنَ أباكم قد أخذَ عليكمَ موثِقاً من اللهِ ومن قَبلُ ما فرطتم في يوسفَ فلن أبرحَ الأرضَ حتى يأذنَ ليَ أبي أو يحكم الله لي وهو خيرُ الحاكمينَ ارجعوا إلى أبيكمُ فقولوا يا أبانا إنَ ابنَكَ سَرَقَ وما شَهِدنا إلا بما علِمنا وما كنا للغيبِ حافظين. واسألِ القريةَ التي كنا فيهَا والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادِقونَ( يوسف 80، 82. تبرز عدة وحدات سيميائية دالة في هذا الخطاب كالعزيز، الإخوة، الأب، يوسف، والقرية، والعير. فالوحدة السيميائية "العزيز" ينطلق منها السرد والحوار بين الشخصيات، فتحتل موقعاً حيوياً في عملية السرد، حيث إن العزيز رأى ما حدث ليوسف مع المرأة "زليخا" والنسوة في المدينة، فعوقب بالسجن ظلماً، وهو في هذا الخطاب يشهد مكر الإخوة، والكيد له ولأخيه. وتتفاعل العلاقات السيميائية الأخرى كالإخوة والأب ويوسف والقرية والعير، لتبز الموقف الجديد. وتعد العلامتان "القرية" و"العير" حجة ارتكز عليها الأخ الأكبر، ليخبر أباها بما حدث، فهيج الخبر أحزانه وضاعف آلامه لفقد ابنه الثاني، ولم يصدقهم، لأن من عُهِدَ إليه الكذب لا يصدق، ولو تكلم بالصدق، وهو المفجوع بما كادوا ليوسف من قبل، وصرح باتهامهم قائلاً: (بل سولتْ لكم أنفُسُكم أمراً فصبرُ جميلُ عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنهُ هوَ العليمُ الحكيم( يوسف 83. أعرض يعقوب عن أبنائه، وقد غمره الأسى والحزن، فنكبته بابنه بنيامين ذكرته بنكبته بيوسف، فقال: (يا أسفى على يوسفَ وابيضَتْ عيناهُ من الحزنِ فهو كظيمُ( يوسف 84. والعلامتان "ابيضت" و"عيناه" تدلان على حال يعقوب وقد اعتراه الحزن. أما الوحدة السيميائية "يوسف" ــ هنا ــ ذكرت المتلقين "الإخوة" بكيدهم القديم ليوسف، فنشطت مشاعرهم الراكدة، ففوجئوا بتأسف أبيهم على يوسف بدل ابنه الصغير المتهم بالسرقة، وحرك فيهم ذلك عاطفة الغضب، فاحتجوا على أبيهم احتجاجاً غير متأدب قائلين: (تاللهِ تفتأ تذكرُ يوسفَ حتى تكون حَرَضاً أو تكون من الهالكينَ. قالَ إنما اشكوا بثي وحُزني إلى اللهِ وأعلمُ من اللهِ مالا تعلمون( يوسف 85، 86. والثقة في الله تعالى تحيي الأمل، ولذلك لم يذهب الحزن برجاء يعقوب في عودة ولديه إليه، وهنا يشير الخطاب السردي إلى أن نفس يعقوب قد هدأت، فأمر بنيه بأن يعودوا إلى مصر وينضموا إلى أخيهم الكبير باحثين عن يوسف وأخيه، فقال: (يا بني اذهَبوا فتحَسُوا مِنْ يوسفَ وأخِيهِ ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأسُ من روحِ اللهِ إلا القومُ الكافِرون( يوسف 87. استجاب الإخوة لطلب أبيهم في البحث عن يوسف وأخيه، فنظموا رحلة تجارية، ودخلوا على يوسف في ديوانه لاستعطافه في سبيل إخلاء سبيل أخيهم بنيامين، فمهدوا طلبهم بعرض ما هم عليه من بؤس وحرمان حتى يرق قلبه لهم وينالوا مبتغاهم، و: (قالوا يا أيُها العزيزُ مسنَا وأهَلنَا الضُرُ وجئنا ببضاعةٍ مُزجاةٍ فأوفِ لنا الكيلَ وتصدَقْ علينا إنَ الله يجزي المتصدقينَ( يوسف 88. رأى يوسف أن إخوته قد اشتكوا إليه بشكوى تنم عن رقة الحال، فتأثر من بؤسهم واغتنم الفرصة في سياق بلغت فيه القصة ذروتها، وبلغ السرد غايته، فاعتزم على إظهار نفسه لهم، فذكرهم بما كان لهم من الكيد له والعدوان عليه في الماضي، وفي التفريط في أخيه حاضراً، فقال: (هل علمتُم ما فعلتم بيوسفَ وأخيهِ إذ أنتم جاهلون( يوسف 89. وتطرح الوحدة السيميائية "يوسف" بإيحاءاتها المعنوية على المتلقين، فتعود الأحداث والذكريات، فأمعنوا فكرهم في مغزى الخطاب، وبدا لهم أنهم أمام علامة تحتاج إلى تحليل، فدققوا في نظرهم، وانتقلوا من دور الإنكار ليوسف إلى دور الشك في أن الذي يخاطبهم هو يوسف، فقالوا له وهم مضطربو الحواس: (أئنك لأنت يوسفُ قال أنا يوسفُ وهذا أخي قد من الله علينا، إنه من يتّقِ ويصبِرْ فإن الله لا يُضيعُ أجرَ المحسنين( يوسف 90. ما كاد يوسف يتم خطابه حتى تحققوا أنه هو أخوهم المفقود، ثم أرادوا أن ينتحلوا عذرا يبرئون أنفسهم، ويتخلصون به من عقاب أخيهم، الذي قد يحل بهم، فلم يجدوا ما يعتذرون به إلا الاعتراف: (قالوا تالله لقد آثرُك الله علينا وإنْ كنا لخاطئين. قال لا تثريبَ عليكمُ اليومَ يغفرُ الله لكمْ وهو أرحمُ الراحمين( يوسف 91، 92. يجعل السارد "الله سبحانه" من كلمة "يوسف" ــ من حيث هي وحدة سيميائية مركزية في النظام السيميائي، وشخصية محورية في البناء السردي ــ قطبا لسانيا متجدداً بسبب المواقف والأحداث، إذ هي حينما استخدمت في الخطاب الاستفهامي: "أئنك لأنت يوسفُ؟" تحولت إلى آية من آيات الله؛ فيوسف الذي دبر له الإخوة مؤامرة، بأن ألقوه في غيابات الجب، وعدوه من الهالكين يكتشفون أخيراً أنه المشرف على خزائن مصر. وطمأن يوسف إخوته، إذ لا لوم عليهم اليوم، ولا تأنيب على أفعالهم، فالله يغفر لهم ويرحمهم وهو أرحم الراحمين. وفي هذا الموقف الرهيب استفسر يوسف عن والده، وعلم أنه قد فقد بصره من شدة حزنه عليه، وكان يفكر في إرسال بشرى له، ليكشف عنه الحزن والأسى. 6ــ الوحدات السيميائية الدالة على انفراج الأزمة واللقاء المثير بين يوسف وأبويه وأخوته: تصل القصة إلى نهايتها، فبعد أن التقى الإخوة وهدأت النفوس، وحلت العقدة، فكر يوسف في أبيه الذي أرهقته نكبات الدهر، فأمرهم بأن يأخذوا قميصه ويلقوه على وجهه، فقال: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوهُ على وجهِ أبي يأتِ بصيراً وأتوني بأهلكم أجمعين( يوسف 93. هنا تبرز الوحدة السيميائية "قميص" للمرة الثالثة، فتحتل موقعاً حيوياً في الخطاب السردي، حيث تصبح المؤثر الذي يدخل الفرحة في نفس يعقوب؛ فالقميص الذي جيء به إلى يعقوب وهو ملطخ بدم كذب، والقميص الذي قد من دبر، وأدخل يوسف إلى السجن هو القميص الذي يحمل ريح يوسف بعد فراق طويل ومرير، فحين تجاوزت قافلتهم أرض مصر شعر يعقوب شعوراً خفياً بقرب اجتماعه بيوسف فأخبر أهله بذلك قائلاً: (إني لأجدُ ريحَ يوسفَ لولا أنْ تفندون( يوسف 94. وما كاد يعقوب يتفوه بقوله هذا أمام أهله وأحفاده حتى بادروا مؤنبين له مقسمين له بالله بأنه لا يزال هائماً في خياله بسبب إفراطه في حبه ليوسف، حيث: (قالوا تاللهِ إنك لفي ضلالِكَ القديم( يوسف 95، وهي صفة رمي بها يعقوب من قبل ـ كما يخبر السارد "الله تعالى" ــ على ألسنة أبنائه، إذا قالوا: (إنَّ أبانا لفي ظلالِ مبينِ(. يوسف8، وما كان يعقوب عليه السلام في ظلال مبين، أو هو غير مصيب فيما رآه، فهو النبي الذي يوحى إليه، إذ هو يعلم من الله كما أخبر السارد جلت قدرته عن لسانه: (وأعلمُ من اللهِ مالا تعلمون( يوسف 86. ظل يعقوب على هذا الشعور الطيب الممزوج بالأمل والانتظار للقاء ابنه إلى أن جاءه من يحمل القميص. و"القميص" في هذا الخطاب وحدة سيميائية سارة؛ تبشر يعقوب بسلامة يوسف، فحين ألقي على وجهه عاد إليه بصره بإذن الله تعالى: (فلما أن جاء البشيرُ ألقاهُ على وجهه فارتدَّ بصيراً، قال ألم أقل لكم إني أعلمُ من اللهِ ما لا تعلمون. قالوا يا أبانا استغفرْ لنا ذنوبَنا إنَّا كنَّا خاطئين( يوسف 96 ، 97. يلحظ أن "القميص" الذي جعل يعقوب حزيناً كظيما، وقد أفقد بصره، يتحول من حيث هو وحده سيميائية نواة في البناء السردي إلى أداة إعجازية يرد الأعمى بصيراً بإذن الله تعالى، وعندئذ أمر يعقوب بنيه بتحضير وسائل السفر تسرعاً وشوقاً للقاء ابنه يوسف، واستعدوا للرحلة هم وأهلوهم جميعاً إلى مصر، (فلما دخلوا على يوسفَ آوى إليه أبويهِ وقال ادخلوا مصرَ إن شاء الله آمين( يوسف 99. وهكذا تحققت رؤيا يوسف، وتأكدت بشائر النبوة، كما يخبر السارد جلت قدرته، وصدق علم يعقوب، إذ أوتي العلم والتأويل من الله، فقد نهى يوسف بألا يقص رؤياه على أخوته حتى لا يكيدوا له. وغمر يعقوب وبنيه شعور بجليل ما هيأ الله تعالى لهم على يدي يوسف من التبجيل والتكريم، (ورفعَ أبويْهِ على العرشِ وخرّوا له سُجداً( يوسف 100، وذلك على عادة أهل زمانهم بما يحيون به الرؤساء الحاكمين، فأثار ذلك الموقف الرهيبُ في نفس يوسف ذكرى رؤياه وهو صغير، وقال لأبيه: (يا أبتِ هذا تأويلُ رؤيايَ من قبلُ قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي إذا أخرَجَني من السجْنِ وجاء بكمْ مِن البدو منْ بعدِ أنْ نزَعَ الشيطان بَيْنِي وبيْنَ أخوتي إن ربي لطيفُ لما يشاءُ إنّهُ هو العليمُ الحكيمُ( يوسف 100. وبعد أن انتهى يوسف من حديثه في بيان ما أنعم الله عليه فقد أخرجه من غيابات الجب، والسجن، ونجاه من كيد امرأة العزيز والنسوة، وآتاه علماً وحكماً، وجاءه بأبويه من البدو، وهي نعم كثيرة، اتجه إلى ربه شاكراً، فقال: (ربِّ قد أتيتني من الملكِ وعلمتَني من تأويلِ الأحاديثِ، فاطرَ السماواتِ والأرضِ أنتَ وليَّ في الدنيا والآخرةِ، تَوفِني مسلماً ألحقني بالصالحين( يوسف 101. وتدل بشار النبوة على صدق تأويل الرؤيا، فتربط بداية القصة بنهايتها، بواسطة تقنيات سردية. وتتأكد وفق سنن كونية ربانية، حيث تتحرك بفاعل منجز "المرسل"، يتحرك بإرادة فاعل كلي "هو الله تعالى" الذي يجسد الحضور والغياب في الوقت نفسه، يعلم مرسله القواعد والمبادئ، ويقحمه في المجتمع، فيقوم بوظيفته، ويضطلع برسالته في ظروف مختلفة ومتناقضة، حتى إذا استنفد إمكانات الاستجابة تداركه الفاعل الكلي بنصرته ورحمته، إما أن ينزل العقوبات على أعدائه، وإما أن يكشف على كيدهم وادعاءاتهم الكاذبة(28) وقد نصر الله نبيه يوسف عليه السلام،وآتاه العلم والملك. الخاتمة: انتهى البحث إلى نتيجة عامة تتمثل في أن مصدرية السرد في الخطاب القرآني تحيل على الله سبحانه وتعالى، وتهدف إلى تحقيق المعانقة للإسلام، وتكشف للمتلقي عن عقيدة التوحيد. أما باقي النتائج فيمكن أن أعرضها فيما يأتي: ــ وردت تمفصلات الخطاب السردي متماسكة منسجمة مع تقنيات القصة القرآنية، ونمو أحداثها، وبنائها السردي. ــ جاءت شخصيات القصة وحبكتها السردية، وأبعادها الزمكانية مبرزة السمة الإعجازية اللغوية للخطاب القرآني. ــ ارتباط العلامة من حيث هي وحدة سيميائية بالصور الحسية والمادية في تطوير أحداث القصة، وفي ربط المتلقي بغايات الرسالة الإلهية، حيث اتسمت القصة بوجه عام بالإيماء والإيحاء والتوصيل. ــ البنية السردية في سورة يوسف هي مفاعلة موضوعية، الإطار فيها مرتبط بالحوار والتوصيل، والدعوة إلى التمسك بالقيم والمبادئ التي يدعو إليها الدين القويم. ــ اللغة السيميائية تمثل نظاماً علاماتياً متميزاً يعكس أحداث القصة ووقائعها في فترة من حياة يوسف عليه السلام. ــ كان للوحدة السيميائية "قميص" حضور في القصة، وفيها ثلاث دلالات: حين جاء الإخوة على قميص يوسف بدم كذب، فكان حجة عليهم؛ فقد فك يعقوب عليه السلام شفرته، وعلم كذب أبنائه وكيدهم لأخيهم. وهذه العلامة ارتبطت بالكذب والفعل الشنيع في البنية السطحية، ودلت على القتل، والإجرام في البنية العميقة. وحين قد قميص يوسف من دبر، فكان حجة له، وحجة على امرأة العزيز؛ ففضحت أمام سيدها "زوجها". ومن ذلك نجد أن هذه الوحدة "قميص" أصبحت أداة أساسية في البناء السردي، فأضحت مؤشراً من مؤشرات البشرى التي دخلت إلى نفس يعقوب. وهكذا استحال "القميص" إلى نواة مركزية، نسجت حولها أحداث القصة، فقد جيء به إلى يعقوب وعليه دم كذب، وهو الذي أدخل يوسف إلى السجن بادعاء كاذب، وهو الذي حمل ريح يوسف إلى أبيه، وألقى على وجهه فارتد بصيراً بإذن الله تعالى. ــ برز الوحدة السيميائية "سكين" عن موقعها في قصة يوسف عليه السلام، إذ هي من منظور دلالي تتصل بمعاني التقطيع، والذبح، والقتل، والدم. وكل هذه المعاني لها أثر في نفس المتلقي، حيث توقظ انتباهه وإحساسه، وتنشط انفعالاته، فيصبح مستعداً لفهم الرسالة والتفاعل معها. أما بنيتها العميقة فتومئ إلى دلالات الحقد، والكره، والقسوة، وحب الانتقام، وكلها صفات سيطرت على نفسية امرأة العزيز، وهي تدعو النسوة إلى حضور مأدبة أقامتها لهن في قصرها. ــ كشفت العلامة السيميائية "ذئب" عن معان ترمز إلى المكر، والخبث، والخيانة، ومخالفة العهد، والافتراس، وكلها صفات ذميمة اتصف بها إخوة يوسف الكبار؛ فقد أجمعوا أمرهم، ورموه في غيابة الجب رغم أنهم أبناء نبي، فما كان لهم أن ينهجوا سلوك المجرمين، لولا أن أغراهم الشيطان على اقتراف ذلك الفعل الشنيع بفعل الدوافع المركبة في النفس البشرية الأمارة بالسوء. الهوامش: 1ــ ينظر: بيير جيرو، علم الإشارة ــ السيميولوجيا ــ ترجمة عن الفرنسية منذر عياشي، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط1، 1988، ص 23. 2ــ Miek bal, narratologie, paris 1977,p13. 3ــ ينظر المرجع نفسه، ص4. 4ــ المرجع السابق، ص5. 5ــ ينظر: عبد لحميد بورايو، التحليل السيميائي للخطاب السردي، دراسة لحكايات ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران، (د.ت)، ص7، وما بعدها. 6ــ ينظر: بيير جيرو، علم الإشارة ــ السيمولوجيا، ص 65، 66، وما بعدها، وينظر: Andrè martinet, elements de linguistique gènèrale, Armand colin, paris, 1980, p37, 38. 7ــ فاطمة الطبال بركة، النظرية الألسنية، عند رومان جاكسبون، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1993، ص 66 ، 67. 8ــ ينظر: تمام حسان، البيان في روائع القرآن (دراسة لغوية أسلوبية للنص القرآني)، عالم الكتب، القاهرة، ط2، 2000، 2/ 353. 9ــ الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، (د.ت)، 1/ 85. 10ــ فاطمة الطبال، النظرية الألسنية عند رومان جاكبسون، ص 67. 11ــ المرجع نفسه، ص 67. 12ــ تمام حسان، البيان في روائع، القرآن، 2/ 354. 13ــ المرجع نفسه، 2/ 355. 14ــ فاطمة الطبال بركة، النظرية الألسنية عند رومان جاكبسون، ص 67. 15ــ تمام حسان، البيان في روائع القرآن، 2/ 356. 16ــ يذكر أن يعقوب عليه السلام كان له أربع زوجات (ليئة، راحيل، بلهة، زلفا) رزق منهن باثني عشر، ومن زوجته (رحيل): يوسف، وبنيامين، ينظر: عفيف عبد الفتاح طبارة، مع الأنبياء، دار العلم للملايين، بيروت ط13، 1984، ص 160، وتمام حسان، لبيان في روائع القرآن، 26/ 356. 17ــ تمام حسان، البيان في روائع القرآن، 2/ 356. 18ــ أمير عبد العزيز، دراسات في علوم القرآن، دار الشهاب للطباعة والنشر بباتنة، الجزائر، ط2، 1988، ص 129. 19ــ الرازي التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1990، 18/ 69، وينظر: أبو حيان، البحر المحيط، دار الكتب العالمية، بيروت، ط1، 1993، 3/ 28. 20ــ الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، دار الكتب العالمية، بيروت، ط1، 1992، 7/ 150، وتمام حسان، لبيان في روائع القرآن، 2/ 363. 21ــ أبو حيان، البحر المحيط، 5/ 284. 22ــ سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، ط17، 1992، م4، ج12/ 1976. 23ــ المرجع نفسه، ج12/ 1977. 24ــ المرجع نفسه، ج12/ 1985. 25ــ تمام حسان، البيان في روائع القرآن، 2/ 368، وسيد قطب، في ظلال القرآن ج12/ 1988. 26ــ تمام حسان، البيان في روائع القرآن، 2/ 368، وسيد قطب، في ظلال القرآن ج12/ 2022. 27ــ تمام حسان، البيان في روائع القرآن، 2/ 373. 28ــ سليمان عشراتي، الخطاب القرآني (مقاربة توصيفية لجمالية السرد الإعجازي)، ص 195. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |