|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
توتي ـــ عبد الستار ناصر/ العراق قبل خمسة آلاف سنة، جئتُ الدنيا من أب كلب وأُم كلبة، كان اسمي حينها "توتي" ألتفتُ صوبَ من ينطق به وأهزّ ذيلي فرحاً، أرى تلك البنت الحلوة السمراء تضحك وتكرر اسمي وأنا أركض خلفها بين النهر والغابات وأشجار جوز الهند، لم أكن أعرف طبعاً جوز الهند ولا الغابات ولا النهر الذي نعوم فيه، نحن الكلاب السعيدة في جبال تركيا وسفوحها وشلالات الماء التي نهزّ لها الذيول ونفتح تحتها أفواهنا نشرب منها، حيث لا أحد في العالم كان أسعد منّا. ** اليوم، أدرس الفيزياء في جامعة أوكلاهوما، أنا التلميذ العراقي الشاطر الذي حصل على بعثه شرف إلى أميركا، بعد خمسة آلاف سنة، كنتُ فيها محض كلب اسمه توتي، أعرف اليوم "أن المادة لا تفنى ولكن تُستحدث" وبعد موتي في تركيا عام 2992 قبل الميلاد، أمطرتْ السماء مئات المرات، وزلزلت الأرض واهتزّت أكثر من ثلاثين مرة، صارت التربة تسافر كما البشر، واختلطت عظامي أو ما تبقى منها، بين الفرات والبسفور ودجلة، لا أعرف كيف تسرّب التأريخ داخل حلزون الجغرافيا، وكيف تزوّج أبي تيهان من أُمي في مدينة (أسكي شهر) جنوب أنقرة، ومتى نزحوا إلى بغداد حتى تحبل بي أُمي في شارع الرشيد وأنبثق نحو الدنيا ثانية تحت اسم عجيب هو "توّاب تيهان" كأن القدر يكرر نفسه من توتي الكلب إلى شبيه بذلك، حيث تتكرر فيه التاءات مرة أخرى، وهذه المرة على هيأت إنسان، أكاد أنبح لولا خجلي من الناس ومن بنات الجامعة، فما يزال الكتب رابضاً داخل جلدي منذ خمسة آلاف سنة، أشعر به يضحك مني ويهزّ ذيله، بينما البنت السمراء الحلوة لم تزل تركض معه بين النهر والغابات وأشجار جوز الهند. ** يقول لي أستاذ الفيزياء: ــ لا أدري لماذا أفكر دائماً بأنني أعرفك. أضحك في سرّي وأقول مع نفسي: ــ من يدري، ربما كنتَ أبي منذ خمسة آلاف سنة؟ أنظر من وراء النافذة، من وراء الغيوم، من وراء النجوم، من وراء النيازك وأجرام السماء، كيف أنني الوحيد الذي اكتشف نفسه بعد هذا الزمن الذي (يلبط) مثل سمكة في محيط الأرض، وكيف أنني ما زلتُُ أحتفظ بصفاتي أيام كنت محض كلب ينادونه توتي، وأكاد أهزّ ذيلي إذا ما سمعته عفواً، وقد أركض وراء أيّ بنت سمراء إذا ما وجدتُ نفسي بين الغابات وأشجار جوز الهند، وربما أرمي بها، نفسي، في أول نهر أراه. منذ أول يوم في أوكلاهوما، وأستاذ الفيزياء يزداد قرباً من حياتي، يكرر بين يوم وآخر بأنه يعرفني، رآني ذات يوم في مكان ما، لكنه لا يتذكر أي شيء، ربما كان كلباً مثلي قبل خمسة آلاف عام، وربما كان كلبة؟ من يدري! لم أتذمّر منه، بل رأيتُ في ذلك ما يساعدني على النجاح، أنا العراقي الوحيد في هذه الجامعة العريقة، كما أن أستاذ الفيزياء قريب فعلاً إلى مشاعري، وفي اليوم الذي يغيب فيه ينتابني إحساس بالغمّ والكآبة. ** اسمي كان توتي، وصار بعد خمسة آلاف سنة تّواب تيهان، تعاندني التاءات وربما تستخف بي أو تسخر مني، امتطيتُ حمار أزمنتي وعبرت الجبال والمفازات والمحيطات، انقلب جلدي ومساماتي وتغيّرت حياتي تماماً، وها أنا أدرس علم الفيزياء في جامعة أوكلاهوما، عجيبٌ أمري، فأنا حتى اليوم ومنذ عامين، لم أعبأ بالصبايا الحسناوات باسقات الطول كما النخيل، بل رميتُ اهتمامي كله على أستاذي الذي يكرر أنه يعرفني، وأنا نفسي، على يقين مما يقول. أنا أعرفه أيضاً، رأيته أكثر من مرة بين الغابات والنهر وأشجار جوز الهند، أتذكر سمرته وحلاوته وأنا أركض خلفه، هناك، منذ خمسة آلاف سنة، ولا يمكنني طبعاً أن أقول له بأنه البنت التي طالما ركضتُ خلفها وهزّزت ذيلي بين جبال طوروس وسفوحها وعند شلالات الماء التي شربنا من ينابيعها أيام كنتُ أسعد كلب في الدنيا. 8 أيار 2007. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |