مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 438 تشرين الأول 2007
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

هذا المطر لي ـــ نجاح إبراهيم

سيرة ناقصة لرجلٍ من العالم الثالثِ، رفضَ أن يخونَ كلماتِهِ، فأزهرَ السنديانُ، والأرصفةُ والثلجُ، وعرّشَ الصدى على الأبوابِ الصامتة وركضَ الغيمُ.‏

حوار في موسم القصاص:‏

سألته:‏

ـ ما أخبار كتاباته؟‏

لم يجبني، وإنّما حرّكَ رأسه يميناً وشمالاً، وأشار إلى عينيه قاصداً بذلك، أن خذي الإجابة منها، فهو لم يجرؤ أن يحاورني بلسانه، أو بقلمه.‏

كان الحوار المسموح به، هو حوار العين، ونحن في المذبح.‏

تحفُّ بنا الشياه دامعة، تتلوّى بين أيدٍ غلاظٍ، بعضها خائر، وبعضها يتعرى من صوفه، وجلده.‏

يتجرد من كلّ ما يسترُ، فيبينُ اللحمُ الورديُّ، الحارّ، وسط بخار شفيفٍ، وأحياناً يفرُّ لتبقى الأعصاب، والأنسجة، والذهول.‏

فقالت العين، وهي توصوص، مخافة هجوم مخرزٍ يأتيها في لحظة غفلةٍ:‏

ـ أكتب، ولا أكتب.‏

قلتُ:‏

ـ كيف ذلك؟‏

ـ إن كتبتُ أموتُ خوفاً، وإذا لم أكتب أموت جوعاً.‏

ـ أحجية هي؟!‏

ردّت العين:‏

ـ هل رأيتِ الحطبَ يتبرعمُ؟ أو جثة هامدة تمشي، وتومئ للآخرين؟‏

أنا الآن خراب، خراب.‏

وسكتت العين، تألمت، فبانت علامات التأثر على وجهي وصوتي، وسألتُ بصوتٍ خفيضٍ منكسرٍ بعد دقائق:‏

ـ لمن كتبتَ يا شاعري؟‏

أجابت العين:‏

ـ كتبتُ للناس، لكِ، للأنقياء الذين غسلهم المطر النظيف قبل أن يلامس الأرصفة.‏

سألته السؤال الذي حيّرني:‏

ـ أين لسانك؟‏

أجابت العين:‏

ـ في القنّ:‏

ـ أيُّ قنّ؟‏

ـ فمي يا أنت، صار مجرد قنّ لما بداخله.‏

قلتُ:‏

ـ ومتى تحاورني كباقي خلق الله؟‏

أجابت عينهُ:‏

ـ حين يورقُ الصّوَان.‏

ولم أدرِ بعدها ما أقول، فقد رأيتُ قلبه يدمعُ مثل عين إحدى الشياه، وهي تُذبح، كآخر ما تودّع به الحياة.‏

بعدها استحال الشاعر، أمام ناظري إلى شاةٍ، أمسكت بقوةٍ من ظهرها، وقذفت باتجاه الأرض، ثمَّ مدّد العنق على الإسمنت العطش.‏

وفي الهواء التمع حدّ السكين، سقط نحو العنق الأعزل، ذابت المسافة، رقصت الشاة، هلل العنق، أطلق غناءً، صفيراً موجعاً مبطناً بالرهبة، ونزَّ مدى من أرجوان جرّاء التحام مدهش، مثيرٍ..‏

وفاحَ الدَّمُ..‏

امتزج بصوتِ الدّبح،‏

وأطلقتْ عينه التي حاورتني، آخر ما أرسلت من رسائل.‏

* * *‏

*النصّ: كانا موجة لاجّة، جياشة.‏

تمضي كهودج سكران بين أجساد متراصّة، تنزف تحت سياط القيظ، بحراً ثائراً غضباً.‏

موجه هياكل بشرٍ، بقع دائخة، تضطربُ أهواءً واتجاهاتٍ.‏

كلُّ فردٍ يحمل قبراً مفتوحاً وسيفاً ليقطع به الحبل السرّي، ينسلخ عن مشيمته التي تربطه بذلك الجسد في لحظة تمزّق.‏

لحظة يُغتال فيها النشيد النابت من بريق الجرحِ.‏

وكان موران، واصطفاق، واختلاج، كأنّ الصاخة حلّت.فبات المرء يحلم بالفرار من ذاته، من نضجه، من قيمه، من عهره، ليتمسّك بأغصان الريح. حلمه كان،أن يجد صوته، ظلّه، ليجتاز العتبة، ويعبر.‏

بينما كان حلمها، متواضعاً كأيِّ أنثى، تريد أن تخرج على شريعة الحريم.‏

لهذا خرجا إلى الشارع...إلى السعير، وفي داخل كلِّ منهما حلمه الحارق والمحترق بآنٍ واحد.‏

في الليلة الماضية...أرِقَ، زرع الأرصفة مجيئاً ورواحاً، حتى ملّت الأرصفة من ضجيج نعليه فحاول أن يصادق القمر، فما زاده إلاَّ سهراً.‏

ركضت حوله الكلاب الضالة، مدّ يده لمداعبتها، لكنها هجمت عليه بشراسة الجرح المفتوح، فتشبّع رعباً وتوتراً.‏

حاول أن ينام على آخر رصيفٍ يلاقيه، وتمنى من أعماقه أن يأتي مَنْ يوقظه بأنامله، برفقٍ شديدٍ، لا بحربةٍ، ولم يجدِ ذلك نفعاً.‏

فعاد كالمهووس إلى غرفته الرطبة، قضى ساعات في تناول المهدئات، وحينما شعر بتسلل النوم حقاً إليه واستيطانه عشب عينيه، قضى ساعات غير قليلة في تناول المنبهات، ليستيقظ، ويدخن، ويتألم.‏

واندلق صباحاً إلى الشارع، وهو يقول:‏

ـ "امنحني يا إلهي، قوة الفولاذ، ورقة الفراشة، وجمود الحجر، ومرونة الراقصة لأعبر يومي بسلام".‏

ودخل يومه، أو أمسه، أو غده، سيّان، بقلاعٍ من غضبٍ وهديرٍ، غطّا على كلِّ شيء.‏

وهناك كان هو، وكانت هي، حيث اندفعا، وتدافعا،‏

تصهرُ الجموعُ الغاضبة جسديهما، فيتأججا باروداً في أتون الشارع المتمرّد.‏

وحين أحسّ بالوحش يقترب من ساحة النقاء، أمتطى سارية الجرح، والصلب، وأخذ يصرخ بكلِّ نزف جراحه. وما عاد يفرّق بين المدى والزنزانة، بين الدّم والعرق، بين ثدي امرأة سمراء، والتفاح الذهبي!‏

ورفع قبضته عالياً، فجاء الصوت ممرّغاً بجمر الدم والقهر.‏

صوت نحته الألم والكبت، والقيد، فأبدعه تمثالاً على شكل طائر الرّخ.‏

* * *‏

"هذا الفيض من مطركِ وهذا النزف من جرحك، فقل: لا. وانظر كيف تومض اللاءات في عينيك، أيها الباشق!"‏

كلماتٌ دوّت في أذنه، فأشعلته حريقاً، وبرقعت لحظته باللهب.‏

من أين جاءتهُ، هو لا يدري؟ من صاحبها؟ لم يعد يدري!‏

ولم يشعر إلا وصوته، ينفلتُ مُبعثِراً حزمة لاءاته، فيصرخ بعشوائية:‏

ـ لا تكن ودوداً...‏

لا تكن موهوباً، لا تستجرْ بصديقٍ، بلوحةٍ، بنصّ، فهذا زمن التنكر والمتنكرين!‏

لا تكن شجرة، فهذا زمن الفؤوس.‏

لا تكن قمّة...‏

لا تقطع صلتك بشيء، فأي شيء قد يصبحُ كلَّ شيء.‏

لات كن..‏

لا..‏

لا..‏

وظلَّ يكرر الكلمة، حتى تسرطن جسده، وروحه فغطّت المرأة عينيها بساعديه كي لا تراه مجرجراً، مزنَّراً بالأنين.‏

صمّت أذنيها بأصبعيها كي لا تسمع فحيحه الأخير.‏

سدّت أنفها بشعرها كي لا تشمّ رائحة مشهدٍ تُحابيه الستارة، فسكنت قليلاً، لكنَّ قلبها لم يستكن. راح يقرع بشدةٍ، خوفاً وهلعاً كجرس في عنق جدي مشاغب وهارب.‏

واسترقت نظرة إليه.‏

وجدته لا يزال مذبوحاً، ينتفضُ، وصوته يلعلعُ، وقد أحاط به الكثيرون غمروه بالاحتفاء وتراشق الأيدي في التصفيق، والأفواه بالهتافات.‏

هتفوا له،‏

هتفوا به،‏

هتفوا عليه،‏

واشرأبت المرأة لتقف على رؤوس أصابع قدميها، لتطال قامته، هتافه، فحيحه، وحين دنت من أذنه، همست راجية، متوسلة:‏

ـ أرجوك اصمت.‏

دفعها بكتفه، وقال بحدة ونزق:‏

ـ دعيني، دعي الطفل الذي فيّ ينطلق، كفاه كبتاً وخنقاً.‏

ـ أرجوكَ، اخفض صوتك.‏

ـ أرجوكِ أنتِ، أريده أن يرتفع، أن يكون للبحر القابع المذبوح في داخلي مدّ، دعي صوتي يدوّي، يزمجر، هذا الجبان، المغمّس بالرعب، دعيه، دعيه..‏

وأردف صارخاً:‏

ـ يا ناس، صوتي جبان!‏

ـ اصمت.‏

قالتها بشدة.‏

وقتها، همَّ أن يجعل القبضة المتوهجة، تستقر فوق فمها، لكنه اكتفى بالصراخ في وجهها المتكوكب بالرجاء:‏

ـ لن أصمت ما دامت النهايات قد أُمهرت بـ....‏

لكنه سكت متألماً دون أن يتم جملته، فقالت في نفسها:‏

"آه يا رجلي الخاسر!"‏

بينما انحدرت دمعة تروي زغب الخد الملتهب، وحينما عادا إلى المباءة الباردة، الواطئة، كجرذين منهكين، مطارَدين، كان صمتها كبيراً بحجم القهر، بينما أخذ هو يدخن، ويغرّد بصوتٍ مبحوحٍ، ومتعبٍ، وعيناه الجميلتان تشعّان بأروع الألوان، والأطياف الحاشدة وتنظران من خلال النافذة.‏

* * *‏

*عودة النص:‏

على حافة السرير، المتسربل بفضةِ القمر، وفي الهزيع الأخير من الليل، أطرقت المرأة رأسها واجمة، صامتة، وشيء ما يسوح في كيانها، شيء يشبه الخوف.‏

بينما كان الرجل وراء طاولته الصغيرة في الزاوية، يدخِّن بكثافةٍ حتى نفذ ما لديه من تبغ، وشرب أقداحاً حتى ثمالتها.‏

وفي عمقه تكمن رغبة، أن يحفر خطاً على الصخر، يعاندُ الريحَ والقسوةَ، رغبة أن يرى بعد أن تنطفئ عيناه، ويصل بعد أن يفقد قدميه.‏

ورفع رأسه إلى المرأة فوجدها حطبة كالحة لا ينقصها إلاَّ الاحتراق، مخذولة وحزينة فمشى إليها، حتى إن جلس بجانبها، مزّق الوجوم بقوله:‏

ـ علّك تغفرين،‏

فكم لفافة دخّنا؟ وكم نهراً من الخمر شربنا؟ وكم اجتماعاً عقدنا؟ واشتباكاً فضضنا، وكلاماً عابراً قلنا؟ كلها يا حبيبتي دخانٌ في الهواءِ!‏

وحين تطلّعت إليه باستغراب، أردف مؤكداً:‏

ـ أرأيتِ ما أذرب ألسنتنا في إطلاق الكلام؟ فلا تحزني، لا تحزني.‏

قال:‏

ـ ثق أنّ كلامك..‏

قاطعها:‏

ـ لستُ واثقاً من شيء، وما من إنسان واثق من شيء.‏

وانتابته نوبة سعال قوية، مزّقت الصّدر، فحشرجَ، وانقلب الوجه إلى جمرةٍ ناضجةٍ، والجسد إلى كرسيّ هزازٍ.‏

جحظت عيناها فيه، راعها اختناقه، فأسرعت إليه تنقذُ ما يمكن إنقاذه في هذا الرجل الذي ما لبث أن هدأ، ودفن كل الخلافات والقطيعة والجفاء، في لحظةٍ، استكان فيها صدره، ورقصت فيها ستارة النافذة، فَرَحاً بنجمةِ الفجرِ التي ظهرت كفاتنةٍ فضيّةٍ عاريةٍ في الفضاء.‏

وبعد أن ثمل، وروى ظمأ عتيقاً، تمدد على السرير، وقال بشفافيةٍ:‏

ـ أحبكِ أكثر من التبغ والقصيدة والنبيذ.‏

وراح يثرثر، يرددُ كلاماً كثيراً، بطعمة وبغير طعمة، والسيجارة في يده، وعيناه بليدتان، مبللتان بالكسل والدمع، وعلى إصبعيه ترك آثاراً صفراء، وعندما نال التعب والنعاس منه، أراد إطفاء سيجارته، فمدَّ يده المضطربة إلى المنفضة بلا مبالاة، وسحق العقب.‏

فصرخت المرأة،‏

قفزت بلا وعي، واتجهت مهرولة إلى إبريق الماء، تدلق بعض ما فيه على عراء الصدر. ثم جثت تبحث عن علبة معجون الأسنان، لتضع قليلاً منه مكان الاحتراق، فهذا الصدر المحترق هو المنفضة لسجائره، والبئر لأسراره، والقبر لجثته. وعادت إلى مكانها، رنت إليه، كان طفلاً غاطّاً في نومه، وخيوط الفجر تعابث الشعر الأشقر، فيتلوّن ببريقٍ خافتٍ وخجولٍ، وكأنه يريد إعلان القيامة، ونهاية العالم. وفي الصباح الباكر اختفى.‏

لم تشعر به حين انسلّ من قربها، ولبس طاقية الإخفاء على عجلةٍ وسريّةٍ تامةٍ، وذاب من المكان كالحقيقة.‏

وما كان من المرأة العاشقة، سوى البحث عنه، عن ذلك الطريد الخفي، الذي يومض كنجم في الأقبية، ليعابث الظلمة العاكفة بريبةٍ كامرأة خائفة من الاغتصاب.‏

* * *‏

*رحلة البحث:‏

ـ ترى أين تكون هذه المرّة؟ أين أجدك؟‏

سألت نفسها بالتياع وحيرةٍ، وانطلقت تعدو بالجسد المرهق في شارع آخر، بحثاً عنه، مؤملة أن تجد نوره في إحدى الزوايا، أو بيتاً شعرياً فرّ من إحدى قصائده، يدلها عليه، أو رفاتاً، وثاقاً دمعة، سعالاً، عقب سيجارة، قدحاً يكون الدليل.‏

حملت سلة الخوف والقلق، ولفائف القهوة، والخبز، والكتب، وزهور وسنانة أنعستها الشمس الحارقة، ومضت. كان شكلها وهي تجوب الأمكنة، يدفع كل من يراها لأن يطلّخ وجهه بالاستغراب والدهشة، تساءلت كفراشة محترقة:‏

ـ "أين أنت"؟‏

يأتيها صوته بعيداً، متقطعاً:‏

ـ "لا تبحثي، لم أعدْ أصلح إلا للترنح سكراناً في الطرقات، أسأل كضائع أين بيتي؟ أين حبيبتي؟ أين أنا؟" وطارت تتبع الصدى الذي تلاشى في المكان.‏

تجتاز العيون الفاحصة باندفاع، والحرّ القائظ، لتمضي إليه تتبع أثراً وهمياً، علّها تهرق على عتبة اللقاء شوقاً مالح الطعم، وترتقّ جرحاً متنعّماً بنزفه.‏

ثم استندت برهة إلى أحد الأزقة، عوسجة ذابلة وعطشة، فهبّت عليها نسمة عليلة أوقدت الخيال، والقلب، وزنّرت اللحظة بالابتسام والراحة، فومضت أضواء حبلى بالذكريات والحب والحنين.‏

* * *‏

*وميض ثانٍ:‏

تندلع الحرائقُ من حين لآخر، فتزخم رائحة الغربة والاستيحاش، أنوف الشعراء، فيتمادى الغبارُ المرُّ، ليؤذي بحيرتين في وجه فارس تحاصره زوبعة، أما حصانه فيعتريه فتور وضعضعة، ويبقى وحيداً، وغريباً، وجائعاً، فهل يتمّ اللعبة البطوليّة أمام شراسة العاصفة، أيها المحترق كقلبي؟‏

وجهاً لوجه، أمام صفحة في آخر الليل، مفكراً، وساكناً، ينتهي خيط دخان لفافته المرهقة في وجهه الراقد.‏

فجأة، انفلت من صمته، وراح يضحك ضحكاً مرتفعاً، رجّف نوم الرَّصيف القريب، والقطّة الملوّثة الخامدة عند قضبان نافذته الحديدية، ناءت بانزعاج، ثم قذفت رأسها بين القضبان. وانتفضت المرأة تنزع عنها الشراشف والنّوم، والأحلام، لتهرع إليه، تلتصق به، وتسأله:‏

ـ ما الذي يضحك؟‏

أجاب بعد أن دفع اللفافة بين إصبعيه، وضغط عليها:‏

ـ تضحكني الخديعة التي رافقتني حتى أبواب الشيخوخة!‏

سألت، وهي تنظر إلى عينيه المحترقتين في ألمهما:‏

ـ والآن اكتشفتَ ذلك؟!‏

أجاب:‏

ـ تصوّري، كم أنا أحمق؟ اكتشفتها منذ اكتشف العربُ البترولَ، ولكني مضيتُ في الحمق.‏

ثم صرخ بألمٍ وفيجعة:‏

ـ إنني مخدوعٌ يا ندى، مخدوع...‏

وانزلق عن كرسيه، ليتوسّد الأرض العارية، والفجيعة المريرة والغيبوبة.‏

* * *‏

الرجل يغمض عينه، ويستسلم للهمس، للماء الذي يغسل وجهه، ويتجمّع عند قدميه العاريتين.‏

والمرأة تذوب فيه كما تذوب القهوة في الماء، وهي تحلم بالريح تهزها ليتناثر التوت النّاضج من قامتها، فتبقى مدثرة بفرو من الوبر الأخضر والغموض الذي يصنع الخصب والكلمات، والمواقف الخالدة.‏

قالت المرأة: لك رائحة الرماد!‏

قال الرجل: أنا العنقاء.‏

قالت المرأة: ضمّني أكثر.‏

قال الرجل: لك رائحة الولادة!‏

قالت المرأة: برائحتي سأدخلك، فيبدأ التكوين والاحتراق، فاستعدْ. واندفعا مرة أخرى،‏

فركضت خلفهما الأرصفة، وشارات المرور، والأضواء، وشرفات المنازل، وذكريات الطفولة، واشتهاء كلّ منهما للآخر، ولم يكن بالإمكان التوقف.‏

قال الرجل:‏

ـ لا زالت عيناي تمتلآن برمل "سلمية" وثيابي مسكونة بعبق الزعتر البري والنعنع.‏

وقالت المرأة:‏

ـ أنت واخزٌ كالسلماس، وحادّ كإبر القندريس، وهي تحمي تاجه المخمليّ.‏

قال الرجل:‏

ـ من أنتِ يا امرأة.‏

قالت المرأة:‏

ـ أنثى دافئة كالحلم، كالنعاس.‏

قال الرجل:‏

ـ وماذا تريدين مني؟‏

قالت المرأة:‏

ـ ما يريده نحلي من زهر شفتيك.‏

رجل وامرأة، يتحدان رويداً، رويداً، وينموان كالفطر في الظلام، الرجل يقف على شرفة الخريف، والمرأة تستعدّ لإطفاء شمعة الطيش.‏

* * *‏

عودة:‏

كانت تبتسم كقطرة ندى عند الصبح. حينما أبعدت جسدها عن الحائط الذي دهمته وقدة الحرّ.‏

همست: "أكنتُ أحلم؟"‏

سألته مرّة:‏

ـ بماذا تحلم؟‏

أجاب:‏

ـ أحلم بالسير في عتمة الكوابيس، أقفزُ، أطيرُ، أقتعدُ الرصيفَ المزنّر بالشرر، أركض، أشتهي امرأة في وضح النهار، ولكن...‏

سألت:‏

ـ لكن ماذا؟‏

قال:‏

ـ هيهات لي ذلك، فهناك الكثير من العيون ترقب خروجي، والكثير من الظمأى دمي لهم فرات. عافت عذوبة الحلم تمتزج مع الذكرى، مشت خطوتين وقالت:‏

ـ خفّاشٌ أنت يا صغيري، لا تتحرك إلا مجلبباً بالليل والرعب!"‏

* * *‏

*حقيقة:‏

في غرفة ضيقة، وخانقة، غرفة لا يصلها ضوء، ولا هواء، ولا امرأة.‏

باتت بجدرانها المحدودبة، تحدّ من اهتياج الشّاهين، وتوصله إلى حافة الجريمة، حيث لا أفق يتّسع لصراخه، وقهره، ولاءاته.‏

راح برماً، متذمراً، يبدع ويخلق قدراً، ينتزع ريشه بمنقار، ليبدو الصدر عارياً أمام مخلبه المقهور، وقدَر المرأة أنها أحبت رجلاً لا يُحسنُ التنفس من فتحتي منخاره، بل أحال رأسه بما يحوي إلى كوّة كبيرة، يتنفس عبرها. والغرف ككل الغرف التي مرّت عليه، لا يكفيه شبّاكها الملتصق بخدّ الرصيف، وإنما يمسك مباشرةً حين يطؤها بمعوله، ويبدأ بتهشيم الجدران الثلاثة، ليُصلبْ بعد ذلك ببرود على الجدار الرابع، وهو يدخن بصمتٍ.‏

وعيناه الفيروزيتان، تحلمان بنزهة في الغابة اللازوردية، يصدح كالكروان، عسى الريح تنقل صوته إلى البعيد، ليستدرج الأناثي الجميلات.‏

* * *‏

*وميض رابع:‏

هذا الضجر الأشقر، تضجره أصابعه المتجاورة، فيبدأ رحلة التململ والنّفخ، والدوران في الغرفة كنمر محبوس، شرسٍ، حتى تضجر أصابعه من بعضها، ومحبسه من رائحته، ورائحة تبغه من قداحته، ولون قهوته من شفتيه، فيقف خلف النافذة، عاجزاً عن ارتداء الهدوء والتوازن، يتأجج تشظياً وقلقاً.‏

تناهى إلى سمعه طرطقة حذائها المميزة، والسريعة، تثبّت نظره، لمحها قادمة، وبين يديها أكياس وأشياء تتقافز. أحنت قامتها، ودخلت، بادرها قائلاً:‏

ـ تأخرتِ!‏

ـ خشيتُ أن يتبعني أحد، فسلكتُ طريقاً آخر.‏

ثم وضعت الأكياس على الطاولة، بينما زفرَ هو بحدةٍ وقذفَ بعقب السيجارة أرضاً بنزقٍ وعصبيةٍ.‏

قالت:‏

ـ ما بكَ؟‏

أجاب:‏

ـ متوتر قليلاً.‏

ـ قليلاً؟!‏

ثمَّ مدت أصابعها لتمسح العرق عن جبينه، وتدفع بخصل الشعر المبتلّ إلى الخلف، تابعت حبيبات العرق وهي تنزلقُ على ظهره العاري، وتنسربُ إلى الأسفل.‏

همسَ:‏

ـ تعالي ننسى. وانساقت إليه، دفنت وجهاً مُخضّباً بالرغبة في صدره، وغمغمت:‏

ـ مأساتي أنّي أحبك.‏

قال:‏

ـ قلتُ لكِ، لن تحتمليني.‏

قالت:‏

ـ إنك تعذّب نفسك، وتحملها ما لا تطيق! حينها انسلخ من مكانه فزعاً، منخطف اللون، فسقطت يدها فوق السرير، وعاد إلى النافذة الواطئة، لامسَ رأسه السقف، أوقدَ لفافة، وقال:‏

ـ أنتِ لا تدركين شيئاً! ولا تشعرين بعذاباتي، وما معنى أن ألاحق كلما كتبتُ قصيدة، أو حرفاً، أو تنفست!‏

لا تدركين ما معنى أن تزرع أكياس الرمل حول فمي كلما تفوهت، هل تقولي لي ما نفعه دون قول الحقيقة، أو الصراخ، أو..‏

ثمَّ هبط بجثته على السرير كتلةً منطوية على ذاتها، يلفحها الانكسار، مهدوداً، ومبعثراً.‏

قالت:‏

ـ وماذا تنتظر؟‏

ـ أنتظر لهذا الدماغ أن ينفجر كدولاب عجلةٍ، وتنتهي العذاباتِ.‏

ـ عذابات، عذابات! أما آن لهذه العذابات أن تنتهي؟!‏

أجاب كالزاهد:‏

ـ ستنتهي، ستنتهي.‏

صرخت غير مصدقة:‏

ـ متى؟‏

أجاب:‏

ـ حينما ينتهي واحد من اثنين.‏

ـ ما معنى ذلك؟‏

التفت إليها، حاصرها بنظرةٍ شرسةٍ، ثم أهملها ليتساءل مختنقاً:‏

ـ "أهذه هي المرأة التي أعرف؟ أهذه رفيقتي وحبيبتي؟!"‏

وانساق وراء شكوكه، راح يحدق في رأس اللفافة المحمر، يمطره نفخاً، فيشتعل كالمهووس. كانت عيناها تنتظران الجواب بلهفة، أسبل جفنيه وقال بهدوء اليائس:‏

ـ قصدتُ نهايتي، أو نهاية الكون.‏

سألت بحزن وضعفٍ أنثوي غير مألوف:‏

ـ وأنا؟‏

ودون أن يلتفت إليها، أو يرفعَ رأسه نحوها:‏

ـ احملي زهورك، وأشياءك، وارحلي...‏

*المسافر:‏

بردانة يا أصابعها!‏

باردة يا قهوتها!‏

ذابلة يا زهورها!‏

بائتة يا صحفها!‏

حزينة يا كتبها! ظامئ يا جسدها! وهذا المسافر السكران العنيد، أين سقط؟‏

قال: "قد تأتين في أحد الصباحات، المساءات، ولا تجدينني!" شعرت بالتعب يطفئها. كالعلقة تمتص الحياة منها، والشوق يجمرها، فتغتسل من جديد بالعزم، وتشتعل كالفنار لتمرّ على كل الغرف المحشورة في سراديب المباني، وتدخل الأمكنة التي حوته، وأشهرت النفاق، والوجه اليابس، والبرود بكل فظاظةٍ، في وجهها. دارت بعينيها في حلكة المكان. فلم تقبض على ظلّ الرجل، ولا على جزء من قهره، فاصطلت بالانكسار، والمرارة، وهجست:‏

ـ بالله عليك، أين رحلتَ؟ هل من جوابٍ يشفي فؤاداً تسوسن بالانتظار والركض، والبحث، والخيبة؟ هل حملت حقيبة؟ ترى ما فيها؟ هل نصفها حزن؟ والنصف الآخر، أتراه فقراً، أم قلقاً، أم شوقاً، أم نسياناً؟ وعيناكَ! أما زالتا ترنوان إلى نجمٍ بعيدٍ يومض؟ قعدت المرأة على طرف الرصيف آخر الليل، كانت الريح تعوّل في الشارع الخالي، تلملمُ كالمتسولةِ أجوبة باهتة، وصوته، وطقطقة القصائد. أرهقتها العناوين المتشابكة، والكثيرة، وزمّلتها الوحدة، وقصيدته الأخيرة التي كتبها بسكينةٍ غريبةٍ فوق صدرها، وألقاها بين يديها.‏

"ليس من فرحٍ،‏

يوشي النهايات،‏

سأودع كل شيء،‏

طاولتي، حبري،‏

وآثار التبغ، من الغرفة".‏

فغادرت الأشعار الحنجرة، وبقع الحبر الصدر، والدم والشرايين، ليرحل كل شيءٍ فيها إلى خياله الذي ترامح في العتمة في نهاية الشارع، هرعت إليه، اندفعت كسيلٍ عارمٍ، اقتحمت المسافة، وقلبها الصغير، الضعيف، يخفق بشدة.‏

اقتربت منه، كان منطفئاً، ومهدوداً، ومتمايلاً. بيده زجاجة، نصفها الأسفل فارغ.‏

قالت بحزن:‏

ـ شربتَ كثيراً!!‏

أجب ببطء سلحفاة:‏

ـ سأظل أشرب حتى يقذفني حائط إلى آخر.‏

قالت:‏

ـ كفاياك "برافو" وصلت إلى هذه الحالة.‏

أجاب مترنحاً:‏

ـ بقيت رشفة واحدة، سأعمل واجبي وأنهيها، بصحّة الـ...‏

وغبّ هواء الزجاجة، ثم قال:‏

ـ ما الذي أتى بكِ؟‏

قالت:‏

ـ خشيت عليك.‏

قال:‏

ـ خشيتِ عليّ؟! لمَ؟ لن أجوع أكثر مما جعت، ولن أتشرد أكثر مما تشردت ولن أُهان أكثر...، اسكتي أرجوكِ. وراح يبكي بكاءً غريباً، بكاء رجلٍ عنيدٍ، ومشاكسٍ، ومتفجّع.‏

فاحتضنته كما تحتضن الأم طفلها، ومسحت دمعه ثم قالت بتأثر:‏

ـ ما الذي يبكيك الآن؟!‏

قال:‏

ـ لا عليكِ.‏

وأفلت من بين ذراعيها، ليمضي متراجعاً إلى الخلف دون أن يستدير.‏

سألت:‏

ـ لم تمشي هكذا؟! احذر السقوط.‏

أجاب وهو يختفي في الظلام، والغياب بصوتٍ مرفوعٍ، وواضحٍ:‏

ـ لقد أعطيتُ صدري لهذه المدينة أربعين عاماً، ولا أستطيع أن أعطيها ظهري دقيقة واحدة.‏

وابتلع الصوت البعيد.‏

فأحسّت بفداحةِ وضعه وتأزمه، فأسرعت تركض إليه علّها تمسك بالصوت، بالجملة التي نطقها، بزجاجة الخمر، بشعره الأشقر المتهدّل على الجبين.‏

مرّت بكل حفرة في كل غابة، عبرت أعراساً وأفراحاً، بحثت عن أنينه، ولم تجده. وقتها أحست بأنه هرب منها وإلى الأبد.‏

فاستنجدت بآخر العناوين، أرادت أن تقرع الباب، كان مفتوحاً، تعبثُ في الداخل الريح. وكان السرير فارغاً، مغطى بأعقاب السجائر، والملاءة متكورة كامرأة خجلةٍ من عريّها. وقافلة الآلام هاجعة مكان الشاعر، وسعاله متمدّداً على الوسادة، والشباك منطفئاً وكابياً، فهوت على ركبتيها.‏

* * *‏

*ولادة:‏

همّت بالخروج والانفلات نحو فضاء آخر. استوقفتها أنة واهنة، أسرعت إلى مصدرها، كانت كومة من قصائد طازجة، وبردانة، وبقايا ريش محترق، فسال الفرح على شرفات الوجه، وهتفت غبطة:‏

ـ لابدَّ وأنه احترق، لابدّ وأنه توالد؟ وتذكرت ما كان منها، حين قذفته بقولها ذات فترة من فترات الجدب:‏

ـ أنت معتر وميت. وقتها اشتعل كالفتيل في كبد الصخر، وقال:‏

ـ أهي المرة الأولى التي أفنى فيها، أم الأخيرة التي أُبعث فيها؟!‏

أجابت:‏

ـ هذه المرة أنت غير.‏

ردّ:‏

ـ هذه المرة أنا ككل مرة.‏

قرّبت يدها المتوضئة بالرهبة، والارتعاش، إلى الريش الفاحم المتبقي، وبصوت خرج للتو من فجيعةٍ، من مذبحٍ، قالت:‏

ـ هذه المرة أنت ككل مرة.‏

وأسرجت نظرها للأعلى، حيث قمة قاسيون تحتضن الطائر، ليستبدل ريشه، ويهيئ انبلاجاً من الرفات.‏

واندفعت تخترق الليل الفائر بالضجيج، والقنّب المجدول، والحركة والمطر.‏

كان المطر يخص الأنقياء ببوحٍ سرمديّ، يتساقط كأنشوطةٍ مدلاّةٍ، تتسلق الجدار الرابع. ركضت تحت المطر، ركض شعرها، اغتسل بالرذاذ، والضباب، والضوء، لتعانق صدى قصائده الذي يتردد في كلّ مكان، يزداد، يقترب، يسوحُ فوق الأرصفة، وتثاؤبِ المصابيح، تأزّرت بليل دمشق، وضباب دمشق، وحبال دمشق، تحمل الزهور والصحفَ، والكتبَ، وعطش المسام.‏

صيف 2001‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244