|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
رأس معلق على المرآة ـــ أحمد حسين حميدان *أنتم. يا هؤلاء جميعاً ويا أولئك.. تفضلوا جميعاً أيها السادة... سأفتح لكم أبواب الكتمان على مصراعيها. وبعد كل هذه السنين سألقي بصمتي من نوافذ البوح لينفجر بعيداً عنكم فتدخلوا إليّ آمنين.. آملاً أن تصدّقوا ما سأحكيه لكم.. فجدتي التي عاشت عرساً آخر حين خرجتُ من رحم أمي قالت غير مرة: إن عقلي أصابه مسّ وأحتاج إلى ألف تعويذة وتعويذة كي أبرأ من هذا الجنون!.. كل ذلك كان بسبب هذا الرجل الذي أتمنى أن تكونوا حكماً بيني وبينه.. أنه لا يبتعد عني ولا يفارقني.. وهو وراء كل ما يحصل لي بكل تأكيد لقد قلَبَ عليّ حياتي ولو تمكنت من إبعاده لغدوت في أحسن حال.. هل تصدقون إذا ما أخبرتكم: أنه أصبح يرتدي هيئتي ويتحدث مع الآخرين باسمي كلما سعى لتحقيق ما يرغب وما يهوى إلى أن نفد صبري إزاء تصرفاته فبدأت أطالبه بالكفّ والابتعاد.. قلت له: خذ ما تريد واترك لي اسمي.. خذ هذا الرأس الصغير الجالس بين كتفي وسأهبك معه هاتين اليدين التين ترتعشان وقت الشدة بسببك.. و إذا أردت المزيد فارحل وأحمل معك ما تشاء.. لكنه يماطل ويغمغم بكلام غير مفهوم وقبل أن أصرخ ينأى بنفسه قليلاً ويسكن دون أن ينبس بحرف حتى يرى هدوء العاصفة.. فيعاتبني على ما بدر مني ويهمس لي باستغراب: لماذا أنت هكذا.. أنسيت أننا واحد؟!.. عندئذ أضغط على غيظي بالنواجذ فتصطك أسناني وأعود فأشتعل غضباً.. فما رأيكم أيها السادة؟... هل يعقل ذلك؟.. ألسنا أنا وهو وأنتم ضمائر منفصلة؟!.. قولوا كلمة حق ولا تتركوا الكلام لي وحدي فأنا أتكلم طوال السنوات الغاربة إلى ذلك الرأس الذي يطل عليّ من مرآتي وأهمس له: آه.. يا أنا وحدك أنت تعرف مَنْ منّا أنا!.. وها أنا ذا أفتح لكم أبواب الكتمان ونوافذ البوح كما وعدتكم لتظهر لكم الحقيقة بجلاء وتكونوا الحكم بيني وبينه علّه يقتنع بكلامكم ويهتدي.. فهو لا يقبل بكلامي ويجعل صوتي يزداد علوّاً كلما تحادثنا فأصرخ به: يجب أن تعترف بالحقيقة.. أنت غير أنا.. لكن رفضه يزداد عناداً ولا يرضى.. عندئذٍ أستشيط منه غضباً كما يستشيط غضباً مني.. ويسعى كل منّا إلى شدِّ طرف الحديث من صاحبه بحدة ونزق إلى أن ينقطع بنا فتقع ونغطّ معاً في خلاف. عميق!.. * أنا وهو.. هكذا كنا في معظم الوقت كل واحد منا يسعى إلى فرض رأيه على الآخر.. حتى اليوم، قلنا كلاماً كثيراً ولم يتمكن أحدنا من إقناع الآخر ثم ساد الصمت بيننا قليلاً كان الرأس المشتاق إلى مسقطه معلقاً على المرآة.. كنت أراقب الشعرات البيض المشتعلة بمفرقه وأنا أفكر بالعودة إلى ربوع الأهل.. كرهت السفر وحقائبه.. كرهت الوداع المجلل بالدموع.. ما عدت أطيق الغياب الذي سرق مني المنام.. وهو رافض لا يؤيد رغبتي وقراري.. وكلما استقرت عيناي على صور الأحبة المعلقة على الجدار وغلبني يذكرني بالخراب الواقع فوق الرؤوس بلا تمييز ويقول لي بسخرية: دعك من مسقط رأسك واحذر كي لا تبقى جسداً بلا رأس ورأساً بلا جسد!.. يذكرني.. وكيف لي أن أنسى؟.. صوت القذائف الذي سكت هناك مازال يعوي في أذنّي هنا وصور الدمار تغفو تحت الجفون حيناً لكنها لا تنام.. *أنا.. ما عدت أذكر من منا كان يحرك هذا الجسد الذي كان يرتعش ويتخاذل كلما علت أصوات الانفجارات وما عدت أدري كيف أمسكت بيد أمي عندما بدأ القصف واندفعنا معاً إلى إحدى زوايا الصالة وأنا أصرخ: ماذا فعلنا لكم يا أولاد الحرام حتى تقتلونا وتدمروا البلد!.. وبكلمات متلعثمة سألت: إلى أين ذهب أبي في هذه الساعة؟.. يجب ألا تبقوا وحدكم بعد اليوم يا أمي سآخذكم معي.. ــ إلى أين سنذهب بعد هذا العمر يا بني؟.. * ستسافرون معي.. لن أدعكم تموتون هنا..!.. ــ لا تخف علينا.. نحن عشنا عمرنا وهذا القصف ليس جديداً علينا.. لقد هز القصف المكان كله من حولنا وشعرت بأن البيت قد قرفص بنا ومال نحو هاوية الموت واختلطت كل الألوان في المحبرة أمامي.. فهتفت.. هيا.. أنت الرجل الآن.. خذ فانوسك السحري وامض إلى معجزتك واسبق تجار عمرك في القبض على ليلك الفارّ من الأزقة ليختبئ في عتمه البعيد ولا تنس نهارك الهارب من القنابل والبارود إلى حضن الآفاق ليراقص بشمسه مدناً أخرى.. هيا.. أنت الرجل الآن.. أنت بطل القصة والملحمة.. لرأسك التاج أيها الملك!.. هتفت.. صرخت أناديه.. لكن لم يجبني أحد غير الصدى!.. * هو.. أين هو؟!.. قلت: هل غادرني.. تخلّى عني وهرب!.. ومن الداخل جاء الصوت محتجاً: أنا هنا ولا يمكن أن أتركك في وقت صعب كهذا فكن شجاعاً وأجبني لماذا تريد التخلص مني وتدفعني إلى حتفي في هذا الجحيم؟.. لماذا اخترت لي هذا المصير؟.. أمازلت مصرّاً على أنني لست من لحمك ودمك؟!!.. أتريدني كبش فداء لك لتقطع إجازتك وتعود بمفردك إلى دبي والمدارس لم تفتح أبوابها بعد!.. لماذا تجعلني بطلاً على الورق ولم تكن بطلاً على الأرض؟!.. ها أنت تتخلى عني وأنا الذي لم أتخلَّ عنك في أي يوم.. أتنكر أنني نصحتك ألا تسافر إلى فنائك وفنائي.. قلت لك ابق هنا بعيداً عن الدمار.. ورجوتك مراراً أن تفك أسري وتأخذني ولو مرة معك إلى سهراتك في الهيلتون أو الشيراتون.. توسلت إليك أن تصطحبني إلى سوق حمر عين وشاطئ الجميرا!.. لم أكن أنوي مضايقتك.. كنت سأغافلك وأتركك مع بقية الشلة وأسعى إلى حسنائي تلك التي جذبتك وأسرتني حين فرغت من عومها وخرجت كحورية من بطن الماء.. لو تركتني لَهُرعت للمشي معها بثياب البحر مثل نجوم السينما ولطوقتها بورد حبي وهيامي لتشدني إليها قبل أن يشدني الموت إلى قبره.. همست في قلبك مراراً ورجوتك لكنكَ في النهاية أقدمت على زجي في زنزانة كتاب سيوضع على رف النسيان كي لا أفصح لهوك والبلاد تحترق!.. ــ لقد قال وقال.. وأنا قلت أيضاً.. * ــ أنا وهو وهي.. قلنا كلاماً كثيراً.. إلاّ أن الطائرات والأسلحة الرشاشة أسكتتنا حين شقَّ صوتها كل الجهات.. وحين ارتفع صوت آخر من التلفاز تسمّرت عيناي بصورة الفتاة.. كانت هي قرب الحاجز العسكري وبسيارتها المفخخة قالت خاتمةَ الكلام.. ألتفت إليه لأرى إن كان يتابع معي بقية المشهد فلم أجد سوى عينين طافحتين بالدموع ورأسٍ ما زال معلقاً على المرآة وحوله قتلى الحاجز العسكري والشظايا. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |