|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الركض في.. شباك العنكبوت ـــ ابتسام شاكوش من هذا الباب أتحدث إليكم أعلمكم بحالي من هنا لا داخل الحياة ولا خارجها تماماً في المضيق بين الضفتين ووقائع مما تتوقعون حصولها، ترى ما الذي استوقف الراكض في مشوار الحياة لاهثاً ليجعله يقرر الإقامة بقية حياته في العتبات؟ ** * ** ــ اصمتي، حديثك ممل كئيب، نحن أدرى منك بالأخبار والأحداث ــ ما الذي أتى بك إلينا أيتها الشقية؟؟ ــ جئت أبحث عن خالد ــ هل وجدته؟؟؟ ــ .......... ــ من خالد؟؟ ــ رجل، أنفه يطاول السحب شموخاً، لا ينحني لأحد ولا يحتمل مذلة، عصي على الرضوخ، كل إغراءات الحياة يرميها بأنفة تحت قدميه، يفهم أسرار الحياة الخفية والمعلنة ــ هل وجدته؟ ــ ......... ــ أيتها الصياحة النواحة، أقلقت راحتنا وشغلت أعيننا عن المراقبة المستمرة لخصاص النوافذ وفرجات الأبواب، عدد من النسوة عبرن أمامنا بخمورهن المسدلة على وجوههن، ورجال عبروا، صرفنا هراؤك عن متابعة ما يصلح موضوعاً للثرثرة يكفينا لأيام طوال. ــ لكنكم لا تعرفون بعد ما أود قوله ــ لا تقولي شيئاً، لدينا من الأقوال ما يكفي، سئمنا أقوالاً، نريد فعلاً واحداً، فعل لا قول. ــ سنفعل، اتفقنا أن نفعل، و على هذا كان اللقاء ــ حماسك يضحكنا أيتها الحمقاء، فهل تسخرين منا أم أنك غبية بحيث لم تكتشفي بعد أسرار اللعبة؟ ــ ربما لكن.. لدي أنا لعبتي وأسرارها، فقط أنصتوا... لا أريد وقتاً طويلاً، دقيقة، بل جزء من دقيقة، أعلمكم فيها.... ساد الصمت، وتحدثت شهرزاد على الملأ، لا لم تتحدث بشيء، وما كان هنالك من أحد، لقد قمعت وقطع لسانها منذ أمد بعيد، طاح منها القلم وما بقي لديها في الظلمة سوى شاشة صغيرة، وهذا الكيبورد تركض أصابعها بعصبية بين أزراره، لتنفث ما يعتمل في صدرها من الحرائق، وفأرة تطيعها في كل ما تأمر به، هي الآن في طريقها إلى قلعة نجم مواصلة البحث عن خالد قفار تتلوها قفار تتلو قفاراً، وينهض الفرات من خلفها بكتفيه، مهيباً جليلاً، ظامئاً يبحث عن قطرة كرامة في أرض عبرها هارون الرشيد وصلاح الدين الغرقد يزخف حثيثاً في غير بيئته، غادر مدرجات الجبال، مسافراً إلى هنا ليلحق بقلعة نجم قبل وصول شهرزاد مكرساً نفسه رمزاً جديداً للسلام. نجم، الأمير صاحب القلعة، راقد هناك في جدث دارس على مقربة، أسلم جسده للتراب بعدما بنى من حول مرقده أقواس نصر بعقود حجرية بديعة تشف عما كان يسكن نفسه من الجمال ومن العنفوان. الأمير صاحب القلعة ترك أقواسه من حوله مرصعة بصور نافرة لسيوف مشرعة، تقف بثبات في وجه زحف الديس، الديس أو الغرقد أو توت العليق، أو أسماء كثيرة، والمسمى واحد، نبات يستوطن حواشي الحقول منتظراً أي إهمال من راعي الأرض ليهجم بحباله الشائكة فيغطي الخصب ويجعله ملاذاً ومأوى للثعالب والخنازير البرية، لقد أقسم الأمير نجم قبل أن يسلم الروح بألا يهادن غاصباً ولا يسالم، قسمه يتطاول على قسم الزير سالم، ووصية من سبقوه تبز وصية كليب الديس يزحف بأغصانه حتى يكاد يلامس بها أسوار القلعة، يمد أماليده الناعمة الخضراء مناوراً ثم يشهر الأشواك، فيسقط العابرين في شراكه، يدمي أجساداً ويمزق ثياباً فيكشف عرياً ويسفح دماً، ترى من سوى خالد وأتباعه يقدر على الوقوف في وجه طوفان الديس؟ أفل نجم الأمير وبقيت مبانيه رسوماً تشهد على التاريخ. تشهد على التاريخ؟ شهرزاد لا تصدق شهادة الحجارة، تريد خالد، القائد الأعلى لجيش الأمير نجم، إنسان العصر القادم من غياهب التاريخ حاملاً في عقله كل تقنيات الحاضر لتشكو له... شهرزاد نسيت موضوع شكواها، غامت في ذاكرتها الكلمات والأسماء، لكن خالد يعرف ما تريد قوله، يفهم لغة لسانها المقطوع، لذلك اطمأنت، ستلتقيه هناك، داخل القلعة، في ضيافة الأمير، ستتمسك بأذياله تستصرخه، بلوعة فتاة عمورية، موقنة أنها سوف تجد لديه من الشهامة ما يفوق شهامة المعتصم وأن مضيفه لا يقل عنه حماسة ورجولة، سوف يلتفت إليها بدهشة وأصابع يديه ما زالت تتنقل بخفة بين أزرار الحاسوب. الوقت فقط هو عدوها الآن، يجب عليها إخضاعه والانتصار عليه قبل وصول الديس إلى حيث أرادوا له الوصول، راحت تتأمل المشاهد على جانبي مسارها، تغذ المشي حافية غير عابئة بالشوك ولا بالحصباء، حجر ناتئ يعلو سطح الطريق يصدم قدمها فتنكب على وجهها، خدشت أنفها رائحة القار المنبعثة من تحت التراب حيث تستقر مخازنه التي ما وصلتها يد الإنسان بعد، فتحت عينيها بدهشة من أفاق من حلم، مسحت بنظرة سريعة بيوت القرية القريبة وقد شمخت أمام أبوابها تلال من أقراص الروث المجفف وقوداً للشتاء القادم، الوقت قصير، ورسالتها جد هامة، لا ينبغي لها الوقوف أو التوقف، لا بأس بوجع قدمها، سيذوب بين الخطوات، تابعت المسير، خيام البدو انحسرت عن جوار الماء نائية بنفسها عن مشاهد وموائد مستديرة تدور محاورها حول الماء، الهضاب قبيل القلعة تحني ظهورها موطئاً لكل عابر، تابعت المسير، المخافر ها هنا أفواه درداء مفتوحة للريح، تعمل بالبلع دون المضغ، تابعت المسير، الزواحف المعدنية تلقي بحمولتها من الأجساد المعروقة في ماء الفرات وتقعي على الشط كاتمة اللهاث مستسلمة للانتظار، الشمس تجري لمستقر لها عكس وجهة شهرزاد، النهار ينسلخ عن الليل في نهاية الأفق، خشيت أن يدركها الظلام، تابعت المسير، جيوش النمل تسعى لرزقها بين فتات الموائد، لا تعبأ بنورس يبسط جناحيه بكسل واضح فوق صفحة النهر.. وتوقفت. الخيمة الرابضة عند أقدام القلعة مثل كلب حراسة هرم تتثاءب عن بضع زجاجات من المياه الغازية، ورجلين ناعسين يشربان الشاي البارد، تجاوزتها بسرعة، وراحت ترتقي الدرب الصاعد إلى باب القلعة يدفعها شعور غامر بالنصر، تنبه الحارسان امرأة تدخل القلعة بعد الغروب وحيدة؟ تركا مربضهما ولحقا بها، كانت تدفع الباب بكل قوتها ثم تتراجع بحثاً عن ثغرة تعينها على العبور، منادية خالد بصوت ضارع خاشع ينبض بالأمل، استوقفاها وهما يتغامزان، المكان قفر وقد خلا من السائحين، والمرأة شابة وحيدة تشتعل بالفتنة ــ ألا ترين الباب وقد أغلق؟ ــ أرى.. وأدهش من إغلاقه ــ لماذا؟ ــ أين حرس الأمير نجم؟ ــ نحن ــ لماذا إذا تغلقان الأبواب في وجه الطارقين؟ أين خالد؟ ــ هذه تعليمات مديرية السياحة، انتهت المدة المخصصة لزيارة القلعة هذا اليوم، والأستاذ خالد مدير دائرة الآثار لا يأتي إلى هنا، مكتبة في حلب، الدليل السياحي لهذا المكان لا يزورنا إلا نادراً، من أنت؟ أأنت من أقاربه؟ ــ أين (خانق العبرة)؟ أين (قلب الذهب)؟ أين (يورق الصخر)؟ ــ ما هذا الكلام؟ أنت تهذين ــ بل أتكلم بكامل الوعي والجدية هذه أسماء مستعارة لرجال أشداء، وأنا شهرزاد نظيرتهم في موقع المحاورة العربية ولكن.. لماذا تتناولان خالد بهذه اللهجة المشينة؟ أنتما من يهذي، وربما لا تعرفان خالد... ظننتما أنه زميل لكما.. حاشاه من الجلوس خفيراً على الأبواب تبادل الرجل نظرات جوفاء وقد أسقط في أيديهما ــ اسمعي.. اعتبريني غبياً.. لم أفهم ما قلت، ما هو موقع المحاورة العربية الذي جئت منه بهذه الكلمات الخالية من المعنى؟ رمى رفيقه ببسمة خبيثة، ثم أكمل غامزاً: ــ أي شراب ذلك الذي دار على مائدتكم في جلسات المناظرة؟ ــ هل أسكركم جميعاً ذلك الشاب أم سكرت به وحدك؟ ــ ولماذا يرميك خالد بعد ذلك حافية في هذه المفازة؟ ــ تباً لكما، أنا وخالد لم نجتمع في مكان واحد بعد، ذلك موقع المحاورة العربية ولم نكن وحدنا فيه، كنا مجموعة رجال ونساء يجمع بينهم العلم والفكر الراقي والرغبة الصادقة في إنقاذ الوطن ألا تفهمان؟ ــ في الحقيقة.. لم نفهم شيئاً مما تقولين ــ هو موقع على النت، نتحدث فيه عن كل ما كان وما صار وما يجب أن يكون ــ هل أعطى حواركم ثمرة؟ على أي شيء اتفقتم؟ تحاورنا على النت، اتفقنا على أشياء وطنية وأخرى كونية لن تفهماها... ولكن.. لماذا أضيع وقتي معكما بلا فائدة؟ الخطب جلل لا يحتمل التأجيل. عاد الحارسان إلى مجلسهما يشربان الشاي البارد ويرقبان الفرات بشرود، بينما راحت شهرزاد تتدحرج في المنحدر مرددة في سرها: الأستاذ.. الدليل السياحي.. القلعة فقدت عروبتها فأغلقت الباب في وجه ملتمس القرى، رأت على جانبي الدرب وكأنها كانت من قبل لا ترى، قطعاناً من الأغنام تمشي بغفلة بين الأجداث، تعبر من تحت أقواس النصر.. ولا نصر هناك، القناطر انفرطت معظم عقودها تحت الأظلاف، وتنبهت.. المكان يخلو من الكلاب، أين كلاب هذي الأرض؟ أيعقل أن يبعث الأمير من مرقده فلا يجد حوله طوق كلاب تحرسه وتلوح بذيولها مصدقة على كل ما يصدره من فرمانات؟ من يدري؟ فقد يبعث يوماً ليجد الديس قد أحاط بأسواره فيستبدل سيفه بفأس يقطع بها جذوع الديس وأعناق من رضخوا لحكم أشواكه، ومن يدري، ربما يأتي سمي له إلى هذا المكان، يعقد المجالس ويدير الندوات باسمه، مقسماً الأيمان أن الديس بدل النخل هو مشروعه الاستراتيجي الأكثر رحباً، أين خالد المشرف الأول على منتدى المحاورة العربية؟ أين باقي المشرفين والأعضاء والضيوف؟ إلى أية مظنة تركض الآن بحثاً عنهم؟ لا تدري، لكنها لن تمل البحث، قبل قدومها كانت تسمع عن ملحمة سطرت في هذا المكان فأين هي؟ ذهبت بخيالها إلى المعاجم والقواميس، ثم ضحكت بمرارة، وتساءلت عن الملحمة: أهي دكان لبيع اللحم؟ أم أداة للحم ما لا يلتحم من الأحداث والأشخاص والأسماء؟ حاصرها الندم: ليتها كانت صادقة مع نفسها في ذلك الحوار، ليتها دخلت الموقع باسم واحد لا أسماء عديدة مستعارة. عادت أدراجها من حيث أتت، لتقعد وحيدة شريدة تقارع الأفكار، أمام شاشة مضيئة عنكبوتية الشبكات، تبحث، وتحاور، أملاً بيوم يبزغ فيه خالد مثل نجم المساء، وينتشر حوله مريدوه يوزعون الضياء، ويمطرون أفكارهم التي تدارسوها على الشاشات خيراً يعم البلاد وطوفاناً يغرق الخصوم، هكذا كان الاتفاق، ليعيدوا بناء أقواس النصر، ولكن.. أتراهم يرممون الموجود دعماً للموسم السياحي القادم؟ أم أنهم سيبنون أقواساً حقيقية تعبر من تحتها جحافل النصر الحقيقي، وأي نصر؟؟ تخشب عمودها الفقري وهي جالسة على كرسيها أمام جهاز الكومبيوتر، تدير محركات البحث لعلها تجد أي خيط يوصلها إلى محاوري الأمس: خالد وحمزة أو شهريار أو قلب الذهب أو ليلى أو ضوضاء... وحده المخدّم (السيرفر) كان يعلم أن كل هذه الأسماء، وهذا الحوار البارع، يصدر عن جهاز واحد، وحده المخدم كان يعلم أن نصف عدد أولئك الأشخاص، رجال ونساء، هم أقنعة لرجل أغلقت في وجهه دروب الواقع فاستسلم للأوهام، ونصفها الآخر لفاطمة بنت فطوم، وحده كان يعلم أن كل الرجال الذين تلبس أقنعتهم كانوا يحدثون النساء بالكلام الذي تشتهي أن تسمعه فاطمة بنت فطوم من مجحف بن محجم، لكن هيهات، فمجحفها، ذلك الرجل العاضّ على ذيل ثوبه بأسنانه، ما زال يركض في دروب الحياة لاهثاً يبحث عن الصدق في زمن ضاع فيه الصادقون أحبت فاطمة بنت فطوم اسم شهرزاد من بين الأسماء النسائية الكثيرة المستعارة التي استخدمتها والشخصيات التي مثلتها، ووزعتها بين مواقع الإنترنت ومنتدياتها، تشبع ضنك روحها بالحوار، ولا حوار. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |