|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الهجرة الأخرى ـــ علي خيون/ العراق ـــ وداعاً.. عثر بحجر، ارتبكت خطواته وهو يسحب نظراته المبتلة بالدموع مثل شبكة صياد كهل داهمه الليل بلا أمل. حفيده الصغير يناديه بابا، لم يختلط الأمر عليه، لكن والده شاب دون الثلاثين ومشغول عنه، أما هذا الرجل الطيب الذي يدب بأناة وحكمة فوق العقد الثامن، ملاحقاً بإحساس حزين بالنهاية، فيبدو أباً صالحاً، يحنو عليه، يلعب معه، ويدافع عنه حتى في لحظات النزق والعبث. ـــ وداعاً.. الصحراء بلا حدود، عابسة، ظمأى، عليقات وأشواك وجراد بر والسموم تلفح صدره كالهموم، والطريق طويلة، تورمت قدماه، مباركتان هما، تجولتا في حجرات الدروس خمسة عقود حتى امتلأتا بالدوالي الزرق، أين طلابه؟! أجيال نابهة من بناة مخلصين.. تأكد أن بواسيره المزمنة نزفت قبل الحدود بمئات الكيلو مترات، لم يجرب الهجران من قبل، بل جربه مرة، قرب شجرة الزيتون، لا يصح في مثل هذا العمر، أن يكذب الإنسان أو يغمز أو يلمز أو يأكل لحم أخيه ميتاً، أو يفسد في الأرض أو يسفك الدماء بغير حق. معاذ الله.. حمل جرحه صابراً حتى كاد الجنون يفتك به لولا شجرة الزيتون التي ظل يزورها لعقود التماساً للصبر والسلوى. ـــ إئذن لي يا حبيبي.. ـــ بم؟! ـــ بأن أهجرك!! غاص قلبه حتى قدميه، أتهجرينني يا فاطمة؟! لم تجب، بكت، لكن السائق قال أخيراً خارجاً من صمت عميق كالصحراء: ـــ وصلنا الحدود.. تلفت الرجل حائراً، أين هي؟! ذلك استئذان مر لا يطاق، قال لنفسه، لكنه لم يجدها، أين هي؟! أيقن أن الكلام مجازي لا يعبر عن حقيقة مرئية أو ملموسة، فسأل ذاهلاً: ـــ أحقاً ما تقولين؟! هزت رأسها بأسف المضطر الذي لا حيلة له، فقال: ـــ للهجر دواء هو الصبر.. قالت: ـــ الهجر غير التهاجر.. قال السائق: ـــ تلك هي الحدود.. ظن الرجل أن عمى مؤقتاً أصابه، لم يكن يرى شيئاً، فعاد يسأل باهتمام: ـــ كيف؟! وحبنا؟! كانت تتكئ على شجرة الزيتون الوحيدة في باحة الجامعة، والشمس تتكور مثل بلورة مشعة في عمق دمعة انسابت على خدها، طوحت بالشال، بدت مشتهاة، طاف في ذهنه موال قديم يوصي بالصبر الجميل، ارتبك شيء في أمعائه، شيء تحته، أدرك أن النزف سيستمر لكن لا حيلة له، وطاف في ذهنه وجه ابنه، وحيده الذي قال قبل أن يعرج إلى السماء في حواصل طير خضر: ـــ إن كنت تحبني فانفذ بجلدك!! ـــ أبعدك حياة يا ولدي؟! ـــ إن كنت تحبني فارحل.. ـــ أحبك.. ولكن هل أهرب بأعوامي الثمانين؟! فقال الولد: ـــ من قدر الله إلى قدر الله.. لكنها قالت كلمات ذات معنى في جرأة أذهلته: ـــ سأكتب لك.. وسأكتب عنك ولو كان البحر مداداً لحبي لنفد البحر.. كبرت الشجرة، حملت زيتوناً أربع مرات، فتخرجا معاً بعد أن حفظا ألفية ابن مالك، لكنها كانت متفوقة عليه، تحفظ الشعر بسهولة وتلعب بالكلمات، كان كلاهما في ربيع العمر، نما حبهما وسط سواقي الآس، وخلف شجرة الزيتون الوحيدة، وترعرع في أحضان بغداد، لكن الرياح جرت بما لا يحبان، فتحتم سفرها مع أهلها، كانت تحمل حقائبها من أرض إلى أرض، بعد أن ضاعت أرضها في زمن مغلف بالحزن والأسرار، كان ذلك قبل ستين عاماً، دارت الأرض فيها على قرن ثور أهوج، ومرت في الأنهر الصابرة مياه غزيرة، وهاهو يقف متكئاً على باب الحافلة المخصصة لركاب الطرق البعيدة، وضع قدماً في الأرض وأخرى على دكة الباب، والتفت إلى حيث الأشجار والطيور والمباني التي تحترق، وقال وهو يسحق دمعة: إئذن لي بأن أهجرك.. تدافع الركاب حوله، تحني ظهورهم حقائب كبيرة، فاندس بينهم، ولم يسمع جواباً شافياً، وطنه مشغول عنه بمحنته، وسرعان ما اختفى عن ناظريه بين كثبان رملية وعليقات يابسة وصخور صماء.. تذكر فاطمة وسمعها تقول: ـــ وطني في محنة يا حسن وبه حاجة لي.. فرد على خيالها وهو يستقر على كرسيه في الحافلة: ـــ أفهم كل كلمة من كلماتك الآن يا حبيبتي.. أين هي الآن؟! جرح السؤال صدره، أهي في حواصل طير خضر في السماء مع ولده؟! سعت به الريح إلى المجهول، خيّل إليه أنه لمح فارساً في الصحراء.. سمعه يقول بثبات: ـــ كلما قطعت الصحراء، أيقنت أن الله لا يمكن أن يوضع بين أربعة جدران!! لماذا أيقظت الصحراء أشواق روحه؟! أين رآه من قبل أو قرأ عنه؟! بدت الصحراء خالية، مقفرة، جافة، خطرة، أما السماء فتبدت فوقها آمنة، مرتفعة، تزخر بالخير والطير والرحمة وترنو بعين لا تنام.. أيقن أن السماء هي من فعل ذلك، هي من أيقظ الشعور والوجدان فقال بصوت مسموع: ـــ لا قدرة لي على الهجران.. وأضاف: ـــ إليك يا رب أشكو ضعفي وقلة حيلتي.. سمعته فبكت، لكنها كانت مصممة، تنذر روحها لحب كبير آخر، قالت: ـــ إئذن لي يا حبيبي.. آخذتها موجة بكاء صاخبة، قال مستحضراً قصص الصبر ومواويل الأمل: ـــ قد لا يطول الغياب.. واستجمع بقية عزم يشد به أزره فقال: ـــ شجرة حبنا ستبقى هنا شاهداً وأملاً وذكرى... لكن الأيام توالت كصفحات كتاب يطوى، والأرض هزت عجيزتها مثل غجرية لاهية، لا تحفل بالأحزان، ولا تدري ما الصبابة، ولا تعرف معنى أن يترك شيخ حفيده في أرض بعيدة ملأى بالمخاطر. عادت فالتقطت الشال، سألته: لم تقل شيئاً؟! غمغم على نحو غير مفهوم: ـــ قد تهون الأرض إلا موضعا.. أيقنت أنه حزين وقد أسقط في يده حين خانته البلاغة الحمقاء، مدت يدها وبسطت كفها على غير عادتها، تريد المصافحة لتلمس كفه، سرت قشعريرة في البدن كرجفة الفجر، فقال لها محاولاً أن يهون حزنه وابتسامة باسلة على محياه: ـــ يحضرني موال عن الصبر.. هل أغني؟! لكن السائق قال بحزم: ـــ تهيأوا.. تلك هي الحدود!! تلفت مأخوذاً.. أين هي؟! كان الفارس قد أقبل مرتاحاً بعد أن غمر اليقين فؤاده، قال له بنقاء مطمئناً إلى حلمه وحكمته: ـــ بقيت مثل السيف فرداً.. ولا بد لي من غمد!! كان غيوراً، رق لحاله، فأخذه خلف ظهره، بيد أن السائق خرج عن صمته فقال بانفعال: ـــ هيا.. تحركوا بسرعة.. هيئوا الأوراق!! هبط الجميع، توقفت الحافلة لكنه لم يتوقف، تحول من ظهر إلى ظهر، الأرض غير الأرض، هاهي تدور على نحو أسرع، وللغبار لون ورائحة، الصهيل مسموع، حمداً لله، لقد غمره اليقين وصار بصره حديد.. هاهو ولده قرب شجرة الزيتون، فاطمة تعود بعد ستين عاماً من الغياب، حفيده يعتلي صهوة جواد أدهم. شعر بالحبور يملأ جوانحه ونسمة باردة تهب من مكان لم يتبينه، بيد أن الأصوات تعالت مختلطة صاخبة من حوله، ماذا جرى؟! بدت الوجوه فزعة وهي تتابع خيطاً من دم غزير تحت المقاعد، والسائق المتعب، يقول لمن معه بحزم: ـــ ليحمله الرجال على الأكتاف.!! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |