|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
طقوس جنائزية ـــ زرياف المقداد أنا الأول، وأنا الآخر. أنا البغي، وأنا القديسة. أنا الزوجة، وأنا العذراء. أنا الأم، وأنا الابنة. أنا العاقر، وكثر هم أبنائي. أنا في عرس كبير ولم أتخذّ زوجا. أنا القابلة ولم أنجب أحدا أنا سلوة أتعاب حملي. أنا العروس، وأنا العريس وزوجي من أنجبني.. أنا أم أبي وأخت زوجي وهو من نسلي عشتار المشهد الأول: هل كنت أعرفها.. أهي زوجتي أم أختي؟ أهي أمي أم أبي.. أهي أنا ولست هي لا أدري ما زال السؤال يغرقني في المتاهة العظمى.. هل كنت أدرك وجودها.. وتزدحم الأسئلة ذباباً متطايراً في وجهي، ووجوه المارة ونحن ننظر إليها غارقة في الوحل عجوز تكاد تكون شابة منذ ولدت.. سيدة التفاصيل الصغيرة تعيد ترتيب الأشياء والأسماء كما تشاء، تعرف عيدان الكبريت في هذه المدينة، وتعرف مكان رفوف الكتب العتيقة.. تعرف من فض بكارة المدينة، ومن زنى بالنهر حتى رمى وحله إلى الشاطئ. سيدة الغناء الحزين.. الظل يعبث بأطراف ثوبها وتغريها خطوات الشمس بالمضي نحو شواطئ الأفق الغارقة في لجة العتمة.. هل كان السعي في الشوارع حقيقة مطلقة لكل أولئك المارة؟ هل استيقظ الفجر عنوة ذاك النهار؟ كما قالت العجوز المتكئة على عصاها منذ أزمنة غابرة؟. أم أن البعض كان يسبح في الفراغ، ويدثره الهباء معلناً عن خواء في ذاته. بينما تعلق أطراف حقيقة مجردة بأرواح الآخرين. وهؤلاء وحدهم الذين كانوا يتحسسون أجسادهم كل نهار في متاهة المدينة الغائرة. تارة تشعل أعواد الكبريت وتلقي بها إلى النهر. وتارة توقد شموعاً على أبواب الكنائس تعلن عن ميلاد الطفل الحزين... غناؤها الحزين مكنوز بأفئدتهم الصغيرة التي تكاد تكون لأطفال هربوا من موائد الجوع والحريق. غناء يربك الريح حين تجتاز بقسوة عتبات البيوت، ويهرب خطوه بين أجنحة النوارس الهاربة من شطآن غائرة إلى طرقات وعرة. تحلق خائفة تائهة.. تتكسر أجنحتها على عتبات الظلمة المنتشرة وبحزن. الأشجار نائمة في العراء.. أهي ميتة أم واقفة لا نعرف نحتاج إلى حرق جذورها كي نعرف.. عبر الجسر جسد مدينتهم من الشرق إلى الغرب.. جسر معلق في ظل السماء النائمة.. وفاطمة عارية فوق الأشجار تعيد ترتيب جسدها كل مطر... في زمن ما تستلقي فوق أدراج الغيوم تمارس طقوس أنوثتها المعهودة تلقي مطرها بازلتا أسود يشي برائحة البركان منذ ثورته الأولى حين أودع رحمها كل الحكايات والأساطير عن المدن التائهة في الزمن الماضي والحاضر في زمن يحمل في ذاكرته مستقبله. هل كنت أمر فوق ذاك الجسر؟ أم كنت أعبر بمزمار الراعي جسد فاطمة..؟ أم كنت أقف مع الجمع حول العجوز؟ لا أدري أكنت واحداً من هؤلاء أم كنت كلهم مجتمعين؟.. أم هي فمصلوبة منذ الأزل.. ربما منذ عهود الطين. هي.. امرأة منتشرة كما هو الظل.. مازال السؤال ينخر عظامنا المكسوة ترهلا المشهد الثاني من هي؟ تلك هي.. من هي؟ لا أدري.. الآن فقط ندرك أننا لا نعرف اسماً لها.. هي كل الأسماء.. وكل الأشياء.. هي تلك الحجارة المرصوفة في قاع الرصيف منذ مئات السنين قال محمد وقد انحنى فوق الأرض يعيد منذ مئات السنين ترتيب حجارة الرصيف: أظنها تسكن الأرصفة... صاح الرجل الأربعيني بصوت طفل: والله منذ كنت صغيراً.. ضحك الرجل التسعيني بخبث وقال: عندما كنت شاباً خطبتها.. وكانت عجوزاً ولم ترض بي.. قالت: أنا أمك.. ألا تدرك.. قلت لها لا أعرف. هزتني الشمطاء وصاحت في وجهي: عليك أن تدرك يا رجل من أنا.؟ وببله أعمى أتم الرجل: هذه الشمطاء لا يقعدها البرد ولا المطر هي.. هي ما زالت عجوزاً منذ ولدت.. الآن فقط ندرك حين هبت الريح وألقت بفاطمة في حضن النهر أن الرصيف عريض جداً وحجارته مرصوفة بإتقان غابر في القدم.. وأن وجهه موشوم بحوافر خيول وغناء جنائزي منسي.. يصفر بين حجارته منذ ولد التاريخ في هذه المدينة. وأنها وفاطمة تشيلان أعواد الكبريت وتوقدان الشموع على أبواب المساجد والكنائس وتوقظان المقبرة كي يدفن الطفل ألف مرة كل يوم.. المشهد الأخير يعبر إلى الزمن الحاضر... (جئت أشتري ) قال لها الرمادي... وأخذ يرمي أوراقه الخضر حولها. ــ أنا لا أبيع ــ ما الذي جاء بك؟ ــ ما الذي أتى بك؟ سألته دون أن ترفع بصرها إليه. أجابته بسؤالها وكانت تقشر وجهه ورقة ورقة. قالت: أنا هنا منذ مهد البركان وجه الأرض. لكنك متى وأين ولدت؟ تاه الجمع في بحر السؤال، وغرق الرمادي في السواد. استيقظ الفجر صحوة هكذا قالت العجوز وقد ضمت فاطمة إلى صدرها ترضعها ما لا نراه حلقت فوق الجسر انتشرت المرأة في الفضاء كانت مضيئة تشد ألواحها السبعة إلى مئزرها وعلى رأسها تاج السهول. يشع محياها ألقاً وبهاء تقبض بيدها على صولجان لازوردي، وجيدها معطر بأحجار زرقاء وصدرها مزين بلؤلؤ يضج البحر فيه وجسدها وشاح لسلطان ماض في القدم. الآن استيقظ الفجر فينا الآن تضج المواسم فينا معلنة تعاقب الفصول وريح عاتية.. تلف الكون حولنا.. أتخرج من باطن الأرض؟ لا ندري.. أتأتي من الشرق؟ لا ندري. أهي من الغرب؟ لا ندري.. لكننا للمرة الأولى ندرك أنها سوداء وتأكل بشراهة ولا تذر أخضرَ ولا يابساً. أنظارنا معلقة بالطفل تشيله فاطمة ويحمل آلاف الأطفال يبحثون عن مكان للدفن ولا يجدون كنا نقرأ ونكتب الأشعار نقتات بها وننتظر مجتمعين حضن امرأة ما. لم نكن ندرك تعاقب الفصول فينا لم نكن ندرك تعاقب حالات الضوء فينا.. كنا نسقط.. وتسقط المرأة معنا. "تنزع زينتها وتنثر جواهرها يسيل البحر من لؤلؤها ويسترها وشاح سلطانها الغابر في القدم". تحدودب فوق عصاها تتكور.. تمور تنتصب شجرة وارفة الظل.. تتكور تسقط أوراقها الخضر وتصبح جرة فخار تنضح حليباً يسيل على الرصيف تلقم أثداءها المنتشرة كنتوءات فوق وجهها وجسدها للمارة. والرمادي يلعق لعابه ويدوس بقدميه أوراقه الخضر. المشهد الأول في الزمن الماضي. الخوف مطر يغسل الأشجار العارية.. ويكشف الضوء المنتشر وجه الرصيف... يلوح فيه أقزام صغار صغار يزحفون تارة يركضون أخرى يدفعهم ملك متعب يلمهم بعصاه كلما حاول أحدهم الفرار من القطيع. يصبح الرمادي غباراً ينثر الموت دونما هوادة.. يدوس أشياء وأسماء كثيرة تراها العجوز وقد دقت وتداً حزيناً في وجه الرصيف وأنينها بوح جنائزي متعب يشهد موت الأشياء والأسماء.. المشهد الأخير وقد عبر إلى متن الحاضر في زمن يحمل في ذاكرته مستقبله.. الآن فقط أدرك أنني كنت مع الجمع نحملق بوجه الرمادي الذي لم يكن سوى أحد الأقزام الذين كان الملك يدفعهم كلما حاول أحدهم الفرار من القطيع ضربه بعصاه.. يحرق الرمادي الأشجار الواقفة ويلعق تراب الرصيف ثم ينزع بشراهه حجارته.. تسقط عصا الملك.. يمسك بها أحد المارة يدفع من جديد الأقزام أمامه.. لكنهم يهربون. تارة ويهربون تارة. ويحاولون من جديد وبشراسة هدم الرصيف ..لكن الرصيف نهاية الجسر. والجسر معلق في السماء يقرأ طقوس جسد فاطمة ويعبر فوق البازلت الأسود. يحاولون المرور فوق البازلت.. يحرق وجهوهم. يكسرون جرة الفخار وينزعون الجدار والتاريخ ينهار وجه المدينة ويسيل حليب المرأة على الأرض ترضعه للمارة لهيباً. هل كنت؟ هل كنا؟ بل أصبحنا تقبض أيدي الأقزام رقابنا العالية. هل كنت أعبر الجسر؟ يا فاطم لم يعد هناك جسر علينا أن نبني الجسر علينا أن نرصف الرصيف من جديد. يا علي: احفر وجه الماء ستجد وجه الرصيف.. احفر يا علي ستجد حجارة الجسر.. يا فاطمة: سيعلقونني. يا علي سيعلقونكم أيقظتني الشمس.. اليوم سيعلقون.. لمحت وجوههم في صفحة السماء تفرست في كل الأسماء وكل الأشياء الملقاة.. ووجدتني على آخر عود أغني برأس مقطوع حلماً باكياً لأرصفة رايحة وأرصفة غادية.؟! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |