|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الحمار والعربة ـــ عدنان كنفاني دمعة صغيرة تأرجحت فوق جفنه المتجعّد وكادت تقفز.! في اللحظة نفسها تلاشت، اعتصرتها تضاريس الوجه الضئيل، وضيّعتها بين تجاعيده العميقة. ولم يستطع ذلك الوجه الضئيل إخفاء مسحة الحزن المتقاطرة نزولاً وصعوداً، تختلط مع شعيرات حاجبيه الكثّين، وتتمسّح على أنفه الذي رأيته منقاراً لصقر متحفّز، ثم تغوص في فوضى شاربيه الأشيبين، تتأطر عبر التجاعيد التي جهد الزمن في حفرها. لوحة جامدة خرساء، صورة حزن لا يوصف، ألف قيد يكبّله، ورغم ذلك تشعر أنه قادر على الانطلاق متى شاء إلى كل الاتجاهات. ــ لابد أنه محمد مرة أخرى.. أليس كذلك.؟ طوى وجهه الضئيل، وأطرق صامتاً تكتنفه حيرة. مثّل لي "أبو محمد" عبر فترة ليست قصيرة من الزمن عايشته فيها، طرازاً فريداً من الرجال المسحوقين، المغموسين إلى تحت في كل الظروف. تجري الحياة من حولهم ولا تمسّهم بأفراحها، لا هم فاعلين فيها ولا هي تلتفت إليهم. مقوّس الظهر، أنهكته النوائب، يستند بين لحظة وأخرى بكلتا يديه إلى عصا طويلة، أو لعلّها تستند إليه. يتعلّق على كتفيه بإهمال معطف برتقالي اللون، متّسخ، تطال أطرافه المهتزئة حوافاً لجزمة المطّاطية الطويلة، ويحتضن براحتيه اليابستين كفرعي شجرة زيتون معمّرة، العصا الطويلة المنتهية بمقشّة عريضة. كلها تحمل بإعياء أعضاءه المنهكة، فيبدو مع أشيائه القليلة البالية، كفارس قام من غفوة الماضي، تلقّى طعنةً قاتلة.. وهاهو ذا يكاد يهوي.! ورغم ما يبدو على وجهه من هدوء ولا مبالاة، تحسّ أنه يخفي شيئاً من عنف غريب يطفو فوق تفاصيل حركاته، وممارساته الصغيرة، كأنه يقذف سباباً ملغوطاً في وجوه الناس. كلما انتصف الليل، بتوقيت دقيق، ليلة إثر ليلة يدخل كالفاتحين مع موكبه المجلجل دنيا النائمين في حيّا. حمار كسول منهك، يجر بإعياء عربة مهترئة جمعت أجزاؤها من خليط أشياء عجيبة. حديد وتنك ومطاط وقضبان طويلة وقصيرة، تهتز كلها، تئن وتتلاطم كأنها حظيرة قرود مذعورة، يتقدمها صاحبنا متنكباً عصا مقشته كالحربة، متجاهلاً أمر جلبة العربة والحمار. وحين يتقصّد الحمار النزول عن الرصيف المرتفع، مبتعداً عن المنزلق الإسمنتي، تقفز العربة فترتطم دواليبها المخلّعة مرة واحدة على إسفلت الشارع. يبتسم أبو محمد بخبث، بينما يمضي الحمار مباشرة إلى أكبر كومة من الفضلات، يغرز فيها رأسه بتلذذ. وهكذا ليلة إثر ليلة صار أبو محمد وحماره وعربته قضاءً فُرض قسراً على حيّنا المسكين، وعلامة كريهة، مستمرة، لا تنقطع. تمنيت في تلك الأيام لو أخرج إليه، أكسر رقبته ورقبة الحمار الأبله، لكنني لم أفعل.. أحسست أن بيننا رغم مساحة الجفاء بعض صفات مشتركة. فأنا أعمل في الليل أيضاً، وكلما قصدت عملي إلى المطبعة القريبة، أقابله، أرمقه بنظرة أحمّلها أكبر قدر من الحقد الذي أكنّه له، فيجيب بابتسامة خبيثة تضيع بين تجاعيد وجهه الضئيل، وتختلط مع فوضى شاربيه الكثيفين المحتلين مساحة كبيرة من وجهه، ولا يظهر لي من بين شفتيه أكثر من سنّ قاطعة كبيرة ترتكز على وسط شفته السفلى تقسمها إلى شطرين. لم أعد أذكر متى بادلته الابتسام للمرة الأولى، ومنذ ذلك اليوم تعودّنا عندما نتقابل أن نتبادل ابتسامات صغيرة ليس أكثر، وصرت حين تقفز العربة وتفرقع دواليبها على إسفلت الشارع، أبتسم ولا أجد تفسيراً معقولاً لما أفعل. أشعر رغم قسوة الصوت الطاعن سكون الليل كأن نسمة رطبة تمرّ من أمامي، فأفتح لها صدري، وأفرغ براحة وحبور شحنة كبيرة من سموم تراكمت في أعماق صدري على مدار يوم كامل، أتنفس بعدها بعمق، وأمضي إلى عملي. فاجأني ذات ليلة وسألني، وهو يستند إلى عصاه بكسل: ــ عندك أولاد يا أستاذ.؟ ــ أنا لم أتزوج بعد.! تنهّد وأردف: ــ خسارة يا أستاذ، تستطيع أن تشكّل أولادك كيف تشاء، ما لم تقدر أن تصنعه لنفسك، وما لم يقدر أن يصنعه لك أهلك. أرخى جسده المشدود وتابع: ــ سيقدم محمد إلى امتحانات الشهادة الثانوية بعد أيام.! ومثلما يفعل دائماً، لّف إحدى ساقيه فوق الأخرى، وأسند جسده على العصا. محمد أيضاً كان مسحوقاً هو الآخر، اقتحمه ذلك الإحساس دفعة واحدة حين أنهى دراسته الإعدادية في مدارس المخيم، وانتقل إلى مدرسة ثانوية في المدينة. تلمّس بمرارة أطياف أمور كثيرة كانت مجهولة بالنسبة له، نقلته فجأة خطوات واسعة في محاولة إيجاد تفاسير معقولة، لكنّها استعصت، وكانت في حينه أكبر من قدرته على الإدراك. لكنه بحسّ فطري بحت أيقن بأنّ هناك خيطاً واهياً يفصله عن تكريس هذه الحقائق، وتسخيرها زاداً للمعرفة المثلى، وحين وصل به القرار إلى فشل التلمّس، دفعه هذا الإحساس إلى مزيد من الإصرار على مواصلة التحصيل العلمي الذي وجد فيه السبيل إلى المعرفة، وطريقاً للخلاص. ــ دخل محمد إلى الجامعة.. سنوات قليلة ويصبح طبيباً جراحاً.! رسمت على وجهي أكبر ابتسامة وجدتها تناسب الحدث، أردت بإخلاص أن أشارك الرجل فرحته العارمة، فقد كنت أعلم من خلال علاقتي به أن ذلك غاية ما يتمنى، وأقصى آماله. من أجل ذلك تحمّل سنوات كثيرة من القهر والذل، تحمّل الوحشة وأنين الضواري في ليال طويلة بطيئة وباردة، هو وحماره والعربة. تحمّل وقفات انكسار أمام دفتر المراقب، وسط الفراغ والغربة وتحت الأضواء الباهتة الخافتة التي ترسم تحت قدميه صوراً للشياطين. ليس له من رفيق إلا الحلم، والأمل المتوهجّ.. يمضي إليه، لا يلتفت إلى شيء آخر. ــ ما هو عملك يا أستاذ..؟ سألني فجأة، كأنه يطلق رصاصة في وجهي، أجبته متلعثماً: ــ أعمل موظفاً في مطبعة..! ــ وأنا أيضاً.! نظر إليّ بطرف عينه وأردف: ــ كل من يعمل في الدولة موظف، أليس كذلك.؟ وقبل أن يترك أمامي فسحة للإجابة تابع بخيلاء: ــ رئيس البلدية موظف أيضاً.. مثلي.! لم أدر بماذا أجيب، الحقيقة أنني لست موظفاً كما يفهم، فأنا أعمل في مطبعة متواضعة يملكها رجل غبّي، أقضي الليل في تنضيد حروف أهم العناوين المثيرة للأخبار الطازجة والمفبركة، وفي طباعة أوراق إعلانات الوفيات. ارتسم في تصوّري دائماً أن الموظف الحقيقي هو ذلك الرجل الغبيّ الذي يلقي أمامي أوراقاً مشطّبة مكتظّة بكلمات وحروف بلهاء. أما أنا..! ــ مائة سنة وأنا موظف، ماذا تبدّل الآن.؟ أقول له أنا موظف محترم يجيبني: أنت زبّال.. صحيح أنا زبّال، وهل تعتقد أن مثل هذه الحياة تستحق أكثر من زبّال.؟ أقول له: بدّل لي ظروف الحياة، أبدل لك عملي يجيبني: هل يعقل، طبيب جرّاح وأبي.. زبّال.! لم أجد ما أقول.! قذف أمامي الأمر برمتّه فجأة وبسرعة خاطفة لم أستطع معه الاختيار، هل أتمالك نفسي أولاً.؟ أم أبحث عن تفسير لضياعه الحزين.؟ ــ رضيت بأي شيء من أجله.. الأبله، يعتقد أنني أتلذذ بعملي هذا، ألف مرة سألت نفسي: زبّال، ودكتور.!؟ وقررت أخيراً أن لا ألتفت لأي شيء قلت: سيأتي اليوم الذي أرفع فيه رأسي عالياً، يوم يقولون: أبو محمد أبو الدكتور.! طأطأ رأسه بانكسار وتمتم باستسلام: ــ كم تحمّلت من أجل ذلك..! بدا لي رغم انكساره متحفزاً، مثل كل مرة يبدأ فيها معركة تخصّه. هكذا كان عندما أرادوا إحالته على التقاعد، حارب وقاتل بكل وسيلة، وأبرز أوراقاً كثيرة تثبت وتقول بأنه ما يزال قادراً على العطاء. وهكذا تحفّز حين أرادوا نقله للعمل مع وحدة السيارات، حارب أيضاً واستمر مخلصاً وفيّاً على طريقته لعربته المهلهلة وحماره العجوز. وانتصر في معاركه تلك. معركته القادمة تختلف.. تأتيه هذه المرة من الداخل، الخصم فيها هو الأمل المرتجى. كيف يستطيع أن يشهر في وجهه السلاح..؟ تمتم كأنه يزّف شهيداً إلى مقبرة: ـ سيسافر إلى بريطانيا للتخصّص في جراحة الأعصاب، قال أن عليه أن يحسم الأمر قبل السفر. رأيت كيف ينتصر الحزن اللئيم على جبل من التضحية وهو يتجول بلا حياء عبر تقاطيع الوجه الضئيل. كيف يفوز شق المعادلة الأسهل على الأصعب، المعادلة التي جاهد أبو محمد كل عمره ليجعلها طيّعة بين أصابعه، وحسب إرادته، صرعته هذه المرة، فاستسلم لقضائها. ــ طبيب جرّاح أعصاب، وأبوه زبّال.. ههه.! شدّ حماره، والتفت نحوي قبل أن يمضي، وأردف: ــ في قريتنا البعيدة الناس تأكل وتلبس وتكبر وحدها، ليس مهم كثيراً أن يفهم أحدهم الآخر، ما ذنبي أنا إذا لم أفهمه.؟ تلمّس ظهر حماره برفق، ومضيا. لاحظت حرصه الشديد حين تقصّد وهو يقود الحمار لينزل به بهدوء جمّ فوق المنزلق الإسمنتي كاتماً صوت فرقعته المعهودة. أحسست بصدق أن شحنة السموم المتراكمة في صدري ما زالت مستقرة في أعماقي. فقدت صديقي ليال كثيرة، وفقد الحي الذي أسكنه جلبة أبو محمد وحماره وعربته. في منتصف تلك الليلة، دوّت في فضاء الحيّ فرقعة شديدة، أدركت على الفور أنها عربة كأنها حظيرة قرود مذعورة قفزت عن قصد على إسفلت الشارع الصامت. قفزت بفرح أيضاً. تصورت أنني لن أفرح هكذا إلا عندما ألقي باستقالتي من العمل في وجه صاحب المطبعة الغبيّ الذي يرمي إليّ بأوراق مشطّبة لأجمع ما كتب عليها من كلمات، بحروف من رصاص جامد. رأيت أبو محمد أمامي، فارس قام من خرافات الأساطير، لم يكن مهزوماً هذه المرة، ولم يكن على وشك السقوط، بل كان قوياً كما لم أعهده من قبل. ضحك في وجهي، بدت لي سنّته الأمامية القاطعة طويلة أكثر. رفع كلتا يديه بمسرحية، تاركاً العصا تسقط، وقال: ــ كنت أعلم أنه سيفهم الأمر على الوجه الصحيح.! سألته بلهفة. ــ محمد..؟ تابع يقول والابتسامة الكبيرة تملأ المساحة المتبقية من وجهة الضئيل: ــ انتظرت طويلاً، وصبرت كثيراً ، أقول في قرارة نفسي، لابد أنه سيعرف ذات يوم.. أخرج من جيب معطفه المتّسخ ورقة مطويّة بعناية، لوّح بها عدّة مرات في الهواء، ثم قدّمها إلي وفي وجهه شبح ابتسامة منتصرة. لم أتبين رغم تدقيقي، مصدرها، لكنني قرأت: والدي الحبيب.. قسوت عليك كثيراً، سامحني، عرفت متأخراً أن عربتك وحمارك هما قدر فُرض عليك، قد يكونان قيمة الحياة نفسها، وقد يكونان أي شيء آخر، وسيلة أو طريقة أو رفض أو قتال. صدّقني يا والدي أنك أينما ذهبت وذهبنا لن نجد أكثر من حمار وعربة، أو عربة وحمار، وصدّقني أيضاً أنني لن أكون وحدي قادراً على إلغاء ما فرض علينا. سأكتب لك على الدوام متى ملكت إرادة المعرفة، ومتى عرفت أجوبة الأسئلة الكثيرة والكبيرة. حتى ذلك الوقت سأحاول جهدي رتق الفجوة، بيننا. المخلص، ابنك المحب.. محمد. كانت الابتسامة كبيرة على وجهه الضئيل، عندما دسّ الرسالة بحرص في جيبه ومضى.. بينما لا يزال الحمار يغرز رأسه في كومة الفضلات بتلذّذ وسعادة غامرة. في تلك الليلة، وأنا وراء الطاولة المليئة بالحروف الرصاصية، قذف رئيسي أمامي ورقة لأجمع حروفها.. كانت كلماتها مقتضبة وبسيطة. أصابعي تتناول الحروف بسرعة فائقة تعلمتها من طول الممارسة، وقرأت: قررت حكومة بريطانيا المملكة العظمى طرد الطلاب الفلسطينيين من البلاد تحسّباً من نشاطهم الإرهابي المعادي والمهدد لأمن وسياسة الدولة..! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |