|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الشيخ بهلول في المسلخ(*) مسرحية في ستة مشاهد ـــ د.خالد محيي الدين البرادعي ابتكر الدكتور البرادعي شخصية الشيخ بهلول ذات الخصائص الفردية المميزة ونسج حولها عدداً من المسرحيات القصار. مسرحيتان طبعتا في الدار الجماهيرية في ليبيا هما: الشيخ بهلول في سوق الخياطين والشيخ بهلول في المسرح. ومسرحيتان طبعتا في الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر. وهذه هي المسرحية الخامسة والمخطوطة. أما المسرحيتان اللتان طبعتا في مصر فهما: الشيخ بهلول في السجن. والشيخ بهلول في المحكمة. صانعو الأحداث 1ـ الشيخ بهلول. 2ـ الشيخ سعدو 3ـ نعيم الإسكافي 4ـ الصبي 5ـ مدير المنطقة ـ عميد 6ـ مدير السجن 7ـ والدة نعيم الإسكافي (*) "كتبت هذه المسرحية في يبرود خلال شهر آذار عام 2005" المشهد الأول [الوقت الصباح الباكر الشيخ بهلول في محل لبيع اللحوم. يبدو الشيخ بهلول يدور حول خروف مذبوح ومعلق في سلسلة تتدلى من السقف. بيده سكين كبيرة. ومسن فولاذي يستخدم لشحذ السكاكين وراءه صبي كأنه يتعلم المهنة.. الشيخ بهلول يبدو مبتسماً مغتبطاً بعمله يتكلم بمفرده]. الشيخ بهلول: يا جبار يا ألله. لقد أكرمتني يا بديع السموات والأرض. وخرجت من السجن بريئاً مزكى. لك الحمد على ما أنعمت وتكرمت وكرمت يا الله. (صمت) لا يحق إلا الحق مهما طالت أيام الظلم. الله وحده هو الذي ينصف المظلومين. نعم أنصفني بعد الظلم. لأني سجنت ساقني أولاد الحرام إلى الحبس. وبقيت أكثر من سنة لا سؤال ولا جواب. وبعد السنة يفتح السجن وينادون علي. نعم. أنت بريء.. بريء والسنة التي قضيتها وراء القضبان؟ من يعوضها علي؟ أليست جزءاً من عمري؟ (في هذه اللحظة يدخل رجل يعتمر عمامة) الرجل: السلام عليكم يا شيخ بهلول. الشيخ بهلول: (يلتفت بكل جسمه نحو الرجل) وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلاً بك يا شيخ سعدو. ستأكل اليوم طعامك من لحم هذا الكبش المذبوح في المسلخ. ذبحته بيدي بعد التكبير. لأني لا أؤمن لأحد. خاصة وأن شبان اليوم الله يهديهم أحياناً يذبحون الدابة وينسون كلمة: الله أكبر. هذا جيل ملعون. الشيخ سعدو: معك الحق يا شيخ بهلول. وبارك الله لك في رزقك. لكن نسيت أن أسألك متى تعلمت مهنة الجزارة؟ الشيخ بهلول: لا. لا يا شيخ سعدو أنسيت أن والدي الشيخ بهلول بن الشيخ بهلول الأول رضي الله عنهم جميعاً. كان ينتدب للسفر مع الحجيج إلى بيت الله. ليذبح الضحايا للحجاج. كانوا ينادونه بالنفس الطاهرة. لنظافته وهو يذبح الضحايا. وأنا تعلمت النحر على يديه منذ الصغر. الشيخ سعدو: صحيح. صحيح أنت قلت لي هذا الكلام منذ سنين. الشيخ بهلول: ولولا الحبس. لولا هذه الحكاية العجيبة التي وقعت بها. حكاية السجن ولا أعرف لماذا سجنوني، ولو أنهم أخلوا سبيلي. لكنت أنا الجزار المسافر إلى الحج لأنحر الضحايا مع حجاج بلدنا. لكن أشكو بثي وحزني إلى الله. الحبس فوت علي هذه الفرصة. لولا الحبس، لكنت إلى جانب الهدي أنحر. حاجاً، حاجاً يا شيخ سعدو. أتبارك برؤية الصفا والمروة وأقبل الحجر المبارك وأطوف حول الكعبة، وأصلي بالمسجد الحرام. نصيب. نصيب. الشيخ سعدو: بلى سمعت منك هذا الكلام منذ أكثر من أربعين سنة لكن الحبس. الحبس العلة التي تلاحق الأبرياء كما تلاحق المجرمين. لم تقل يا شيخ بهلول هل عوضك المسؤولون عن أيام الحبس؟.. الشيخ بهلول: (يضحك كالأطفال) تعويض؟ يا رجل علي أن أسجد شكراً لله إني نفذت بريشي، وتسأل عن التعويض؟ الشيخ سعدو: نعم سمعت أن الحكومات في بلاد برَّه إذا سجنت مواطناً عن طريق الخطأ. تعتذر منه عن حدوث الخطأ وتعوضه بالمال عن أيام حبسه. كما لو أنه شغيل عند الحكومة. الشيخ بهلول: تعني أن المحبوس بالغلط يتقاضى أجرة الحبس؟ الشيخ سعدو: نعم نعم أجرة الحبس. كما لو كان يقوم بعمل. الشيخ بهلول: لكني لم أقم بأي عمل في السجن غير الصبر والصلاة وقراءة القرآن. الشيخ سعدو: لو لم تكن محبوساً أما كان لك عمل تقوم به؟ الشيخ بهلول: بلى. عندي عمل بالضيعة وعمل هنا. الشيخ سعدو: هذا ما أقصده. وأنت توقفت مرغماً عن القيام بهذا العمل. هكذا يتصرفون في بلاد بره. فيقدرون لك قيمة عملك على مدى الأيام التي قضيتها سجيناً ويصرفون لك أجرها مع الاعتذار. الشيخ بهلول: يا رجل إياك أن تذكر هذا الكلام أمام غيري. الشيخ سعدو: لماذا يا شيخ بهلول؟ الشيخ بهلول: حتى لا يظنوا أنك لا سمح الله مختل. الشيخ سعدو: مختل ماذا تقول يا شيخ؟ الشيخ بهلول: أقول ما أعرفه وما عشته وما رأيته، هل تصدق أن الشيخ أبا محمود المنتوف الذي سجن ثلاث سنوات بالغلط لماذا سجن؟ وكيف أفرجوا عنه؟ الشيخ سعدو: لا والله ليس بيني وبين هذا الرجل أي معرفة سوى أنني سمعت سماعاً أنه سجن عدة سنين وخرج من السجن، والآن هو في الضيعة كما أعرف. الشيخ بهلول: نعم هذا المسكين طلب زيارة صديق له من أهل الضيعة كان يهرب دخان من سورية إلى لبنان. وطال الحديث بينه وبين المحبوس. وانتهى الدوام وعندما حاول الخروج مسكوه ودكوه بالحبس ثلاث سنين وهو يصيح، وأفرج عنه المسكين واعتذروا منه عن ارتكاب الخطأ وتريد من هؤلاء أن يقدموا لي تعويضاً عن أيام سجني؟ الشيخ سعدو: لا حول ولا قوة إلا بالله. لابد من الفرج، أعطني كيلو موزات ولا تنس العصعوص. الشيخ بهلول: تكرم يا شيخ سعدو (يلتفت نحو الذبيحة فيقطع اللحم المطلوب، ثم ينتزع العصوص ويضعه فوق اللحم المطلوب في كفة الميزان) هذا الطلب هو أول ما ينتزع من الذبيحة. وهو استفتاح خير منك يا شيخ سعدو. الشيخ سعدو: (يتسلم كمية اللحم ويقدم النقود للشيخ بهلول) أسأل الله أن يغدق عليك الرزق يا شيخ بهلول. الشيخ بهلول: الرزق الحلال يا شيخ سعدو. الرزق الحلال. الشيخ سعدو: صحيح صحيح الرزق الحلال (يخرج بينما تدخل سيدة تلقي السلام على الشيخ بهلول. ويرد عليها بحرارة) السيدة: مبارك عملك الجديد يا شيخ بهلول، وليجعل الله آية الرزق فيه. الشيخ بهلول: بارك الله فيك يا أم مشهور. أهلاً وسهلاً بك كيف صحة ابنك مشهور. السيدة: هو في تحسن بإذن الله، أنا جئت لأشتري بيضات الخروف لأشويها لمشهور. الشيخ بهلول: أعفيني يا أم مشهور من انتزاع بيضتي الكبش من مكانهما الآن، لأن الغش ملأ الدنيا. ومن يرى هذا الكبش من غير بيضتين يظنه نعجة فلا يشتري اللحم من عندي. فاعذريني بعض الجزارين يذبحون النعاج ويبيعون لحومها بسعر لحوم الخراف هذا غش، وتدليس وحرام. لان ذبح الأنثى ممنوع. أي جزء من هذا الكبش أعطيك من لحمه أما البيضتان فلا. السيدة: (تخرج محزونة، بينما يلاحقها الشيخ بهلول بنظرات حادة) سأعود مرة ثانية شيخ بهلول. ونؤجل وصفة الحاجة فطومة اليوم إلى يوم آخر. (وبعد خروج السيدة تدخل سيدة أخرى تغطي وجهها وتتكلم بصوت عال جداً). السيدة: السلام عليكم يا شيخ بهلول. وألف مبروك شغلك الجديد والحمد لله على السلامة خروجك بريئاً من الحبس. الشيخ بهلول: عليك السلام أهلاً بك يا ست. ما عرفتك من غير شر. السيدة: أنا أرملة صاحبك المرحوم الحاج عبيد. الشيخ بهلول: (بلهفة وبصوت مرتفع) أهلاً وسهلاً يا أرملة صاحبي رحمه الله رحمة واسعة. مات وأنا في الحبس، ما خرجت بجنازته ولا صليت عليه، أي نعم تقادير كلها مكتوبة عند الله. الحي الذي لا يموت. السيدة: لا تعرف يا شيخ بهلول ما الذي دفعني لزيارتك هذا الصباح. الشيخ بهلول: أعرف لأكرمك بكيلو لحمة للصفيحة. السيدة: لا.لا.لا. يا شيخ بهلول لا صفيحة ولا كبة. لكني رأيت مناماً عظيماً وجئت أسرده لك. الشيخ بهلول: خيراً إنشاء الله يا حرمة، ماذا رأيت؟ السيدة: رأيت والدك رحمه الله الشيخ بهلول بن بهلول بن بهلول الأول. الشيخ بهلول: رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً. نعم. نعم. قولي. السيدة: (باعتداد واتزان) رأيت والدك رحمه الله في داره العتيقة وأمامه عجل سمين مكتوف القوائم. وأخذ سكيناً ضخمة وصاح بأعلى صوته: الله أكبر الله أكبر. الشيخ بهلول: رحمة الله عليه هكذا كان يفعل بالحج عندما ينحر الهدي. كان ينحر الإبل والبقر والخرفان. نعم، نعم. وبعد يا حرمة. السيدة: بعد التكبير نحر العجل ومن حوله مجموعة من الناس يتفرجون على هذا المشهد. وعلقوه بعد الذبح وتساعد أكثر من واحد على كشطه. (بلغة مؤثرة وحزينة) ثم. ثم. رحم الله والدك قطع من كتف العجل السمين مقدار رطل اسطنبولي وقال لي: خذي. فأخذت اللحم الطري السمين وطبخت شاكرية. هذا ما حصل يا شيخ بهلول. الشيخ بهلول: ومن أكل من ذلك اللحم يا حرمة؟ السيدة: أكلنا كلنا.. أنا والمرحوم الحاج عبيد والأولاد. الشيخ بهلول: (بفرح الأطفال) يا لطيف يا كريم يا الله. يقول ابن سيرين إن اللحام في المنام يناله عز وسؤدد وبركة. هذا مقام والدي. أما الذين يأكلون لحم العجل المطبوخ في المنام فينالون رزقاً وخيراً كثيراً يا أرملة الحاج عبيد. هنيئاً لك على هذا المنام. السيدة: الله يبشرك بخير. يعني سننال رزقاً. الشيخ بهلول: (يشحذ سكينه) ويقتطع قطعة كبيرة من لحم الكبش ويقدما للسيدة) خذي هذا ول الرزق، هذا اللحم هدية لك وللأولاد عن روح والدي. السيدة: (تتصنع التمنع) لا.لا هذا كثير يا شيخ بهلول.. أنا. أنا لا أستحق هذا الكرم. الشيخ بهلول: هذا اللحم هدية مني إليك يا حرمة عن روح والدي خذي. السيدة: (تتناول قطعة اللحم) سنقرأ الفاتحة على روح والدك الطاهرة (تغادر المكان والشيخ بهلول يراقبها طويلاً. بعد لحظات يدخل شابان ينظران إلى الكبش المعلق ويجيلان النظر في أركان المحل. ينظران إلى الشيخ بهلول باستهتار. بينما هو مندهش من نظراتهما الفاحصة). الشيخ بهلول: أهلاً بكما. هل أعجبكما لحم الكبش؟ هل تريدان من هذا اللحم شيئاً. أهلاً بكما. تفضلا. شاب1: شكراً يا شيخ بهلول لا نريد اللحم، نريد البحث عن التسعيرة التي لا نراها مثبتة على صدر الدكان، أين التسعيرة؟ شاب2: يبدو أن الشيخ بهلول يستهبل السلطة ويضحك على وزارة التموين ويبيع اللحم هكذا كومة عرب. الشيخ بهلول: استغفر الله يا ولدي.. ولكما الحق. وهذا واجب علي، لكن صدقاني إني في اليوم الأول من عملي وغداً إنشاء الله ستريان التسعيرة. وأنا اليوم أوزع اللحم بأرخص من سعره الحقيقي، كما وأني أوزع على روح والدي بلا نقود. (الشابان يتبادلان نظرة رضا يضحكان) شاب1: مادام الأمر هكذا أرنا كرمك. شاب2: أنا أحب لحم الكتف. شاب1: أنا أحب الريش مشوية. الشيخ بهلول: حاضر ما تريدانه لكما. لكن من أنتما بالله عليكما لم أتعرف عليكما وأنتما مثل أولادي؟ شاب1: نحن من وزارة التموين. شاب2: دوريه تموين نراقب الأسعار يا شيخ بهلول. الشيخ بهلول: (يقطع اللحم ويضعه في ظرف كبير ويقدمه للشابين) أهلاً. أهلاً خذا حصتكما وبدون نقود. شاب!: الحياة أمانة وصدق يا شيخ بهلول. شاب2: إذا لم نجد التسعيرة في المرة القادمة تعرض محلك هذا للإغلاق (يتناول الظرف ويمضيان بينما الشيخ بهلول يراقبهما بنظرات حزينة). المشهد الثاني [الوقت بعد الظهر من اليوم السابق نفسه. نرى الشيخ بهلول جالساً على كرسي صغير أمام مجزرته. والصبي الخادم ينظف المحل. نلاحظ السلاسل التي تعلق بها الذبائح متدلية من السقف والسكاكين منضدة على منصة البيع. الشيخ بهلول يقرأ في القرآن من غير صوت. يصل شاب إلى أمامه يبتسم وينظر إلى الشيخ بهلول باهتمام]. الشاب: السلام على أتقى وأنقى شيخ في البلد الشيخ بهلول العظيم. الشيخ بهلول: (ينظر إلى الشاب بذهول. يقف يطبق القرآن) يا ولدي ألست أنت نعيم الإسكافي؟ الشاب: (بضحكة عالية) أنا نفس النعيم الإسكافي يا شيخ بهلول (يعانقه). الشيخ بهلول: (ما زال بلهفته وحيرته) والسجن يا ولدي؟ متى خرجت من السجن؟ نعيم: أوه.. منذ أيام وزرت الأهل في الضيعة وجئت إلى هنا خصيصاً للسلام عليك ولأذكرك بالأيام الجميلة التي قضيناها في الحبس. الشيخ بهلول: لا. لا. يا ولدي أرجوك لا تذكرني بالحبس اعمل معروفاً معي يا ولدي. الحبس، وأيامه لعن الله تلك الأيام. لكن قل لي يا نعيم كيف خرجت من السجن وأنت محكوم مؤبد؟ أريد الاطمئنان فقط. أفرحني يا ولدي؟ نعيم: قال لي المسؤول عن الحبس إني حسن السلوك وآدمي ولا أوذي أحدا. لهذا رفع تقريراً عني للجهات العليا. فجاءني العفو وافرجوا عني منذ أيام. الشيخ بهلول: مبارك عليك براءتك يا ولدي. تعال. تعال. لندخل إلى الدكان ونشرب الشاي معاً. ادخل يا ولدي كيف حال الأهل؟ (يدخلان يجلسان على مقعد خشبي) يا ولد يا محمد. الصبي: نعم معلم. الشيخ بهلول: اغل إبريق شاي لنشرب مع عمك نعيم حلوان براءته وخروجه من الحبس. الصبي: حاضر في الحال (يبدأ بتحضير الشاي). الشيخ بهلول: نعم يا ولدي يا نعيم ما قلت لي كيف حال الأهل؟ وماذا تريد أن تعمل بعد الحبس. مسكين أنت يا ولدي قضيت في السجن زمناً طويلاً. نعيم: صحيح يا شيخ بهلول. الأهل كلهم بخير. وأنا جئت أزورك واطمئن عليك. ومن أجل الشغل. الشيخ بهلول: قل ما تريد يا ولدي. ولعلي أستطيع مساعدتك بإذن الله. فخروجك من الحبس فاجأني وأفرحني. (الصبي يقدم الشاي للاثنين ويتناول هو كوباً من الشاي ويقف بعيداً. الشيخ وضيفه يرشفان الشاي الساخن). نعيم: والله يا شيخ بهلول بدأت بالتجارة، تجارة بسيطة على قدر الحال. لحظة وصولي إلى البيت. رأيت أمي المسكينة قد جمعت بالقرش والفرنك مبلغاً من المال، وقدمته إلي وهي تبكي من الفرح. قالت: خذ يا نعيم هذا كل ما ادخرته في غيابك، وابدأ عملاً شريفاً تعيش منه. الشيخ بهلول: نعم الأم. نعم الأمهات الحنونات يا نعيم! إياك أن تغضبها أو تخرج على طاعتها، الجنة تحت أقدام الأمهات. هذا ما قاله رسول الله (. وماذا تنوي أن تشتغل بالمال يا ولدي؟ نعيم: بدأت، بدأت الشغل يا عم الشيخ بهلول. نزلت صباح اليوم إلى سوق الغنم ووفقني الله بكبشين سمينين وبسعر مناسب. الشيخ بهلو: (يضحك كالأطفال) عظيم. عظيم يا ولدي يا نعيم. سنشتغل معاً بإذن الله. أنت تشتري الكباش والخرفان وأنا أشتريها منك، أنت تربح ربحاً حلالاً وأنا أسأل الله أن لا أربح إلا تعب يدي. مبروك يا نعيم وأين الكبشان الآن؟ نعيم: في المربط لقد استأجرت مكاناً صغيراً في أحد المرابط بطرف البلد. والكبشان هناك. الشيخ بهلول: يجب أن أراهما لأدخلهما إلى المسلخ فجر غد يا ولدي وستكون خطوة بركة وخير إنشاء الله. نعيم: بالتأكيد، تفضل يا شيخ بهلول لأريك الرزق ولن نختلف على الثمن. الشيخ بهلول: أكيد. هل يعقل أن نختلف على الثمن يا ولدي؟ هيا بنا. نعيم: لكن لي رجاء عندك يا شيخ بهلول. الشيخ بهلول: اطلب يا ولدي لا رجاء. مادام سيكون بيننا تعامل وخبز وملح خارج السجن. لعن الله السجن وسكناه. هل تصدق؟ كلما ذكرت كلمة السجن أمامي يكاد يغمى علي يا ولدي. نعيم: أصدق ما تقوله يا عم الشيخ بهلول، لأنك دخلت السجن بالغلط. الشيخ بهلول: تصور إنساناً يدخل السجن بالغلط وبعد سنة كاملة يا ولدي يقال له: لا تؤاخذنا أنت بريء. نعيم: سامحهم الله. هذا يعني أن السجن مليء بالأبرياء. الشيخ بهلول: أجل قلت من قبلك. لكن لم تقل لي ماذا تريد؟ أي رجاء ترجوه مني؟ نعيم: أن يظل بيع الكباش بيني وبينك لأن العيون مفتحة علينا. وأخاف عليك من الحساد. خاصة إذا أكرمك الله بوافر الرزق. الشيخ بهلول: بسيطة. بسيطة لنطبق القول المنسوب إلى رسول الله أن نستعين على قضاء حوائجنا بالكتمان. (يغادر الشيخ بهلول ونعيم المكان يغيبان، بينما يظل الصبي بمفرده لفترة. وبعد فترة قصيرة يصل الشيخ سعدو يلهث. ويتكلم بعصبية) الشيخ سعدو: أين معلمك يا ولد؟ الصبي: لا أعرف إلى أين ذهب ومعه شخص آخر. الشيخ سعدو: عندما يعود أخبره أني سالت عنه ويجب أن أراه أفهمت يا ولد؟ الصبي: فهمت، يجب أن تراه. هل تحب أن تنتظره هنا؟ الشيخ سعدو: لا. لا عندي عمل ومهمات كثيرة لكن متى يعود الشيخ بهلول إلى هنا قل له أن ينتظرني. الصبي: حاضر يا عمو سعدو. سأقول له. (يغيب الشيخ سعدو وهو متوتر. يراقبه الصبي إلى أن يغيب عن ناظريه. الصبي يكلم نفسه. ما الذي يبقيني هنا وحدي؟ لماذا لا أغلق الدكان وأعود إلى الدار؟ وما أدراني متى يعود المعلم. يغلق الباب، يعود الشيخ سعدو مسرعاً يمسك بتلابيب الصبي بعنف). الشيخ سعدو: يا ابني هل تعرف من أين يشتري الشيخ بهلول الخراف التي يذبحها؟ قل لي يا ولدي. الصبي: ما أدراني أنا يا شيخ سعدو. لكن مثل كل اللحامين يشتريها من سوق الغنم. الشيخ سعدو: أجل يا ولدي من سوق الغنم. سوق الغنم علي إذن أن أرابط بسوق الغنم. الصبي: لماذا تسأل يا عم سعدو؟ الشيخ سعدو: لا. لا. سؤال فقط (يغيب ويغيب الصبي) المشهد الثالث [مكان فارغ إلا من كبشين ضخمين. نرى الشيخ بهلول يلامس ظهر أحدهما. يحاول رفعه. نعيم يراقبه باهتمام]. نعيم: كيف رأيت الكباش يا شيخ بهلول؟ الشيخ بهلول: ما شاء الله يا ولدي كباش معلوفة ومسمنة بصورة جيدة، لكن أحب أن أنبهك يا ولدي يا نعيم أن تتأكد من نوع العلف عندما تشتري أي خروف سواء كان ابن سنته أو كبشاً ابن سنتين. نعيم: ماذا تقصد يا شيخ بهلول بالعلف؟ الشيخ بهلول: (يترك ظهر الكبش ويلتفت بكل جسمه نحو نعيم) يا ولدي نحن في عصر الكذب والغش والتدليس والنفاق، بعض المربين يدخلون الهرمونات بالعلف فيسمن الكبش بسرعة. لكن لحمه يؤذي والعياذ بالله. وبعض المربين يقدمون زيت السمك مع العلف، كل هذا مضر ومحرم عليك أن تتحرى يا نعيم. نعيم: بارك الله فيك يا شيخ بهلول، لكن متى تعلمت كل هذه المعارف حول الخراف والعلف؟ الشيخ بهلول: (باعتداد) أنسيت يا نعيم يا ولدي أني من أسرة رعيان وفلاحين. ودورنا في الضيعة لا تخلو من الدواب والأنعام خاصة الكباش التي نسمنها من أجل القورمة. هل تعرف القورمة؟ نعيم: (ضاحكاً) من ينس القورمة هو قليل أصل لأن القورمة وسلق القمح وصنع الكشك والبرغل الخشن والناعم أجزاء من تراث قريتنا يا عم الشيخ بهلول. الشيخ بهلول: ألم تقل لي يا ولدي أنك استأجرت مكاناً في أحد المرابط؟ نعيم: بلى بلى يا شيخ بهلول. الشيخ بهلول: هذا المكان ليس مكان ربط خرفان. نعيم: لا يا شيخ بهلول أنا نقلت الكبشين من القطيع إلى هنا من أجلك أنت. لهذا لم أعرض بيعهما إلا عليك هل نسيت؟ الشيخ بهلول: لا. لا. يا ولدي ما نسيت. كم تريد ثمنها؟ نعيم: من أجلك يا شيخ بهلول وكرمى لك باعتبارنا أكلنا خبزاً وملحاً في الحبس. الشيخ بهلول: لا تذكر الحبس يا نعيم. لا. الحبس حالة ملعونة يا ولدي أكلنا خبز وملح بدون تلك الكلمة. نعيم: نسيت يا شيخ بهلول. نسيت. نسيت والإنسان مفطور على النسيان ومن أجل الخبز والملح ثمن هذين الكبشين عشرون ألف ليرة. الشيخ بهلول: اشترينا توكل على الله. (يدخل يده في عبه ويخرج رزمة من النقود) خذ يا ولدي هاتان عشرتان ادع لي بالبركة. نعيم: يا رب بارك للشيخ بهلول في هذه الصفقة وأؤكد لك يا عم بهلول أن هذين الكبشين المباركين علفا وسمنا بالشعير والتبن الأحمر والفصة. الشيخ بهلول: (يضحك يسوق الكبشين أمامه) سيطول التعاون بيننا يا نعيم كل ما وقعت عينك على خروف أو كبش مثل هذين الكبشين أخبرني بسرعة. نعيم: هذا ما سيكون يا شيخ بهلول. المشهد الرابع [صباح اليوم التالي لأحداث المشهد الثالث في محل الشيخ بهلول. نشاهد كبشين معلقين بالسلاسل المدلاة من السقف. ونشاهد جلدي الكبشين أمام الباب. الصبي ينظف أرض المحل من الدم. الشيخ بهلول مبتسم وهو يدخل السكين الضخمة في أحشاء أحد الكبشين يستخرج السودة والكليتين والقلب. ولا يتوقف لسانه عن ذكر الله، يدخل الشيخ سعدو ملهوفاً وهو يرتجف من الغضب]. الشيخ سعدو: السلام عليكم. أنا أكاد أفقد عقلي يا شيخ بهلول.. الدنيا خربت والقيامة ستقوم لا أعرف ماذا حدث للناس يا رجل. الشيخ بهلول: (يتوقف يلتفت إلى الشيخ سعدو) وعليك السلام. خير إنشاء الله. ما بك متغيراً وعصبياً وغاضباً هكذا يا شيخ سعدو؟ الشيخ سعدو: سرقوني. سرقوني يا شيخ بهلول. الشيخ بهلول: من هم يا شيخ سعدو؟ الشيخ سعدو: أولاد الحرام. أولاد الزنا. الذين يشوهون صورة أهل البلد. وأمس جئت إلى هنا سألت عنك ولم تكن موجوداً لأشرح لك أمراً هاماً. الشيخ بهلول: أي أمر؟ الشيخ سعدو: جئت لأنبهك إلى أن اللصوص سرقوا غنماتي من الزريبة. وأن تتنبه لأي كبش تشتريه قبل ذبحه. وقد نبهت الجزارين في البلد وأعطيتهم علامات غنماتي. الشيخ بهلول: ليتني أستطيع مساعدتك يا شيخ سعدو. الشيخ سعدو: (يحاول الانصراف ويعود) هل تعرف الوسم الذي طبعته على كل غنماتي وخرافي وكباشي؟ الشيخ بهلول: لا والله يا شيخ سعدو ليتك ترشدني إلى تلك العلامة. الشيخ سعدو: تفضل معي (يخرج إلى باب المحل ينظر إلى الجلدين الملفوفين أمام الباب. يتبعه الشيخ بهلول يقلب أحد الجلدين فتظهر علامة الوسم على طرف الجلد) هنا وسمت القطيع يا شيخ.. يا شيخ.. يا شيخ.. لا يا شيخ بهلول (يحدق بالوسم). الشيخ بهلول: ما بك يا شيخ سعدو ما هي علامة وسمك؟ الشيخ سعدو: شيخ بهلول. هذا الجلد لكبش من كباشي (يفرد الجلد الآخر فتظهر العلامة نفسها) شيخ بهلول أنت ذبحت كبشين من كباشي من أين جئت بهما قل لي؟ الشيخ بهلول: (وقد أصيب بذهول مخيف) ماذا تقول يا شيخ سعدو؟ الشيخ سعدو: أقول من أين اشتريتهما قل لي قبل أن تبرد الحادثة ويضيع حقي. بسرعة، بسرعة. أنت اشتريتهما من سارق لص ابن حرام. الشيخ بهلول: لا. يا شيخ سعدو اشتريتهما أمس من نعيم الإسكافي يا رجل. وهو اشتراهما من صاحب مربط. الشيخ سعدو: قلت نعيم الإسكافي؟ هل هذا ما سمعته؟ الشيخ بهلول: بلى بلى يا شيخ سعدو نعيم الإسكافي لا غيره. الشيخ سعدو: (بذهول وريب وهو ينظر بوجه الشيخ بهلول) لكن نعيم الإسكافي مجرم مهرب أسلحة ومحكوم عليه بالحبس المؤبد أنا أعرفه وأعرف أهله. الشيخ بهلول: صحيح. لكن صدر عليه عفو من أيام وهو يتاجر بالغنم الآن. الشيخ سعدو: إذا كان الأمر هكذا عرفنا من سرق الغنمات. الشيخ بهلول: سآتي معك إلى بيته. وبسرعة قبل أن يخرج من بيته. الشيخ سعدو: لا. إبق أنت هنا مع رزقك. لكن لا تتصرف بالجلدين هما المستمسك. أنا سأزور نعيم الإسكافي في داره أهنئه بالخروج من الحبس وأسأله بهدوء عن مصدر الكبشين. ومنه نمسك أول الخيط. الشيخ بهلول: لماذا لا تخبر مخفر الشرطة؟ الشيخ سعدو: أخبرت المخفر وقال رئيس المخفر أعطنا أي اسم تشك به. سأزور نعيم الإسكافي أولاً من هناك نبدأ البحث نعيم الإسكافي (يغيب الشيخ سعدو وهو يردد الاسم والشيخ بهلول محملق حيث غاب. بعد فترة يصل تاجر الجلود يرافق وصوله صوت سيارة لا نراها كأنها توقفت في زاوية قرب محل الشيخ بهلول) تاجر الجلود: السلام عليكم ورحمة الله يا شيخ بهلول. الشيخ بهلول: (بذهول) وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. تاجر الجلود: أخذت جلد كبش منك يوم أمس وأرى اليوم كبشين يعني سأشتري جلدين منك اليوم هذا دليل تحسن الشغل بإذن الله. كم تريد ثمنهما؟ الشيخ بهلول: لا. يا رجل. لا. اليوم لا بيع فيه. دع الجلدين في مكانهما. هناك مشكلة أمنية. تاجر الجلود: (ينحني يمسك طرف أحد الجلدين) خيراً يا شيخ بهلول أي مشكلة؟ هل تريد بيعهما لتاجر آخر؟ الشيخ بهلول: لا.لا. يا رجل. لا تاجر آخر ولا من يحزنون. الكبشان اللذان تراهما هنا وترى جلديهما أمام الباب مباعان بالغلط وربما مسروقان من زريبة الشيخ سعدو. انتظر وسوف ترى. تاجر الجلود: اللهم أبعد عنا الشر والحرام. لكن إذا طال عليهما الوقت سيفسدان وتنتشر منهما رائحة كريهة. انتبه يا شيخ بهلول لا تنس أن تفرد عليهما كمية من الملح، فالملح يؤخر فساد الجلود. (ينصرف تاجر الجلود، يغيب يختفي صوت السيارة حيث غاب، والشيخ بهلول ينظر بالفراغ بحزن وهو يردد (لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم أبعد عنا الشر والحرام. وأبعد عنا أولاد الحرام). الشيخ بهلول: يا ولد (للصبي) يا ولد خذ نقوداً من الجارور واشتر كيس ملح من جارنا وافرد الجلدين أمام الباب وانشر عليهما كيس الملح بأكمله. وبسرعة. قبل أن تسخن حرارة الشمس. (ينصرف الصبي مسرعاً، بينما يعود الشيخ بهلول إلى حيرته وقلقه. يتحدث بمفرده) هل يعقل أن يكون نعيم الإسكافي سارقاً؟ وأنا ابتلعت الطعم؟ لكن ما هو ذنبي؟ حتى لو كان سارقاً؟ أنا اشتريتهما ودفعت ثمنهما. هو وحده يتحمل وزر السرقة. لكن لا. هل يكون نعيم اشتراهما من حرامي آخر؟ شيء محير. اللهم أبعدنا عن الحرام وأبعد عنا أولاد الحرام. (بينما هو غارق في تأملاته يصل الشيخ سعدو ووراءه شرطيان ينظر الشيخ بهلول إليهم بذعر). الشيخ سعدو: الشيخ بهلول المسألة تعقدت. واتخذت منحى جديداً أرجو أن تكون أنت بريئاً. الشيخ بهلول: ما هذا الذي أسمعه من صديق العمر الشيخ سعدو؟ شرطي1: لا تدخلنا في ألاعيبك يا شيخ بهلول. لأن الاتهام يحوم حولك. شرطي2: بوضوح أنت كذبت على صاحبك الشيخ سعدو في مصدر الكبشين. الشيخ بهلول: (بعصبية) اسكت أنت وأنت. أنتما تخاطبان رجلاً فوق الشبهات. أنا الشيخ بهلول بن الشيخ بهلول بن بهلول الأول خادم هذا البلد وأحد الذين عمروا البلد. هل أنا متهم؟ بماذا؟ يا ناس؟ أنا اشتريت كبشين بالحلال وبالثمن الصحيح وقلت للشيخ سعدو من هو الذي باعني الكبشين فماذا أسمع؟ ماذا أسمع؟ أي تخريف وضلال؟ اسكت أنت وأنت يا ولد. الشيخ سعدو: اهدأ يا شيخ بهلول. لا أحد يتهمك. لكنك لم تقل بالدقة من باعك الكبشين المسروقين من قطيعي؟ الشيخ بهلول: يا شيخ سعدو نحن صديقان وجاران وحبيبان منذ خمسين سنة. والآن تنسى الخمسين سنة وتجيء إلي تكذبني؟ قلت لك اشتريت الكبشين من نعيم الإسكافي. الشيخ سعدو: نعيم الإسكافي في السجن ومحكوم بالحبس المؤبد. الشيخ بهلول: صحيح. ولحسن سلوكه صدر أمر بإخلاء سبيله وهو يتاجر بالغنم منذ أيام وأخذ رأسمال تجارته من أمه. هذا ما قاله لي أمس وقبض عشرين ألف ليرة رزمتين مني يوم أمس. الشيخ سعدو: والله لا يريد أحد إيذائك وأنت صديق العمر لكن نعيم الإسكافي وراء القضبان. لا صدر عنه عفو ولا غادر السجن ولا شاهد أمه ولا أمه أعطته أي مال. فتذكر جيداً يا شيخ بهلول. شرطي1: قصة نعيم الإسكافي منام من مناماتك المباركة يا شيخ بهلول. أو إنها.. الشيخ بهلول: (بعصبية يكاد يبكي) أو إنها ماذا يا ولدي؟ قل أنا قلت كل ما حدث معي. شرطي1: أقصد هذه القصة من شطحات خيالك لتغطي السرقة. الشيخ بهلول: استغفر الله. سرقة؟ تقول سرقة؟ شرطي2: شرف معنا إلى مديرية المنطقة. وهناك قل ما شئت للعميد. الشيخ بهلول: الشرطة والعميد ومديرية المنطقة حرام عليكم يا بشر يا أولادي لاحقوا من باعني الكبشين. اقبضوا على الحرامي الذي باعهما لنعيم الإسكافي. شرطي1: حسناً. تفضل معنا لتواجه نعيم الإسكافي. الشيخ بهلول: صبر جميل. صبر جميل. سآتي معكم يا ولدي (يمضي الشيخ بهلول وسط الثلاثة) المشهد الخامس [مكتب مدير المنطقة، وهو ضابط شرطة برتبة عميد، نراه وراء مكتبه ينظر في بعض الأوراق إلى جانبه شرطي يقف بحالة استعداد. يدخل إلى المكتب الشرطيان، يؤديان التحية العسكرية]. شرطي1: سيدي العميد أحضرنا الشيخ بهلول الجزار ومعه الشيخ سعدو صاحب الغنمات. العميد: ادخلهما. شرطي1: حاضر سيدي (يغيب وبعد لحظات يعود ووراءه الشيخ سعدو والشيخ بهلول يلقيان السلام). العميد: يا شيخ بهلول أنا الآن أقرأ تاريخك. وأنت رجل صالح ومؤمن وتعرضت لكثير من المكائد والمنزلقات. الشيخ بهلول: صحيح والله يا سيدي العميد تعرضت لمواجهة أولاد الحرام. أما اليوم فأنا في قصة عجيبة. العميد: لا. أنت في أصغر الدوائر وأقربها للبراءة. قل من أين أتيت. أو اشتريت الكبشين؟ الشيخ بهلول: اتقوا الله يا جماعة قلت إن نعيماً الإسكافي باعهما لي بعشرين ألف ليرة. وتعالوا معي إلى المكان الذي استلمتهما منه وأعطيته الثمن. العميد: (يقف يدور حول المكتب يقترب من الشيخ بهلول) يا شيخ بهلول بهدوء، هل هذا منام عشت فيه؟ أم محاولة للتضليل؟ أم أنت تشكو من فصام في شخصيتك؟ الشيخ سعدو: يا سيادة العميد دعني أسأله أنا فهو صديق عمري، يا شيخ بهلول بحق الخبز والملح والعشرة والحياة الواحدة التي قضيناها معاً. ووالله لا نشك في أمانتك. نريد فقط أن تدلنا على من باعك الكبشين. لأن قطيعي كله سرق. وأصبحت على الحديدة والذي باعك الكبشين هو وحده من يرشدنا إلى اللصوص الذين سرقوا غنماتي. الشيخ بهلول: (يكاد يبكي) حتى أنت يا صديق العمر تكذبني قلت لك إنني اشتريتهما من نعيم الإسكافي. اسألوه يا جماعة. العميد: أنت مصر على هذا الاسم أليس كذلك؟ الشيخ بهلول: وهل تريدني أن اخترع اسماً آخر يا سيادة العميد؟ هل تريدني أن أبلو الأبرياء. اسألوه خذوني إلى بيته ودعوني أسأله. العميد: بيت نعيم الإسكافي وراء القضبان. إنه سجين محكوم عليه بالسجن المؤبد. فكيف رتبت هذه القصة؟ الشيخ بهلول: استغفر الله العظيم. ماذا فعلت أنا يا الله حتى أقع كل يوم في مصيبة جديدة يا رب أنت تعلم أني لا أكذب (يبكي مثل الأطفال) العميد: (يعود إلى وراء النضيد يجلس يشير إلى شرطي يوشوشه فيخرج) يا شيخ بهلول أنت تقول للشرطة وللشيخ سعدو إن نعيم الإسكافي حدثك عن رأسماله الذي يتاجر به. الشيخ بهلول: نعم. نعم وقال لي إن أمه أعطته كل ما ادخرته من مال لحظة خروجه من الحبس. وأنه اشترى الكبشين من مال أمه. وأنا أعطيته الثمن مع الربح الحلال. العميد: (يضغط على نتوء بجانبه فيدخل الشرطي الذي خرج من لحظات ووراء سيده محجبة مكشوفة الوجه) تفضلي يا حرمة احكي لنا ألست أنت والدة نعيم الإسكافي؟ السيدة: بلى يا سيدي. العميد: متى رأيته آخر مرة وأين؟ السيدة: (بحزن وانكسار) زرته في الحبس من حوالي أسبوع. العميد: ومتى خرج من الحبس؟ السيدة: لم يخرج أبداً. وإذا كان سيخرج على يديك الله يبشرك بكل خير. أخاف أن أموت قبل خروجه من الحبس. العميد: (يشير إلى الشيخ بهلول) هذا الرجل يقول إنه اشترى كبشين من ابنك نعيم يوم أمس. وأنك أنت أعطيته المال. السيدة: استغفر الله يا سيدي أنت تضحك علي وأنا مثل أمك أي كباش وأي مال وكيف حدث هذا ونعيم وراء قضبان السجن؟ العميد: يكفي يا حرمة انصرفي الله معك (تخرج السيدة، يلتفت نحو الشيخ بهلول) أسمعت ورأيت يا شيخ بهلول؟ الشيخ بهلول: نعم سمعت ورأيت وأشكو بثي وحزني إلى الله. وأنا لا أكذب ولن أكذب ولو كذب أهل الدنيا. يا سيادة العميد الشيخ سعدو يقول إن الكبشين اللذين ذبحتهما صباح اليوم من قطيعه. واعتمد على علامة مطبوعة على الجلد. ما أدرانا أن تكون هذه العلامة نفسها على قطيع آخر. وهل العلامة مسجلة باسمه. الشيخ سعدو: لا.لا يا شيخ بهلول أنت الآن دخلت إلى المنطقة الحرام أنا أعرف نعاجي وخرافي وكباشي بالواحد. العميد: صبراً صبراً وصمتاً أنتما الاثنان. يا شيخ بهلول حتى لو كان ما تقوله صحيحاً فلن يغير شيئاً في الموضوع. الشيخ بهلول: يغير الكثير إذا ثبت أن الكبشين ليسا من قطيع الشيخ سعدو. أكون أنا خارج هذه القصة. العميد: لا. يا شيخ بهلول تدخل القصة في مسار أخطر حتى لو كان ما تقوله صحيحاً. تظل قصة نعيم الإسكافي. وأنك اشتريت الكبشين منه. وهو الآن في السجن لم يغادره اليوم ولا أمس، ولا من سنوات طوال. فكيف حدث ما تقوله إذن؟ الشيخ بهلول: حسناً. احضروا نعيم الإسكافي إلى هنا لأسأله أمامكم عن قصة الكبشين. العميد: لا نستطيع إخراج سجين من سجنه لنسأله. لكن نزور السجن ونواجه غريمك هناك أمام مدير السجن. الشيخ بهلول: هذا هو الحل. أن أواجه غريمي. أنا جاهز. ويشهد الله أني لا أخفي حرفاً ولم أزد حرفاً وأني قلت ما حدث معي. المشهد السادس [في سجن المدينة مكتب مدير السجن. نشاهد المدير ومعه نعيم الإسكافي يجلس قبالته على كنبة. وأمام الاثنين عدة رزم من النقود] مدير السجن: لا تكن طماعاً يا نعيم هاأنت تقاسمني ربع اللغة. نعيم: لا تنس أنني أنا من يرتكب جرائم السطو والسرقة. مدير السجن: لا تنس أني لا أعاملك كسجين بل صديق. (يطرق الباب من الخارج. نعيم يحمل رزم النقود ويلقيها في سلة مهملات أمام منضدة المدير ويلقي فوقها أوراقاً ممزقة تخفيها. وينسحب من باب جانبي) مدير السجن: ادخل. شرطي: (يدخل يؤدي التحية) سيدي مدير منطقة المدينة ومعه شرطة ورجلان. مدير السجن: حسناً دعهم يدخلوا. (يغيب الشرطي لحظات ويعود ووارءه مدير المنطقة. والشيخ سعدو والشيخ بهلول، مدير المنطقة يحي مدير السجن بينما الشيخان يلقيان السلام. يقف مدير السجن يصافح مدير المنطقة يجلس الاثنان. يشير إلى الشيخين بالجلوس فيجلسان. العميد: مشكلة غاية التعقيد. ولن تحل إلى على يديك. مدير السجن: خيراً إنشاء الله. ليتني أستطيع. العميد: الشيخ سعدو من رجال البلد الطيبين والموسرين سرق قطيعه من أيام. واكتشف بمحض المصادفة كبشين من القطيع مذبوحين في دكان الشيخ بهلول. والشيخ بهلول يقسم أغلظ الإيمان أنه اشتراهما من شاب اسمه نعيم الإسكافي. وهو مصر على مقابلته بعد أن أفهمنا أنه كان مسجوناً وأخلي سبيله من أيام. مدير السجن: (يضحك ضحكة مصطنعة وينظر إلى الشيخ بهلول) يا شيخ بهلول أنت آدمي ودرويش لكن الضحك عليك هين، فتذكر من باعك الكبشين لنكتشف السرقة وتتعاون معنا. الشيخ بهلول: استغفر الله العظيم ألديكم قرآن كتاب الله المنزل هاته يا سيدي وأنتم أولادي وأنا طاهر ومتوضئ لأضع يدي الاثنتين على كتاب الله وأقول إن الذي باعني الكبشين هو نعيم الإسكافي وأنا أعرفه جيداً، وأنتم أفرجتم عنه منذ أيام وهو يشتغل بتجارة المواشي. يا جماعة يا أحبابي ما زلت بكامل وعيي هذا ما حدث معي. ولو كنت أعرف أن الكبشين مسروقان سرقة ومن قطيع أعز أصدقائي هل كنت أستمر في هذه اللعبة. مدير السجن: تقول لعبة. وأنا أحسبها كذلك لعبة. من البداية سنستدعي السجين نعيم الزفت المحكوم عليه بالسجن المؤبد لتواجهه أولاً. ثم نتمم البحث (يضغط على زر إلى جانب النضد فيدخل شرطي يؤدي التحية العسكرية). يا ابني استدعوا لنا السجين نعيم الإسكافي بسرعة. الشرطي: حاضر سيدي (يغيب) الشيخ سعدو: يا سيدي الشيخ بهلول صديق عمري. ولا أريد أن يلحقه أذى لا سمح الله. لكن أريد رزقي قطيعي كله اختفى وبعد البحث فشلت كل المساعي. وبطريق الصدفة شاهدت جلدين لكبشين من كباشي أمام محل صديقي الشيخ بهلول. فساعدني أرجوك خرب بيتي ثمن قطيعي أكثر من مليون. مدير السجن: لا تقلق يا شيخ سعدو الله يلعن أولاد الحرام. الشيخ سعدو: والذين يتسترون عليهم. الشيخ بهلول: أتقصدني أنا يا شيخ سعدو؟ وإني أتستر على أولاد الحرام؟ الشيخ سعدو: لا. لا. لا لا أقصدك أنت لكن تستطيع أن تساعد العدالة وحدك لأني لم أر أثراً لقطيعي إلا عندك. الشيخ بهلول: صبر جميل والله المستعان على ما تصفون هذا ما قاله يعقوب عندما خان أولاده أخاً لهم. صبر جميل. (يعود الشرطي ومن وراءه نعيم بلباس السجناء ينظر إليه الشيخ بهلول بذهول. يتلفت حوله. يضع رأسه بين راحتيه يبكي مثل الأطفال. الجميع ذاهلون يتقدم نعيم من الشيخ بهلول) نعيم: ما بك يا شيخ بهلول؟ قل الشيخ بهلول: يا ولدي أنا مثل أبيك قل الصدق قل لهؤلاء أنك بعتني كبشين وقبضت ثمنهما عشرين ألف ليرة. إن لم تقل ذلك أكن أنا الحرامي أو المهرب أو المجرم. نعيم: سلامتك من كل ما تقول. لكن أي كبشين؟ الشيخ بهلول: نعيم يا ولدي أرجوك خلصني من شر يحيق بي أنا ما آذيتك ولا فعلت بك أو بأهلك أي شر. بربك يا نعيم أما قلت لي إن عفواً صدر من أجلك لحسن سيرتك وسلوكك في الحبس وأنك تشتغل بالتجارة؟ نعيم: يا شيخ بهلول سلامة عقلك لك عقل توزعه على بلد وأنت من أسرة شيوخ وعلماء. كيف اخترعت هذه القصة؟ أنا ما زلت في السجن فادع لي الله بالخلاص. الشيخ بهلول: صحيح يا ولدي. صحيح. إذن أنا سرقت الكبشين من زريبة الشيخ سعدو. هل يفرحكم هذا؟ أجيبوا يا ناس. يا مدير المنطقة يا شيخ سعدو. يا مدير السجن. يا نعيم الإسكافي. قل لهم إن الشيخ بهلول حرامي غنم، دخل إلى زريبة الشيخ سعدو وسرق كبشين. لكن ليس أكثر. أنا لم أسرق غير هذين الكبشين. أليس كذلك؟ لا. لا. بل قل لهم إن الشيخ بهلول سرق القطيع بأكمله، هذا أفضل. علي أخفف من عناء البحث والملاحقة على العدالة. يستريح مدير المنطقة، فإن سرقة القطيع حملته الكثير من التعب والجهد احصروا المشكلة كلها في شخص واحد اسمه الشيخ بهلول يعني أنا. أنا وحدي. أنا سرقت غنماتك يا شيخ سعدو. اطمئن. وعليك أن تساعد العدالة بالقبض علي لتقتص مني. هذا أفضل من أن تظل السرقة غامضة، أو أن تسجل ضد مجهول. أنا لست مجهولاً يا شيخ سعدو. يا نعيم الإسكافي بارك الله فيك يا ولدي. (يدور كالمجنون يضحك يلامس وجوه من حوله يمسك بكتفي الشيخ سعدو) شيخ سعدو سامحني أنا خنت الصحبة والخبز والملح ونسيت كتاب الله وأحاديث الرسول وسرقتك. لكن ما هو عدد القطيع نسيت. مائة نعجة وعشرة كباش. وثلاثون خروف أولاد السنة هذا هو القطيع أم إني نسيت شيئاً. (يهجم على مدير المنطقة يشده من كتفيه) أسرع أسرع أيها العميد إلى مكتبك وابعث بضعة أفراد من شرطتك إلى محلي، إلى محل الجزارة، قل لهم أن يقطعوا لحم الكبشين ويوزعوه على الجائعين، وأن يغلقوا الدكان ويختموه بالشمع الأحمر. وأن يكتب على الباب المغلق: الشيخ بهلول حرامي سرق قطيع الشيخ سعدو، وحاول تضليل العدالة لكنه استيقظ. لا.لا. لكن ضميره استيقظ واعترف بالجريمة. (يمسك كتفي مدير السجن) والآن من واجبك إعادتي إلى الحبس يا رجل ما بك لا تتحرك؟ تحرك إن سجني يعني تطهير البلد من اللصوص وقطاع الطرق وأولاد الحرام. (يتهالك الشيخ بهلول يحاول الجلوس فيسقط على الأرض. يدخل اثنان من شرطة السجن يرفعانه شبه ميت. مدير السجن: خذاه إلى داره الآن لنقوم بالإجراءات السلمية لإعادته إلى الحبس. وعلى مدير المنطقة أن يستجوبه عندما يستعيد صحته ووعيه. الشيخ سعد: لكن أنا ما عرفت مصير غنماتي يا سيادة العميد. يا سيادة مدير السجن. يا شرطة. الشيخ بهلول جن. ونعيم الإسكافي محبوس ومدير المنطقة يعود إلى مكتبه. وأنا؟ غنماتي. قطيعي. أين يا ناس. القطيع الذي سرق هو كل ما أملك. اتقوا الله وابحثوا عن الحرامي. مدير المنطقة: اطمئن يا شيخ سعدو. لا بد من أن صاحبك الشيخ بهلول يصحو من هذا الكابوس ويتذكر من أين أتى بالكبشين. وعندها يعود إليك حقك. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |