|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
عرض ونقد القضايا النقدية في النثر الصوفي للدكتورة وضحى يونس ـــ د.مصطفى العلواني صدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق دراسة عن القضايا النقدية في النثر الصوفي حتى القرن السابع الهجري للدكتورة وضحى يونس في هذا العام أي عام 2006، يقع هذا الكتاب في 235 صفحة ويتضمن مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. ويشير هذا الكتاب إلى أن الظاهرة الصوفية كما تسميها الباحثة وليس بالطريقة أو الطرق الصوفية كما يسميها الأقدمون، ظهرت في القرن الأول الهجري على شكل مواعظ وحكم، ارتفعت في القرن الثاني الهجري إلى قصص بما يحاكي أخلاق المجتمع، غير أنها أخذت بعدها الفلسفي وتنوعت أشكال التعبير فيها وصورها الفنية في القرن الثالث الهجري للدلالة على المعاني العميقة التي أرادها المتصوفون ترجمة لأذواقهم في الحب الإلهي، وفي القرن الرابع الهجري تأثر التصوف بعلم الكلام وبالنظر الفلسفي والجدل المنطقي، فلم تعد أحوال المتصوفين ومقاماتهم وجداً صوفياً خالصاً بل تخللها التنظير والتحليل والتعليل مما أكسب أساليبهم التواء ومعانيهم غموضاً حسب رأي الباحثة، فضلاً عن ابتكار مصطلحات صوفية كثيرة شكلت معجماً خاصاً بهم. ومن خلال ذلك تبلورت مذاهب فكرية لدى المتصوفة كالحلول في مدرسة الحلاج المتوفى عام 309هـ ووحدة الشهود للنفري المتوفى عام 354هـ ــ والأنسنة والتأليه في شطحات أبي يزيد البسطامي في المنام (طيفور بن عيسى) المتوفى عام 261هـ والإشراق في مدرسة السهر وردي المتوفى عام 587هـ ووحدة الوجود في مدرسة ابن عربي المتوفى عام 638هـ. كان للشعر والنثر الصوفيين دور كبير في تجسيد هذه الأفكار والمواجيد ونقلها للآخرين، وإذا كان الشعر العربي قد حظي بنصيب وافر من الدرس والتحليل، فإن النثر العربي لم يكن له هذا الاهتمام والحظوة اللذان كانا للشعر، وبالتالي فقد نال النثر الصوفي نصيبه من الإهمال. بيد أن بعض الكتب الخاصة بالتصوف تناولت ذلك ككتاب (اللمع) مع التصوف للسراج الطوسي و(طبقات الصوفية) لأبي عبد الرحمن السلمي وكتاب (حلية الأولياء) لأبي نعيم الأصفهاني وغيرها. وكان ذلك التناول من جهة التاريخ والتصنيف والتراجم والجمع وتكوين الانطباعات العامة والذاتية عنها وأبعادها الدينية والفلسفية. ومن الجدير بالذكر أن فنون النثر الصوفي قد تنوعت في القرون الثلاثة الأولى فكانت في المناجاة والحكم والمواعظ المتبادلة بين الشيوخ ومريدهم وخواطر المناجاة والتضرع، وحكايات الخوارق والكرامات والأخبار الصوفية وألوان التعبير عن المعارف الربانية والعلوم الدينية والأحوال القلبية والمقامات الروحية بأساليب يُتجاوز فيها المصطلح الفلسفي والتعبير الأدبي في محاولة للإحاطة بالمعاني الصوفية الغزيرة والعميقة وبجمال التجربة الصوفية التي تعبر عنها وعن فرادتها. وحسبما قالت الباحثة فقد عبر هذا الكم المتوافر من الآثار عن ثورة في المضامين والأشكال فجرت اللغة المعهودة فالتقت حضارة اللفظ حضارة المعنى وانصهرت الحضارتان في بوتقة واحدة مثلت ذروة شامخة في البيان العربي والإنسانية وأفرزت معياراً جديداً وحيداً لجمال الكتابة هو الإبداع. ونظراً لأهمية هذا التراث الضخم من المؤلفات النثرية فقد قامت الباحثة الدكتورة وضحى يونس بدراسة القضايا النقدية في النثر الصوفي من الزاوية المعرفية والنقدية واستخدمت في تقويم ذلك المعايير النقدية القديمة في محاولة لاكتشاف مدى استجابة ذلك النثر لتلك المعايير. كما استعانت بأكثر من منهج لكشف جمالية وأبعاد النثر الصوفي. وقد توزعت الدراسة على أربعة فصول حسب ما يلي: 1 ـ الفصل الأول: يستعرض القضايا الرئيسة في النقد العربي وتطورها 2 ـ الفصل الثاني: يدرس القضايا المعرفية في الأدب الصوفي 3 ـ الفصل الثالث: يدرس القضايا التعبيرية في الأدب الصوفي 4 ـ الفصل الرابع: يتضمن دراسة تطبيقية لبعض النصوص لمشاهير المتصوفة. الفصل الأول: قضايا النقد العربي تقوم الباحثة بالتعرض لثلاث قضايا نقدية قديمة تتعلق بالشعر والنثر والمفاضلة بينها، وهي ما تسميه الباحثة بالمعايير النقدية القديمة وهذه المعايير هي ــ المقارنة بين الشعر والنثر، وقضية اللفظ والمعنى، وقضية التنظير للبيان والبلاغة، حيث تخلى النقد عن وظيفته في تحليل النصوص وانصرف إلى الجمع والشرح والتبويب والتلخيص. ومن الملاحظ أن الباحثة قسمت بحثها وفق منهج خاص ومنهج عام، وهي لم توضح ذلك توضيحاً منطقياً ومتسلسلاً، فحسب خطة البحث المتبعة نرى الباحثة تستخدم المعايير القديمة كما تقول في الدراسة المعرفية والتعبيرية لمعرفة مدى استجابة هذا الأدب لهذه المعايير، كما تستخدم المناهج الحديثة في دراسة النصوص ومن الواضح أن النقد القديم لم يتعرض إلى القضايا المعرفية حسب ما يريدها الصوفي إلا إذا أرادت في القضايا المعرفية القضايا الفكرية أو قضية المعنى، علماً بأن قضية المعرفة عند المتصوفة تتعلق بالذوق والقلب ولا تتعلق بالمعنى. كما نرى أن الباحثة خصصت الفصل الأول أو قسماً منه لموضوع المفاضلة بين الشعر والنثر ولكنها اقتصرت على أراء النقاد والأدباء فقط دون إيراد شواهد وأدلة تثبت ذلك وهذا متوافر ومتاح، وقد انتهت بعد ذلك إلى أن النقد القديم قد حل هذا الموضوع بالمساواة بينهما جمالياً فليس ثمة خلا ف جوهري بينهما. وفي رأيي يبقى النثر نثراً والشعر شعراً ولكل منهما مجاله وميدانه، وكان عليها أن تناقش ذلك من وجهة النظر الصوفية ودور كل منهما في التأثير والتعبير وعرض الأفكار. أما فيما يتعلق بقضية اللفظ والمعنى فقد بينت الباحثة أن الخلاف قديم، وقد حل النقد هذه القضية، ولا سيما على يد عالم العربية وشيخ متذوقيها عبد القاهر الجرجاني، إمام النقد والبيان والبلاغة، الذي أكد على قضية النظم وأهمية التعبير ومراعاة أصول النحو، كما بدا واضحاً عند حازم القرطاجني الناقد المبدع. ولكن السؤال الذي يطرح في هذا الصدد ينبغي أن يتعلق بمدى ملاءمة هذا المعيار وغيره لأبعاد الأدب الصوفي، تبين الباحثة أن التنظير للبلاغة والنقد قد غصت به كتب البلاغة القديمة، فالتوحيدي المتوفى عام 414 هـ يتعرض لذلك ويقدم تعريفات معاصريه لهذا الفن ويبين أن ناصية البلاغة لا تمتلك بسهولة وأن الكتابة بشروطها الصحيحة عمل يستعصي على الكثيرين، لتصل إلى أن معظم الذين كتبوا في البلاغة باستثناء الجرجاني كانت أعمالهم جمعاً وتبويباً وتنسيقاً وشرحاً فحكم عليه بالرداءة أو الجودة من غير بيان الأسباب. ماذا قدم هذا العرض لموضوع الأدب الصوفي؟ ولأي شيء وظف؟، كان عليها أن تجد رابطاً يسوغ ذلك. والذي يبدو لي أن هذا الفصل هو فصل مستقل لا يوجد بينه وبين الذي تدرسه رابط عضوي سوى موضوع الأدب، فمن الجيد وضع معايير للقياس ولكن على هذه المعايير أن تناسب خصائص البحث المدروس وتلائمه. هذا من جهة ومن جهة أخرى كان على الباحثة أن تقدم مدخلاً مفيداً وموجزاً عن التصوف وتطوره وذكر المؤثرات التي أدت دوراً مهماً في تكوينه وتبلوره. الفصل الثاني: القضايا المعرفية: لم تمهد الباحثة للقضايا المعرفية بل هجمت هجوماً على الحب وأخذت بشرحه والكتابة عنه، وكان ينبغي عليها أن تقدم شرحاً وافياً ومفيداً لمعنى المعرفة عندهم وهل هي معرفة أم عرفان، وما هو المقصود منها وما هي موضوعاتها وما هي موقعها من المتصوف. 1 ـ الحب: ابتدأت الباحثة بإدراج الحب تحت القضايا المعرفية والحب أساس الحالة الروحية القلبية الكثيفة في التجربة الصوفية، وهو أول درجات سلم الارتقاء الصوفي نحو معرفة الله والاتحاد به. وقد عرف الأدب الذي يصور فيه الصوفيون حبهم لله ــ خاصة في الشعر ــ بالغزل الإلهي، وأشعارهم فيه تكاد تتطابق مع الغزل الإنساني لولا أسلوب الرمز الذي يميزه فالغزل الإلهي رمز للحب الصوفي ليس أكثر. إن درجة المحبة الصوفية قبل دخولها التفلسف هي اهتيام وإلى الاهتيام نسب نوع من التصوف الاهتيامي الذي قد يتوجه إلى الله أو قد يتوجه إلى البشر. وتصنف المحبة في القاموس الصوفي في قسم الأحوال فالمحبة أو حال يتشرف به الصوفي ويعرفها كمال الدين عبد الرزاق القاشاني بأنها ( آية الاختصاص ونتيجة الاصطفاء والإخلاص لأصلها في الأحوال لابتهاج بشهود الحق وتعلق القلب به معرضاً عن الخلق معتكفاً على المحبوب بجوامع هواه غير ملتفت إلى ما سواه) 2 ـ قضية المعرفة: كان على الباحثة كما أشرنا آنفاً أن تتكلم على قضية المعرفة كمدخل تمهيدي في هذا الفصل جرياً مع التسلسل المنطقي في العرض. والمعرفة كما تقول الباحثة قضية عامة وهي على أنواع متعددة، كالمعرفة العلمية والمعرفة البديهية والمعرفة الميتافيزيقية وأنواع أخرى، وقد ابتكر المتصوفة معرفة خاصة بهم هي معرفة الله ويتم تحصيل هذه المعرفة العقلية التي قال بها الفلاسفة المسلمون ووصفوها بالإيجابية في حين وصفوا المعرفة الصوفية بالسلبية لأنها تعتمد على الخيال. ورغم اعتماد المعرفة على الذوق فإنها ليست عفوية وتحصيلها يمر بمراحل معقدة وطويلة يخوض فيها السالك أحوالاً لا تحصى ولا توصف. ومعرفة الله هي معرفة قلبية تعتمد على الحدس والإلهام وهما نور وهبة من الله. وأداة المعرفة عند المتصوفة هي القلب فهو حسب المتصوفة موطنه الروح؛ والروح الإنسان الكامل هو خليفة الله في الأرض ويؤمن الصوفيون أن الوجود الإنساني أبعد من المادة، ويؤمنون بالغيب وبإمكانية الاتصال بعالم الغيب عن طريق القلب والنفس والروح. قضية الخيال: الخيال في العموم إبداع صورة جديدة عن الواقع والخيال في الصوفية قضية معرفية فنية في آن معاً فعلى الصعيد المعرفي يشكل الخيال عالماً وعلى الصعيد الفني يشكل رؤية ذلك العالم، فالخيال يحكم العالم الذي يشكله ويحكم النص الأدبي الذي يصفه، ولذلك يولد النص الصوفي غير مطابق لأية قاعدة خارجية واقعية فهو مختلف، وخصوصيته تكمن في اختلافه. و الخيال يشمل قدرات عديدة كالحاسة السادسة والتخاطر بعد التنبؤ.. والخيال قوة قد أهملت طويلاً واليوم يعاد تأهيلها بعد الالتفات إلى أهميتها وتوظيفها والإفادة منها فهو ملكة خلق وإبداع. يقوم الفكر الصوفي على الخيال لأن الصوفية تجربة روحية نفسية لا شأن للعقل والمنطق والجسد بها، والخيال ركن أساسي في بناء النصوص الصوفية مضموناً وشكلاً وهو أهم مفاتيح الدخول إليها. والأديب الصوفي قادر على إيصال الفكرة مهما دقت بأسلوب جمالي وعلى الإيحاء بالفكرة بتعبير غير صريح لإحداث أعظم درجة من الانفعال (كان بعض العارفين رأى رجلاً يبكي على قبر فسأله عن بكائه فقال إن صاحب هذا القبر كان لي محبوباً فلما مات لم أستطع صبراً عنه فقال يا هذا ظلمت نفسك حين أحببت من يموت فلو إنك أحببت من لا يموت لم تتعذب بفراقه)، كما أكثر المتصوفة من توظيف الصور البيانية في أدبهم خدمة لأفكارهم من حيث تزيينها وتجميلها وتوصيلها، ففي قول حمد بن عطاء عن المحبة ( المحبة أغصان تغرس في القلوب فتثمر على قدر العقول) جمال آسر، والصوفيون ينشغلون في المضمون أكثر من انشغالهم بالشكل الذي نرى أن البلاغة الصوفية هي بلاغة مضمون وفكر لا لفظ وبيانهم بيان معنى لا زخرف. والخيال هو الذي جعل من الأدب الصوفي ذروة شامخة في البيان العربي وثورة في اللغة وانتقالاً من حضارة اللفظ إلى حضارة المعنى وملأ نصوصه بالصور الفنية والطرق التعبيرية، فالخيال الصوفي كان وسيلة المزاوجة بين الفلسفة والأدب ولذلك جاء النص الصوفي عميقاً وغزير المعاني واللفظ واضحاً ومتعدد الرسالة في سياق من التشخيص والتجسيم تحت أنواع أدبية متعددة من رسائل ومكاتبات وقصص وحكايات وحكم. قضية الجدل: الجدل سمة رئيسة في الفكر والأدب الصوفيين تجلى فيما يمكن أن نسميه بالمتناقضات وهي ثنائيات عاناها الفكر الصوفي وجسدها في نصوص أدبية، ولعل المنشأ الأصل لهذا الجدل هو طبيعة الوجود البشري فهو مجموعة لا متناهية من الثنائيات المتناقضة (حياة أو موت) (حزن وفرح) (بداية ونهاية). روح وجسد). قضية الكمال: رفع الصوفيون من مكانة الإنسان بتقديس الجانب الروحي والفكري فعن طريق الروح يمكن أن يكون الإنسان خليفة الله على الأرض وينطلق الصوفيون في اعتقادهم هذا الجانب من الحديث الشريف (إن الله خلق آدم على صورته) فأكمل نشأة ظهرت في الموجودات هي الإنسان وهي تظهر اهتمام الصوفيين بفكرة الإنسان الكامل خاصة وإعلاء شأن الإنسان وشأن المسؤولية الملقاة على عاتقه وهي الكشف عن الكون. وللإنسان الكامل مترادفات أخرى عندهم منها (العقل الأول) (الحقيقة المحمدية). والإنسان الكامل برزخ أو وسيط يأخذ العلم والمعرفة عن الله وينشرها بين البشر، فالكمال نبوة تبشر بالمبادئ والمثل. الفصل الثالث: القضايا التعبيرية في النثر الصوفي 1 ـ اللفظ والمعنى: يعيدنا هذا العنوان إلى المعايير التي وضعتها الباحثة لقياس مدى استجابة النثر الصوفي لمعايير النقد القديمة، فالنص الصوفي ليس مجرد أداة توصيل بل هو مستوي تعبيري يناظر الحالات الصوفية النفسية والروحية، والتعبير الصوفي تعبير شعري بطبيعته ينبع من الجمال من داخله على نحو عفوي فهو تلاؤم ما ورائي لا شعوري ولدته التجربة الصوفية السابحة في مناطق مجهولة من الفكر والروح والنفس ولذلك من البدهي أن يستقي الكلام الصوفي من مناطق مجهولة من اللفظ والمعنى والصورة حتى يمكن وصف التجربة الصوفية بأنها تجربة في المعنى لأنها تجربة في الوجود وفي إحساس الإنسان بالكون. ويتميز النثر الصوفي بأنه موهبة كتابية منفردة في التعبير والرؤية وكان يجب أن يكون انعكاس ذلك في تطبيق قواعد جمالية جديدة ومقاييس جديدة. وقد وحد الصوفيون بين اللفظ والمعنى وقد أكد الصوفيون اتصال المعنى بالنفس والروح طالما أن الألفاظ تقع في السمع والمعاني تقع في النفس والجمال مصدره المعنى. 2 ـ الرمز: يتأسس النثر الصوفي على الرمز بين عوامل من داخل التجربة الصوفية وخارجها فالأفكار والأسرار أدق وأخطر من أن توجه إلى العامة صريحة واضحة لذلك كان الرمز أحد حلول إشكالية كبيرة واجهتها الظاهرة الصوفية وهي إيجاد الشكل التعبيري المناسب فضلاً عن الغموض وأسلوب الغزل، والرمز عند الصوفية تلميح إلى ما يريدون قوله، فمن الرمز الإشارة ومنه الاستعارة والكناية والتشبيه. والرمز طريقة من طرائق التعبير، يحاول بواسطتها الصوفيون محاكاة رؤاهم ونقل تصوراتهم عن المجهول والكون والإنسان ووصف العلاقة بين الإنسان وبين الله والعلاقة بينه وبين الكون، ويكشف البيان الصوفي عن ثلاثة أنواع للرمز ــ الرمز الذهني ــ الرمز الحسي ــ الرمز المجازي ــ والرمز الذهني ليس رمزاً مفرداً بل تركيبياً لفظياً عادياً لا يستمد من الواقع لأن معادله الموضوعي لا ينتمي إلى الواقع بل إلى الذهن حتى يبدو النص كأنه لا رمزية فيه رغم كونه مبنياً أساساً على رمز كبير هو اللقاء بين الصوفي والله وأما الرمز الحسي فهو الرمز المباشر ويقع غالباً في كلمة واحدة وهو رمز مكثف في بيان موجز، رمز مجنح وطليق وعميق فنياً كرمز الطير في نص البسطامي أو الفراش الذي يطير حول المصباح في طاسين الفهم عند الحلاج. أما الرمز المجازي فهو المعاني الثواني التي يعطيها المجاز لأن المجاز هو التعبير غير المباشر وهو الإيحاء والإشارة ومنه الاستعارة والكناية والمجاز المرسل. ومن الرموز المهمة في النتاج الصوفي المرأة، والمرأة في الصوفية هي إحدى تجليات المبدأ المؤنث المضاد والمقابل للمبدأ المذكر وقد عبر الصوفيون عن حبهم باستخدام رمز المرأة واستعارة أسلوب الغزل والغزل الصوفي هو غزل بتجليات عدة لحقيقة واحدة. وبواسطة الغزل بالمؤنث عبر الصوفي عن تجلي الكمال الإلهي في الكون وعن حبه وعشقه الجميل. وهكذا ولد رمز المرأة عاطفة جديدة، لقد بجل الصوفيون المرأة تبجيلاً نادراً ذلك أنهم يرون فيها أجمل تجليات الوجود يقول ابن عربي في الفتوحات المكية 2/ 466 (ليس في العالم المخلوق أعظم من المرأة لسر لا يعرفه إلا من عرف فيما وجد العالم). ولم تعد المرأة سوى رمز للنفس التي تصبح معرفتها مدخلاً لمعرفة الله والكون فالمرأة عند ابن عربي هي النفس الكلية، وفي ترجمان الأشواق يتحول جمال المرأة من جمال مقيد إلى جمال مطلق. رمز الطير: بنيت قصص ورسائل كاملة في التراث الصوفي الإسلامي على رمز الطير، لعل أشهرها رسالة منطق الطير لفريد الدين العطار، فقد رمز العطار للنفوس البشرية بالطيور. وكل طير يمتلك معرفة ويحمل رسالة يريد إيصالها، والطيور هي الأرواح التي هجرت مواطنها الأصلية في السماء ونزلت إلى الأرض وحين أحست بالغربة في مكانها الطيني أرادت العودة إلى مواطنها الأولى (الهدهد) (العنقاء رمز للهيولى) والعقاب رمز لمرتبة العقل الأول (الورقاء رمز للنفس الكلية) ويلاحظ من اختيار هذه الرموز تأثر التصوف بأفكار الفلاسفة العرب كإخوان الصفا وغيرهم. رمز الماء: هو رمز أكبر للحياة (وجعلنا من الماء كل شيء حي) ومن الرموز المشتقة رمز البحر الذي وظفه الصوفيون ليعبروا غالباً (عن اتساع المعرفة والعلم الإلهيين) ويتفرع منه رموز عدة كالألواح (رمز الشوق والمحبة) والمراكب (رمز العبادات) كما هي عند النفري. رمز النور: والنور من أسماء الله الحسنى. رمز الخمر: وهي العلم والمعرفة، وهي الحب لدى الصوفية وهي رمز من رموزهم الكبرى وهو موجود صراحة أو تلميحاً في كتاباتهم لمعاناتهم لحالي السكر والصحو، والسكر حالة ذاتية عالية يصل إليها الصوفي بعد أن يمر بمقامات اللاذوق والشرب والري هو بقاء الجمال الإلهي المطلق بعد السكر ومن ثم فالسكر غيبة تسببها رغبة جامحة في لقاء الله، ورهبة هذا اللقاء، واندهاش وذهول، بعد تحققه في إحساس صوفي، فيغتني باطنه بمشاعر اليقظة والوله والشوق على الفناء والبقاء في الله. رمز المعراج: وهو رمز مستلهم من إسراء ومعراج النبي عليه الصلاة والسلام، فقد استوحى الصوفيون من هذا الرمز الكثير من النصوص والقصص فأودعوها خبراتهم الروحية وتصوراتهم الماورائية وكشوفهم وحدوسهم وحصلوا على كثير من الإيحاءات الإنسانية فضلاً عن تخليصهم رمز المعراج من طابع التاريخ والسيرة وتقديمه إبداعاً فنياً في الصياغة بوسائل البيان والبديع. والمعراج الصوفي معراج روحي ويقوم بثلاث وظائف. وظيفة دينية ووظيفة أدبية فنية جمالية ووظيفة معرفية فنية. 3 ــ الشطح: إن ذوق المعرفة الإلهية التي هي خمر الصوفيين تؤدي إلى سكرهم وغيبتهم، وتحت السطوة الهائلة لهذه الخمرة لا يملك الصوفي إلا أن ينطق بما يعرف دون أن يحس فهو يهذي ويرمز ويشطح بأفكاره وكلماته بعيداً ويعرفه أبو النصر السراج الطوسي في كتابه اللمع (عبارة مستغربة في وصف وجد فاض بقوته وهاج) فهو تحرك نفسي جسدي وعقلي قبل أن يكون تحركاً لغوياً فهو غلبة الوجد والسكر بخمر المعرفة على الصوفي، وهو غلبة على جسده مثلما هو غلبة على عقله وقلبه. ويدافع الجنيد عن الشطح فيقول (إن الرجل مستهلك في شهود الإجلال فنطق بما استهلكه الذهول عن الحق عن رؤية إياه فلم يشهد إلا الحق تعالى). الفصل الرابع: دراسات تطبيقية استعرضت الباحثة عدداً من النصوص لعدد من المتصوفة كرؤيا أبي يزيد البسطامي من كتاب المعراج وطاسين السراج من كتاب الطواسين للحسين بن منصور الحلاج ، وسر الغريب من كتاب الإشارات الإلهية لأبي حيان التوحيدي على بن محمد بن العباس، ونصاً من كتاب المواقف والمخاطبات للنفري أبي عبد الله محمد بن محمد، ومرصاد عرشي من كتاب مجموعة الحكم الإلهية للسهر وردي، ومناجاة التشريف والتنزيه والتعريف والتنبيه في كتاب الأسرا إلى المقام الأسرى لمحي الدين ابن عربي، يقول ابن عربي (قال السالك فكان بعض ما قيل لي في ذلك التشريف والتنزيه والتعريف والتنبيه أن قال عبدي أنت حمدي وحامل أمانتي وعهدي أنت طولي وعرضي وخليفتي في أرضي والقائم بقسطاس حقي والمبعوث إلى جميع خلقي عالمك الأدنى بالعدوة الدنيا والعدوة القصوى). انشد ابن عربي هذه المناجاة بعد أن وصل في رحلة معراجه إلى حيث اختطف عن نفسه وأفني عن ذاته ونال مقام التابع المحمدي فكان خطاب بعد نيله هذا المقام ليس المقصود منه السالك ابن عربي بل النبي عليه الصلاة والسلام. هذه مناجاة متخيلة يتوجه بها الله سبحانه وتعالى إلى السالك، وعليه إن تحول الخطاب الموجه من الإنسان إلى الله إلى خطاب موجه من الله إلى الإنسان هو تأكيد لثنائية الله والإنسان.وهكذا يرسم الصوفيون بالخيال صورة الإنسان الكامل الذي يمتلك قدرات خارقة. جسد ابن عربي أفكاره لغوياً فلم تعد اللغة مجرد أداة تعبير عن الفكرة بل عدت الفكرة ذاتها والخيال وسيلة الكشف الصوفي وهكذا فالخيال قضية فنية أبرزها الصوفيون في نتاجهم وأضافوا إلى البعد الفني فيها بعداً معرفياً وعلى رأي الباحثة ينتصر ابن عربي للنثر المسجوع والسجع في كتاباته ليس صفة بلاغية بل نوعاً جديداً مبتكراً تقاليد فنية خاصة به، المقاطع القصيرة، الكلمات القليلة، الفواصل المسجوعة، ما يجعل النص صالحاً ليس للحفظ فقط بل كما أراد ابن عربي للغناء درست الباحثة هذه النصوص باستخدام المنهج البنيوي فقامت بإحصاء الأفعال واستنباط دلالات معينة، غير أن الشرح الصوفي والبعد الفلسفي لهؤلاء الكتاب غلب على الدراسة النقدية التطبيقية. وفي الختام رغم أن الدراسة قد وفقت إلى حد ما في إعطاء صورة عن ظاهرة التصوف وأبعادها ومصطلحاتها، فإن الدراسة النقدية كانت خافتة أو أن الحال الصوفي الذي تواجد في الدراسة قد طغى عليها حماة في 21/ 6/ 2006 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |